هل يمكن لواشنطن كبح التقدم الصينى؟

مصطفى السعيد

أسئلة كثيرة طرحها الإعلان عن تشكيل الحلف الثلاثى أوكوس بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا فى مواجهة الصين، ولماذا لم يضم حلفاء واشنطن فى أوروبا وشرق آسيا؟ وهل بمقدوره كبح الصين أو حتى التحرش بقوتها العسكرية الهائلة؟

لقد انصب الاهتمام على صفقة الغواصات التى اتفقت واشنطن على تزويد أستراليا بها على حساب إلغاء الصفقة الفرنسية، فهل كانت إدارة بايدن تتعمد إغضاب فرنسا وأوروبا؟. لا يمكن بالطبع ألا يكون رد الفعل الفرنسى على إلغاء صفقة بهذا الحجم قد تم وضعه فى الحسبان، وإذا كانت الولايات المتحدة راغبة فى طمأنة فرنسا أوتهدئة رد فعلها لأبلغتها وتحاورت معها، وأبرمت اتفاقا يراعى مصالحها، سواء بالتعويض أو اقتسام الصفقة أو أى بديل آخر، لكن الولايات المتحدة أرادت أن تبعث برسالة إلى فرنسا المتحمسة لفكرة إنشاء جيش أوروبى مستقل، وأن تؤكد لأوروبا أن لديها حلفاء آخرين، وأن أوروبا بدون حماية أمريكية ستكون عرضة للخطر الروسى الذى يزداد قوة، خصوصا مع بدء تشغيل خط السيل الشمالى الثانى الشهر المقبل، حيث يزيد اعتماد أوروبا على الغاز الروسى الذى يوفر لها 70% من احتياجاتها. والغضب الأمريكى من خط الغاز الروسى إلى أوروبا يقابله غضب أوروبى من الانسحاب الأمريكى من أفغانستان دون مشاورة حلفائها خاصة طريقة وموعد الانسحاب، وهو ما أثار حالة من عدم الثقة فى الشريك الأمريكى، لكن إعلان إدارة بايدن عن حلف أوكوس وما رافقه من إلغاء أستراليا صفقة الغواصات الفرنسية لم يكن حلا لتلك الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة، بل عمقت شرخ الثقة إلى درجة يصعب ترميمها، ويبدو أن الولايات المتحدة أرادت حشر أوروبا فى الزاوية، فهى تدرك أن الحلم الأوروبى بالاستقلال العسكرى أو الاقتصادى عن الولايات المتحدة بعيد المنال، وأن الحديث عن جيش أوروبى موحد يصعب تحقيقه، فلا توجد إرادة موحدة، ولا القدرة على تحمل تكاليفه فى ظل الأزمة الاقتصادية، ولا تنظيم إدارته، بينما القوة العسكرية الروسية تثير مخاوف الأوروبيين بعد أحداث أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، والأسلحة الروسية الجديدة والرهيبة، والتى لا يمكن لأوروبا مجاراة تطورها. إن إدارة بايدن تريد أن تلتحق بها أوروبا مثلما تفعل بريطانيا، دون الحديث عن جيش مستقل أو أوروبا موحدة، وهذا ما يمكن أن يفسر السلوك الأمريكى فى إنشاء حلف اوكوس، واستثارة غضب فرنسا. أما قدرة حلف أوكوس على مواجهة الصين فليس سوى رسالة بأن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدى أمام تعاظم قدرات الصين الاقتصادية والعسكرية، والتنديد الصينى بتشكيل الحلف وصفقة الغواصات مع أستراليا لا يزيد على كونه استغلالا للأزمة بين أوروبا والولايات المتحدة، لأنها تدرك أن الحلف لا قيمة عسكرية مؤثرة له، ويقل فى قوته عن حلف الناتو المتداعى، خاصة مع تحديث الصين لقوتها العسكرية، وتمكنها من أن تصبح القوة العسكرية البحرية الأولى فى العالم فى وقت قصير، بالإضافة إلى تعزيز سلاحها الجوى بطائرات صينية لا تقل تطورا عن الطائرات الأمريكية، وإدخال أسلحة جديدة مثل المدفعية الكهرومغناطيسية وتجربتها لسلاح المركبة المنزلقة فائقة السرعة التى تبلغ خمسة أضعاف سرعة الصوت، وطائراتها المسيرة التى لم تكشف عن كل قدراتها، واستخدام الذكاء الصناعى على نطاق واسع، ولهذا من المستحيل أن تفكر الولايات المتحدة فى مجابهة عسكرية مع الصين، وهو ما يفسر إحجام حلفاء الولايات المتحدة فى جنوب وشرق آسيا على الانضمام لحلف أوكوس، لأنها لا تريد التورط فى مواجهة ستكون أولى ضحاياها، وساحة أى صدام محتمل.

كان الرئيس الصينى قد أطلق مطلع العام الحالى عبارة: «إن الشتاء لا يمكن أن يوقف قدوم الربيع»، وهى رسالة واضحة موجهة إلى الولايات المتحدة، وأن ما تفعله لإيقاف التقدم الصينى لن يؤتى ثماره، ودعا إلى التنافس الحر من أجل تنمية العالم بدلا من الدخول فى صراعات سيخسر بسببها الجميع، وفى مواجهة الحملة التى تشنها الولايات المتحدة لإخافة العالم من التقدم الصينى قالت بكين إنها لم تحتل أى دولة، ولا يمكن أن تفكر فى احتلال أى دولة، فى إشارة إلى المغامرات العسكرية الأمريكية المتكررة، فهل ستعيد إدارة بايدن حساباتها، ويعود بايدن إلى برنامجه الانتخابى الذى قال إنه سيستبدل سياسة الضغوط العسكرية والاقتصادية بالدبلوماسية، ويركز على إعادة هيكلة الاقتصاد الأمريكى ليستعيد مكانته؟ أم أن الوقت قد فات، ويدفع القدر الولايات المتحدة إلى صدامات لا يمكن التنبؤ بنهاياتها؟

( الأهرام )

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading