أحمد عز العرب – الوفد
ليس هناك أدني شك في أن الصهيوني العجوز هنري كيسنجر اليهودي ووزير خارجية أمريكا خلال حرب أكتوبر المجيدة هو أحد أكثر الصهيونيين تطرفاً في تأييد اسرائيل، وقد حاول المستحيل خلال وجوده بالسلطة لإفراغ الأداء العسكري المصري الرائع خلال حرب أكتوبر من محتواه، ونجح خلال مفاوضاته العنكبوتية مع الرئيس الراحل أنور السادات في فصل الحلف العسكري بين مصر وسوريا، وباستدراج السادات نحو صلح منفرد مع اسرائيل تم خلال رئاسة كارتر وانتهى الى تجميد عضوية مصر بالجامعة العربية وبعثرة دولها وقطع معظمهم العلاقات الدبلوماسية مع مصر.
وتدور الأيام ويصل كيسنجر الى نتيجة مأساوية بالنسبة له، وهى أنه في خلال عشر سنوات ستزول اسرائيل من الوجود، كما نشرت جريدة «نيويورك بوست» بالحرف الواحد علي لسان كيسنجر في 30 أكتوبر 2012. وقد نشر موقع كاوكاز سنتر تفاصيل ما صرح به كيسنجر بالحرف الواحد وملابسات هذا التصريح النادر على النحو التالي:
طبقاً للتقارير الصحفية فإن هنري كيسنجر ومعه ست عشرة ادارة استخبارات أمريكية اتفقوا في الرأي على أنه في المستقبل القريب ستزول اسرائيل من الوجود، ونقلت جريدة «نيويورك بوست» تصريح كيسنجر حرفياً بأنه خلال عشر سنوات ستزول اسرائيل.
وكان هذا التصريح مباشراً، ولم يقل إن اسرائيل في خطر، ولكن لإنقاذها من الزوال يتعين منحها تريليونات اضافية من الدولارات، وسحق ما يكفي من اعدائها على يد الجيش الامريكي، ولم يقل كيسنجر إنه لو انتخب السيناتور رومني صديق نتنياهو الحميم رئيساً لأمريكا فإنه يمكن انقاذ اسرائيل، كما لم يقل إنه لو تم ضرب ايران يمكن انقاذ اسرائيل، ولم يقدم حلاً لمشكلة الخطر على اسرائيل، ولكنه صرح ببساطة بحقيقة يعتقد أنه يراها أمامه وهى أنه بحلول عام 2022 ستكون اسرائيل قد زالت من الوجود، وتتفق أجهزة المخابرات الأمريكية مع رأي كيسنجر، ولكنها تختلف معه في تحديده لتاريخ زوال اسرائيل بحلول عام 2022 بالتحديد.
وهناك ستة عشر جهاز استخبارات أمريكياً يبلغ مجموع ميزانياتها السنوية أكثر من سبعين مليار دولار، وقد أصدرت هذه الأجهزة تقريراً مشتركاً من 82 صفحة يتضمن تحليلاً سياسياً عنوانه: «الإعداد لشرق أوسط بعد زوال اسرائيل».
ويلاحظ التقرير أن السبعمائة ألف اسرائيلي الذين استوطنوا بطريقة غير شرعية على أرض فلسطين نهبوها بعد حرب سنة 1967، وهى أرض يتفق العالم كله على أنها أرض فلسطينية وليست اسرائيلية، وأن هؤلاء المستوطنين لن يتركوا هذه الأرض سلمياً، وحيث إن العالم كله لن يقبل ضم هذه الأرض المنهوبة الى اسرائيل فإن اسرائيل ستكون مثل جنوب إفريقيا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
وطبقاً للتقرير فإن التحالف الوزاري الليكودي المتطرف الذي يحكم اسرائيل يزداد تأييده وتشجيعه للعنف والخروجعلى القانون الذي يمارسه المستوطنون اليهود ويسجل التقرير أن قسوة واجرام المستوطنين، والتمييز العنصري المتصاعد في البنية التحتية وضمنه الحائط العنصري ونظام نقاط التفتيش الذي يفوق سوءا أموراً لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن استمرارها وتتناقض مع القيم الأمريكية.
وتتفق الست عشرة وكالة مخابرات أمريكية على أن اسرائيل لا تستطيع احتمال الطوفان الفلسطيني المقبل المكون من الربيع العربي والصحوة الاسلامية وصعود ايران.
في الماضي كانت الديكتاتوريات الحاكمة في المنطقة تقمع التطلعات المؤيدة للفلسطينيين وسط شعوبها، ولكن هذه الديكتاتوريات بدأت تتساقط بعد سقوط شاه ايران صديق اسرائيل في سنة 1979 وقيام دولة ديمقراطية اسلامية في ايران لم تملك حكومتها الا أن تعكس معارضة شعبها لاسرائيل، وهو نفس ما يحدث الآن للحكومات الديكتاتورية التي كانت تتساهل مع اسرائيل والنتيجة ستكون قيام حكومات أكثر تعاطفاً مع التيار الاسرائيلي وأقل تسامحاً مع اسرائيل.
ويقول تقرير المخابرات الأمريكية أنه في ضوء هذه الحقائق فإن امريكا لم تعد تملك الموارد العسكرية والمادية لاستمرار دعم اسرائيل ضد مشاعر أكثر من مليار شخص من جيرانها.. ولكن يمكن تطبيع العلاقة مع 57 دولة اسلامية يقترح تقرير المخابرات الامريكية أن على امريكا أن تراعي مصالحها القومية وتمتنع عن استمرار دعم اسرائيل.
والشىء المثير للدهشة أنه لا كيسنجر ولا واضعو تقرير المخابرات الأمريكية يبدو عليهم أي حزن علي فكرة زوال اسرائيل، وهو أمر لافت للنظر خاصة عندما نراعي أن كيسنجر يهودي ويعتبر دائما صديقاً لاسرائيل وأن كل الامريكيين وضمنهم العاملون في وكالات الاستخبارات واقعون تحت تأثير الإعلام المنحاز بشدة لاسرائيل.
فما الذي يفسر هذا التناقض المعقد؟
إن الأمريكيين المهتمين بالشئون الدولية هم طائفة تضم كيسنجر قطعاً وكذلك واضعو تقرير المخابرات، ويبدو أنهم لم تعد لديهم قدرة على احتمال جمود اسرائيل وتعصبها، فأداء نتنياهو الشاذ الذي كان مثار سخرية على نطاق واسع في الأمم المتحدة عندما رفع رسماً كاريكاتورياً لقنبلة ذرية، كان تشخيصاً لصهيوني مجنون، وكان هذا الأداء آخر حلقة في سلسلة هزلية لقادة اسرائيل المتطرفين في أدائهم.
وهناك عامل آخر هو الغضب المتزايد لكثير من الأمريكيين من الطريقة الاستعلائية للوبي اليهودي الأمريكي في السيطرة على الإعلام، فكل مرة يفصل فيها صحفي مشهور من وظيفته لأنه «خرج عن النص» فيما يتعلق باسرائيل مثل ما حدث مع هيلين
وكل مرة يصفع اللوبي الاسرائيلي أحداً مثل مورين داود التي لاحظت مؤخراً أن نفس المتعصبين لاسرائيل الذين استدرجوا أمريكا لحرب العراق يحاولون حالياً فعل نفس الشىء ضد ايران، وكلما ازداد الناس يقظة أدركوا أن أشخاصاً مثل داود وتوماس وشانشيز يقولون الحقيقة.
والسبب الثالث للوقوف في وجه اسرائيل والشعور بقرب سقوطها أن المجتمع اليهودي الأمريكي لم يعد موحداً في تأييده لاسرائيل وخاصة في زعامة الليكود لها.
أم الصحفيون اليهود المتعمقون مثل فيليب وايز فإنهم يدركون مدى جنون قيادة اسرائيل الحالية واليأس تماماً من اصلاحها.
وطبقاً للتقارير الأخيرة لم يعد مقبولاً وسط شباب اليهود الاهتمام باسرائيل.
ورغم محاولات نتنياهو الدؤوبة لتحويل الصوت اليهودي نحو الليكودي المنتمي لطائفة المورمون المسيحيين مت رومني فإن استطلاعات الرأي تظهر أن أوباما الذي قال عن نتنياهو إنه كذاب وإنه يكرهه، سيحصل ببساطة على معظم الصوت اليهودي، لقد وصلت اسرائيل إلى نهاية الطريق في حياتها، وكل يوم يزداد عدد السياسيين الأمريكيين وممثلي النخبة الأمريكية وكذا المواطنون العاديون الذين يعتقدون أن نهاية اسرائيل كدولة قد اقتربت.
وإلى هنا ينتهي هذا التقرير المذهل عن حقيقة وضع اسرائيل في أمريكا من خلال تصريحات أخلص مؤيديها مثل هنري كيسنجر ومن خلال تقارير الاستخبارات الأمريكية. والواقع أننا لو نظرنا الى الصورة بموضوعية مجردة من أية مشاعر شخصية لوجدنا أنه في خلال نصف قرن على الأكثر سيصبح عدد الفلسطينيين بين نهر الأردن والبحر المتوسط ضعف عدد اليهود على الأقل مما يضطر اسرائيل في النهاية الى أحد حلين: إما الانتحار المتبادل باطلاق ترسانتها النووية على الفلسطينيين وباقي جيرانها العرب، وهو ما تسميه الفلسفة اليهودية «خيار شمشون» الذي هدم المعبد على رأسه ورؤوس كل من حوله، كما تقول الأسطورة الشهيرة، وإما أن تلجأ اسرائيل الى الحل الذي فعلته الأقلية البيضاء في جنوب افريقيا عندما عجزت عن استمرار السيطرة عن طريق التمييز العنصري ضد الأغلبية السوداء فقبلت مرغمة التنازل عن السلطة السياسية للأفارقة مع استمرار عيشة معظم البيض في جنوب إفريقيا كأقلية متميزة علمياً واقتصادياً، ونعتقد أن الشخصية اليهودية التي لا تتميز بشجاعة الانتحار كأفراد خاصة أن معتقدات اليهود لا تؤمن بالبعث، نعتقد والحالة هذه أن يهود اسرائيل سيقبلون الحل الذي قبلته الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا، وسيبقى معظمهم يعيشون في اسرائيل كأقلية مميزة اقتصادياً على الأقل في البداية ولن تهاجر أغلبيتهم لصعوبة العثور على دولة تقبل اعداداً كبيرة من لاجئيهم،
28 أغسطس 2014
