الصورة لصلاة الجماعة فى أحد مساجد تتارستان
جمهورية تتارستان الاسلامية فى إطار الاتحاد الروسى تجربة مدهشة فالمسلمون يديرونها بصورة كاملة وهم على درجة من الوعى والإدراك بحيث لايصطدمون مع السلطة الاتحادية فى موسكو ، ويأخذون فى المقابل القدرة على حرية الحركة داخل جمهوريتهم ، بل لهم أيضا علاقات دولية بالتنسيق والتفاهم مع موسكو . ومن أهم ما يلفت النظر أن هذه الجمهورية حافظت على قاعدة صناعية واستمرت فى تطويرها خلال وبعد الشيوعية ، وتعتبر من الجمهوريات الناجحة اقتصاديا والمتقدمة تكنولوجيا . ونعيد التذكرة مرة أخرى بأن قبائل التتار أوسع بكثير من المغول ، فالمغول هم قبيلة كبرى من التتار وليس كل التتار . ولفظة التتار تطلق على كثير من القبائل الناطقة بالمغولية ومنها التتار فى شرق آسيا حيث انتشروا فى صحراء الصين الجنوبية وفى جنوب سيبريا . أما تتار روسيا فقد اعتنقوا الاسلام فى بداية القرن التاسع الميلادى وجمعتهم مملكة البلغار والتى استمرت بين القرنين 10 و13
وهم من الشعوب الناطقة بالتركية . حديث صحفى لمدير معهد الانسكلوبيديا – تتارستان .
وسنجد هذا التداخل بين المغول والتتار والترك فى هذا الحزام الاستبسى الطويل ، وهو أمر يحتاج إلى دراسة معمقة لفهم هذه التداخلات وهذا ليس موضوع هذه الدراسة . ولكن هذا التعقيد يذكرنا بالحالة الفريدة لمصر التى لاتعرف كل هذا الصداع والشد والجذب بين عناصر الفسيفساء الآسيوى فى اختلاف الدين و العرق والقومية واللغة واللون ، فمثلا هناك تتار بيض وتتار سود وكانت بين الطرفين عداوة !!
سنتحدث عن الشيشان بالتفصيل فيما بعد لأهميتها ولأنها لم تكن أساسا من هذه الجمهوريات الست التى اكتسبت حق تقرير المصيربناء على قرار جورباتشوف الذى قام بتفكيك الاتحاد السوفيتى عن عمد وسوء نية مع اتهامه بصورة جدية بالعمالة أو التعاون مع أمريكا مقابل رشاوى مادية ومعنوية ولكنه على الأقل تعرض لخديعة وانتهى نهاية بائسة وهو يعيش الآن منبوذا فى روسيا . ولم تستفد الجمهوريات الاسلامية من الانفصال عن الاتحاد السوفيتى لأنها سقطت فى قبضة أمريكا وإسرائيل وهى كأمم وقوميات لم تعد عموما إلى تمثل الاسلام كدين وحضارة وشريعة إلا قلة ضئيلة بعضها سقط فى حبائل القاعدة وداعش ، لقربهم من أفغانستان . وانتهى الأمر إلى أن هذه الجمهوريات الآن محل صراع بين روسيا وأمريكا مع محاولات يائسة من وجهة نظرى لإعادة بعث الطورانية أى القومية التركية التى تتبناها تركيا أردوجان. أما مجمل العالم الاسلامى فهو خارج اللعبة مع الأسف . هناك دور محدود لإيران لأن معظم الحزام التركى سنى إلا أذاربيجان فهى شيعية الأصل ولكن النظام الحالى لايسمح لإيران بممارسة نشاط دعوى ليس لأن النظام سنى بل لأنه علمانى حتى النخاع وعلييف الرئيس الحالى هو ابن الرئيس السابق وكان من رموز الحزب الشيوعى السوفيتى السابق والذى كان قد انتقل إلى علمانية صرف مع تبعية لأمريكا واسرائيل وأخيرا لأردوجان أيضا .
طالما فتحنا باب الاسلام فى الجمهوريات الاسلامية وفى الاتحاد الروسى ، فلابد من الاشارة إلى أن الأجواء مواتية الآن للمزيد من استقرار أوضاع المسلمين هناك ، خاصة إذا اهتمت البلدان الاسلامية بإقامة علاقات مع هذه الجمهوريات ومع المسلمين فى روسيا وقامت برعاية شئونهم الدعوية والعلمية والثقافية . وبالعكس هم مؤهلون الآن ليكونوا همزة وصل لتعزيز العلاقات مع روسيا . والأساس بالنسبة لروسيا هو حسابات المصالح ، ويتصادف تاريخيا أن مصالح أساسية تجمع حاليا بين العالم الاسلامى وروسيا بسبب العداء المشترك للولايات المتحدة.
عموما فإن وضع روسيا الآن فى تعاملها مع مواطنيها المسلمين قريب من حالة الدول الغربية ، فهناك حرية واسعة للمسلمين فى أداء الشعائر والعبادات والعمل الثقافى والدعوى طالما هو بعيد عن السياسة أو بالأحرى بعيد عن معارضة النظام . ولكن مع وضعهم بالتأكيد تحت الرقابة والمتابعة وهو نفس الوضع فى الولايات المتحدة . وضع المسلمين فى روسيا الآن أفضل من وضعهم فى بلاد غربية مثل فرنسا التى تحارب الحجاب منذ سنوات وتضيق على المساجد والجمعيات بل وتنزع الجنسية عن بعضهم. المحجبات لا يعانين من مشكلات لا فى موسكو ولا فى القوقاز فى الأيام الراهنة .ويجمع بين روسيا وبلاد الغرب الحذر والخوف من عناصر التطرف الاسلامى التى تلجأ للعنف الارهابى ضد المدنيين ، وهم لا يلامون على ذلك الخوف فى إطار الحفاظ على أمنهم الداخلى . ونحن لا نؤيد الارهاب لا فى الغرب ولا فى روسيا ولا فى اى مكان .
فيما يتعلق بموضوعنا فإن مسألة استعمار الجمهوريات الست الاسلامية قد انتهى بسقوط الاتحاد السوفيتى . الدور والبقية علينا نحن فى قلب العالم الاسلامى ماذا قدمنا لهذه المجتمعات المنعتقة من الشيوعية ومن الهيمنة الروسية ؟ لا شىء تقريبا حتى الآن . ماذا قدم حكامنا لفلسطين حتى يفكروا فى مسلمى هذه البلاد البعيدة ؟! معظم الدول العربية والاسلامية لا تسير خطوط طيران لهذه الدول ، ولا توجد أى معاهد أزهرية قد افتتحت هناك .. وهكذا .
يتبع
الحلقة 31 من دراسة روسيا التاريخ والواقع الراهن
magdyahmedhussein@gmail.com
