من مذكرات السجن :من سجن الخليفة الى النيابة جيئة و ذهوبا

 صلاح بديوى يهتف بحرية الصحافة و بسقوط عملاء اسرائيل

 الاصرار على حبسنا .. رغم المعارضة فى الحكم الغيابى

-الصورة لصحفى الشعب صلاح بديوى-

الأحد 2/4/2000:

تأكدت عندما استيقظت فى زنزانة تخشيبة الخليفة على أصوات ضوضاء عالية.. من جراء عمليات الترحيل المستمرة فى هذا السجن .  بين الفينة و الأخرى يتم ترحيل العشرات إلى أو من سجن ترحيلات الخليفة .. تأكدت عندما استيقظت أن ماجرى أمس لم يكن كذبة أبريل ، بل كان حقيقة واقعة .. و بدأنا نستعد لاحتمال الإفراج عنا ، حيث ان المحامين سيتقدمون اليوم بمعارضة الحكم الغيابى .. الذى صدر فى حقنا . و وفقا للقانون فانه بمجرد تقديم المعارضة لدى النيابة يسقط الحكم و يفرج عنا ( لأنه ليس للصحفيين حبس احتياطى فى قضايا النشر و كذلك أى مواطن آخر) و تعاد المحاكمة أمام نفس الدائرة .

و بدأنا نكتشف خصائص هذا السجن الذى يقع فى منزلة وسط بين قسم الشرطة و السجن العادى .. فهو أقرب الى قسم الشرطة منه الى السجن.. و بالتالى فيمكنك استخدام النقود .. و ارسال من يشتر  لك الصحف و الطعام من حى الخليفة العامر .. و كذلك يمكنك أن تشترى شايا من البوفيه الذى لا ينتج أى شئ آخر سواه .. كانت هذه هى المرة الأولى التى  يلق بى فى هذا السجن ، و يبدو ان ذلك كان ضروريا لاستكمال ثقافتى السجنية .

و جاءنا العقيد مأمور السجن هاشا باشا كعادته .. و قال لنا استعدوا للذهاب الى النيابة لتقديم المعارضة بأنفسكم .. و أتفقنا على أن نترك أحمالنا فى الزنزانة ثم نأتى لأخذها حين الافراج عنا .. و لكنه عاد و قرر أن نأخذها معنا .. فأخذنا نحزم أمتعتنا .. و أثناء الانتظار كنا نقلب فى الصحف و فى الراديو الترانزستور بحثا عن اذاعة لندن التى أذاعت نبأ حبسنا أمس كخبر ثان فى نشراتها ، إلا اننا لم نتمكن لا مساء و لا صباحا من التقاط مونت كارلو أو صوت أمريكا (و كانت لندن تواصل الحديث عن قضيتنا) .

و أخيرا وصلت القوة البوليسية المهولة التى ستنقلنا الى محكمة مصر (باب الخلق) .. و هى المحكمة التى شهدت معظم محاكمات والدى (أحمد حسين ) و قد ورثتها عنه فيما أورثنى اياه ! و لحسن الحظ فانها قريبة من سجن الخليفة .. و زحام القاهرة لن يسمح للسائق ان يحطم ظهرى فى المطبات .. و وضعت الكلبشات لأول مرة فى أيدينا .. و قد مر الركب على مقر حزب العمل و جريدة الشعب بالسيدة زينب و لكن لم نجد أحدا نلوح له .. و دخل الركب الى بوابة جانبية فى مديرية الأمن .. و تركنا حقائبنا و المرتبة العزيزة فى سيارة الترحيلات .. و قادنا الضباط عبر ممر سرى أكتشفناه لأول مرة .. من مديرية القاهرة و بمحاذاة سجن الإستئناف لنجد أنفسنا أمام باب جانبى من أبواب محكمة جنوب القاهرة .. و يبدو ان هذا الممر أعد خصيصا لنقل المتهمين بسجن الاستئناف الى المحكمة الملاصقة مباشرة .. و كادت الترحيلة ان تدفع بنا الى الحبس خانة الملحقة بالمبنى إلا ان قوة كبيرة من كبار رجال الشرطة أخذت تلوح لهم بأن يدفعوا بنا فورا الى المبنى .. و بدأت أتذكر وجوه بعض هؤلاء الضباط و هم يتراوحون بين رتبة اللواء و المقدم و الذين كانوا يشاركون فى المراقبة الأمنية للمحاكمة .. و لكنهم كانوا مكلضمين .. و يبذلون أقصى جهد ممكن لاخفاء أى نوع من التعاطف معنا.. و همس بعضهم فى أذنى ستخرجون ان شاء الله بعد تقديم المعارضة .. قلت لهم : ألم يتقدم محامونا بالمعارضة ؟ قال أحدهم : بل يمكنك أن تتقدم بالمعارضة بدون محام . و صعدنا درجات السلم و الطوق الأمنى يحول بيننا و بين الناس التى وقفت تتطلع الى المجرمين الخطرين الذين استحقوا هذا الطوق .. و تعرف بعضهم على و أخذوا يلوحون لنا داعين لنا بالنصر و كانت مهمتى الدائمة أن أذكر العسكرى المسكين المشترك معى فى الكلابشات بأن يقلل خطواته لأننى لا أقو على السير السريع .. و كانت نيابة وسط القاهرة ، ولاحظوا اننا نذهب لنيابة وسط لأن القضية مسجلة فى بولاق أبو العلا .. و مع ذلك فان محاكمتنا جرت أمام دائرة الساحل !! و لاتزال و ستظل قضيتنا مسجلة باعتبارها احدى قضايا بولاق .. كدليل دامغ على ان محاكمتنا جرت أمام دائرة منتقاة لادانتنا .. تذكرت ذلك و أنا أصعد سلالم كثيرة حيث نيابة وسط بقلب دام على حال القضاء المصرى العظيم .. و تذكرت أننى كتبت مقالا خاصا ضد السلطة التنفيذية لتدخلها فى شئون القضاء و استقلاله .. و أشرت بشكل خاص لمحاولة تخطى المستشار وحيد محمود فى موقع رئيس محكمة استئناف القاهرة .. و كانت صحيفة الوفد أول من أثار هذا الموضوع كخبر .

و الذى حدث ان المستشار وحيد تولى موقعه الذى يستحقه وفقا للأقدمية القضائية و كان مغضوبا عليه بسبب حكمه الرائع فى قضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب حين رفض ادانة المتهمين و اعدامهم بدون أدلة بل أعطاهم براءة .. و يقال ان هذا الحكم كان نقطة تحول لدى السلطة التنفيذية فى اتخاذ قرار بالتوجه نحو المحاكم العسكرية منذ عدة سنوات .. أما الآن فان كل مايجرى لنا منذ المحاكمة الأولى فى قضية والى التى رأسها المستشار الراحل عن عالمنا (حسيب البطراوى) من وضعنا أمام محاكم غير مختصة .. و من محاكمتنا بصورة يومية ، كل ذلك يتم بقرارات ممهورة بتوقيع المستشار وحيد / رئيس محكمة استئناف القاهرة .. ولا حول ولا قوة الا بالله .

و عند مكاتب نيابات وسط ألتقينا بمحامينا الأجلاء .. الأساتذة / محفوظ عزام – يوسف كمال – حسن كريم – ممدوح فرج – سيد أبو زيد محامى النقابة – و مصور الجريدة الذى صور لنا صورا تذكارية رائعة بالكلابشات .. و كانت زوجتى نجلاء هناك كعادتها فلا تفوتها هذه اللحظات الحميمة !! و وقفنا كالمذنبين ( أوليس نحن كذلك ) مسنودين على حائط الممر .. تحت الحراسة المشددة نتجاذب أطراف الحديث مع المحامين و زوجتى .. و لم يكن هناك أى عضو من زملائى فى مجلس النقابة .. و الذين سيتكرر غيابهم فى مختلف المواقف القادمة . و تحدثت مع ابنى هشام فى المحمول .. و قال لى: مبروك أنا فى انتظارك .. و قلت له يبدو أن الألوسى قد أخطأ .. و كنا قد شاهدنا معا برنامجا مسليا منذ أسبوعين للألوسى الفلكى الذى قال عن أبناء البرج الذى أنتمى اليه اننا سنتعرض لانتكاسة !!

و رويت للمحامين ماجرى أثناء القبض علينا ، خاصة صلاح بديوى لا يمكن أن يوصف إلا بالشذوذ .. أما صلاح بديوى فلم يكن بطبيعة الحال يمكن أن يقف صامتا فأخذ يهتف بحياة حرية الصحافة .. و بسقوط عملاء اسرائيل .. الأمر الذى أصاب الأمن بحالة من الإرتباك فصدر أمر من جهات أمنية أعلى باعادتنا الى سجن الخليفة .. و فعلا عدنا أدراجنا و تكرر نفس المشهد عبر سلالم محكمة مصر .. طوق أمنى .. و جماهير و ضباط شرطة تخفى التعاطف .. و بعض الناس تلوح لنا .. و سرنا عبر الممر السرى الملاصق لسجن الاستئناف و عدنا بحقائبنا الى حيث كنا .. مرة أخرى استقبلنا المأمور هاشا باشا و وضعنا فى الزنزانة الخاصة التى نطلق عليها اسم “الفيلا” رغم انه لا يوجد بها حديقة!

و بعد دقائق عادوا مرة أخرة لاستدعائنا .. و تكرر المشهد مرة أخرى .. و لكن هذه المرة بدون حقائب و أمتعة .. و قلت لصلاح انهم يعاقبوننا بسبب هتافاتك .. و أنا ظهرى لا يتحمل ركوب سيارة الترحيلات كل شوية .. فوعدنى بعدم تكرار ذلك و التزم بالفعل .. و تكرر المسلسل للمرة الثالثة .. و شعرت بانها لقطة من فيلم كوميدى و لكننى لم أكن مقبلا على الضحك .. و عندما عدنا الى النيابة مرة أخرى قالوا لنا يجب أن نوقع بأنفسنا على المعارضة .. فوقعنا و الكلابشات فى أيدينا و اتخذت النيابة قرارا باعادة المحاكمة فى 8/4/2000 أى السبت القادم . و بالتالى أصبح الافراج عنا مسألة بديهية .. و حاول المحامون ان يتم الافراج عنا من سرايا النيابة .. و لكن الشرطة سحبتنا من جديد الى سجن الخليفة .. و لكننا توقفنا فى غرفة حرس المحكمة .. حيث ألتفت مجموعة من العمداء و اللواءات لتفحص قرار النيابة .. و بدأت أستريب و سألت : هل القرار غير واضح.. هل هناك وجهات نظر فى تفسيرها ؟ قالوا لا و سحبونا هذه المرة من الباب الرئيسى على شارع بورسعيد .. و عدنا الى الخليفة .. و الافراج عنا من سرايا النيابة أو من الخليفة مسألة بسيطة على أى حال  .. و لكن عندما أغلقت علينا أبواب الفيلا لم نخرج ثانية .. و عندما وصلنا الأكل من البيت علمنا (ان الحكاية فيها إنّ!! ) ، و نمنا نضرب أخماسا فى أسداس منتظرين النداء علينا فى أى لحظة و لكن ذلك لم يحدث .. و قيل لنا ان قرار النيابة غامض و انه استخدم عبارة (يُعاد) دون ان يقول يعاد الى محبسه .. و أن الأمر سيتم بحثه غدا لان النيابة قافلة الآن!! و على طريقتى فى ان أعيش فى السجن كأنى فيه أبدا .. بدأت فى قراءة القرآن .. و كتاب عن الحروب الصليبية بقلم مؤلف اسرائيلى .. بينما أكواب الشاى تتهادى إلينا من البوفيه .. بعد أن قرر عصام ألا يشمئز منها .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading