هل كان بوذا نبيا؟ – الغرب يرى شعوب الشرق متخلفة لايرجى لها شفاءمنحطة أخلاقيا كالمرضى والمنحرفين والمرضى عقليا . نحن نعيش قرنا آسيويا والغرب يغرب!

الأسس الفكرية لمشروع النهضة 10

الفصل الثالث : السياسة الخارجية فى مجال الدائرة الآسيوية

هناك ملاحظات عامة أخرى تخص قارة آسيا ، بعيدا عن آسيا العربية :

شعوب الشرق عموما أقرب فى أخلاقها وعاداتها وتقاليدها وأسلوب حياتها للمسلمين بالمقارنة مع شعوب الغرب . وآسيا تعج بالأديان ولكن أشهرها الزرادشتية والبوذية والكونفوشيوسية والهندوكية . هل بعض هذه الأديان كان لها أصول سماوية كالمسيحية ثم أصابها ما أصابها من الوثنية وعبادة الأشخاص ؟ بدون أن نجيب على هذا السؤال وهو أمر لايشغلنا ونكتفى بما ورد فى القرآن الكريم عن النصرانية واليهودية والصابئة والمجوس . ما يشغلنا الممارسات الفعلية لأتباع هذه المعتقدات فى الوقت الراهن . المرأة الآسيوية مثلا محافظة تستر جسدها ويمكن أن تغطى رأسها أحيانا وتظهر عليها سمات الحياء بوضوح ، ولاتوجد حرية جنسية بين أغلب هذه الشعوب ، وإن كان الاختراق الغربى بدأ يفعل تأثيره فى ثقافاتها ، ولكنه لم يقتلع أخلاقها وعاداتها وتقاليدها من الجذور تماما . والأفلام الهندية وهى لها شعبية كبيرة فى باكستان وسائر شعوب آسيا وحتى فى مصر اتسمت دائما بالمحافظة فى مجال علاقة الرجل بالمرأة ، حتى اشتهرت فى البداية بأنها الأفلام التى لا توجد بها قبلة واحدة ! وربما تكون فى الفترة الأخيرة قد شهدت بعض التساهل أو التسيب ولكنها لم تصل أبدا لمستوى الفحش فى أفلام هوليوود وأخواتها فى الغرب . ولاتزال المرأة محترمة كربة أسرة ، ولاتعتبر رعايتها لأبنائها وأسرتها من مظاهر التخلف ، وطاعة الزوج مسألة مقرة اجتماعيا ودينيا . وفى الصين رغم سقوطها فى براثن الشيوعية منذ عام 1949 إلا أنها لم تطلق العنان للحريات الجنسية كما حدث فى روسيا وشرق أوروبا فى إطار الشيوعية . من الملفت للنظر أن الصين حتى الآن تقدس مسألة رعاية الوالدين خاصة مع تقدمهم فى السن وكذلك الأجداد . ورغم قدرات الدولة الصينية وإمكانية توفير مراكز لرعاية المسنين فإن هذا الأمر غير مقبول اجتماعيا ، والشباب المتزوجون يرعون آباءهم وأجدادهم إذا بلغوا الكبر ، ويستغرب الصينيون وجود دور للمسنين فى بعض البلاد العربية والاسلامية ويتعتبرون هذا أمرا مشينا .

ومن وصايا بوذا .. النهى عن شرب الخمر والزنا والقتل والسرقة مثل وصايا المسيح عليه السلام تماما ، وكل هذا فى إطار التصور الاسلامى وهذا يذكرنا بالآية الكريمة ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) فاطر 4 ، فرسالة السماء وصلت للشعوب الآسيوية سواء عن طريق بوذا إن كان نبيا أو غيره ، وفى كتابى الجهاد صناعة الأمة رجحت احتمال دون أن أجزم بطبيعة الحال  أن يكون بوذا نبيا تم تحريف رسالته وقصته ليصبح الها عند البعض أو مجرد حكيم لا نبى ولا إله . لايزال الآسيويون فى كثير منهم تسيطر عليهم فكرة الايمان بالعالم الآخر بعد الموت ، ويؤمنون بالغيب وبالاله ، رغم كل ما أصابهم فى معتقداتهم من تحريف وانحراف. ونحن نستبعد الصين الشيوعية من هذا الحديث وإن كانت تعود للثقافة الكونفوشيوسية بصورة متسارعة فى السنوات الأخيرة ، حتى إن مراكز الثقافة الصينية فى بلاد العالم أصبح اسمها المراكزأو المعاهد الكونفوشيوسية . ولكن فى الغرب موضوع الاله انتهى برمته كخط عام خاصة فى أوروبا حتى تحدث فلاسفة الغرب عن موت الاله ، والفلاسفة محترمون فى الغرب إلى حد التقديس باعتبارهم أنبياء الحضارة الحديثة ، تحدث نيتشه على سبيل المثال عن ( موت الإله ) . 80 % من الاوروبيون لايذهبون للكنائس ، وأصبحت الكنائس فارغة وتباع وتتحول إلى مولات أو مقاهى أو مساجد !!

ولايعنى هذا أننا نتعاطف مع ما يجرى فى بعض المعابد الآسيوية من اختراعات ما أنزل الله بها من سلطان ، ولكن هذه الفروق الدقيقة بين الشرق والغرب لابد من رصدها. فالذى لايزال يؤمن بالغيب واليوم الآخر والاله أفضل من حالة الإلحاد المطلقة . وقد علمنا القرآن الكريم أن نكتشف هذه الفروق الدقيقة بين أهل الكتاب ، وبين أهل الكتاب والمشركين ، وبين اليهود والنصارى . الله سبحانه وتعالى يحكم بين الجميع يوم القيامة . ونحن لانفاضل بين الأديان فديننا الاسلام ، ولكن هذه التفرقة مهمة فى التعامل مع البشر والمجتمعات ، وإدراك من هم أقرب إلينا فى الشعور والأخلاق والرؤية للعالم ،  فالتعاملات مع هؤلاء الشرقيين تكون أكثر يسرا من الذين يحتقرون الشرق ككل مسلمين وغير مسلمين .

لقد وصل الهوان بأمتنا أن أصبحنا نرى الغرب أقرب إلينا من الشرق بينما نحن من الشرق ! وبينما الغرب يضطهدنا لا الشرق . مصداقا  لما جاء فى القرآن الكريم ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ) آل عمران 119. أدوارد سعيد المفكر الفلسطينى الذى درس الانتاج الفكرى الغربى يقول : الشخص الشرقى عند الأوروبيون مخلوق مريع ، متدين أكثر من اللازم ومختلف تماما عن الغربى )  والأوروبى يرى أن تخلف الشرقى حالة مزمنة لا يرجى لها شفاء ( برنارد لويس ) والنظرة الاوروبية والغربية تجرد الشرقى من الانسانية وتراه منحطا أخلاقيا ، وتراه أنه شبيه ببعض العناصر فى الغرب وهم المنحرفون والمجرمون والمرضى عقليا والفقراء والنساء ( عندما كان الفكر الغربى يحط من قدر النساء ). بل يصل الأمر إلى حد اعتبار الشرقيين ليسوا مواطنين ولا حتى أشخاص وإنما مجرد مشاكل يتعين حلها أو احتوائها أو تولى أمرها عن طريق الاستعمار المباشر ثم عن طريق التبعية وهى الاستعمار الجديد . والشرقى مخلوق يتسم بالضعف وعدم القدرة على التفكير أو التصرف بنفسه . ما زلت أنقل عن إدوارد سعيد. ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ) التوبة 8 .

وخارج نطاق التقارب الثقافى والفكرى والاجتماعى فإن الشعوب الآسيوية كانت ضحية للاستعمار الغربى الذى لم يفرق بين مسلمين وغير مسلمين . فقد كان يريد الاستيلاء على الأرض وما عليها وما فى باطنها من ثروات ، وما عليها من بشر يحولهم إلى عبيد . والأمر المذهل الذى تجاهله عباد الغرب أن انجلترا التى زعمت أنها تقود الحضارة فى القرن 19 وبدايات القرن العشرين ، خاضت حربا على الصين اسمها حرب الأفيون ، أى حرب من أجل فرض بيع واستهلاك الأفيون ، ليصبح الشعب الصينى بمئات الملايين مخدرا . وكان لليهود دور متميز فى هذه الحرب القذرة . فإذا تعذرت إبادة شعب ما ، فلماذا لايتم تخديره؟ وهكذا كان الاستعمار البريطانى بألوان مختلفة من الاضطهاد يحكم الهند وسرى لانكا وماليزيا ، وانتزع اندونيسيا من الاستعمار الهولندى . وشاركت فرنسا كعادتها كمستعمر فى المرتبة الثانية بإحتلال فيتنام وجنوب شرقى آسيا . ومن قبل قام البرتغال بمحاولاتهم لاحتلال الهند وعدن وبلاد جنوب آسيا  . فظائع الاستعمار البريطانى فى آسيا لاتقل عما فعلته فى مصر ، بل كانت أشد وأنكى مع هذه الشعوب التى اعتبرتها الأكثر تخلفا والأكثر بعدا عن بؤرة الرأى العام العالمى فى إطار تخلف وسائل الاتصال والاعلام .أما مصر فكانت أكثر اتصالا بالصحافة الاوروبية خاصة الفرنسية المنافسة لبريطانيا ، فاستغلت ذلك فى حصار الممارسات البريطانية فكان هذا الدور الرائع لمصطفى كامل ، والذى نجح فى الاطاحة باللورد كرومر بسبب حادث دنشواى باستخدام وسائل الصحافة الاوروبية وعقد الندوات فى العواصم المنافسة لبريطانيا ، مع أن حادث دنشواى قطرة من بحار الدم التى أسيلت فى الهند وغيرها من البلاد الآسيوية . وإن كان المهاتما غاندى بعد ذلك أحسن استغلال الصحافة الاوروبية فى فضح جرائم بريطانيا فى الهند. ومع خروج الاستعمار فإن آثاره، ومحاولات السيطرة من الخارج عن طريق الوسائل الاقتصادية ، تجعل بيننا وبين الشعوب الآسيوية الكثير من القواسم المشتركة . وقد كان عبد الناصر محقا حين اهتم بإقامة علاقة خاصة مع الهند ( نهرو ) وأسس معها ومع يوغسلافيا الشيوعية المستقلة عن الاتحاد السوفيتى ، حركة عدم الانحياز وكان جوهرها حركة الشعوب الآسيوية والافريقية . وقد كانت له علاقة مميزة  مع سوكارنو حاكم أندونيسيا الذى أطاحت به أمريكا بعد ذلك بسنوات . ولكن عبد الناصر انشغل  بعد ذلك بالعلاقات مع المعسكر الشيوعى خاصة الاتحاد السوفيتى وانكب على دراسة نظم الحكم فى روسيا  وشرق أوروبا ، وقد ظهر ذلك فى أحاديثه المسجلة فى محاضر مباحثات الوحدة مع سوريا والعراق عام 1964 . وفقد الخيط الأساسى فى تعميق العلاقات الآسيوية ، واهتم أكثر بافريقيا وأقام مراكز لكل حركات التحرر الوطنى الافريق بالقاهرة وهذا فى ميزان ايجابياته بالتأكيد. كان عبد النصر سيستفيد كثيرا لو أنه درس التجرية التنموية فى الهند والصين فهى التى أثمرت فى النهاية .

أحمد حسين زعيم حركة مصر الفتاة ( الحزب الاشتراكى ) كان له رؤية ثاقبة مدهشة رغم أنه كان يتجه لاعتزال السياسة بعد حل عبد الناصر للأحزاب وسيطرته على البلاد بحكم منفرد. فقد زار الهند فى الخمسينيات من القرن العشرين وزار بلاد جنوب شرقى آسيا وإن لم يتمكن من زيارة الصين ولكن كان قريبا منها وعاد ومعه دراسات عديدة عن النهضة الصينية . المهم لقد أصدر كتابين واحدا عن الهند وعنوانه ( أمة تبعث ) والثانى بعنوان ( يقظة العملاق ) عن الصين . فى ذلك الوقت المبكر كانت هذه نبوءة ساطعة فالهند الأن الدولة رقم 4 وأحيانا 5 فى حجم الاقتصاد على مستوى العالم والصين رقم 2 وتقترب جدا من إزاحة الولايات المتحدة واحتلال المركز الأول . بل هى فى المركز الأول الآن إذا تم حساب الدخل القومى على أساس القوة الشرائية ، وهى فى المركز الأول فى التجارة العالمية وفى حجم الاستثمار الأجنبى وفى حجم الاحتياطى النقدى . وكان الحزب الاشتراكى ( الاسم الأخير لحركة مصر الفتاة ) قد وضع فى برنامجه عام 1950 ضرورة الاعتراف بالصين الشعبية ، وكانت معظم دول العالم لاتعترف بها سيرا وراء الموقف الأمريكى والغربى بالاعتراف بجزيرة فورموزا ( تايوان ) باعتبارها تمثل الصين .. واعترفت مصر بالصين الشعبية فى عهد عبد الناصر بعد أن طالبه أحمد حسين بذلك فى خطاب مفتوح , وشاركت الصين فى مؤتمر باندونج باندونيسيا لتأسيس حركة عدم الانحياز عام 1955 . كذلك دعا الحزب  إلى عقد معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتى فى إطار التعاون لمواجهة الصعود الأمريكى الذى يرث الاستعمار التقليدى لبريطانيا وفرنسا . والطريف أن هذه الخطوة لم يتخذها عبد الناصر ولكن اتخذها السادات بغرض طمأنة الاتحاد السوفيتى من جهته ، وهو فى الحقيقة كان يتخذ خطوة تكتيكية خادعة .

ولكن كما ذكرت فإن مصر انشغلت بالعلاقات مع السوفيت على حساب التعاون مع آسيا عدا العلاقات المتميزة مع الهند (  نهرو ) وإن كان عبد الناصر لم يدرس النظام الهندى فى أهم مجالين : الديموقراطية والنظرة التنموية الشاملة  . وطبعا لم يكن لآسيا ما تقدمه لنا فى تلك الفترة فى مجال الاقتصاد والتكنولوجيا ، فقد كانت مصر أكثر تطورا من الهند وكوريا الجنوبية وماليزيا واندونيسيا وسائر الدول الاسيوية . ولكن مصر انشغلت أكثر فى الصراع مع اسرائيل ( حرب 1967 ) وهذا ما عمق العلاقات مع السوفيت بغرض جلب السلاح. ثم حدث الانقلاب فى ظل حكم السادات وأصبحت أمريكا وأوروبا هى القبلة فى ظل كامب ديفيد وانكمشت علاقات مصر مع افريقيا وآسيا إلى أقصى حد. ولكن معظم الدول الآسيوية انطلقت فى هذه الفترة انطلاقة كبرى متأثرة بنهضة اليابان ثم الصين حتى وصلنا إلى حالة تسمى النمور الآسيوية : ماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان وفيتنام واندونيسيا وتايلاند و سنغافوره. وتواكبت مع ذلك نهضة الهند العملاقة التى اخترقت مجالات الصواريخ والأقمار الصناعية ، وعالم الفضاء حتى القمر والمريخ والتكنولوجية النووية ثم عالم البرمجيات والكمبيوتر ثم فى مجمل قطاعات الصناعة .

الصين من ناحيتها اخترقت كل المجالات العليا للتقدم العلمى والتكنولوجى حتى لقد هبطت لها مركبة لأول مرة فى التاريخ فى الجانب المظلم للقمر . وأرسلت روادا إلى الفضاء ، وأصبحت متمكنة مثل روسيا من تدمير الأقمار الصناعية المعادية باستخدام صواريخ تنطلق من الأرض أو عن طريق الصدمات الهندسية المتعمدة التى تشل الاتصالات فى الفضاء . كما أصبحت تمتلك صواريخ بعيدة المدى تستطيع ضرب أى مكان فى الولايات المتحدة وتمتلك القنابل النووية بعد قيامها بأول تفجير نووى فى عام 1964 . وكانت أمريكا تتهم الصين بسرقة مخترعاتها وابتكاراتها التكنولوجية ، وكان هذا صحيحا إلى حد كبير ، ولكن الصين تجاوزت الآن هذه المرحلة وهى تقوم بأبحاثها وابتكاراتها الخاصة وأصبحت منذ سنوات تمتلك أسرع وأكبر سوبر كبيوتر فى العالم والذى يفيد إلى حد بعيد فى كل التصميمات العسكرية والمدنية ، وشركة هاواوى أصبحت رمزا لهذه المرحلة فهى تمتلك أدوات ومقومات المرحلة الخامسة فى المجال الالكترونى ، وسبقت أمريكا بالفعل والتى لم تملك إزاء ذلك إلا المحاربة السياسية بمنعها من دخول السوق الامريكية ولكن الاوروبيين يتعاونون معها . كذلك لجأت أمريكا إلى الحرب التجارية ضد الصين لأنها أى أمريكا الطرف الأضعف . لم تعد أمريكا فى الناحية الاقتصادية تملك سلاحا أقوى من التلويح بإغلاق السوق الامريكى أمام أى منافس ، لأن أمريكا هى أكبر مستورد فى العالم ، وكل كبار المنتجين لايرغبون فى فقدان هذا السوق . وهذا هو سلاح الضعيف ( سلاح المستهلك ) وهذا يعنى زيادة القروض الأمريكية لأن أمريكا تستورد أكثر مما تصدر وتستهلك أكثر مما تنتج ، وهى دائرة شريرة مفرغة لا تؤدى إلا للهبوط الحضارى العام .

ما يهمنا الآن أننا نشهد قرنا آسيويا ( القرن 21 ) ونشهد الغروب الأمريكى والاوروبى فهم يشكون جميعا من السلع الصينية التى  أغرقت أسواقهم . وقد بدأت أمريكا بفرض الحواجز الجمركية بالمخالفة لمبادىء العولمة التى صدعونا بها ، ومبادىء حرية التجارة وقواعد منظمة التجارة العالمية وهى ملزمة لكل أعضائها . وهكذا أصبحت أمريكا فى مواجهة الصين ، وكأنها دولة ناشئة أو نامية تريد أن تحمى صناعتها من المنافسة الخارجية !

( يتبع )

magdyahmedhussein@gmail.com

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading