القدس بشطريها المحتلّين مدينة عربية اسلامية

                                         إعـــــداد

                                                     د. غــــازي حســــــين

تعتبر القدس، مدينة الإسراء والمعراج من أهم الأماكن المقدسة التي ارتبط بها العرب على مر العصور. فالقدس عندهم رمز الأرض والوطن والقومية والدين، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومهد السيد المسيح، وجوهر قضية فلسطين والصراع العربي – الصهيوني.

وتحتل القدس مكانة مركزية في قضية فلسطين لأهميتها الدينية والتاريخية عند العرب من مسلمين ومسيحيين، وعند المسلمين في جميع أنحاء العالم.

فالعرب هم أول من أسس المدينة حوالي (3000)ق.م، ومن اسمها العربي أوروسالم أي مدينة سالم أو السلام جاء اسمها الحالي جيروزاليم.

وجاء الفتح الإسلامي للقدس على يد الصحابة، وحرروها من الرومان. واستلم الخليفة عمر بن الخطاب مفاتيح المدينة من بطريرك القدس صفرونيوس الدمشقي. ووقّع العهدة العمرية للبطريرك وضمنها شرطاً بناءً على طلبه تمثَّلَ في ألاّ يسكنها اليهود.

وحافظت على طابعها العربي الإسلامي حتى إبان احتلال الفرنجة لها الذي دام حوالي مئتي سنة، واستعادها صلاح الدين الأيوبي سنة 1187م. واستولى عليها العثمانيون في عام 1517م، وأعاد سليمان القانوني بناء سور المدينة، وطوله 4كم وارتفاعه 12 متراً، وله ثمانية أبواب، وصلت فيما بعد إلى 14 باباً.

عروبة القدس في التاريخ :

تؤكد كتب التاريخ وعلم الآثار أنّ العرب أسسوا القدس قبل ظهور اليهودية والمسيحية والإسلام، وسموها يبوس وأوروسالم. وجاء الاسم أورشليم الذي يطلقه اليهود على المدينة من الآرامية (أي السريانية)، وبالتالي فإن الاسم أورشليم كلمة عربية وليست عبرية.

بنى المسلمون في مختلف العهود الإسلامية مساجد بلغت (34) مسجداً معظمها داخل المدينة القديمة وعدداً كبيراً من الزوايا التي يؤمها الحجاج من مختلف البلدان الإسلامية كالزاوية النقشبندية للحجاج القادمين من أوزبكستان، وزاوية الهنود للحجاج القادمين من الهند، والزاوية القادرية للحجاج القادمين من أفغانستان، وحي المغاربة للحجاج القادمين من المغرب، ولكل زاوية أوقاف ومسجد وغرف للنوم.

وأنشأ المسلمون مدارس لطلب العلم بلغ عددها (56) مدرسة للمسلمين من أهل المدينة ومن المشرق والمغرب، وأصبحت المدينة غنية بالأبنية والنقوش والزخارف والقناديل النادرة التي لا مثيل لها على الإطلاق.

وخصها الله بإسراء رسوله محمد (r)، وقال في كتابه العزيز: ]سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله[.

وروي عن النبي قوله: “إن الله سبحانه وتعالى خص فلسطين بالتقديس”، وجعلها النبي الأكرم محمد (r) قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين.

وبنى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مسجد قبة الصخرة ونقش اسمه على مدخله مع تاريخ البناء سنة 72 هجرية.

ويعتبر المسجد الأقصى المبارك ومسجد قبة الصخرة ومسجد الخليفة عمر بن الخطاب من أهم وأقدم المعالم العربية الإسلامية في المدينة المقدسة، وتُعدّ جزءاً أساسياً من التراث الإسلامي ومن أكثره قدسية.

أما الآثار العربية المسيحية، فهي آثار السيد المسيح والحواريين والشهداء، ومنها كنيسة القيامة، وطريق الآلام، وما شيدت فيه من أديرة وكنائس.

فالمدينة القديمة مليئة بالمساجد والكنائس والمدارس والزوايا والمقابر الأثرية الهامة ومنها مقبرة (مأمن الله). وأسندت حراسة كنيسة القيامة، وهي أعظم المقدسات المسيحية في العالم إلى أسرتين مقدسيتين مسلمتين ومعهما مفاتيح الكنيسة.

كذلك أقام الدمشقيون قبة الصخرة المثمّنة والمذهّبة، واستخدمت سبع سنوات من خراج مصر لإقامتها. أما تخطيط المسجد الأقصى المبارك الذي نراه اليوم فهو هندسة عباسية بغدادية. ورمم الأيوبيون حيطان الحرم. وجهز الأتراك الكسوة بالقاشاني على أرضية زرقاء، كما بنوا سور المدينة القديمة، مما يجسّد بجلاء مساهمة الأمة الإسلامية في بناء المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، وساحة الحرم القدسي الشريف أي ساحة المسجد الأقصى. إذاًفتأسيس القدس وتاريخها يثبت بجلاء أنها مدينة عربية-إسلامية، ازدهرت في العهود الإسلامية، وهي بحكم التأسيس والبناء والتاريخ والطابع الحضاري والواقع مدينة عربية إسلامية. وكانت اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، هي السائدة حتى إبان حكم الفرنجة والحكم العثماني. فالحضارة التي عرفتها القدس ترجع إلى فترة الحكم الإسلامي فيها. وبالتالي فإنّ سكان المدينة عربٌ لساناً وحضارة، واليهود طارئون على المدينة غرباء عنها، جاؤوا إليها من وراء البحار واستوطنوا خارجها بدعم وتأييد كاملين من قناصل الدول القريبة، وبالأساليب اليهودية المخادعة.

وللمسجد الأقصى المبارك مكانة مقدسة في القرآن الكريم ومكانة عظيمة ومنزلة كريمة في نفوس ومشاعر مليار ونصف المليار مسلم في العالم، وحظي ويحظى باهتمامهم عبر العهود المختلفة وحتى اليوم وغداً. وتعتبر ذكرى الإسراء والمعراج ذكرى إسلامية مباركة يحتفل بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يستذكرون فيها سيرة النبي (r) في إسرائه ومعراجه إلى السموات العلى، وفي دعوته وعبادته وجهاده وأخلاقه ومكانته عند ربه، وبذلك أضافت رحلة الإسراء والمعراج إلى القدس قدسية على قدسيتها، وأكدت مكانتها الروحية عند المسلمين.

إن معجزة الإسراء والمعراج فعلّ ربّاني يتعدى التاريخ والجغرافيا، ويربط بين المسجد الحرام بمكة المكرمة ومسجد النبي في المدينة، والمسجد الأقصى بالقدس أرضاً وسماء وأمة.

وكذلك فإن ذكرى الإسراء والمعراج هي من إحدى الركائز التي توحد الأمة الإسلامية، وتذكرنا بواجباتنا تجاه الدين وتجاه القدس ومقدساتها العربية والإسلامية منها والمسيحية. فقدشاءت إرادة الله عز وجل إسراء هادي البشرية من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ومعراجه من المسجد الأقصى إلى السموات العلى وتلقيه في تلك الرحلة ما فرضه الله على المسلمين وهي الصلوات الخمس، الركن الثاني من أركان الإسلام، ليبقى المسجد الأقصى حياً في أذهان المسلمين كافة.

وكان رؤساء بلدية القدس خلال المئة سنة الأخيرة قبل احتلال اليهود للشطر الغربي من المدينة عرباً حتى إبان الانتداب البريطاني على فلسطين. وظلت القدس مدينة عربية بشطريها الغربي والشرقي إلى أن جاءت العصابات اليهودية الإرهابية المسلحة واحتلتها بعد مجزرة دير ياسين في التاسع من نيسان عام 1948 وجراء الحرب التي أشعلوها لإقامة الكيان الصهيوني.

الأطماع اليهودية في القدس :

خططت الصهيونية منذ تأسيسها لتهويد الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس، حيث كتب (تيودور هرتزل) مؤسس الصهيونية كحركة سياسية عالمية منظمة في مذكراته يقول:

“إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قروناً”.

وجاء في دائرة المعارف اليهودية تحت كلمة “الصهيونية”: “إن اليهود يبغون أن يجمعوا أمرهم وأن يذهبوا إلى القدس ويتغلبوا على قوة الأعداء وأن يعيدوا العبادة إلى الهيكل ويقيموا مملكتهم هنا”. ويزعم قادة الحركة الصهيونية ومنهم كلاوز والحاخامات: “إن المسجد الأقصى القائم على قدس الأقداس في الهيكل إنما هو لليهود”.

وتسخِّر اليهودية العالمية “الماسونية” وشهود يهوه، والمسيحية الصهيونية والمحافظين الجدد، والكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة، والكونغرس الأمريكي وبعض الرؤساء الأمريكيين لتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، وتهويد القدس بشطريها المحتلين، وجعلها العاصمة الموحدة للكيان الصهيوني. وتعمل الماسونية كذلك على بناء الهيكل المزعوم الذي تعتبره الرمز لعزة “إسرائيل”، وتأتي في المرتبة الثانية بعد الصهيونية واليهودية العالمية لتحقيق هذا الهدف. وتؤمن الماسونية الأوروبية أن روحها هي روح اليهودية في معتقداتها الأساسية.

وتتضمن دائرة المعارف الماسونية الصادرة في فيلادلفيا عام 1906 أنه “يجب أن يكون كل محفل ماسوني رمزاً لهيكل اليهود. ويقرأ جميع الحاضرين من الدرجة (33) في المحافل الماسونية: “سنعود إلى عهد سليمان بن داوود ونبني الهيكل الأقدس، ونقرأ فيه التلمود، وننفذ كل ما جاء في الوصايا والعهود، وفي سبيل مجد إسرائيل نبذل كل مجهود”.

وتدعم الكنائس الإنجيلية التي ظهرت في الولايات المتحدة في القرن الماضي الأكاذيب والخرافات والأطماع اليهودية في القدس والمقدسات الإسلامية. ويتفقون مع اليهود على ضرورة تدمير المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان المزعوم على أنقاضه. وتعمل جمعية بروتستانتيّة وهي “مؤسسة هيكل القدس” ومقرها مدينة دينفر الأمريكية، جنباً إلى جنب ويداً بيد مع الإرهابيين اليهود في القدس من أجل تحقيق هذه الجريمة الإرهابية الخطيرة، وهي هدم المسجد الأقصى وسيطرة اليهود عليه وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

ووصلت الأطماع اليهودية الهمجية حدّاً قال فيه بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني أنّ “لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل”.

وطالب بن غوريون بعد احتلال العدو الإسرائيلي لمدينة القدس الشرقية في معهد رافي في 20/6/1967 في كلمة ألقاها في المعهد المذكور بهدم سور القدس التاريخي للأسباب التالية:

“أولاً- لأننا نريد قدساً واحدة، لا اثنتين يهودية وعربية.

ثانياً- يجب هدم السور فهو غير يهودي، إذ بناه سلطان تركي في القرن السادس عشر.

ثالثاً- سيكون لهدم السور قيمة سياسية عالمية، إذ عندها سيعرف العالم أن هناك قدساً واحدة يمكن أن تعيش فيها أقلية عربية”.

عدم شرعية الأطماع اليهودية في القدس:

طالب الاستعمار والصهيونية بتأسيس دولة لليهود في فلسطين لخدمة مصالحهما الاستعمارية وانطلاقاً من المزاعم والخرافات والأكاذيب والأطماع التوراتية والتلمودية، كأكذوبة الحق التاريخي لليهود في فلسطين، وأسطورة أرض الميعاد واستغلال معزوفتي (اللاسامية والهولوكوست).

وانطلقت الصهيونية لدعم مزاعمها الاستعمارية من وعد “يهوه” لشعبه المختار (وكأن الإله يهوه يتعاطى بالشؤون العقارية)، وهو زعم أو إدعاء ديني، والدين ليس مصدراً من مصادر القانون الدولي، ولا يجوز الاستناد إليه لتبرير الاستعمار الاستيطاني اليهودي في فلسطين والقدس، وترحيل الشعب الفلسطيني والمقدسيين ومصادرة الأراضي العربية وتهويدها، وإقامة كيان يمثّل الاستعمار الاستيطاني والنظام العنصري على أنقاض فلسطين العربية.

إن جميع الأسباب التي يوردها الصهاينة وحلفاءهم في الدول الغربية حول أرض الميعاد وبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى وتهويد القدس بشطريها المحتلين، لا تشكل أبداً حقاً من الحقوق إذا انطلقنا من القانون الدولي الذي كان سائداً في الماضي أو في الحاضر كالوعود اليهودية والبريطانية والاضطهاد الذي لاقاه اليهود في أوروبا.

إن فلسطين كانت منذ فجر التاريخ كنعانية، أي عربية. واعتنق سكانها الديانة المسيحية إبان الإمبراطورية الرومانية ولم يغيّر ذلك من طابعها العربي، واحتفظت بطابعها العربي بعد الانتصارات العربية في القرن السابع. فاليهود انطلاقاً من روايتهم لم يكونوا أول من سكن فلسطين، وإنما هم دخلاء عليها، غرباء عنها، وانتهى كيانهم السياسي منذ أن احتلها الرومان.

ويتذرع الصهاينة باستعادة القدس وبناء الهيكل المزعوم لأن ذلك ورد في صلواتهم التي صاغها الحاخامات وكرستها الصهيونية، ولكن هذا العامل هو “عنصر ديني” وليس سياسي. وبالتالي لا قيمة قانونية له على الإطلاق، مما دفع بالمؤرخ الإسرائيلي (شلومو سان) الأستاذ في جامعة تل أبيب إلى القول في 8/12/2009 “إن إسرائيل قامت على أسس ومبررات وذرائع واهية لا أساس لها من الصحة، وولدت بفعل اغتصاب أرض الفلسطينيين المواطنين الأصليين عام 1948”.

إن استغلال الصهيونية للخرافات والأكاذيب والأطماع اليهودية التي رسخها كتبة التوراة والتلمود، لتبرير الاستيلاء على فلسطين والقدس، ليس إلاّ استعماراً استيطانياً مغلفاً بقناع ديني صهيوني، وليس للادعاء الكاذب بملكية اليهود لحائط البراق أو ما يسمونه حائط المبكى ولقدسيته المزعومة، في نظري، أي قيمة قانونية أو سياسية.

لقد حوَّل القادة الصهاينة والحاخامات “الدين اليهودي” إلى سلاح لسلب الفلسطينيين، سكان فلسطين الأصليين وأصحابها الشرعيين حقوقهم في وطنهم فلسطين. وسخّروا الدين اليهودي والإيديولوجية الصهيونية والاستعمار العالمي في خدمة الاستعمار الاستيطاني اليهودي، وخدمة الأطماع الاستعمارية السياسية والاقتصادية للصهيونية العالمية والإمبريالية الأمريكية، لفرض هيمنة اليهودية العالمية على منطقة الشرق الأوسط وعلى العالم.

حائط البراق (حائط المبكى) وقف إسلامي:

حاول اليهود في آب عام 1929 الاستيلاء على حائط البراق، أي الحائط الغربي لسور المسجد الأقصى المبارك بحجة أنه جزء من هيكل سليمان المزعوم، فتصدى العرب لهم واندلعت انتفاضة البراق. وحاولوا أن يدعموا مزاعمهم في حائط البراق بالقوة، فنظموا مظاهرة في تل أبيب بمناسبة ما يسمى ذكرى تدمير الهيكل في 14 آب عام 1020م. وفي اليوم التالي أي في 15 آب نظموا مظاهرة سارت في شوارع القدس حتى وصلوا إلى حائط البراق، ورفعوا أعلام النجمة السداسية وأنشدوا النشيد الصهيوني “هاتكفا”، وأطلقوا شعارات معادية للعرب والإسلام، وهتفوا “الحائط حائطنا”، ونادوا باستعادته.

وفي 16 آب، في ذكرى المولد النبوي الشريف توجه أهالي القدس وبعض القرى المحيطة بها إلى الصلاة يوم الجمعة في المسجد الأقصى المبارك، وبعد الصلاة ساروا في مظاهرة توجهت إلى حائط البراق وحطموا وأحرقوا ما وضعه اليهود هناك. وتدفق الفلسطينيون في 23 آب لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وبعد الصلاة تحدتهم مظاهرة صهيونية فوقعت المواجهات العنيفة بين الطرفين، وفتحت قوات الانتداب البريطاني النار على المواطنين العرب واستشهد في المواجهات (116) عربياً وجرح (232) آخرون، وألحقت القوات البريطانية أضراراً كبيرة بالممتلكات والقرى العربية. وأدت انتفاضة البراق عن مقتل (133) وجرح (239) يهودياً.

وأعدمت سلطات الانتداب البريطاني في 17 حزيران 1930م في سجن عكا قادة انتفاضة البراق الشهداء: (عطا الزير، ومحمد جمجوم، وفؤاد حجازي) الذين خلدهم الشاعر إبراهيم طوقان بقصيدته المشهورة “الثلاثاء الحمراء” في حفل تأبين الشهداء في ساحة كلية النجاح الوطنية بنابلس (وهي المدرسة التي درست بها وحصلت منها على شهادة البكلوريا).

كما خلّد الشاعر الشعبي نوح إبراهيم الشهداء الثلاثة بقصيدته المشهورة “من سجن عكا طلعت جنازة”. وتحولت إلى أغنية تقدمها فرقة العاشقين الفلسطينية.

عرضت حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين على إثر ذلك القضية على عصبة الأمم، وشكلت العصبة لجنة دولية للتحقيق في ملكية حائط البراق، وجاء في قرارها الصادر في كانون الأول 1930 ما يلي:

أولاً- للمسلمين وحدهم حق الملكية دون منازع في امتلاك الحائط الغربي (حائط البراق) كجزء لا يتجزأ من منطقة الحرم الشريف ولهم الحق العيني فيه.

ثانياً- تعود ملكية الساحة أمام الحائط الغربي (ساحة المغاربة) للمسلمين أيضاً وكذلك حي المغاربة المجاور والمقابل له يُعتبر وقفاً ثابتاً وفق الشريعة الإسلامية ويعود ريعه للأعمال الخيرية. وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط، وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لكونه وقفاً إسلامياً.

ثالثاً- يحق لليهود الوصول بحرية إلى حائط البراق لأغراض العبادة.

وهكذا جاء قرار لجنة التحقيق الدولية ليؤكد بجلاء أن حائط البراق، أي ما يسميه اليهود بحائط المبكى وقف إسلامي لا علاقة له بهيكل سليمان المزعوم ولا يمت لليهود بصلة.

وسمح المسلمون بدافع من تسامح الدين الإسلامي لليهود بالبكاء وقوفاً أمام حائط البراق منذ عام 1930. ووضع قرار اللجنة الدولية كوثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن الدولي بتاريخ 23/2/1968 تحت رقم: س/8427/ و10. وكانت لجنة التحقيق الدولية قد استمعت إلى وجهتي النظر العربية واليهودية، وأيدت حق المسلمين في ملكية حائط البراق أي ما يطلق اليهود عليه حائط المبكى.

إن حائط البراق (حائط المبكى) وقف إسلامي وجزء لا يتجزأ من سور المسجد الأقصى ولا يحق لليهود أعداء الوطن والمواطن أن ينتزعوا ملكيته من المسلمين ويجرون عليه وعلى الرصيف المقابل له وساحة المغاربة وحي المغاربة التغييرات التي غيرت معالمه خلافاً لقرارات مجلس الأمن الدولي الذي اعتبرها باطلة ولاغية، وما بني على باطل فهو باطل مهما طال الزمن.

إنني أوكد انطلاقاً من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ومن تمسك الآباء والأجداد على مر العصور بعروبة القدس أنه لا يحق لأي مسؤول فلسطيني أو عربي أن يتنازل عن حجر واحد من حجارة حائط البراق أو غيره من الأراضي والمقدسات في مدينة الإسراء والمعراج بشطريها المحتلين وفي أكنافها.

احتلال اليهود للقدس الغربية عام 1948 :

نص قرار التقسيم رقم 181 الذي بموجبه أقام الصهاينة الكيان الصهيوني، على الوضع القانوني لمدينة القدس ككيان منفصل تحت نظام دولي خاص تشرف عليه الأمم المتحدة. وتضمن القرار بنوداً خاصة لحماية جميع الأماكن المقدسة وعدم المساس بالحقوق المكتسبة فيها.

ولكن الأمم المتحدة فشلت في تنفيذ قرارها وفي حماية القدس ومواطنيها والأماكن المقدسة فيها بسبب الأطماع الصهيونية، والإرهاب الصهيوني، والانحياز الأمريكي والأوروبي للكيان الصهيوني ومعاداتهم للعروبة والإسلام، وبسبب التقصير العربي الرسمي.

لقد كانت مجزرة دير ياسين الهمجية في التاسع من نيسان 1948، والتي أباد فيها اليهود جميع سكان القرية وعددهم (276) نسمة منطلقاً لاحتلال القدس الغربية ومحطة أساسية للهجوم عليها بسبب موقع دير ياسين الاستراتيجي.

واستولت العصابات اليهودية الإرهابية المسلحة عليها وعلى جميع الأحياء العربية فيها في أيار 1948 ومنها حي القطمون، حي الطوري، حي النبي داوود، وحي شنلر، والبقعة التحتا والفوقا، وشردت منها حوالي (60) ألفاً من سكانها العرب (أي جميع العرب). وضم الكيان الصهيوني العديد من القرى العربية منها: بيت صفافا، والمالحة، وشرفات، وعين كارم وبتير. وكان فيها العديد من قطع الأراضي للوقف الإسلامي، والعديد من المساجد والكنائس، مما شكل اعتداء صارخاً على حقوق الديانتين الإسلام والمسيحية.

فالوجود الصهيوني في القدس الغربية عام 1948 قام على الاحتلال والضم والتهويد خلافاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

وبنى الكيان الصهيوني فوق أراضي قرية عين كارم العربية التي ضمها للقدس المحتلة مستشفى هداسا والنصب التذكاري لضحايا النازية (يادفاشيم). وتعود ملكية الأراضي التي بنيت عليها القدس الغربية للعرب، حيث كانت نسبة أملاك اليهود في محافظة القدس عام 1948 حوالي 2%، بينما بلغت نسبة الأراضي العربية 84% وأملاك الدولة 14%.

أخذ اليهود يهاجمون أبواب المدينة القديمة لاحتلالها. وتصدى المدافعون العرب لهم وردوا هجماتهم عن أسوار المدينة. وأدى التعاون بين الجيش الأردني والمجاهدين إلى صد محاولات احتلال المدينة القديمة وتطهيرها من اليهود. وأحكمت القوات العربية الحصار على القدس الغربية، مما أدى إلى نقص المؤن ومياه الشرب والذخائر، فهبّ مجلس الأمن الدولي لإنقاذ اليهود المعتدين واتخذ في 22/5/1948 قراراً بوقف إطلاق النار. وفرضت حكومة الأردن الموافقة العربية على وقف إطلاق النار على اللجنة السياسية التابعة للجامعة العربية التي اجتمعت في عمان بتاريخ 25/5/1948، بذريعة أن الجيش الأردني لا يستطيع الاستمرار في الحرب بسبب نقص المؤن والذخائر والمعدات. ووافقت لجنة الجامعة العربية على أخطر خطوة في تاريخ القدس بفك الحصار عن اليهود في القدس الجديدة والذين كانوا على وشك الاستسلام.

وبدأت قوافل المؤن والذخائر تتجه من تل أبيب إلى القدس على مرأى من رجال الهدنة وبمساعدتهم نقلوا السلاح والعتاد والرجال، وشقوا الطرق وعززوا وجودهم في القدس الغربية المحتلة.

حاولت الأمم المتحدة وضع القدس بأسرها تحت الوصاية الدولية، وأيدها بذلك الفاتيكان، والدول الكاثوليكية، والكنائس العالمية، والدول العربية باستثناء الأردن. واتخذت الأمم المتحدة في 9/12/1949 القرار رقم 303-4 أكدت فيه عزمها على وضع منطقة القدس تحت نظام دولي دائم يضمن حماية الأماكن المقدسة، وعهدت إلى مجلس الوصاية الدولي تحقيق ذلك. ولكن الكيان الصهيوني أعلن رسمياً في 11/12/1949 نقل عاصمته من تل أبيب إلى القدس الغربية المحتلة، ورفض التدويل. وأعلنت الكنيست (أن القدس جزء لا يتجزأ من “إسرائيل”)، وعقدت أول اجتماعاتها في 13/12/1949 في المدينة العربية المحتلة، ونقل رئيس وزراء الكيان الصهيوني وعدد من الوزراء مكاتبهم في 14/12/1949 إليها.

استنكرت معظم الدول التي اعترفت بـ “إسرائيل” نقل وزارة الخارجية الإسرائيلية من تل أبيب إلى القدس المحتلة. واحتج مجلس الوصاية الدولي على الإجراءات التي اتخذتها “إسرائيل” في القدس المحتلة. وضم الملك عبد الله في كانون الأول 1949 الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية إلى الأردن، وحلَّ البرلمان وأجرى انتخابات برلمانية في الضفتين. وصدر في 24 نيسان 1950 القرار الأردني بضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية. واعترفت بريطانيا بالضم بتاريخ 27 نيسان 1950. وأعلن الأردن عام 1959 أن القدس الشرقية العاصمة الثانية للملكة الأردنية الهاشمية، وتبلور الوضع في مدينة الإسراء والمعراج على الشكل التالي: القدس الغربية المحتلة عاصمة الكيان الصهيوني، والقدس الشرقية العاصمة الثانية للمملكة الأردنية.

وعزز الكيان الصهيوني مركزه غير القانوني في القدس المحتلة من خلال عقد جلسات لجان الكنيست ونقل الوزارات والدوائر الحكومية، وإعطاء التسهيلات لنقل السفارات الأجنبية، والتركيز على عقد المؤتمرات الدولية ومنح الامتيازات والتسهيلات للمستثمرين الأجانب في المدينة العربية المحتلة. وبدأ العدو الصهيوني ببناء مقر الكنيست فيها عام 1961 وانتهى من بنائه عام 1966.

واعتبرت الدول العربية أن بناء المقر الجديد للكنيست جزء من المخطط الصهيوني لجعل القدس الغربية المحتلة عاصمة فعلية لـ”إسرائيل”، مما يؤدي إلى تثبيت الوجود اليهودي العدواني والتوسعي في مدينة الإسراء والمعراج. وبالتالي تكون قد سخرت المزاعم والأساطير والأطماع التي رسخها كتبة التوراة والتلمود في خدمة أهداف الاستعمار الاستيطاني اليهودي، وإعلاناً عملياً صريحاً برفض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وجريمة عظمى بحق العرب من مسلمين ومسيحيين.

وأكدت الدول العربية أن افتتاح المقر الجديد للكنيست في القدس المحتلة إساءة للعرب، وأن حضور العديد من ممثلي البرلمانات والدبلوماسيين الغربيين تشجيع لـ”إسرائيل” على الاستمرار في تحدي قرارات الأمم المتحدة، واعتبر الكيان الصهيوني أن تدشين الكنيست هو تدشين لرمز السيادة الإسرائيلية، وعيد قومي لإسرائيل ودليل على نجاحها في جعل القدس عاصمة لها.

وتابع الكيان الصهيوني مخططاته في فرض الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة والعدوان والاحتلال والتهويد لتهويد الأماكن الدينية العربية الإسلامية والمسيحية، وتغيير الوجه الحضاري العربي الإسلامي للقدس الغربية المحتلة.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading