-الصورة لحسن فتحى المعمارى الكبير –
الإسكان تحول فى بلادنا إلى مشكلة عويصة بسبب السياسات الخاطئة المتراكمة, وبسبب إغفال النظرة الحضارية الإسلامية لهذا الموضوع المهم. فكما يقول أحد علماء الإسكان, فإن الإنسان له ثلاثة مساكن على هذه الأرض: رحم أمه – البيت الذى يسكن فيه – القبر. وإذا كان الإنسان لا يعدم رحما, ولا يعدم قبرا فإن مشكلته الأساسية فى البيت الذى يسكن فيه وهو قيد الحياة!وكما ذكرنا من قبل فإن آليات السوق (القطاع الخاص) إذا لم تتمكن من توفير مسكن ملائم وبأسعار فى متناول غالبية الشعب, فإن الدولة يجب أن تتدخل لتوفير الإسكان الشعبى لأننا أمام حاجة أساسية تدخل فى نطاق حد الكفاف لأن الإنسان لا يمكن أن يهبط عن هذا الحد.وقد قامت الطبقات الفقيرة بحل مشكلة الإسكان فى العقود الماضية عن طريق العشوائيات والسكن فى المقابر, ويبلغ هذا العدد قرابة 12 مليون نسمة, بينهم 850 ألف شخص يقطنون فى مناطق غير آمنة, كحالة الدويقة المهددة بالصخور, أو فى مخرات السيول، أو تقع تحت خطوط الكهرباء, أو بنيت بمواد مؤقتة. ولكن هذا الحل الشعبى البائس لم يكف لسد فجوة الاحتياج للسكن, وهذه الفجوة بين المساكن المطلوبة والمتاحة تصل إلى ستة ملايين وحدة (تقرير مجموعة أوكسفورد بيزنس)، كما يصل الاحتياج السنوى إلى 600 ألف وحدة على أساس أن هذا هو عدد الزيجات سنويا.وقد أدى هذا الوضع إلى كوارث متعددة, فالإسكان العشوائى فى حد ذاته يتسم بعدم الآدمية, ويفتح الباب لكثير من الأمراض الاجتماعية والأخلاقية. كذلك يسكن الناس فى بيوتهم القديمة الآيلة للسقوط حتى تسقط عليهم بالفعل. ويتكدس الناس فى بيوتهم الضيقة القديمة مع زيجات الأبناء بصورة غير كريمة, ويتأخر سن الزواج وتصل العنوسة إلى 13 مليون, وينتشر الزواج العرفى غير الشرعى, وأصبحت مصر تشهد توسعا فى جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسى, وهى جرائم لم يعرفها المجتمع المصرى فى تاريخه, بالإضافة لتوسع جريمة المخدرات والسرقة بالإكراه, وبلغت عدد حالات محاولات الانتحار 104ألف حالة فى العام الأخير, وهو رقم مخيف فى بلد متدين. والعجز عن تدبير مسكن باعتباره العقبة الأساسية أمام الزواج هو من أهم أسباب الهجرة غير الشرعية للشباب إلى أوروبا وبعض البلاد العربية, وهو ما أدى إلى مقتل الآلاف, وإهانة مئات الآلاف من المصريين الذين يتم إلقاء القبض عليهم وترحيلهم إلى بلادهم.وقد أدت هذه الأزمة إلى توجه الملاك للاحتفاظ بالعقارات خالية وغير مستخدمة, إما لاستخدام مستقبلى أو على سبيل الادخار, وكذلك فعل بعض المستأجرين وفقا لنظام الإيجار القديم. حتى بلغت قيمة الاستثمارات العقارية غير المستخدمة 800 مليار جنيه, فى وقت وصلت فيه كثافة سكان العشوائيات إلى 45 ألف فى الكيلومتر المربع الواحد, وهى من أعلى الكثافات السكانية فى العالم.فى مواجهة هذه المشكلة المتفجرة ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة فى عهد مبارك؟قامت بتوجيه الميزانيات الأساسية لوزارة الإسكان لبناء عقارات للأغنياء, كذلك تم تقديم حوافز للشركات الخاصة (أرض رخيصة – مرافق.. إلخ), أيضا لبناء عقارات للطبقة العليا. أما ما أعلن عنه فى السنوات الأخيرة كمشروعات لإسكان الشباب, فقد أدت لتحقيق مكاسب بالمليارات لشركات المقاولات الخاصة مع تقديم شقق بسعر أعلى من إمكانيات معظم الشباب, بالإضافة لعدم آدميتها حيث تتراوح مساحتها بين 40 ,70 متر مربع! إن شقة مساحتها 40 مترا أقرب لجحر الثعالب منها لسكن أسرة من البشر! وحتى فى هذا الإطار فقد حصل المنتفعون من المقربين للسلطات المحلية على كثير من الوحدات من أجل المتاجرة بها (تبدأ أسعار الإسكان الشعبى من 100 ألف إلى 200 ألف, وهذا فوق إمكانيات معظم الشباب).مواجهة هذه المشكلة الكبرى بشكل حقيقى يجب أن يتم على عدة محاور:- على الحكام أن يتعلموا من الشعب, فاتجاه الناس إلى الإسكان العشوائى من المفترض أن يشير إلى مفتاح حل المشكلة, فالناس مستعدة لبناء المساكن إذا حصلت على الأرض مجانا, لأن الأرض تمثل قيمة كبيرة فى ثمن المسكن. لذلك فإن دور الدولة يتمثل فى القيام بالتخطيط فى الأماكن الملائمة (أى ليس فوق الأراضى الزراعية أو مخرات السيول.. إلخ) وتوصيل المرافق, وطرح نماذج للبناء, وأن تقوم الأسرة ببناء المسكن تدريجيا, وأن تقوم الدولة بتقديم المشورة الهندسية حتى لا يقع الناس فى فخ المقاولات الخاصة. وكل هذه الاشتراطات لم تتوفر فى المشروع المسمى (ابنى بيتك).كما يرتبط هذا الحل بأن يكون بناء التجمعات السكنية أو المدن الجديدة خارج الوادى وفى إطار مشروع تنموى, وإلا فإن الناس لن تسكن فى جوف الصحراء بدون عمل, أو يكون عملها على بعد عشرات الكيلومترات من سكنها. كذلك لا يوجد أى مبرر شرعى أو عملى (إذا أردنا العدالة وحل المشكلة) فى بيع الأراضى لأبناء الشعب. فالأرض ملك للشعب, والدولة لم تنفق شيئا لإيجاد هذه الأرض, بل هى هبة من الله, والبناء على الأرض الصحراوية أشبه بالبناء على الأرض الموات (ومن أحيا أرضا ميتة فهى له) حديث شريف. المطلوب من الدولة فحسب التنظيم والتخطيط وتوصيل المرافق (كما يفعلونه للمترفين فى مارينا أو مدينتى!!).- ويرتبط بذلك الاستفادة من إبداعات علماء الإسكان (مدرسة الراحل حسن فتحى) التى ركزت على الإسكان الرخيص والعملى, من خلال استخدام مواد البناء من البيئة المحيطة, فهى تكون أرخص وأكثر ملائمة لاحتياج المساكن, وهكذا بنيت المساكن تاريخيا فى الريف. وهى رؤية يحاربها محتكرو البناء فى شركات المقاولات الخاصة, والصناعات المغذية للبناء التقليدى لأنها تقضى على أرباحهم الهائلة. والمفترض من الدولة أن تدفع قطاع المقاولات ومواد البناء للتكيف مع هذه الرؤية بالتخصص فى المشروعات الكبرى, وهذه الرؤية تميل إلى بناء المسكن ذى الدور الواحد أو الأدوار القليلة مما يخفض من تكلفة البناء فى الأساسات. والامتداد الأفقى مفتوح فـ 94% من أراضى مصر خالية!!- ومحور آخر أن تساهم الدولة بالاستثمار المباشر فى بناء المساكن الشعبية وتوفير الوحدات بأسعار فى متناول الفقراء. ويكون التسديد على المدى الطويل بأقساط بسيطة وبدون فوائد (قرض حسن).- وكذلك تساهم الدولة فى حل الأزمة بزيادة الدعم لمواد ومستلزمات البناء, والذى حدث فى بلادنا هو العكس إذ قامت الدولة ببيع مصانع الأسمنت بالقطاع العام بنسبة 82% رغم ما تحققه من أرباح, إلى شركات أجنبية, وهو الأمر الذى جعل أسعار الأسمنت خارج السيطرة, وكذلك الأمر فى مجال حديد التسليح, حيث تم ضرب الشركات العامة لحساب المحتكرين فى القطاع الخاص. وكل ذلك أدى إلى ارتفاع شديد فى تكاليف البناء (فى كل الأحوال لا يمكن الاستغناء عن مواد البناء التقليدية تماما).- تشجيع ودعم الجمعيات التعاونية للإسكان.- أن تتوقف الحكومة عن دعم أى شكل من أشكال النشاط العقارى الترفى والكمالى, وعلى الأغنياء أن يتحملوا التكاليف الفعلية لهذه الوحدات.- لن يتم جذب السكان إلى المجتمعات العمرانية الجديدة خارج الوادى والدلتا, بدون توفير العمل المناسب فى هذه المجتمعات, وأيضا كافة أنواع الخدمات الضرورية, بل حتى الخدمات الترفيهية والثقافية (حدائق – مسارح – دور سينما – دور ثقافة – مكتبات – ملاهى للأطفال.. إلخ), وبدون كل هذه الاشتراطات فإن هذا المجتمعات الجديدة تكون طاردة للسكان كما هو الحال فى كثير من التجارب الحالية (من التطورات السلبية الأخيرة أنه وفقا لتراخيص البناء المقرة فإن الأعوام الثلاثة القادمة 2011- 2013 ستشهد بناء 150 ألف عقار فى القاهرة الكبرى, وهذه كارثة بكل المقاييس من زاوية مواصلة التكدس العمرانى فى القاهرة).- وتضافر العمل على كافة هذه المحاور يمكن أن يؤدى إلى تقليص الفجوة الإسكانية بالتدريج. ولكن مرة أخرى فإن المسكن ليس مجرد مكانا للإيواء, فلابد أن تكون اشتراطاته آدمية بالحد الأدنى, من حيث الاتساع الذى يسمح بوجود أسرة لها عدد من الأطفال. وأن يكون صحيا, وأن يراعى الخصوصية (لا يجرح السكان بعضهم البعض)، وأن يكون جماليا سواء على مستوى الوحدة الواحدة أم على مستوى التخطيط العمرانى ككل. وأن يراعى البيئة, فالسكن فى الأماكن الحارة لابد أن يراعى حسن التهوية وممرات الهواء وارتفاع الأسقف. أما بناء علب الكبريت الحالية فيؤدى إلى مشكلتين:1- هروب السكان معظم الوقت خارج بيوتهم.2- عند القادرين يتم استخدام أجهزة التكييف, وهى تكلف المجتمع استهلاكا للطاقة بدأ يدخل فى نطاق المليارات سنويا بالإضافة إلى أن الحياة فى التكييف غير صحية.ولا يتصور أحد أنه لابد من تأجيل هذه الرؤية حول المسكن لأننا نريد أن نضع الناس سريعا فى أماكن مغلقة!! وبعد ذلك نفكر فى التحسين, فهذا غير ممكن فبمجرد بناء المسكن بصورة معينة فلا يمكن تعديله, أو يتم تعديله بتكلفة عالية. ولا يوجد تعارض بين البناء السريع, وحسن وجمال وصحية هذا البناء, ولتتضافر الجهود لتحقيق الهدفين معا قدر الإمكان, مع ملاحظة أن تحسين اشتراطات المسكن لا يعنى بالضرورة زيادة التكلفة أو التأخير فى البناء, إذا أخذنا برؤية علمائنا الأجلاء فى مجال فن العمارة الإسلامية (المقصود بالإسلامية هنا مراعاة الأخلاقيات الإسلامية كالخصوصية, ومراعاة ظروف البيئة المحيطة ومراعاة اللمسات الفنية والجمالية لتراثنا المعمارى).- وضع قيود على ملكية الأجانب للعقارات: فقد زاد من أزمة العقارات توجه الحكومة مؤخرا لبيع الأراضى والعقارات للأجانب, الأمر الذى ساهم فى ارتفاعات فلكية فى الأسعار. ولنضرب مثلا من ماليزيا وهى بلد منفتح اقتصاديا على العالم ولكن لا تباع فيها الأرض والعقارات إلا للمواطنين, ويسمح للأجنبى بشراء وحدة عقارية فى حدود 68 ألف دولار بشرط أن يكون ذلك للاستعمال الشخصى, لا للاستثمار. كذلك فإن كل مستثمر يبنى عقارا جديدا فعليه أن يخصص 30% من الوحدات على الأقل للمواطنين (د. محمد السيد سليم).- سياسة المزادات: لجأت وزارة الإسكان لسياسة جديدة أشعلت أسعار العقارات, بانتهاج أسلوب المزادات على أراضى البناء, وهى سياسة لا تؤدى فى النهاية إلا لمزيد من توجه الاستثمار للعقار الفاخر للأغنياء حتى يمكن تحقيق أرباح كبيرة مع استعواض ثمن الأرض. وقد أدت هذه السياسات مجتمعة إلى ارتفاع أسعار العقارات فى مصر حتى بالمقارنة بالأسعار العالمية حتى أن سعر الأراضى فى بعض المناطق فى مصر أصبح يفوق أسعار الأراضى فى الريفييرا الفرنسية كما أكد أحد المتخصصين بالشئون العقارية.إصلاح نظام التمويل العقارى:يقوم هذا النظام حاليا على قيام شركة التعمير والتمويل العقارى (قطاع عام) بدفع ثمن الشقة التى يريدها المواطن ثم يقوم هو بسداد ثمنها بالتقسيط للشركة, ولكن هذا القرض يسدد بفائدة مرتفعة تصل إلى 16%, وهى فائدة مركبة وليست بسيطة, لذلك يصل سعر العقار فى النهاية إلى ضعف أو ثلاثة أمثال سعرها الأصلى, وهو الأمر الذى يفوق إمكانيات معظم الشباب (مجدى إبراهيم – الرئيس السابق لشركة التعمير للتمويل العقارى – جريدة الدستور – 11 ديسمبر 2010).
الفصل 23 من كتاب الرؤية الاسلامية لمشروع النهضة بعنوان الاسكان والتخطيط العمرانى – سجن المرج – 2009 – 2010
magdyahmedhussein@gmail.com
