وبدأت الحرب العالمية الثالثة – كتاب جديد لمجدى حسين

مقدمة

هذا الكتاب يتكون من سلسلة من المقالات التى كتبت بين 24 فبراير 2022 و 15 مايو 2022 لمتابعة وتحليل أحداث ما يعرف بحرب أوكرانيا ، وقد كتبت لتكون مترابطة وتشكل معا رؤية محددة وتحليل شامل لهذه الأحداث الخطيرة التى هزت العالم ، مع توضيح الخلفية التاريخية لها .

وقد رأيت منذ البداية أننا أمام مقدمات الحرب العالمية الثالثة أو المرحلة الأولى منها ولم أر أبدا أنها صراع ثنائى بين روسيا وأوكرانيا ، بل هى مواجهة شاملة بين روسيا وحلفائها وعلى رأسهم الصين وبين أمريكا وحلف الناتو .

و القول بالحرب العالمية لايعنى أن تكون صورة مكررة من الحربين السابقتين ،فكل حرب عالمية لها خصائصها وظروفها الخاصة . وهذه أول حرب عالمية تندلع بين قوى نووية ، وهو مايضع قيودا على وسائلها وأسلوب انتشارها ، لأن الطرفين حريصان على عدم الوصول بسهولة لمواجهة نووية ستكون مدمرة لكليهما .

الحرب العالمية تقوم عندما تختل موازين الوضع الدولى ، بتراجع القوى المسيطرة وظهور وصعود قوى جديدة ، فالقوى المسيطرة تدافع عن موقفها المتداعى ، والقوى الصاعدة تريد أن تعيد رسم الخريطة الدولية بما يعطى لها ما تستحق من تأثير ووزن وبما يكون معترفا به فى نظام عالمى جديد . والحرب الراهنة تستهدف من الجانب الروسى والصينى إنهاء نظام سيطرة القطب الواحد الأمريكى وبناء نظام متعدد الأطراف ، وهو الأمر الذى لابد أن ينعكس على نظام الأمم المتحدة ، وعلى النظام الاقتصادى العالمى .

وهذه حرب مصيرية بالنسبة للبشرية لأن مخاطر الحرب النووية التى ستهدد الجميع ، لايمكن استبعادها تماما ، بل ستظل احتمالا واردا مهما كان قليلا ، فالدول أنتجت هذه الأسلحة لإستخدامها عند الضرورة وليس للردع فحسب . وقد استخدمت بالفعل فى الحرب العالمية الثانية . كذلك فأسلحة الدمار الشامل : الكيماوية والبيولوجية واليورانيوم المستنفد أستخدمت بالفعل فى حروب سابقة عالمية واقليمية .

وهذه حرب مصيرية بالنسبة للبشرية لأن لها مصلحة فى الإنتقال من الإنفراد الأمريكى بالعالم إلى عالم متعدد الأقطاب . وهذا أمر يفيد مصالح معظم شعوب العالم ، لأنه يقضى على التسلط ويتيح مساحة أرحب للتوازن ، وهو مايفيد الدول الصغيرة والمتوسطة ، ويزيد قدرتها على إتخاذ القرارات الوطنية المستقلة .

وبالنسبة لأمتنا العربية فنحن أكثر الأمم المضارة عبر عقود وعقود من الهيمنة الغربية ، التى كانت فرنسية – إنجليزية ثم أصبحت أمريكية ، وبسبب الهيمنة الأمريكية والاسرائيلية على منطقتنا العربية ، أصبحت البلاد العربية فى ذيل الأمم ولايبقى فى قاع الأمم بعدنا إلا معظم الدول الافريقية أيضا بسبب الإرث الاستعمارى الغربى الطويل والذى لم ينته تأثيره بعد .

لقد دعوت فى هذا الكتاب إلى تحالف عالمى ضد الامبريالية الأمريكية وهو تحالف لايلغى الاختلافات بين أمتنا وبين روسيا والصين ، ولكن هذا الحلف قادر على إدارة علاقة صحية وإنسانية وحضارية بعد الخلاص من الهيمنة الأمريكية ، ولنا فى تجاربنا السابقة والحالية فى العلاقات مع روسيا والصين مايؤكد ذلك .

إن العمر الافتراضى للإمبراطورية الأمريكية قد انتهى ، ونحن نشهد لحظة تاريخية بالفعل ، وعلى أمتنا العربية أن تشارك في صنعها ، من خلال الانتصار لقضايانا الأصلية : الاستقلال – التنمية – الوحدة – تحرير فلسطين .

المؤلف

القاهرة فى 18 مايو 2022

– 1 –

لماذا يتعين على أحرار العرب والمسلمين الوقوف مع روسيا فى مواجهة وقاحة وتجبر وعدوان أمريكا ؟

لا بد للعرب والمسلمين أن يتعلموا ضرورة إتخاذ الموقف العادل إزاء القضايا الدولية الكبرى فهذا يفيدنا فى قضايانا الخاصة لأننا أكثر أمة تتعرض لظلم مايسمى المجتمع الدولى الغربى وأكتوينا بهذا الظلم فى مصر وسوريا وليبيا والعراق واليمن بل فى كل مكان من بلادنا العربية والاسلامية .

كذلك لابد كأمة اسلامية أن نكون مع العدل فى المجتمع الدولى الذى لايعرف إلا لغة القوة بعد إنزواء الحضارة الاسلامية . لابد أن نقدم القدوة . فليس لأننا قد نستفيد من تصاعد القوة الروسية وهذا ليس عيبا . ولكن لأننا مع الحق دوما . ولايمكن أن تكون مصالحنا مع الباطل . مهما كانت خلافاتنا مع روسيا وهى قوة عظمى لها مصالحها وطموحاتها . ونحن لدينا مشروعنا الاسلامى الذى يختلف استراتيجيا مع المشروع الروسى . ولكننا يجب ألا نتفرج على التغول الأمريكى على الصين لأنها أصبحت أقوى اقتصاديا من أمريكا دون أن تعتدى على أحد فى الغرب . ولا نتفرج على التغول الأمريكى على روسيا والسعى لخنق الدولة الروسية وحصارها كما يحاصرون البلاد العربية وإيران وتمزيقها . وهذه المخططات موجودة فى تقاريرهم وكتبهم . فمن يريد محو دولة بحجم روسيا من الوجود فماذا سيفعل مع اليمن أو مصر أو العراق ؟

ويمكن العودة لدراستى فى المدونة وفى المكتبات بعنوان روسيا من احتلال المغول حتى نهضة بوتين . ميريت – القاهرة – 2022

روسيا فى عهدى جورباتشوف ويلتسين قدمت كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة لأمريكا حتى أن روسيا كان مطروحا عليها أن تنضم لحلف الناتو والاتحاد الاوروبى كدولة أوروبية . وتم تعيين ممثل لروسيا فى الناتو والاتحاد الأوروبى فعلا ، وفى بعض التشكيلات الاوروبية . ولكن أمريكا قررت استغلال فقدان روسيا للتوازن بسبب سقوط الشيوعية فى القضاء على روسيا كبلد كبير الحجم ومؤثر فى العلاقات الدولية . وانتقلت الثورات البرتقالية من دول المعسكر الاشتراكى إلى الجمهوريات الداخلية فى الاتحاد الروسى نفسه . وهذا نوع من التجبر والاجرام الذى تتصف به رؤية أمريكا للعالم . وليس لروسيا فحسب . وضمت أمريكا بالفعل معظم الدول التى كانت داخلة فى الاتحاد السوفيتى إلى حلف الناتو رغم انتهاء الحرب الباردة ورغم عجز روسيا عن المنافسة طول عقدين من الزمان 1991 – 2010 . و تم ضم معظمهم للاتحاد الاوروبى . دول البلطيق وشرق أوروبا والسعى الآن لضم الجمهوريات الآسيوية للناتو . وليست أوكرانيا فحسب هى المشكلة . والناتو بالأساس كان حلفا ضد روسيا وكل قوة تضاف إليه فهى ضد روسيا بل يتم نشر الأسلحة النووية فيها لتحيط بروسيا من كل جانب . رغم أن روسيا لم تهاجم أحدا من دول الغرب . وكل معاركها فى العقد الماضى كانت دفاعية وليست هجومية . فروسيا مشغولة باستعادة قوتها الاقتصادية خاصة وقد سبقتها الصين فى هذا المضمار . ولكن أمريكا لاتريد لروسيا أن تستنشق الهواء وتحمل عليها بدون أى سبب مقبول . أمريكا لاتريد أن تقبل العمل بقواعد لعبة المنافسة الاقتصادية والحضارية لأنها خسرت فى هذا المجال ولاتجد أمامها أملا للتعافى . لاتجد أمامها من سبيل إلا البلطجة العسكرية وهى لن تجد مع روسيا أو بلطجة العقوبات وهذه يضعف تأثيرها من كثرة استخدامها وتوسيع دائرة هذا الاستخدام بحيث أصبح معظم سكان الارض تحت العقوبات الامريكية : سوريا وإيران واليمن ولبنان وفنزويلا وكوبا والصين وروسيا وأفغانستان وكوريا الشمالية ومالى ، وبعض دول أوروبا فى عهد ترامب ، وأخيرا تم وقف معونات عن مصر وأثيوبيا ومن قبل فرضت العقوبات على العراق والسودان، القائمة طويلة . ومعظم هذه العقوبات خارج الأمم المتحدة . وإن كانت الأمم المتحدة لها سجل حافل بالظلم ضد المستضعفين فى الأرض وعلى رأسهم فلسطين .

فى الأزمة الأوكرانية لست قلقا بل أثق فى أن روسيا هى الأقوى وستنتصر. وهذا جيد لنا وللعالم بأسره . فلابد فى هذه المرحلة من كسر أنف الغطرسة الأمريكية . ولكننى أدعو للتضامن كمسألة مبدأ مع روسيا التى تعترض أساسا على هذا الطوق النووى الخانق حولها من حلف الناتو ولا تسعى فعلا لاحتلال أوكرانيا ، رغم أنها تاريخيا جزء لا يتجزأ من روسيا ، ولكنها تسعى لعدم تحولها إلى مركز للتآمر والتهديد ، والتهديد هنا بالأسلحة النووية وليس أقل من ذلك . والمحتمل فى حالة تشدد أمريكا أن تتجه روسيا لاحتلال شرق أوكرانيا – منطقة الدونباس لأن معظم سكانها روس ومتحدثون باللغة الروسية .

نحن لا ندعو لاحتلال أوكرانيا بالدعوة لتأييد روسيا ولكن ندعو للتفاوض النزيه لحل الأزمة . والتى لايمكن أن تحل بدون وقف توسع الناتو النووى بدون مبرر أكثر مما توسع بالفعل . نحن لا ندخل فى التفاصيل لأنها ليست قضيتنا المباشرة . ولكننا مع روسيا التى جعلوا ظهرها للحائط ولا يوجد مكان تذهب إليه إلا القطب الشمالى . ولكن حتى فى القطب الشمالى فأمريكا تزاحمها فيه !!!من خلال ألاسكا .

حاشية : الوجود العسكرى الروسى فى سوريا ليس احتلالا بالقوة ولكن جاء بقرار سورى – إيرانى لأن قوى القاعدة وداعش كانت تتلقى دعما ماليا وعسكريا بالمليارات من 80 دولة على رأسهم أمريكا وأمين الصندوق لداعش والنصرة : السعودية وقطر . ولذلك هما اللذان يوقفان عودة سوريا للجامعة العربية بتوجيه أمريكى . . راجع دراستى :الثورة السورية المغدورة

magdyhussein.id

– 2 –

لماذا أدعو أحرار العرب والمسلمين للوقوف مع روسيا ضد غطرسة أمريكا ؟ إقرأوا أى كتاب فى تاريخ روسيا لتعلموا أن أوكرانيا جزء لايتجزأ من روسيا أرضا وشعبا

لا أدعو للوقوف مع روسيا لأننا ضد كل من يحارب أمريكا الجاثمة فوق صدورنا منذ عشرات السنين فحسب وهذا سبب كاف ، ولكن أنا لا أؤمن بالبراجماتية أى الروح العملية الأمريكية التى تبحث عن المصلحة بغض النظر عن المبادىء . لايمكن أن أدعو لتأييد أى طرف دولى أو محلى فى قضية غير عادلة . .

وباختصار أرى

1- يجب أن نكون مع أى طرف دولى تحاربه الولايات المتحدة ويحاربها لأنها هى العدو الأول بالتحالف مع اسرائيل ضد العرب والمسلمين . لذلك نحن مع كوبا وفنزويلا والصين وكوريا الشمالية وليس مع روسيا فحسب فى نقطة الصراع ضد أمريكا المتغطرسة على العالم بأسره وليس على المسلمين فحسب . طالما أن هذه الأطراف لا تحارب الاسلام والمسلمين ولا تحتل أراضيه ولا تخرج المسلمين من ديارهم ولا تستولى على ثرواتهم . فهم فى موقع دار العهد والميثاق بينما أمريكا واسرائيل فى موقع دار الحرب .

2 – أمريكا تقود الغرب لمحاصرة روسيا وتقسيمها كما فعلت بالسودان والعراق وهذه غطرسة فاقت الخيال، فروسيا بحجمها الكبير لايمكن أن تقسم بسهولة تقسيم العراق والسودان . وهذا هو المقصود بالغطرسة . فالقوة المتجبرة لاتعرف أن لها حدود . بل هى حتى هزمت فى العراق . وستهزم فى السودان عندما يدرك الثوار أن أمريكا هى سبب بلائهم .

ونحن لانقبل أن تحاصر دولة صغيرة أو كبيرة بدون مبرر عادل ومقبول ، بل نرى أن المنازعات الدولية يجب أن تحل سلما وبالتفاوض وبالوساطات المختلفة ، وأن محاصرة الشعوب فكرة مرذولة يجب استبعادها ، وإن دعودتنا لمحاصرة اسرائيل استثناء لأنها دولة غير شرعية واستعمار استيطانى ، ولا يوجد لها مثيل فى العالم الآن . ولكن الخطة الأمريكية وهى منشورة وليست سرية هى عدم السماح لروسيا بعد سقوط الشيوعية أن تسترد أنفاسها وتصبح دولة رأسمالية أرثوذكسية قوية . ولم ترتكب روسيا أى جريمة فى ذلك الوقت بل كانت دولة عظمى تتداعى وعاجزة عن دفع مرتبات الموظفين والجنود والعلماء . بوتين أنقذ روسيا من جرائم السابقين جورباتشوف ويلتسين ولكن أمريكا لا تريد أن تعترف بالأمر الواقع ، فضربها الروس فى جورجيا والقرم وسوريا وتحالفوا مع الصين وانتصروا فى معارك عديدة على أمريكا فى الاعلام والعلم والتكنولوجية والاستخبارات والتسليح التقليدى والنووى . ولكن أمريكا التى تستحق لقب الرجل المريض عاجزة عن إدراك حالتها وهذا هو حال المسن فى مرحلة الشيخوخة حيث يبدأ ألزهايمر يزحف على عقله . ولعل شخصية بايدن مناسبة لحالة أمريكا فهو يعانى من كل أعراض الشيخوخة من عدم التركيز وعدم قدرته على ضبط أعصابه حتى أنه شتم صحفيا وقال له أنه ابن عاهرة لأنه سأله سؤالا سياسيا عاديا عن التضخم وارتفاع الأسعار وحالة الاقتصاد الأمريكى !

3 – هناك تعهد أمريكى بعد تفكيك الاتحاد السوفيتى بعدم توسع الناتو شرقا وقد تم خرق هذا التعهد على مدار عقدين من الزمان وتم ضم العديد من الدول المنفصلة عن روسيا فى الناتو وهى على حدود روسيا . ولم يبق سوى اوكرانيا وبيلا روسيا . وبالتالى فإن روسيا تدافع عن وجودها من الخطر النووى الأمريكى الذى أصبح محيطا بحدودها من كل جانب . ومع ذلك تصر أمريكا على ضم أوكرانيا للناتو .

4 – أوكرانيا كلها وليس شرق أوكرانيا جزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا على مدار القرون الماضية . كييف كانت أهم مدينة روسية قبل أن تتوحد روسيا على يد بطرس الأكبر فى القرن ال17

ولم توجد فى التاريخ دولة اسمها أوكرانيا إلا فى عهد الاتحاد السوفيتى ، الروس الخلص يمثلون قطاعا كبيرا من السكان و أغلب الأوكرانيين يتحدثون الروسية ويتعاملون بها فى حياتهم اليومية . ويعيش ملايين منهم فى روسيا ومن الصعب الحديث عن عرق أوكرانى خالص . وتتحدث كتب التاريخ عن السلافيين الذين يعيشون فى هذه المنطقة وكانت تسمى أوكرايينا . وقد كان خرشوف زعيم الحزب الشيوعى السوفيتى ومن بعده بريجنيف من أوكرانيا ولذلك اتخذا العديد من القرارات محاباة لموطنهم الأصلى بضم المزيد من الأراضى الروسية لجمهورية أوكرانيا . والحقيقة فإن الصراع الحالى داخل أوكرانيا هو صراع أيديولوجى وليس صراعا عرقيا ، أى صراع بين من يريد إرتباط أوكرانيا بأمريكا ومن يريد ارتباط أوكرانيا بروسيا رغم أن روسيا لم تعد شيوعية ، ولكن لا شك أن لها مشروعا مختلفا عن مشروع الغرب.

ومع ذلك ورغم قيام ثورة برتقالية مدعومة من الغرب أطاحت بالرئيس المنتخب شرعيا ، فقد صبرت روسيا ، ولكن أن تنضم أوكرانيا للناتو فهذا تجاوز غير محتمل لاعتبارات قومية واستراتيجية وأمنية ، ومن هنا بدأ الروس يبرزون العلاقة القومية العضوية بين روسيا واوكرانيا .

هل تقبل أمريكا ضم دولة مجاورة لها لحلف عسكرى مع روسيا مثل المكسيك أو كندا . لقد كادت تقوم حرب عالمية نووية لمجرد وجود عسكرى روسى فى جزيرة كوبا المجاورة لأمريكا . وتم سحب الصواريخ الروسية مقابل تعهد أمريكا بعدم غزو كوبا . كان ذلك عام 1961 .

5 – أخيرا أنا لست قلقا وقلت من قبل أن روسيا ستخرج منتصرة فى هذه الأزمة وقد بدأت معالم الانتصار تتضح الآن . ولكن المسلم الذى يدافع عن مقدساته المنتهكة فى القدس يجب ألا يكون على الحياد عندما تعربد أمريكا بغير حق فى أى مكان فى العالم . فأمريكا هى التى اعترفت بالقدس عاصمة أبدية لاسرائيل وهى الظهير الأساسى لاسرائيل وهى تحتل معظم أراضى العرب بالقواعد العسكرية .

ويحزننى أن الكثير من أخوتى فى العروبة والاسلام لم يدركوا بعد أن عهد التفرد الأمريكى بالعالم قد انتهى وأننا نعيش عهدا جديدا بالفعل حتى من قبل هذه الأزمة . وإيران ومحور المقاومة يتقدمون لأنهم أدركوا هذه الحقيقة ويتصرفون على أساسها ولذلك فهم يكسبون كل يوم أرضا جديدة فى لبنان وسوريا والعراق كجبهة مواجهة ويكسبون فى غزة وسائر اراضى فلسطين ويكسبون فى أفغانستان ومالى واليمن وباكستان .

أهنئ المقاتلين ضد الحلف الصهيونى الأمريكى بهزيمة أمريكا فى اوكرانيا ، فنحن كعرب ومسلمين أكثر من سيجنى الثمار من الانكسار الأمريكى .

ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين

آل عمران 139

– 3 –

من أجل جبهة عالمية ضد الهيمنة الأمريكية الصهيونية

بإنفجار أزمة أوكرانيا انقسمت سائر الكرة الأرضية إلى معسكرين أساسيين بأكثر مما انقسمت فى الحرب الباردة السابقة بين أمريكا والاتحاد السوفيتى التى استمرت قرابة 4 عقود بين خمسينيات وحتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين.

الآن الصين مع روسيا والقلب النابض للعالم العربى والاسلامى وعدد من دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا وإفريقيا . والهند إذا انضمت لهذا المعسكر فستحسم الأمر بثقلها السكانى والاستراتيجى . ولكنها ستحاول عدم خسارة روسيا دون أن تخسر صداقة أمريكا وهذا أمر يكاد أن يكون مستحيلا . وهذا قانون عام لا يخص الهند وحدها . فالاستقطاب حاد للغاية ومن يريد أن يتجنب الاصطفاف فى أحد المعسكرين فسيخسر أكثر لأنه سيكون على هامش العالم . ولاشك أن بعض الدول ستحاول أن تلعب دور المحايد ولكنها لن تلعب دورا مؤثرا فى الصراع الدولى .

بالنسبة لأحرار العالم العربى والاسلامى فقد حسموا أمرهم فعلا من قبل أزمة اوكرانيا . محور المقاومة العربية الاسلامية يتعاون منذ سنوات بدرجات متفاوتة مع روسيا والصين والدول المستقلة عن النفوذ الأمريكى فى أمريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا .

والآن لابد من الترويج لدعوة من أجل تأسيس جبهة عالمية للدفاع عن الانسانية ضد المحور المتكبر الأمريكى الصهيونى ومن تبعهم من دول الغرب . ولنعلم أن اوروبا منقسمة ولا توافق دول أساسية كفرنسا والمانيا على كثير من سياسات أمريكا ، ولكنها أضعف من أن تقاوم أمريكا صراحة ، وليس لديها حافز فكرى أو عقائدى للانفصال عن أمريكا . ولكن يتعين علينا أن نترك الباب مفتوحا لأى دولة أوروبية أو غربية تنأى بنفسها عن الامبريالية الأمريكية ، ولذلك أقترح أن تكون الجبهة ضد أمريكا والصهيونية فحسب , انجلترا غير جديرة بالذكر لأنها تشبه العجوز المتصابية التى لاتريد أن تحترم سنها وتجلس فى البيت وتتوقف عن الألاعيب !

موقف أمريكا من قضايا العرب والمسلمين معروف ولا يحتاج لإثبات جديد ولكننا نحتاج كعرب وكمسلمين أن نكف عن الانشغال بالصراع بين بعضنا بعضا ونركز على تطهير بلادنا من النفوذ الأمريكى والصهيونى .

ولكن أمريكا ، فوق كل قضايانا وقبلها ، مركز خراب العالم فى كل قضايا الانسانية الكبرى كما سماها المفكر الاسلامى الكبير رجاء جارودى طليعة الانحطاط :

1- الخراب الاقتصادى : أسست أمريكا 3 منظمات للسيطرة الاقتصادية على العالم : صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية . لتضمن سيادتها على العالم من الناحية الاقتصادية وتمنع تشكل قوى اقتصادية منافسة لها . فى عالم الجنوب والشرق . ولكنها عندما فشلت اقتصاديا ووقعت تحت ضربات الصعود اليابانى أولا ثم الصعود الصينى حاليا وهو أشد وأنكى لها . لجأت إلى الوسائل العسكرية والعقوبات لمحاصرة الصين وتركت طريق حرية المنافسة وهو أساس الرأسمالية وأساس نظرية آدم سميث فيلسوف الرأسمالية . بل وصل الأمر إلى حد هدم كل قواعد منظمة التجارة العالمية . وعادت أمريكا فى عهد ترامب وحتى فى عهد بايدن إلى مسألة الحواجز الجمركية لمنع السلع الصينية المنافسة من اكتساح السوق الأمريكى عن طريق ضرائب الجمارك أو بفرض العقوبات على الشركات الصينية بحجج متنوعة . كما يحدث مع شركة هواوى باعتبارها خطرا على الأمن القومى الأمريكى !

أمريكا لا تريد الخير فى المجال الاقتصادى للصين ولا لأى دولة أخرى يمكن أن تنافسها . وهى تخرب الاقتصاد العالمى من زوايا عديدة على رأسها طباعة الدولار بغير حساب وبدون ضوابط .

2 – أمريكا هى المسئول الأول عن أزمة المناخ العالمى و ظاهرة الاحتباس الحرارى فهى أكثر بلد ينبعث منها الغازات الدفيئة من المصانع والسيارات . وهى لاتنفق من الأموال ما يكفى لتقليل هذه الانبعاثات . بل تكاد لاتنفق شيئا .

3- أمريكا هى المسئول الأول عن العنف فهى أكبر مصدر للسلاح وهى تاجر السلاح الذى يغذى الصراعات المحلية والاقليمية بما يفيد

السياسة الأمريكية والصناعة العسكرية معا.

4 – أمريكا هى المسئول الأول عن محاربة الأخلاق والفضيلة باعتبارها تملك مع اليهود أكبر نصيب فى صناعة الجنس من خلال الأفلام الإباحية والقنوات الفضائية الإباحية . والمحكمة الأمريكية العليا أقرت مشروعية إنتاج أفلام البورنو كجزء من حرية التعبير . وهى تقود عملية تشجيع الشذوذ الجنسى والتحرر الجنسى بكل أشكاله .

5- أمريكا أكبر دولة محاربة فى العالم تمتلك 100 قاعدة عسكرية وتعتبر أن لها حق التدخل فى أى مكان فى العالم ، وهى لاتعرف الحروب العادلة ، ولكنها تحارب باسم المصلحة الأمريكية وتحارب من أجل التوسع والضم والهيمنة والسيطرة وقتلت عددا لايمكن إحصاؤه بسهولة من كثير من شعوب الأرض بالملايين . راجع كتب الأمريكى نعوم تشومسكى على سبيل المثال وهو يسارى ويهودى نزيه .

الدراسات حول جرائم أمريكا واسرائيل لا تعد ولا تحصى ويمكن الرجوع لدراستى : أمريكا طاغوت العصر وهى استفادت من كثير من الدراسات الأخرى .

أمريكا كدولة قامت على جثث 112 مليون من سكان أمريكا الأصليين على الأقل .. هذه هى جينات الولايات المتحدة الأمريكية .

الأساس المبدئى لعقد اتفاق أو ميثاق لجبهة عالمية ضد الهيمنة الأمريكية والصهيونية متوفر ويمكن التوافق حوله بسهولة من مختلف الأطراف المشار إليها . ولكن يتصور البعض أن من مصلحته أن يعمل لوحده ليلعب على الحبال . وهذا خطأ ومن يفعل ذلك مثل أردوجان خسر وسيخسر كثيرا .

ولكن الجبهة العالمية ضد الطغيان الأمريكى موجودة على أرض الواقع بدون ميثاق أو اتفاق رسمى مكتوب ، وعمودها الفقرى : روسيا – الصين – إيران وكل محور المقاومة العربية الاسلامية فى لبنان وفلسطين والعراق واليمن وأفغانستان . ويجب ملاحظة تطور باكستان بعيدا عن أمريكا – كتب هذا قبل الإنقلاب على داود خان ولكن نأمل أن يعود من جديد وستعود باكستان مستقلة بالتأكيد إن شاء الله – وفى أمريكا اللاتينية نجد كتلة بزعامة فنزويلا وكوبا وكتلة فى غرب إفريقيا وحيثما وجد الأحرار ووجدت المنظمات الحرة فى بلاد العرب والمسلمين . وجمهور المسلمين وصل الآن حسب تقديرالاحصاء الأمريكى – بيو : 1800 مليون نسمة.

والتحالف فى جبهة يعنى التوحد لكسر الغطرسة الأمريكية ليصبح العالم أكثر تعددية وأريحية وإنسانية وديموقراطية وليس الإنضواء تحت راية روسيا أو الصين . وهذه الجبهة العالمية لاتغنى عن تأسيس جبهة عربية اسلامية لتوحيد العرب والمسلمين ورعاية قضاياهم الخاصة ومشروعهم الحضارى المستقل الذى لايعادى أحدا إلا المحاربين المجرمين المعتدين علينا وعلى الآخرين .

ليس لى أى نفوذ فى مصر ولا فى العالم . ولكن الكلمة الطيبة صدقة . وكلمة الحق ستنتصر سواء قلتها أنا الفقير لله أو قالها زعماء سياسيون مؤثرون فهؤلاء ينفذونها . وأحسب أن إيران تنفذ ما أعتقده وكنت أتمنى أن توجد دولة سنية توازن دور إيران الشيعية حتى يطمئن الجميع ، ولكننا لم نوفق بعد ، فأردوجان مخيب للآمال وهو الآن مشغول بتوثيق علاقته بإسرائيل وتأييد أوكرانيا وتخريب سوريا بالتتريك القسرى لا بالأسلمة البريئة ، وماليزيا بعيدة عن بؤرة الصراع وترتبك بدون مهاتير . وطالبان لا تريد أن تخرج من إطارها الفقهى الخانق المنبثق من المدرسة الديوباندية الهندية . أما مصر فقد ضيعت معها كل حياتى ، حتى دفعتنى إلى الاعتزال قبيل مماتى . ولكننى لا أزال أفكر وأكتب . وأنا لا أياس ولا يمكن أن أفقد الأمل فى مصر المذكورة وحدها فى القرآن دون العالمين . ولكن بعد 55 عاما من العمل السياسى لابد أن أكتفى بالعمل الفكرى وأترك المجال لجيل جديد صاعد ولا أقول للنخبة الحالية .

فى التعليق على أحداث أوكرانيا لم أجد أصواتا تفتح النفس إلا محمد سيف الدولة وعمار على حسن ومديحة الملوانى وفى الاذاعات الرسمية المصرية استمعت لنبيل رشوان ومحلل آخر كان موضوعيا ورائعا . ولا أدرى هل هذا هو الاتجاه العام فى الاعلام الرسمى المصرى ؟

أخيرا أقول تجمعوا ..توحدوا .. نظموا الصفوف ضد أمريكا واسرائيل تنضبط كل أموركم الأخرى فى الحياة .

اللهم إنى بلغت مرة أخرى .. اللهم فاشهد

– 4 –

وبدأت الحرب العالمية الثالثة

لايزال البعض يخشى من إحتمال إندلاع الحرب العالمية الثالثة وأن أحداث أوكرانيا قد تؤدى إليها . والحقيقة ان الحرب العالمية بدأت بالفعل . فكل الحروب العالمية بدأت بأحداث موضعية فى مكان ما ثم امتدت تدريجيا لتصبح شاملة .

فى التاريخ لم تتكرر الأحداث بصورة كربونية ولكنها تكررت وظلت تتكرر لأن هناك نواميس تتحكم فى أحوال وصراعات البشر . والحربان العالميتان الأولى والثانية ليستا الحربين الوحيدتين ولكن هذه مصطلحات الغرب التى تعودنا عليها و نكررها كالببغاء كأمم مغلوبة . وما هما إلا الحربين العالميتين فى القرن العشرين ، وكانتا بين الأوروبيين أساسا لتقسيم أو إعادة تقسيم مناطق النفوذ فى العالم . فالحروب بين فارس واليونان ، وبين فارس والروم والحروب الصليبية وحروب المغول وحروب انجلترا وفرنسا للاستيلاء على المستعمرات وغيرها من الصراعات المماثلة كانت حروبا عالمية .

والحرب العالمية الثالثة لا يمكن أن تكون تكرارا لشكل ونمط الحربين العالميتين الأولى والثانية ، لأننا فى عهد التسلح النووى ولايمكن أن تقوم حرب عالمية ثالثة بصورة نووية مباشرة ، وإلا لسمينها الحرب الأخيرة لإفناء البشر . وبالتالى فالحرب العالمية الثالثة بدأت وستستمر بدون استخدام مباشر للأسلحة النووية ولكنها تستخدم بشكل غير مباشر كأسلحة ردع وتخويف . مع عدم الاستبعاد النهائى لإمكانية استخدام جزئى أو كلى لها ولكن ليس هذا هو المرجح .

هى حرب عالمية لأنها تستهدف إعادة رسم خريطة العالم وإعادة تقسيم مناطق النفوذ على مستوى الكرة الأرضية وليست فى واقع اقليمى معين .

على العرب والمسلمين أن يكفوا عن السذاجة والغيبوبة بأن ينجروا مع هذا الطرف أو ذاك أو يتصوروا أنهم غير معنين بهذا الصراع وأنه لن يؤثر عليهم .

الحرب العالمية الأولى كانت صراعا خالصا بين أوروبا لإعادة تقسيم استعمار العالم . فألمانيا التى كانت قد وحدت نفسها عام 1870 وبدأت تتمتع بقوة اقتصادية وعسكرية وجدت أن انجلترا وفرنسا قد استوليتا على معظم دول العالم الجنوبى ، وأرادت أن تعيد بالقوة إعادة تقسيم العالم لتحصل على نصيب كبير أو معقول . وكانت هى القوة العسكرية البرية الأقوى على أرض القارة . كانت أقوى من فرنسا . ولكن انجلترا ثم أمريكا هما اللتان عدلتا الموازين فهزمت ألمانيا . ولا يشغلنا مكان الدولة العثمانية كثيرا فى هذه الحرب لأنها كانت تعيش أيامها الأخيرة .

الحرب العالمية الثانية قامت لأن ألمانيا فى زمن هتلر استعادت قوتها من جديد وأرادت أن تعيد الكرة . ونجحت فى المرحلة الأولى واحتلت معظم القارة الأوروبية . وتكرر نفس السيناريو : تحالف الانجلو سكسون البريطانى الأمريكى عدل الموازين وتمت هزيمة ألمانيا .ولكن فى هذه الحرب ظهر بعد جديد وهو الاتحاد السوفيتى الذى كان ضحية العدوان النازى واستفاد التحالف الغربى من الصدام السوفيتى الألمانى ولعب الروس دورا حاسما فى هزيمة ألمانيا – راجع دراستى : روسيامن احتلال المغول حتى نهضة بوتين . مرجع سابق – وانتصر تحالف الانجلو سكسون والاتحاد السوفيتى .

ثم قامت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتى وأمريكا و من معها من غرب أوروبا. وقد أطلقت عليها فى إحدى دراساتى أنها الحرب العالمية الثالثة، ولكن سأتجاهل اليوم هذه التسمية لعدم إرباك القارىء . وقد انتهت هذه الحرب بسقوط الاتحاد السوفيتى عام 1991 . والآن بدأت الحرب العالمية الثالثة عام 2022 بأحداث أوكرانيا وكان لها مقدمات يصعب تحديدها بيوم محدد . ولكنها تقوم بسبب استعادة روسيا لعافيتها كدولة عظمى وأمريكا لا تريد أن تسلم بذلك.وترتيب روسيا فى المركز 11 عالميا من الناحية الاقتصادية يشجع أمريكا على الاستهانة بها ، ولكن روسيا تقدمت جدا فى المجال العسكرى التقليدى والنووى وأصبحت أكثر الدول تهديدا لأمريكا وفقا للتقارير الأمريكية .. وحققت تقدما كبيرا فى إنتاج النفط والغاز وكذلك فى مجالات الفضاء والتكنولوجية عموما والاعلام والعالم السيبرانى وغير ذلك .

والجديد الذى لاعلاقة له بأى حروب سابقة هو هذا التحالف المخيف بين عملاقين روسيا والصين ، والصين تكمل نقائص روسيا فى المجال الاقتصادى ، وهما معا القوة الأولى فى العالم بلا منازع . ومن حماقة أمريكا فى عهدى ترامب وبايدن أنها لم تفرق بينهما وحاربت الاثنين على قدم المساواة بالعقوبات الاقتصادية فسهلت تحالفهما بل جعلت هذا التحالف ضروريا لكل منهما . وبالتالى فإن الاصطفاف العالمى الآن لا مثيل له فى التاريخ ، خاصة إذا أضفنا كتلة المقاومة العربية والاسلامية بقيادة إيران إلى هذا التحالف الآسيوى باعتبار أن معظم روسيا يقع فى آسيا . نحن أمام تحالف عربى اسلامى ممتد من إيران إلى سوريا ولبنان وفلسطين واليمن والعراق . وكذلك أفغانستان طالبان حتى وإن أخذت جانبا فى طريقتها الاسلامية المتشددة المنبثقة من نشأتها فى أحضان المدرسة الديوبندية الهندية وهى مدرسة صوفية سلفية منغلقة الفكر، ولكن موقفها السياسى من أمريكا والغرب واضح وصحيح . ويمكن أن نضيف إلى هذا الحلف المقاوم باكستان فى عهد عمران رئيس الوزراء الحالى المبتعد عن أمريكا والمتجه إلى الصين والمساند لطالبان . وماليزيا والعديد من الحركات الاسلامية والقومية العربية . وهذا المعسكر الروسى الصينى الإيرانى يضم عددا من بلدان أمريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا . وحتى الهند كدولة عظمى صاعدة لم تحسم أمرها بعد فى هذا الاستقطاب ولكن امتناعها عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذى يدين روسيا فى أحداث أوكرانيا مؤشر على إدراك الهند لأهمية علاقتها مع روسيا فى المجالين الاقتصادى والعسكرى وهما معا فى فى تجمع البريكس الذى يضم البرازيل التى تؤيد روسيا فى الأزمة الحالية و الصين و جنوب افريقيا . الحلف المحيط بروسيا والصين ليس قليلا ويمثل أكثر من نصف البشرية وأكثر من نصف الكرة الأرضية .

أما المعسكر الأمريكى فهو معروف وواضح : أمريكا وكندا واستراليا الانجلوسكسون ومعظم دول أوروبا الغربية + بلدان متفرقة فى آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية . فهناك نوع من التوازن بين المعسكرين من الناحية الشكلية . ولكن الحلف الروسى الصينى الايرانى قوة صاعدة والحلف الأمريكى قوة هابطة ومتراجعة . ويتميز الحلف الشرقى ولنسميه شرقيا رغم وجود عدد من دول أمركا اللاتينية فيه ، يتميز بأنه ليس تحالفا استعماريا ، بل تحالف بين دول تسعى لتدعيم استقلالها ومكانتها تحت الشمس دون السعى للاستعمار والاحتلال والهيمنة وتسعى إلى نظام دولى تعددى . الصين لم تغزو أحدا فى تاريخها عبر آلاف السنين . وإيران دولة ناهضة وساعية للاستقلال بعد قيام الثورة الاسلامية عام 1979 ولم تحتل أى دولة بل تدعم المقاومة ضد اسرائيل وأمريكا . وروسيا لا تاريخ لها فى الاستعمار كما أوضحت فى دراستى عن روسيا عدا تورط روسيا القيصرية فى احتلال دول وسط آسيا الاسلامية ثم النظام الشيوعى السابق فى الهيمنة على الدول المجاورة بريا فى شرق أوروبا ووسط آسيا وقد انتهى ذلك بسقوط الاتحاد السوفيتى واستقلال هذه الدول .

أما أوكرانيا فما هى إلا جزء لايتجزأ من روسيا عبر التاريخ ، وغزوها حاليا بسبب انها تحولت إلى قاعدة للعدوان النووى على روسيا فكان غزوها إجباريا وضروريا لحماية أمن روسيا .

– 5 –

الأسس الشرعية الاسلامية للتعاون مع الصين وروسيا ضد الطاغوت الأمريكى

فى يوم 24 فبراير 2022

دخلت القوات الروسية الأراضى الأوكرانية وتذكروا هذا التاريخ جيدا فهو تاريخ بداية الحرب العالمية الثالثة وهى ستكون مختلفة عن الحربين السابقتين وربما لن تستخدم فيها الأسلحة النووية جزئيا أو كليا وهذا هو الأغلب . ولكن عالمية الحرب غير مرتبطة باستخدام القنابل النووية المهلكة لأنها ستقضى على الطرفين . وآخر خبر أن وزارة الحرب الأمريكية البنتاجون أعلنت أنها أقامت خط اتصال مع روسيا لمنع وقوع اشتباك عسكرى نووى بالخطأ أو بملابسات خاطئة . الحرب العالمية تعنى اندلاع الحرب على مستوى الكرة الأرضية بهدف إعادة تقسم النفوذ بين القوى الكبرى ، أى إعادة رسم الخريطة العالمية ، بسبب تغير فى موازين القوى جعل البعض يتصور أنه أصبح أكثر قوة وقدرة على تغيير الخريطة لصالحه أو بسبب تصور الطرف الأقوى أنه قادر على المزيد من توسيع نفوذه أو خوفا من تراجع سيطرته بسبب صعود القوى المنافسة .

والسببان الأخيران وراء هذه الحرب التى لن تقتصر على أوكرانيا ، بل لقد اندلعت مقدماتها فى السنوات السابقة بصورة حربية فى سوريا وجورجيا والقرم وليبيا وغرب افريقيا – لاحظ تصويت دول غرب افريقيا الرافض لإدانة روسيا فى الجمعية العامة للأمم المتحدة – وفنزويلا وغير ذلك من البؤر .

1- القوى الصاعدة : الصين وروسيا ، وهى ليست قوى استعمارية بالمعنى المألوف . هى قوى صاعدة تريد أن يتسع نفوذها وتأخذ مكانها المستحق تحت الشمس . وليس لها أى تاريخ كقوة استعمارية أسست مستعمرات فى القرن التاسع عشر فى آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية . الصين ليس لها تاريخ إطلاقا فى الغزو الأجنبى عبر آلاف السنين ويرمز لذلك سور الصين العظيم الذى اقيم 221 ق. م بعد توحيد الصين التى رأت أن تكتفى بأراضيها الغنية الواسعة وتبنى بها حضارة وتحمى نفسها من الغزوات الخارجية المتكررة . وقديما وصلت سفن صينية إلى سواحل شرق افريقيا والقارة الأمريكية فى بعثات تجارية ولم تمارس أى محاولة للاحتلال . روسيا كما أوضحت فى دراستى : روسيا من احتلال المغول حتى نهضة بوتين ، ليس لها أى تاريخ من الاستعمار عبر البحار فى عصر الاستعمار الحديث القرن 19 . ولكنها قامت بالتوسع الأرضى جنوبا فى الحزام الاسلامى التركى فى وسط آسيا فى عهد بطرس الأكبر موحد وبانى الدولة الروسية لأول مرة فى التاريخ فى أواخر القرن السابع عشر . وفى العهد الشيوعى توسع نفوذ روسيا من خلال التعاون مع الأحزاب الشيوعية الحاكمة أو النظم القومية المعادية للاستعمار الأمريكى كما حدث فى المنطقة العربية . ولم يحدث أن أقتحمت روسيا أى بلد عنوة عبر البحار كما فعلت فرنسا وانجلترا وبلجيكا وهولنده والبرتغال وأسبانيا . حتى قرارها الأحمق باحتلال أفغانستان الذى دفعت ثمنه غاليا بسقوط الاتحاد السوفيتى فكان من الناحية الشكلية دعما لحزب شيوعى وصل للحكم فى أفغانستان . ولكن هذا لايغفر ولا يبرر لروسيا هذه الجريمة . كما كان توسعا بريا وهو أسلوب التوسع التاريخى لروسيا . وطويت هذه الصفحة . ومنذ سنوات وعلاقة روسيا بطالبان فى تحسن مستمر حتى قبل وصولها للحكم مجددا فى العام الماضى . وفى هذه اللحظة يوجد على أرض أفغانستان وفد روسي رفيع فى مختلف التخصصات لرفع وتعميق مستوى العلاقات بين البلدين . أما سوريا فقد جاءت القوات الروسية الجوية بقرار سورى ايرانى لمواجهة تدخل 80 دولة تقف خلف القاعدة وداعش بتمويل سعودى قطرى وبقيادة أمريكية . راجع دراستى : الثورة السورية المغدورة .

وهذا الحلف الروسى الصينى تحول إلى حلف ثلاثى روسى صيى إيرانى . وإيران هنا تمثل نفسها كدولة اسلامية وتمثل محور المقاومة فى العراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين وهذا المحور رأس الحربة فى صدر الكيان الصهيونى الغاصب والذى يمثل الركيزة الأساسية لأمريكا فى قلب المنطقة العربية والاسلامية . وهذا لايعنى أننا نخلط بين مشروعنا العربى والاسلامى وبين مشروعى روسيا والصين وهما مختلفان بدورهما فيما بينهما فى الفكر والطموح القومى . ولكن الذى جمع بين هذه الأطراف إجباريا هو هذا التسلط الأمريكى الصهيونى والذى يسحب خلفه الانجلو سكسون فى كندا وبريطانيا واستراليا وعدد من دول أوروبا .

ونحن كعرب ومسلمين نثق فى أنفسنا ولا نخشى تمييع مشروعنا الاستقلالى العربى الاسلامى عندما نتعاون مع الصين وروسيا . وأنا شخصيا معادى حتى النخاع للروح البرجماتية . وأستقى مواقفى دوما من الأسس الشرعية فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة . وقد شرع لنا القرآن التعارف والتعاون مع الأمم والقوميات المختلفة مع التصدى للمحاربين والمعتدين فحسب . أما الآخرون فبيننا وبينهم العهد والميثاق – لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . الممتحنة 8

السبب الثانى لإندلاع هذه الحرب العالمية الثالثة أن القوة المسيطرة – أمريكا – تأبى أن تعترف بتراجعها الاقتصادى والثقافى والعسكرى والعلمى وتخوض معاركها الأخيرة حتى النفس الأخير وهذه طبيعة كل القوى العظمى عبر التاريخ . نعم هى تملك أسلحة نووية وكانت حتى أول أمس أكبر قوة عسكرية . ولم تعد كذلك الآن . فروسيا وحدها قادرة على مواجهتها والصين وحدها قادة على مواجهتها فما بالك إذ اجتمع الطرفان معا . وإيران وحدها قادرة على تدمير اسرائيل و هزيمة الوجود الأمريكى فى منطقتنا . وما يجرى من مباحثات فى فيينا التى أوشكت على الانتهاء شاهد على هذا التبدل الجوهرى فى موازين القوى .

المعسكر العربى الاسلامى لم يعد كومبارس ولايسير فى ذيل الصين أو روسيا وإنما يتعاون معهما بصورة ندية كريمة لا تسمح بالتدخل فى شؤوننا الداخلية. وإن شاء الله سيفيق باقى العرب وينضموا لمحور المقاومة كل بشخصيته واستقلاله ومذهبه .

لقد اضطررت لوضع الأسس العقائدية للموقف العربى الاسلامى الحر ولم أعرض بعد لكيفية التطور السياسى للأحداث التى أفضت بنا إلى الحرب العالمية التى اندلعت فعلا بينما الكثيرون يتحدثون عن خشية إندلاعها! .

– 6 –

كيف تفكر أمريكا فى دورها العالمى ؟ – مجدى حسين

قلت فى مقال سابق ان الحروب العالمية وهى أكثر من ثلاثة عبر التاريخ تندلع عندما تختل الموازين الدولية بين قوى صاعدة وقوى هابطة فتحدث المواجهات على مستوى الكرة الأرضية لتعديل وضبط الموازين على ضوء التطورات الجديدة .

ماهى الأسباب المباشرة لإندلاع هذه الحرب الثالثة وهى الحرب الثالثة خلال قرن واحد تقريبا منذ اندلاع الحرب الأولى عام 1914 ؟

منذ سقوط الاتحاد السوفيتى لم تتوقف الشهية التسلطية الاستعمارية لأمريكا وتحدثت تقارير رسمية منشورة عن ضرورة مواصلة الضغط على روسيا غير الشيوعية لتفكيك الاتحاد الروسى . وهى حالة عنصرية لا تصدق . فهم ليسوا عنصريين تجاه السود والعرب والمسلمين فحسب بل هم لايطيقون الروس ولا كل السلاف الأرثوذكس . وهناك دراسات أمريكية عديدة تتحدث عن التفوق العرقى للأنجلو سكسون الذين يحكمون أمريكا وكندا وبريطانيا واستراليا ونيوزيلنده وما حولهما فى بعض الجزر .مع ملاحظة أن سكان نيوزيلنده وهى مجموعة من الجزر يبدو أنهم أكثر إنسانية بالمقارنة مع باقى الانجلوسكسون . وتذكروا موقف رئيسة حكومتهم من المسلمين ساعة وقوع الجريمة الارهابية الكبيرة على مسجدين منذ عدة سنوات .

الانجلو سكسون هم أفراد القبائل الجرمانية التي استقرت في إنجلترا خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين. هذه القبائل هي الأنجلز، والسكسون، والجوت. في نحو عام 449م دعا ملك بريطاني يدعى فورتجيرن القبائل الجرمانية للقدوم إلى إنجلترا لمساعدته في رد غزو البقط (البكتز) والأسكتلنديين. لكن النزاع دَبَّ بين الحلفاء، وسرعان ما بدأت القبائل الجرمانية في دحر الوطنيين البريتونيين. وبحلول نهاية القرن السادس الميلادي استولى الأنجلز والسكسون والجوت على كل إنجلترا تقريبًا إلى حدود ويلز وأسكتلندا، واشتقت كلمة إنجلترا من الكلمتين الإنجليزيتين القديمتين أنجل ولاند، اللتين تعنيان مجتمعتين أرض الأنجلز.

وهم المتحدثون اليوم باللغة الانجليزية . وكتب الغرب التى تتحدث عن الرجل الأبيض ودوره فى قيادة البشرية تعنى الانجلو سكسون الذين كانوا قد توطنوا فى انجلترا ثم انتشروا فى الأرض عبر الكشوف الجغرافية واستعمار العالم الجديد فى أمريكا الشمالية واستراليا وما حولها . الدراسات الأمريكية السائدة تقرن بين الانجلوسكسون والبروتستانتية . وعنصرية أمريكا الحاكمة تمتد إلى الكاثوليك وكل الطوائف الأخرى عدا اليهود ، رغم وجود تنافر تاريخى بين الطرفين وكان العنصريون البيض حتى القرن العشرين يضعون لافتات على محلاتهم تقول : ممنوع دخول السود والكلاب واليهود . ولكن على مستوى الطبقات العليا حدثت مساومة تاريخية وتشكلت ما تسمى المسيحية الصهيونية التى تحكم أمريكا من خلال الحزبين الديموقراطى والجمهورى .

كانت روسيا فى عهدى جورباتشوف ويلتسين متجاوبة مع الغرب إلى أقصى حد . إلى حد الاستعداد لدخول الاتحاد الأوروبى بل وإلى حلف الناتو العسكرى ذاته بعد حل حلف وارسو الشيوعى . وحلف الناتو قام أساسا لمواجهة الاتحاد السوفيتى وكان من المفترض أن يتم إلغاؤه فى ظل هذه الأجواء المفعمة بالصداقة بعد اختفاء الشيوعية من المشهد . ولكن جنون السيطرة على العالم اشتعل فى غرفة عمليات الولايات المتحدة وأجهزتها الأمنية والعسكرية وطبقتها الاقتصادية المسيطرة : المجمع العسكرى الصناعى المالى وقرروا إزالة روسيا كدولة قومية من الوجود بتفتيتها كما يفتتون السودان والصومال والعراق وهى حالة تجبر غير عادية .

ولمعرفة عقلية أمريكا وبعيدا عن مثال الاتحاد السوفيتى أروى قصة لقائى مع ريتشارد ميرفى مساعد وزير الخارجية الأمريكى الذى التقيت به فى نيويورك عام 1997 فى آخر زيارة لى للولايات المتحدة كصحفى . وقد زرتها ثلاث مرات مرة بصفتى عضوا فى وفد مجلس الشعب ومرتين بصفتى الصحفية . مرة بدعوة من الرئيس مبارك أثناء زيارته . وهذه المرة الأخيرة بدعوة من هيئة الاستعلامات الامريكية . التقيت مع ميرفى فى مجلس العلاقات الخارجية وهو أهم مركز بحثى لوزارة الخارجية الأمريكية ويعد بمنزلة مطبخ السياسة الخارجية الأمريكية . كان المبنى مهيب ولكن مشيد بأسلوب المعمار القديم وهو ليس إلا مجموعة من الشقق . ولكن مهابته جاءت من الهدوء وقلة العاملين وارتفاع أسقف الغرف . حتى شعرت أن ميرفى موجود لوحده . كان اللقاء وديا وصنعنا القهوة السريعة بأنفسنا كما هو حال كثير من المكاتب الأمريكية. وكعادتى تحدثت بمنتهى الصراحة حتى ولو غضب المستمع الأمريكى كما فعلت فى البنتاجون فى زيارتى الأولى مع وفد مجلس الشعب وأثرت غضب الجنرال المتحدث . ولكن ميرفى كان دبلوماسيا ولطيفا كما أننى لم أتحدث معه بخشونة . وكان فى ذلك الوقت متقاعدا أى مساعد سابق لوزير الخارجية . قلت له بعد سقوط الاتحاد السوفيتى المنافس الرئيسى لكم كنت أتوقع أن تزدهر العلاقات العربية الامريكية ، كنا نتوقع ، حيث لم يعد عندكم خوف من أى منافس خطير فى المنطقة ، أن تقوموا بمصالحة تاريخية مع العرب والمسلمين . وتكفوا عن حصار العراق وإيران بسياسة الاحتواء المزدوج . وأن تبدوا تفهما للقضية الفلسطينية وتخففوا من غلواء الانحياز لاسرائيل . وإذا فعلتم فستجدون تجاوبا من العرب والمسلمين فهم لا يعادون أمريكا إلا بسبب هذه القضايا . أشهد أن الرجل ، وأحسبه رجلا طيبا ولكن فى الحدود الأمريكية ، قد تأثر بحديثى وشعر بقوة المنطق الذى أطرحه ، بل شعرت أنه أصيب بالحرج . وتوقف هنيهة للتفكير فيما قلته قبل أن يرد . ثم قال : أنت محق فيما تقول . ولكن كما تعلم فإن القوة العظمى لاتغير موقفها بسهولة . فعندك مثلا هناك سياسة لمقاطعة وحصار كوبا منذ قرابة 4 عقود ورغم سقوط الاتحاد السوفيتى المساند الأساسى لنظام كوبا الشيوعى فإن السياسة الأمركية لم تتغير تجاه كوبا حتى الآن .

أحرجنى الرجل بإجابته الدبلوماسية التى بدت اعتذارية . والحقيقة فلم أحضر لأمريكا بوهم إقناعها بشىء ولكن لكى أفهم أكثر كيف تفكر .وانتهى اللقاء بشكل ودى كما بدأ . وهى المرة الوحيدة فى الولايات المتحدة التى يأتى مضيفى بنفسه معى ليوصلنى إلى المصعد . وتبادلنا العناوين والهواتف . وكتبت عن هذا اللقاء فى جريدة الشعب الورقية عندما عدت لمصر . وبعد سنوات تلقيت فى القاهرة مكالمة هاتفية من ابن ريتشارد ميرفى وقال لى إنه باحث فى شئون الشرق الأوسط وأنه فى القاهرة ويريد مقابلتى فوافقت على الفور كما أوافق على مقابلة أى باحث أو صحفى أجنبى عدا الاسرائيليين . كان لقاء وديا فى غرفة صالون شقتى لا أتذكر تفاصيله الآن ، ولكننى أجبت على التساؤلات التى طرحها ، وأبلغنى تحيات والده . أهمية هذه الزيارة أنها تؤكد أن لقائى ترك أثرا حقيقيا فى قلب وعقل ريشارد ميرفى وأنه احترم آرائى على الأقل ولم ينس هذا اللقاء ورأى أن هناك فائدة لإبنه كى يلتقى بى . وأنا لا أكتب شهادة لصالح مسئول أمريكى فهذا ليس الهدف ولكن أستهدف شرح كيف تفكر أمريكا ؟ وأكرر لقد قال لى إن الدولة العظمى لا تغير رأيها !

الدراسات الأمريكية عن نظرية القدر المتجلى تقول أن إمريكا مكلفة من الله باستعمار وقيادة العالم . وبالتالى هى لاتقبل أى شريك ليس من العرب والمسلمين فحسب بل ولاتقبل روسيا وكل السلاف ولا تقبل الصين وسائر الجنس الأصفر . بل ولاتقبل أوروبا إلا البروتستانت على المذهب البيوريتانى القديم الذى ساد فى أمريكا . وقد جاء ذلك فى تقارير رسمية منشورة أثارت غضب دول أوروبا فى عهد بوش الابن . وهذا سر العلاقة الخاصة بين أمريكا وبريطانيا وهذا سر الحماقة الأخيرة بعقد تحالف أنجلوسكسونى علنى بين أمريكا واستراليا وبريطانيا فى عهد بايدن وليس فى عهد ترامب الذى يظن البعض خطأ أنه مجنون ، وهو ليس بمجنون إنه يمثل نصف الشعب الأمريكى على الأقل .

– 7 –

الحماقة الأمريكية تصل إلى ذروة جديدة : مقاطعة نفط روسيا تصيب أوروبا واقتصاد الغرب فى مقتل

القاهرة 11 مساء يوم 8 مارس 2022

تشعر أمريكا انها فى محنة كبرى .. محنة السقوط من على عرش العالم منذ اكتساح روسيا لأوكرانيا فظلت تأخذ قرارات متخبطة متواصلة ، تأثيرها يضر بها وبحلفائها أكثر من الإضرار بروسيا . وهى قرارات مقاطعة اقتصادية لن تؤثر على مجرى الصراع العسكرى الحالى والذى سيحسم الأمور فى المدى القصير .

ومنذ دقائق أعلن الرئيس الثمانينى بايدن قرارا عبيطا بمقاطعة غاز وبترول روسيا . والمعروف أن أمريكا لا تعتمد فى استيرادها على النفط الروسى ، بل هى تكاد تكتفى من الغاز والزيت . وقد حدث ذلك فى عهد ترامب حيث تحولت أمريكا إلى دولة مصدرة باللجوء إلى إنتاج البترول الصخرى . وإن تراجع هذا الأمر فى عهد بايدن ولكن فى كل الأحوال فإن أقتصاد أمريكا لا يعتمد على النفط الروسى . وبالتالى فإن المقاطعة لاتعنى سوى إحداث دوى فى أسعار السوق وهو دوى مؤثر على أوروبا أساسا التى تعتمد بنسبة 40 % على الغاز الروسى ولن تشارك أمريكا فى المقاطعة ولكن ستدفع فاتورة هذه الحماقة وفورا . الأسعار تنفجر الآن أثناء كتابة هذه السطور !

مع عواصف تضرب مختلف قطاعات الانتاج الغربية كما يظهر فى البورصات وأسعار السلع الضرورية .

روسيا ليس لديها مشكلة فى وقف تصدير الغاز لأوروبا كلية ويمكن للصين أن تستوعب أى كمية من الغاز الروسى مع سعر تفضيلى. .

إن روسيا تنتصر لأنها على حق فى مسألة رفضها تحويل أوكرانيا لقاعدة معادية لها .

وروسيا تنتصر لأن عدوها أحمق ولايملك بدائل حقيقية تمنع سقوطه المحتم . لقد انتهى العمر الاقتراضى للامبراطورية الأمريكية وهذا مكتوب فى العديد من الدراسات الأمريكية ولكن معظم نخبتنا العربية لا تقرأ .

– 8 –

أمريكا ضمت 15 دولة للناتو منذ سقوط الاتحاد السوفيتى

عندما سقط الاتحاد السوفيتى تصورنا أن أمريكا ستعتدل وتتحول إلى قوة عظمى رشيدة تعمل مع العالم بصورة هادئة فى وقت لا تعانى فيه من أى منافسة خطيرة . كانت روسيا متهاوية وكانت الصين لا تزال فى بداية طريق الصعود الكبير . ولكن كما أوضحت فى لقائى مع ريشارد ميرفى فإن أمريكا توحشت . ذكرتنى

بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالث ولا يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب .

وأمريكا لا تتوب أبدا . لقد عزمت وفق التقارير الرسمية أن تدمر روسيا الاتحادية وتفتتها إلى 52 دويلة بعدد القوميات والإثنيات فى الاتحاد الروسى .

عندما خرجت من عند ريشارد ميرفى كان المتبقى لى فى زيارتى أيام معدودة فنيويورك محطتى النهائية . وكنت حريصا على إرسال مقالى الأسبوعى لصحيفة الشعب وكنت رئيس التحرير وقتها . وكان الإرسال فى ذلك الزمن 1997 عبر الفاكس لأننا لم ندخل بعد فى الجريدة إلى عالم الانترنت ولكننا دخلنا بسبب إدراكى لهذا التطور أثناء هذه الزيارة . كنت قد أرسلت مقالا بالصور عن زيارتى لقاعدة وكالة الفضاء الأمريكية ناسا فى كيب كابرال بفلوريدا ، وقد تعاملوا معى كزائر فى أى بى وكانت محاولة لإبهارى علما بأننى أنا الذى طلبت موضوع الفضاء فى برنامج الزيارة وكنت أقصد مناقشة تطورات ومشكلات استكشاف الفضاء بعد توقف الرحلات للقمر . ولكنهم حولوا طلبى إلى محاولة للابهار حتى لقد أدخلونى إلى مرآب الصواريخ بل أدخلونى إلى مرآب المكوك الذى يسافر فعليا للفضاء ويعود . واعتذر لى مرافقى انه لن يسمح لى بدخول المكوك خوفا على من أى فيروسات قد تكون عالقة داخل المكوك . بينما لم يكن هذا ما يشغلنى إطلاقا ورغم سعادتى لوجودى فى هذا المكان لحبى منذ الصغرلاكتشافات الفضاء فإن الزيارة أصبحت سياحية بالنسبة لى ولا تشفى غليلى العلمى .

أثناء وجودى فى نيويورك قامت الطائرات الأمريكية بحملة واسعة لقصف العراق المحاصر بدعوى أن الدفاعات الجوية العراقية تفتح النار على الطائرات الأمريكية التى تنفذ حظر الطيران فى جنوب العراق . واستشطت غضبا ولم أجد ما أفعله سوى الاتصال بالجريدة بالقاهرة لوقف نشر مقالى عن زيارتى لوكالة ناسا لأنى رأيت فى المقال دعاية لأمريكا فى وقت ترتكب فيه هذه الجريمة . وأرسلت بدلا منه مقالا ناريا يهاجم الولايات المتحدة بينما أن ضيف الحكومة الأمريكية ونشر المقال وأنا لم أغادر بعد أراضى الولايات المتحدة . سأكتب عن زياراتى لأمريكا فى دراسة أخرى. ولكننى أردت أن أوضح أن ماقاله لى ريشارد ميرفى تأكد على أرض الواقع بعد ساعات من اللقاء . وحقا لماذا تقصف أمريكا العراق المحاصر المجوع المدمر الذى كان لا يشكل فى ذلك الوقت أى تهديد لأى أحد . لقد كانوا يريدون اقتناص العراق كله ، وهذا ما حدث عام2003

فى التسعينيات من القرن العشرين ماذا حدث مع الاتحاد السوفيتى فى أيامه الأخيرة وبداية الدولة الروسية .

كان حلف الأطلسي يتألف عند تأسيسه عام 1949 من 12 دولة، وانضمت تركيا واليونان اليه في عام 1952 تبعتهما المانيا الغربية (جمهورية المانيا الاتحادية) في عام 1955. ولكن الولايات المتحدة كانت دائما هي القوة المهيمنة عسكريا على الحلف وهو حلف مخصص لمواجهة الخطر الشيوعى الذى لم يعد موجودا بعد 1991 .

أصبحت جمهورية التشيك والمجر وبولندا أولى الدول الاعضاء في حلف وارسوالشيوعى السابق التي تنضم الى حلف شمال الاطلسي في عام 1999.

وجاءت الخطوة التاريخية التالية في عام 2004، عندما انضمت الجمهوريات السوفيتية السابقة ليتوانيا واستونيا ولاتفيا الى الحلف اضافة الى سلوفينيا وسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا.

كما انضمت كل من البوسنة والجبل الأسود وصربيا الى برنامج “الشراكة من أجل السلام” الذي يديره الحلف، وهي الخطوة الاولى باتجاه العضوية الكاملة. وفي قمة عقدت في العاصمة الرومانية بوخارست في نيسان / ابريل 2008، دعت الدول الاعضاء في الحلف البانيا وكرواتيا للانضمام اليه حسب الجدول الموضوع لهما. نحن أمام ضم 15 دولة شرقية لحلف الناتو وهى عملية خنق واضحة لروسيا غير الشيوعية ولا تحتاج لمحلل استراتيجى كى يفهمها !

كيف تعلق البى بى سى على هذا التطور وهى محطة حكومية بريطانية خاضعة للمخابرات سياسيا وتمولها وزارة الخارجية البريطانية ، وبريطانيا هى الحليف الموثوق لأمريكا ماذا تقول بتاريخ 13 إبريل 2017 :

حلف شمال الأطلسي أسس في فترة سادها الخوف والقلق في الدول الغربية من امكانية “تمدد” الكتلة السوفيتية في أوروبا. ولذا، فقد الحلف مبرر وجوده الاساسي عندما انهار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو في عام 1991.

منذ ذلك الحين والحلف يستغل دوره الدفاعي لتبرير سياسة استباقية للتصدي للأحداث التي تقع خارج منطقة نفوذه التقليدية، بحجة ان أي حالة فوضى تقع في أوروبا قد تشكل تهديدا للدول المنضوية تحت لوائه.

الحلف فقد مبرر وجوده كما تقول بى بى سى ولكنها تكمل التقرير :

شكل الحلف في اواخر عام 1995 أول قوة دولية – بموجب تخويل من الأمم المتحدة – لتنفيذ بعض الجوانب العسكرية لاتفاق السلام في البوسنة الذي تم التوصل اليه في دايتون بولاية أوهايو الامريكية.

وفي عام 1999، شن الحلف حملة قصف جوي استمرت 11أسبوعا على يوغسلافيا كان الغرض منها طرد القوات الصربية من كوسوفو. كانت تلك الحملة الأكبر من نوعها التي يشنها الحلف، وأول مرة يستخدم فيها الحلف القوة المسلحة ضد دولة مستقلة ذات سيادة دون تخويل من الأمم المتحدة. وما زالت قوة الحلف لحفظ السلام عاملة في كوسوفو، رغم تخفيض حجمها من 16 الف عسكري الى 6 آلاف في عام 2012.

وفي عام 2003، نقل الحلف وللمرة الاولى في تاريخه، نشاطاته الى خارج القارة الأوروبية عندما تولى القيادة الاستراتيجية لقوة حفظ السلام ذات التخويل الأممي في

العاصمة الأفغانية كابول وحولها.

مالم يقله التقرير أن الحملة ضد صربيا وكوسوفا لم تكن نصرة للمسلمين كما فهم السذج من أهلنا . ولكنها كانت حملة لضرب النفوذ الروسى المتبقى فى يوغسلافيا السابقة . بدليل أن اتفاق دايتون منع المسلمين من تشكيل حكومة لهم فى البوسنة والهرسك. وتكرر الأمر مع كوسوفو .

– 9 –

مقدمات الحرب العالمية الثالثة

بعد سقوط الاتحاد السوفيتى أصرت أمريكا على تدمير دولة روسيا وتفتيتها . وتم ضم 15 دولة شرقا على مقربة من روسيا وعلى حدو دها للناتو . ولم يكتفوا بذلك فكانت الحرب فى البوسنة والهرسك وفى كوسوفو تستهدف استئصال ما تبقى من النفوذ الروسى وليس نصرة المسلمين كما تصور السذج من أهلنا . وبعد ذلك تم استخدام الناتو لمناصرة الاحتلال الأمريكى لأفغانستان . وتم غزو العراق بدون موافقة الأمم المتحدة وشاركت بعض دول الناتو فى هذه الجريمة التى كانت تعارضها فرنسا وألمانيا فى ذلك الوقت .

وبالتالى فإن أمريكا كبلطجى العالم تحارب تحت مظلة الأمم المتحدة أو خارجها مع الناتو أو بدون الناتو وكل الأمور تقرر فى واشنطن .

في سنة 1991 شكل وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني فريق عمل للتفكير في الاستراتيجية التي يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية العمل بها خلال الأعوام القادمة. ضمت هذه المجموعة عدة شخصيات من أمثال بول ولفويتز وإرفي لويس ليبي وإريك أديلمان، وهم من المحافظين الجدد الذين يوصفون بأنهم من «المفكرين الذين يتمتعون بصلابة فكرية كبيرة والذين يحملون رؤية قوية وأكثر جرأة من أي كان في واشنطن». 

في سنة 1992 حصلت صحيفة نيويورك تايمز على نسخة من المسودة الأولى للتقرير الذي وضعته هذه المجموعة وقد جاء فيه ما يلي على وجه الخصوص: «يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحول دون قيام أي قوة جديدة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية ومنع أي دولة أو تحالف من التحول إلى قوة عظمى في العالم». 

أثارت تلك التسريبات الصحفية في تلك الفترة موجة واسعة من الانتقادات فى أوروبا والعالم .

فى تلك الفترة انفردنا فى جريدة الشعب برؤية خاصة وهى أن الانفراد الأمريكى بالعالم ما هو إلا لحظة عابرة ستنتهى بسرعة لأن الاتحاد السوفيتى المنافس سقط أساسا لأسباب ذاتية خاصة به . وضربت ساعتها مثلا بفوز الملاكم فى المباراة لأن خصمه سقط على الأرض لأسباب خاصة به وليس لأن خصمه لكمه وأوقعه .

وهذا ما أكده خبراء ومفكرون أمريكيون فى أواخر التسعينيات من القرن العشرين .

مع تولي جورج بوش الابن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية و

منذ نهاية فترة الثمانينيات ظلت مجموعة من المفكرين والباحثين تعلن النهاية المحتومة للقوة الأمريكية في العالم – على غرار المؤرخ البارز بول كنيدي سنة 1987. 

اعتبر هؤلاء أن الولايات المتحدة –وعلى غرار كل الامبراطوريات الأخرى على مر التاريخ– ستدخل في الانحدار إذا لم تخفض نفقاتها الهائلة وتحد من تدخلاتها العسكرية في الخارج. اعتبر هؤلاء منذ فترة نهاية الثمانينيات أن كل المؤشرات حمراء وباتت تنذر بالخطر الذي يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية على غرار ضعف الدولار وتراكم الديون وتراجع القدرة التنافسية في مواجهة المنافسين اليابانيين والأوروبيين. 

قد كتب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وليام كوهين في التقرير العسكري الفصلي الصادر سنة 1997 يقول: «خلال الأعوام العشرة الماضية شهد العالم تغييرات عديدة وتحولات كبيرة ومتسارعة. فقد تفككت الإمبراطورية السوفيتية وسقط الجدار الحديدي وانهار جدار برلين… لقد احتفل الشعب الأمريكي وانتشى كثيرا بهذه التحولات كما أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تتراخى الآن، شعورا منها بأن قيمها ستنتشر في الخارج وتسود العالم في ظل ما يسمى «القرن الأمريكي». يجب أن نخفف من شعورنا بنشوة الانتصار وندرك رغم أن خطر الحرب العالمية قد تراجع، فإن العالم سيشهد ظهور تهديدات وأخطار جديدة قد تكون أكثر صعوبة وتعقيدا في الآفاق»!

ويقول آرنو بالفى أستاذ التاريخ الغربى عام 2019 :

في سنة 2002 طرحت إدارة جورج بوش وثيقة «استراتيجية الأمن القوي» وقد اتضح تأثرها الكبير بأطروحات المحافظين الجدد. ترمي تلك الاستراتيجية إلى الحفاظ على عالم أحادي القطب حتى تكون فيه الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الوحيدة التي تسود العالم. تم استبدال مفاهيم «الردع» و«الاحتواء» بمفهوم «الحرب الوقائية» ومفهوم «تعددية الأطراف» بمفهوم «الأحادية». لاشيء يعلو فوق الأمن القومي الأمريكي وكل شيء بات يبرر التدخل العسكري الأمريكي، حتى إن اقتضى ذلك التدخل خارج إطار المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، على غرار ما حدث إبان الغزو العسكري الأمريكي للعراق سنة 2003. 

2013 – 2019 .. نهاية الهيمنة الأمريكية؟

مع نهاية سنة 2010 أصبحت الهيمنة الأمريكية في العالم أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فقد نشرت القوات الأمريكية 150 ألف جندي إبان الغزو العسكري في العراق الذي تحول إلى مستنقع «فيتنامي» جديد في الشرق الأوسط. في سنة 2008 تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لأزمة اقتصادية ومالية حادة تعرف باسم «أزمة الرهن العقاري» في نفس الوقت وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تواجه عودة روسيا وصعود القوة الاقتصادية الصينية على الساحة الدولية، وهو ما زاد من حجم التحديات أما سلطات واشنطن.

 سجلت الولايات المتحدة أيضا في عهد إدارة باراك أوباما عودتها إلى المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف وإلى مفهوم «القوة الناعمة». أطلق الرئيس أوباما مع وزيرة خارجيته استراتيجية «آسيا – المحيط الهادي» انطلاقا من أن مركز الثقل في العالم سينتقل إلى دول آسيا المطلة على المحيط الهادي – وما على الدبلوماسية الأمريكية إلا أن تتصرف على هذا الأساس. ترمي هذه الاستراتيجية إلى تحقيق هدفين  اثنين: تقوية العلاقات الاقتصادية في منطقة تحقق معدلات نمو عالية، مع العمل على احتواء أي طموحات صينية للهيمنة على تلك المنطقة الحيوية، في ظل تنامي القوة العسكرية والاقتصادية الصينية. 

مع نهاية عهدة باراك، اتضحت ضحالة إنجازاته على صعيد السياسة الخارجية. فقد اعتبر الكثيرون أن السياسة التي انتهجها أوباما هي التي خدمت مصلحة القوى الإقليمية الناشئة، التي تسعى لسد الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأمريكية بسبب استراتيجية إدارة أوباما. فالصين توشك اليوم أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم فيما عادت روسيا بقوة إلى الساحة الدولية، وهو ما يتجلى في منطقة الشرق الأوسط. انتهى الاقتباس

أردت أن أنقل لكم من خلال نماذج من الفكر الغربى حالة الولايات المتحدة بين الغطرسة والتراجع التاريخى الإجبارى . وتلك الأيام نداولها بين الناس .

– 10 –

لماذا اضطرت روسيا لإشعال الحرب العالمية الثالثة ؟

تحدثت عن خطة أمريكا لحصار روسيا والعمل على تفكيكها كدولة بعد سقوط الشيوعية ، وكيف ضمت 15 دولة حولها لحلف الناتو تقع كلها شرق روسيا وهى دول كانت ضمن المعسكر الشيوعى حتى عام 1991 . وبهذا المعنى فإن روسيا تأخرت عندما قررت وقف هذا المسلسل السمج المعادى الذى يحمل كل معانى الصلف وعدم الاعتراف بالآخر الذى أصبح رأسماليا ومسيحيا أرثوذكسيا وطلب رسميا الانضمام للاتحاد الأوروبى والناتو ، وأصبح له عضو مراقب فى الناتو وبدأ يدخل فى المنظمات الأوروبية كمجلس الأمن الأوروبى الذى انسحبت روسيا منه مؤخرا فى هذه الأزمة الأخيرة قبل أن يقرر المجلس طردها . نعم روسيا تأخرت لمدة 3 عقود أى منذ عام 1991 حتى الآن ، تأخرت من وجهة نظر المصالح الوطنية والقومية الروسية .

وقد تولى الحكم فى السنوات التسع الأولى جورباتشوف ويلتسين والاثنان وقعا فى حبائل المخططات الأمريكية واليهودية حتى ان البعض فى روسيا يتهمهما بالعمالة الصريحة وهذا لايهمنا الآن ، ما يهمنا أنهما ساهما بالفعل فى دفع روسيا إلى نفق مظلم بالاستجابة لكل إغراءات الغرب الكلامية ، بالعفو عن روسيا والترحيب بها كدولة غير شيوعية فى المجتمع الدولى ـ وإذكاء المديح الفارغ والمنافق لهما فى ماكينة الاعلام الغربى ، والترحيب باستقبالهما فى العواصم الغربية وتبادل الزيارات معهما بزيارة زعماء الغرب لموسكو . وأتحدث هنا على التوالى . فالأول كان ميخائيل جورباتشوف الذى تولى رئاسة الحزب الشيوعى السوفيتى عام 1985 ثم تولى رئاسة الدولة السوفيتية عام 1988 حتى عام 1991 وكان له دور أساسى فى تفكيك الاتحاد السوفيتى . ويمكن الرجوع لكتب و مقالات د. سامى عمارة مراسل الأهرام وهو فى تقديرى من أبرز المتخصصين فى الشئون الروسية وهو مصرى عاش ولا يزال يعيش فى موسكو ، وهو يكتب بموضوعية شديدة . ومن الطريف وإن لم يكن طريفا أن جورباتشوف كان نصف أوكرانى ، نشأ فى جمهورية ستافروبول كراي وهى نصفها روس ونصفها الآخر أوكران ، بل كانت أسرته كذلك بالمناصفة : أبوه روسى وأمه أوكرانية . وقد دخلت أوكرانيا فى التاريخ لتكون لعنة روسيا . فالذى هدم روسيا والاتحاد السوفيتى جورباتشوف نصف الأوكرانى . ومن قبله كان سكرتير الحزب الشيوعى نيكيتا خروشوف الأوكرانى هو من أصدر قرارا بضم شبه جزيرة القرم إلى جمهورية أوكرانيا التابعة للاتحاد السوفيتى.

في عام 1954 قدّم الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف هدية إلى أوكرانيا: القرم . وفي حينه، بدا القرار إجراء روتينياً ، حتى إن صحيفة “برافدا”، الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفييتي، أوردت الخبر بجملة طويلة واحدة يوم 27 فبراير/ شباط ،1954 قائلة: “أصدر مجلس السوفييت الأعلى مرسوماً يقضي بنقل ملكية محافظة القرم من الجمهورية الروسية إلى جمهورية أوكرانيا، آخذاً في الاعتبار الطابع التكاملي للاقتصاد، والمجاورة الجغرافية، والروابط الاقتصادية الوثيقة بين محافظة القرم وجمهورية أوكرانيا، ومصادقاً على اقتراح رئاسة مجلس السوفييت الروسي ورئاسة مجلس السوفييت الأوكراني بشأن نقل محافظة القرم من الجمهورية الروسية إلى الجمهورية الأوكرانية” .
هكذا حصلت أوكرانيا على “هدية” .
وكانت تلك “هدية”، لأن قرار خروتشوف كان في الظاهر احتفالاً بالذكرى ال 300 لاندماج أوكرانيا في الإمبراطورية الروسية . ومن المرجح أن خروتشوف ما كان ليظن أن الاتحاد السوفييتي سيختفي بعد أقل من 40 سنة . وكما لاحظ لويس سيغلباوم، بروفيسور التاريخ في جامعة ميشيغان، فإن روابط القرم الثقافية مع روسيا كانت أقوى بكثير منها مع أوكرانيا . وفي ذلك الوقت، كان هناك أكثر من ثلاثة روس مقابل كل أوكراني في القرم . وأشار أيضاً إلى أنه لم تكن هناك قواسم مشتركة بين القرم وأوكرانيا، حيث إن شبه الجزيرة كانت أساساً مقصداً سياحياً لسكان بقية الاتحاد السوفييتي .
ومن جهتها، أشارت نينا خروتشيفا، ابنة حفيد خروتشوف وبروفيسور الشؤون الدولية في الجامعة الجديدة في نيويورك، إلى أن خروتشوف كان يعشق أوكرانيا، وقالت بشأن نقل القرم: “أعتقد أن تلك كانت بادرة شخصية تجاه جمهوريته المفضلة . ” .
وعندما كان خروتشوف في سن المراهقة، ذهب للعمل في مناجم أوكرانيا، ثم انضم إلى الحزب الشيوعي وأخذ يرتقي في صفوفه . وقد تزوج امرأة أوكرانية .
وفي 19 فبراير/ شباط ،2009 نشرت “برافدا” تقريراً موثقاً وصفت فيه مسألة القرم على النحو التالي:
“أبلغ خروتشوف رفاقه بقرار نقل القرم إلى أوكرانيا، وذلك بصورة عرضية أثناء توجههم لتناول الغداء، قائلاً: “نعم أيها الرفاق، هناك رأي بشأن إعطاء القرم إلى أوكرانيا” . ولم يجرؤ أحد على التعبير عن أي معارضة” .
وتابعت “برافدا” تقول: “جدول أعمال جلسة مجلس السوفييت الأعلى، التي عقدت يوم 15 يناير/ كانون الثاني1954 تضمنت مسألة تتعلق بنقل ملكية القرم إلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفييتية . ومناقشة تلك المسألة استغرقت 15 دقيقة فقط . وقد وافق المشاركون على المرسوم، وبذلك أعطيت المنطقة مجاناً إلى أوكرانيا” .
وقال المؤرخ سيغلباوم: “إن هدية لم يكن لها معنى جوهري في حينه ارتدت اليوم أهمية تاريخية كبرى” 

كذلك كان ليونيد بريجينيف أكثر قادة الاتحاد السوفيتى استمرارا فى الحكم أوكرانيا أيضا ! فقد كان الأمين العام للحزب الشيوعى السوفيتى بعد إقالة خروتشوف ، أى عام 1964 واستمر حتى وفاته عام 1982 . وفى عهده اتخذ أسوأ قرار وهو غزو واحتلال أفغانستان . المهم أن أوكرانيا حكم الاتحاد السوفيتى لمدة 18 عاما وحافظ على وضع واستقلالية ومكاسب أوكرانيا وذلك بعد حكم الأوكرانى خورتشوف من 1953 عقب وفاة ستالين حتى 1964 أى 11 سنة ويكون مجموع حكم رئيس أوكرانى للاتحاد السوفيتى 29 عاما + 6 سنوات لجورباتشوف نصف الأوكرانى يكون المجموع 35 عاما ! و هذا يعكس أن أوكرانيا لم تتعرض لأى إضطهاد خلال وجودها بالاتحاد السوفيتى . بل بالعكس كانت لأوكرانيا أوضاع متميزة ، وليس مجرد ضم شبه جزيرة القرم إليها .

وبعد جورباتشوف حكم يلتسين روسيا بعد الشيوعية من 1991 حتى عام 2000. وكان أكثر الرؤساء سوءا على الاطلاق إلى حد أنه كان مدمنا للخمور ، وكان وثيق الصلة بالأمريكيين ويهود روسيا الذين خططوا لفوزه فى الانتخابات وكانت ابنته تاتنيا حلقة الوصل معهم وكانت غرفة العمليات فى فندق لصيق بالكرملين . وفى عهده وصلت روسيا إلى الحضيض . انهيار قلاعها الصناعية وبيعها فى عملية خصخصة فاسدة كتلك التى تجرى فى العالم الثالث ، حيث بيعت أعظم وأهم الشركات بأبخس الأثمان ليهود روس وأجانب . كانت الدولة متعثرة فى دفع المرتبات للجنود وكبار الضباط والعلماء وسائر الموظفين . وانهار سعر الروبل ، وانفجرت حالة من الغلاء الفاحش تحت قيادة صندوق النقد الدولى وتم إغراق روسيا بالديون كأى دولة متخلفة فى افريقيا، حتى إن بوتين عندما تولى الحكم عام 2000 كان يواجه مشكلة التعثر فى سداد هذه الديون والتى كانت بعشرات المليارات من الدولارات .

فماذا فعل بوتين تجاه هذه التحديات الداخلية والخارجية خاصة تلك المتعلقة بزحف الناتو

شرقا ومحاصرة روسيا وتفكيكها ؟

– 11 –

كيف اتجه بوتين إلى قرار إعلان الحرب العالمية الثالثة ؟ ولماذا ؟

لا أقصد من العنوان أن بوتين حين تولى الحكم فى روسيا عام 2000

قرر أو كان يفكر فى إعلان الحرب على الولايات المتحدة . بالتأكيد لا . فبوتين رجل واقعى وقد استلم الحكم و روسيا فى أشد حالات الانهيار ، كانت كما ذكرنا غارقة فى الديون وكانت مشكلة بوتين الأولى كيف يلتزم بسداد الدين وأقساطه وكان قد وصل حوالى 150 مليار دولار . ولكن المقصود من العنوان أن التحديات دفعت بوتين فى النهاية إلى ضرورة مواجهة هذا التغول الأمريكى والغربى على روسيا الذى وصل إلى مرحلة الإذلال.

بالعكس بدأ بوتين الحكم وفى تصوره أن يتابع طريق الصداقة والتعاون مع الغرب ، بل وصل به الأمر إلى حد إقامة علاقات صداقة وطيدة مع تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا ، أقصد وصل الأمر إلى حد الصداقة الشخصية وظلت مستمرة ولم ينفصم عراها إلا بسبب موقف بلير المؤيد و المتحمس لغزو العراق عام 2003 بل وبسبب مشاركته العسكرية المباشرة فى الغزو .

  • ميخائيل زيغار – كل جيش الكرملين – دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع – دمشق – الطبعة الأولى – 2018 والمؤلف من أهم الصحفيين الروس و على اتصال بالدوائر المحيطة ببوتين.

كان بوتين يتصور أن يسير على درب يلتسين وجورباتشوف فى مجال تطوير العلاقات مع أميركا والغرب ، ولكن كان فى ذهنه منذ اليوم الأول ضرورة انتشال روسيا من المستنقع الذى سقطت فيه خلال 9 سنوات منذ سقوط الاتحاد السوفيتى . وكانت له مقولة شهيرة عن أن سقوط الاتحاد السوفيتى أخطر وأكبر كارثة جيو استراتيجية . كان لإبن الكى جى بى – المخابرات السوفيتية – وقد عاش زمن الازدهار الروسى فى العهد السوفيتى ، كان له رؤية واضحة وعقيدة لاتتزعزع بضرورة إستفاقة روسيا واستعادة مجدها المضيع . لم يتصور أبدا أن يستعيد الماضى الشيوعى وكانت له تصريحاته القاطعة فى هذا الشأن . وكان صادقا فقد كانت معاركه السياسية والانتخابية الأولى ضد الحزب الشيوعى الروسى بزعامة بريماكوف الشهير . وكان هو وجماعته خصوما للشيوعيين فى الانتخابات التشريعية والرئاسية التى انتهت بتتويج بوتين رئيسا .

كان بوتين يسعى لاستعادة قوة روسيا الاقتصادية من خلال استنهاض القطاع الرأسمالى الروسى الوطنى والتخفف من الهيمنة اليهودية على الاقتصاد والتى كانت تصب فى مصلحة الغرب ، وعلى الصعيد الخارجى بدأ يعيد تنظيم صفوف الجيش الروسى وإعادة الحياة للتصنيع الحربى ولكل ماله علاقة به وعلى رأس ذلك استعادة روح البحث العلمى والتكنولوجى . وقد تم ذلك بالتدريج بطبيعة الحال . وكانت المعضلة الواضحة كيف يجد التمويل للنهضة الاقتصادية وإعادة البناء العسكرى فى آن معا . ولم تكن القروض طريقا أو وسيلة لذلك . وقد رأى بنفسه وعانى مباشرة من كابوس الفوائد والأقساط وكان على أبواب إعلان تعثر روسيا فى السداد أى إفلاسها ، وهذا يضعها بصورة أكبر تحت رحمة أمريكا والغرب .

وأنا مهتم بتوضيح ذلك ولوباختصار لأن هذا درس نريد أن نتعلم منه للنهضة العربية المستقلة . فأنا لست فى معرض تقديم دفاع عن بوتين وروسيا . ولكننى أدعو للتعلم من النهضة الروسية فى عهده كما كتبت من قبل كثيرا أدعو للتعلم من النهضة اليابانية والألمانية والصينية والإيرانية والماليزية الخ . وفى نفس الوقت أريد ان أصل للعمق فى فهم الأحداث الجارية الآن فى أوكرانيا وأوروبا بل والعالم بأسره . وموقفى واضح بدون أى التباس فأنا أدعو للتعاون والتحالف مع روسيا والصين ضد الهيمنة الأمريكية ونحن نقف على أرض مستقلة تماما كعرب وكمسلمين .

كانت خطة بوتين الصائبة أن النفط الروسى : غاز وزيت خاصة الغاز وروسيا هى المنتج الأول له ولديها أكبر احتياطيات منه فى العالم ، هذا الغاز من المفترض أن يكون هو مصدر تمويل عملية التنمية المستقلة وعملية إعادة تقوية وتطوير الجيش الروسى فى مواجهة العدوانية الأمريكية . وروسيا بالفعل هى المصدر الأول للغاز فى العالم . وكان اليهود الروس يسيطرون على أكبر شركات الغاز ولا يقومون بتمويل العملية التنموية الروسية بطبيعة الحال بل استغلوا هذه الأموال فى أشياء ضارة عديدة : استثمار أموال الغاز فى الخارج ، وشراء وسائل الاعلام الروسية وبناء إمبراطورية إعلامية تقوم بدور تخريبى ضد المشروع القومى لاستنهاض روسيا . راجع كتابى : روسيا من احتلال المغول حتى نهضة بوتين – الفصول الثلاثة الأخيرة : 8 و9 و10 .

باختصار شديد عصبة اليهود الروس الذين سيطروا على الغاز والاعلام ومجمل الاقتصاد الروسى لصالح أمريكا وأهدافها ، أصبحوا فى السجن أو هاربين فى أوروبا واسرائيل كما حصلوا على الجنسية الاسرائيلية .

وتوفر التمويل لمشروع نهضة روسيا الاقتصادية والعسكرية والحضارية عموما .

على مستوى التحديات الخارجية كان بوتين يرى توسع الناتو شرقا ورأى بنفسه روسيا تختنق من الخارج والصواريخ النووية تحيط بها من كل جانب ، ومناطق النفوذ تضيع تباعا . حقا لقد بدأ ذلك قبل استلامه للحكم ولكنه استمر مع توليه للسلطة ولم يكن بمقدوره فى البداية أن يفعل شيئا حقيقيا ملموسا لوقف هذا الحصار والزحف العسكرى للناتو والقواعد الأمريكية حتى فى بلدان لم تدخل الناتو بعد كما هو الحال فى بلدان وسط آسيا التى استقلت عن روسيا مع سقوط الاتحاد السوفيتى .

كان بوتين يعد لهجوم معاكس ، يعد لمرحلة الارتداد والاسترداد . كما ينضغط الياى إلى الحد الأقصى بحيث لم يبق أمامه سوى العودة التدريجية للصعود إلى أعلى . كان بوتين وقد أعاد بناء مؤسسات الدولة وبدأ عملية البناء الداخلى يستجمع قواه لساعة الصفر للهجوم المعاكس بعد أن أصبحت روسيا مضغوطة ولم يبق أمامها سوى القطب الشمالى المتجمد ، وحتى هذا تطل عليه الولايات المتحدة وتنازع روسيا فيه .

وجاءت ساعة الصفر فى جورجيا الجمهورية السابقة داخل الاتحاد السوفيتى عام 2008 أى بعد 8 سنوات من تولى الحكم .

لا اريد أن أحول بوتين إلى أسطورة فقد كانت هناك عصبة واسعة نسبيا داخل الدولة الروسية تتمزق قلوبها من أجل ما جرى لروسيا التى هوت من قمة العالم إلى الحضيض . وقررت هذه العصبة إعادة بناء روسيا وقد كانت بالفعل فى العمود الفقرى للنظام السوفيتى ، ورأوا ضرورة استعادة مجد روسيا لا استعادة الشيوعية وكان بوتين قائد هذه العصبة ، وهى لم تكن كلها من جهاز المخابرات السابق، لكن من مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة . ولكننا لانغمط المخابرات حقها ، فلا شك أنها كانت العصب الأساسى لمجموعة بوتين . والمخابرات عموما فى أى بلد ، وأقصد المخابرات المختصة بمواجهة المخاطر الخارجية والأمن القومى ، عندما تكون مخلصة لبلادها فإن دورها يكون بالغ الأهمية . وبالتالى لايجوز أن ننسب كل شىء لبوتين فهناك منظومة متكاملة نهضت من تحت الرماد والركام لتعيد بناء روسيا . وبوتين هو قائد هذه المجموعة وكان موفقا ومناسبا ، كان رجل المرحلة ولايزال . الأمور كلها واضحة فى ذهنه ولديه قلب قد من حديد وقد نجح حتى الآن بصورة باهرة . وكل حديثى من وجهة نظر المصالح الوطنية الروسية . ونحن لسنا ضد أن تنهض روسيا أو أى بلد فى العالم . ولكن الدور والبقية علينا نحن العرب ماذا نفعل كي ننهض ؟ حتى لا يأكلنا الكبار فى العالم

والآن ماذا حدث فى أبخازيا التى وقف معها بوتين عام 2008 ؟

وماحدث ساعتها كان بداية الطريق إلى أوكرانيا . بداية الطريق للحرب العالمية الثالثة الحالية .

– 12 –



عندما قال بوتين لجورج بوش : لن نسمح بدخول أوكرانيا الناتو .. وعندما أهان بوتين حكام أمريكا وأوروبا بأشد الألفاظ..

فى عام 2008 كان بوتين قد أمضى فترتين رئاسيتين فى الحكم وكان وفقا للدستور فى ذلك الوقت لابد أن يخرج من السلطة وبالفعل تسلم الرئاسة مديفيديف المقرب من بوتين ، ولكن ظلت السلطة الحقيقية فى يد بوتين لمدة أربع سنوات حتى عاد صراحة من جديد إلى الرئاسة بالتفاهم مع ميديفيد الذى لايزال يعمل فى السلطة حتى الآن مع بوتين وهى مسألة لافتة للنظر .

حدثت الأزمة مع جورجيا فى الأيام الأخيرة لحكم بوتين كرئيس وفى بداية عهده برئاسة مجلس الوزراء التى تولاها خلال حكم ميديفيد كرئيس . وظل بوتين هو الذى يدير بشكل مباشر الأزمة مع جورجيا ومجمل السياسة الخارجية .

جورجيا كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتى وخرجت من الاتحاد السوفيتى واستقلت مع الآخرين وكانت تتبعها منطقتان للحكم الذاتى : أبخازيا نصف المسلمة وأوسيتيا الجنوبية المسيحية ولخلافات تاريخية انفصلت المنطقتان عن جورجيا ولكنها لم تعترف بذلك وسعت لضمهما مرة أخرى لجورجيا وكانت روسيا تحاول إقناع جورجيا بالتخلى عن ذلك والاعتراف بالدويلتين الوليدتين و هما تربطهما علاقات ودية مع روسيا . وكانت جورجيا تشكل ثنائيا مع أوكرانيا فى مسألة التوجه نحو الغرب والسعى للدخول للاتحاد الأوروبى والناتو .

من المهم أن نسرد بعض تفاصيل هذه الأزمة لأنها كانت بروفة لأوكرانيا وتوجد ملامح مشتركة بين الأزمتين رغم أن أزمة أوكرانيا هى الأخطر . وأيضا لأن هذه الأزمة كانت النقطة الفاصلة فى حياة روسيا وزعيمها بوتين ، فقد كانت نقطة التوقف بعد انسحاب متواصل من عام 1991 ، كالجيش الذى ينسحب مهرولا ثم يقرر فى نقطة معينة التوقف عن الانسحاب وإعادة تنظيم الصفوف والاستدارة وشن حرب معاكسة على المهاجمين . هذا ماحدث فى أزمة جورجيا عام 2008 . فقد أعلن فيها بوتين حرب الاسترداد .. استرداد النفوذ والأرض التى فقدها كأرض صديقة تحولت خلال عقد من الزمان إلى أرض معادية محيطة بروسيا من الشرق والجنوب . وجورجيا تقع فى جنوب روسيا وعلى حدودها . وكان تجبر أمريكا وصلفها شديدا ، وكانت تستعد لضم جورجيا مع أوكرانيا للناتو .

نبدأ سرد هذه القصة المثيرة التى ستفيدنا فى فهم مايجرى الآن عام 2022 فى أوكرانيا ، نبدأ بالتعرف على عدو روسيا ، والتعرف على العدو مهم . فإذا كان لنا آراء وتحفظات ضد روسيا أو ضد بوتين ، فلنعلم أولا طبيعة أعدائه لعلهم يكونوا أسوأ منه .

كان يرأس جورجيا فى ذلك الوقت رئيس اسمه ميخائيل ساكاشفيلى. وكان يدهش الجميع ، كيف يمكن لرئيس أن يجلس نصف النهار فى مطعم مع الصحافيين ، وهو يشرب الويسكى ، أو على سبيل المثال كيف يمكن أن يغيب طيلة أمسية ويركب الطائرة العمودية ليتوجه إلى نادى ليلى فى باتومى . كان ساكاشفيلى يعيش حياة بذخ وترف ، وكان يستقل الطائرة من فترة لأخرى برفقة مساعداته الشابات من بلد لآخر لشئون مريبة !

ويقول ميخائيل زيغار – مرجع سابق – وهو من كبار الصحفيين الروس وهو ليس تابعا لبوتين بل له ملاحظات وانتقادات عليه فى نفس هذا الكتاب ، يقول : لم يتهم ساكاشفيلى بسرقة أموال الدولة ولكن جميع الاتهامات التى وجهت إليه فى جورجيا تتعلق بتجاوز صلاحياته وهدر أموال الدولة ولكن ليس سرقتها !

فى 4 إبريل عام 2008 كان من المفترض أن تعقد قمة الدول الأعضاء حلف الناتو فى بوخارست عاصمة رومانيا وهى من الدول الشيوعية الشرقية السابقة التى تحولت إلى عضو فى الناتو . وكان من المقرر فى هذه القمة منح جورجيا وأوكرانيا وضعية المرشحين للناتو والتى تسمى ” خطة العمل لاكتساب العضوية ” وهو مايعنى أن إنضمام هذا المرشح لحلف الناتو أصبح حتميا ولكن يبقى تنفيذ بعض الاجراءات الروتينية .

وقبل اجتماع القمة بأسابيع زار ساكاشفيلى واشنطن ، وفى الصباح وقبل أن يقابل جورج بوش اتصلت به أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا وحذرته ، كما قال ساكاشفيلى نفسه ، قائلة : أتعرف ، مهما أعطاك جورج بوش من وعود ، لن أسمح بإعطاء جورجيا وأوكرانيا وضعية ” خطة العمل لاكتساب العضوية ” . فحدث ساكاشفيلى بوش بإتصال ميركل . أجابه بوش : إنجز أعمالك ومهماتك ، وأنا بنفسى سأهتم بهذه المرأة ! ولكن فى القمة فى بوخارست ظلت أنجيلا ميركل متشبثة برأيها بقوة ، وقد أيدها الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى ، وكانت حججهما أن أوكرانيا وجورجيا غير مهيأتين للانتساب إلى الحلف . فيما يتعلق بأوكرانيا ، يقف القسم الأكبر من سكانها بحدة ضد حلف الناتو . أما بالنسبة لجورجيا فقد قالا إن ميخائيل ساكاشفيلى لا يبدو ديموقراطيا حقيقيا ، فقد أغلق فى نوفمبر 2007 أكبر قناة تلفزيونية للمعارضة، وفرق بقسوة شديدة حشد للمعارضين لسلطته . وقال الرئيس الفرنسى ، إن لدى جورجيا نزاعين حدودين مجمدين ، فهل بلدان حلف الناتو مستعدة لإرسال جنودها إلى هناك إذا ما انتقل النزاعان الحدوديان فى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية إلى مرحلة أخطر ؟

هاجمت دول أوروبا الشرقية بإيعاز من أمريكا الموقف الفرنسى والألمانى باعتباره ممالئا للروس بسبب احتياجهما للغاز الروسى .

واستمر الجدال لليوم الثانى وشهد جدالا نسائيا حادا بين كونداليزا رايس الأمريكية وميركل وكان النقاش بينهما بصوت مرتفع وكان الشجار ويالا الطرافة باللغة الروسية ! فالاثنتان تجيدان اللغة الروسية . وانتهى الصراع إلى صيغة وسط ، وهى إلغاء مسألة خطة العمل لاكتساب العضوية للبلدين مع الاشارة فى البيان الختامى إلى أن هاتين الدولتين ستكونان عضوين فى الناتو بدون تحديد موعد . وهذا القرار أغضب روسيا لأنه يعنى أن البلدين سيصبحان عضوين فى الناتو مستقبلا . وفى اللقاء الختامى الذى حضره بوتين لأن روسيا كانت عضوا مراقبا فى الناتو احتد بوتين كثيرا وقال لجورج بوش : أوكرانيا ، هذه عموما ليست دولة . فقسم من أراضيها فى أوروبا الشرقية أما القسم الآخر والأكبر فهو هدية منا. ولن نقبل بدخولها الناتو .l

بعد القمة اشتعل الموقف على جبهة جورجيا وكان للروس قوات سلام فى الجمهوريتين : أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ، وطالب ساكاشفيلى بانسحاب الروس و إحلال قوات الناتو بدلا منها . وتزايدت الحشود الروسية والجورجية على الحدود . وصدرت سلسلة من التصريحات الأمريكية والاوروبية المعادية لروسيا . ويروى الرئيس الجورجى أنه فى اتصال هاتفى مع روسيا لإجراء نوع من المفاوضات رد عليه بوتين وهو رئيس الوزراء ، فقد كان ميديفيد قد تولى الرئاسة فى 7 مايو 2008 ، رد بوتين وتحدث مع ساكاشفيلى بمنتهى الحدة وقال له : أتعرف ما يمكنك فعله ؟ انقل إلى أصدقائك الأمريكيين والأوربيين بأن يأخذوا جميع هذه التصريحات ويدخلوها فى مؤخراتهم . ثم حدثت وقفة صمت وأضاف : نعم يدخلوها فى مؤخراتهم .

هذا مايرويه ساكاشفيلى نفسه والعهدة عليه . وأنا أميل لتصديقه فهذه هى شخصية بوتين . لقد مارس أقصى درجات ضبط النفس خلال 8 سنوات كانت روسيا منهارة وضعيفة وعندما تمكن من الوصول إلى الحد الأدنى من القوة بدأ يزمجر فى وجه المعتدين . لم يخطىء من سماه أبو على . فهو قبضاى باللهجة الشامية ومعلم بكسر الميم باللهجة المصرية وفتوة بكسر الفاء باللهجة المصرية أيضا ، وطالما أن هذا ضد الجبروت الأمريكى فهذا لايضيرنا بل يفيدنا .

لم تنته بعد قصة جورجيا وأوكرانيا وهما توأمان فى معاداة روسيا والتبعية لأمريكا .

– 13 –

عندما شجعت أمريكا جورجيا على استفزاز روسيا ثم تخلت عنها كما تفعل الآن مع أوكرانيا

كيف تصاعدت الأزمة بين روسيا وجورجيا عام 2008 ؟ توقفنا عند الحشود المتبادلة بين روسيا وجورجيا على الحدود بينهما . لم تكن روسيا تطلب إلا أن توقع جورجيا مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اتفاقا ينص على عدم استخدام القوة لكن الرئيس الجورجى رد بأن مثل هذا الاتفاق يمكنه أن يوقعه مع روسيا فقط وليس مع الدولتين المواليتين لها . وكانت الدويلتان قد انفصلتا عن جورجيا بعد حربين انتهتا إلى وقف لإطلاق النار ، حرب مع أوسيتيا الجنوبية فى 1991 – 1992 ، وحرب مع أبخازيا فى 1992 – 1993 .

وفقا لإستبيان عام 2003 وهو ليس إحصاء شاملا دقيقا فإن عدد المسلمين 16 % من السكان ، والباقى مسيحيون أرثوذكس ووثنيين . ولكن سامى عمارة يتحدث عنها كدويلة اسلامية أى يرى أن العدد أكثر من ذلك بكثير . وبالفعل فقد تبين أن مليون أبخازى مسلم سنى قد هاجروا إلى تركيا العثمانية فى القرن 19 بعد احتلال روسيا القيصرية للقوقاز . ووفقا لهذا الاستبيان القديم الذى لم يتم تحديثه فإن عدد السكان ككل 216 ألف نسمة ومساحة أبخازيا 8432 كم مربع أى قريبة من مساحة لبنان . وهناك مكونات عرقية اسلامية متعددة فى البلاد لها تمثيلها فى البرلمان : شيشان وتتار وأنجوش وآذاربيجانيين . وعندما استقلت اعترف بها عدد محدود من الدول من أصدقاء روسيا : فبعد روسيا اعترفت بها سوريا وكوبا وفنزويلا ونيكاراجوا وناورو . والأبخاز هاجر بعضهم لمصر وحملوا اسم الأباظية كتحريف للأبخازية لأن هذا أسهل فى النطق العربى . وهى عائلة الأباظية الشهيرة فى الشرقية.

أوسيتيا الجنوبية لها تاريخ مشابه لأبخازيا والأغلبية مسيحيون أرثوذكس ولكن توجد أقلية اسلامية كبيرة .

وهى جمهورية مستقلة معترف بها من روسيا فقط من قبل  ثم  فنزويلا ونيكاراغوا وناورو وتوفالو وسوريا. يبلغ عدد سكان أوسيتيا الجنوبية 72,000 نسمة ومساحتها 3,900 كيلومتراً مربعاً. العملة الرسمية هي الروبل الروسي.

كانت أوسيتيا الجنوبية خلال الحقبة السوفيتية تقع ضمن إقليم أوسيتيا الجنوبية ذاتي الحكم في جمهورية جورجيا الاشتراكية السوفيتية. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي أعلنت أوسيتيا الجنوبية استقلالها عن جورجيا عام 1990، وأطلقت على نفسها اسم “جمهورية أوسيتيا الجنوبية”. ردت الحكومة الجورجية بإلغاء الحكم الذاتي في المنطقة وحاولت إعادة ضم المنطقة بالقوة. أدى هذا إلى حرب أوسيتيا الجنوبية 1991-1992. اندلعت الأعمال القتالية بين جورجيا والمسيطرين على أوسيتيا الجنوبية في 2004 .

ونعود إلى عام 2008 وحسب أقوال ساكاشفيلى رئيس جورجيا : فى صيف ذلك العام أكد له الأمريكيون أنه لن يحدث أى شىء : فالروس لا يريدون الحرب ” المهم ألا تستفز أنت ولا تخضع للاستفزاز “. أما كونداليزا رايس فتتذكر الحادثة بصورة مغايرة وتقول فى مذكراتها : إنها هى وجورج بوش قالا عدة مرات لساكاشفيلى ” إذا ما بدأت الأعمال الحربية ، فلن ندعمك ، ولا تعتمد أبدا على مساعدتنا . وعندما زارت جورجيا فى يوليو 2008 واصلت نصح الرئيس الجورجى بتوقيع اتفاق عدم استخدام القوة مع الجمهوريتين المستقلتين . وأن ساكاشفيلى لم يستجب لها . هذا ما كتبته فى مذكراتها . ولكن فى نفس الزيارة وبنفس أسلوب النفاق الأمريكى الذى يورط الحلفاء صرحت فى المؤتمر الصحفى الختامى وعلى الملأ : “ إن الولايات المتحدة تدعم وحدة أراضى جورجيا وهى مستعدة للوقوف إلى جانبها “. بل وأعقب ذلك إجراء مناورات عسكرية جورجية أمريكية !!

وفى إطار هذا التشجيع العلنى المتعارض مع النصائح غير العلنية تشجع ساكاشفيلى وانقض على عاصمة أوسيتيا الجنوبية فى تسخينفالى فى 7 أغسطس 2008 . وهكذا نرى أن جورجيا هى التى بدأت الحرب . ولم يعد لصبر روسيا أى معنى بعد ذلك . فاكتسحت القوات الروسية جورجيا وحررت مدينة تسخينفالى فى اليوم التالى الموافق 8 أغسطس. وأعلن ميدفيديف رئيس روسيا فى نفس اليوم نداء بعنوان : عملية الحض على السلام .

لاحظ كيف تصرف بوتين رئيس الوزراء وكان قد رتب كل شىء كما أتصور، ورغم ما قاله ميدفيديف إنه أصدر القرار بمفرده . كان بوتين فى تلك الأثناء فى بكين فى حفل افتتاح الأولمبياد وألتقى هناك بجورج بوش فى لقاء بدون ثمار ، فقد واصلت الدبابات الروسية تقدمها فى اتجاه العاصمة الجورجية تبليسى . وكان الرئيس الفرنسى نيقولا ساركوزى حاضرا فى بكين وحاول باعتباره الرئيس الدورى للاتحاد الأوروبى أن يقنع بوتين بعدم بدء الحرب رغم أن جورجيا قد بدأتها بالفعل ، وتعهد بأن يقوم بعمل دبلوماسى مكوكى خلال 48 ساعة لتسوية الأمر ولكن بوتين رد عليه ثلاث مرات بكلمة واحدة : لا ! ثم ركب الطائرة مغادرا الصين ، وهبطت الطائرة فى أوسيتيا الشمالية ضمن أراضى روسيا ، ولا ندرى ماذا فعل هناك ؟ولكن هبوط طائرته على حدود أوسيتيا الجنوبية كان يحمل إشارة تصميم .ومن ثم اتجه إلى سوتشى حيث ألتقى بميدفيديف.

نعود مرة أخرى إلى المذكرات المنشورة لكونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا حيث تقول : فى 10 أغسطس 2008 اتصل بها لا فروف وزير خارجية روسيا وقال لها :

  • لدينا ثلاثة مطالب
  • ماهى ؟
  • الأول : يجب على الجورجيين أن يوقعوا اتفاقية عدم استخدام القوة . الثانى : يجب أن تعود قواتهم إلى ثكناتها .
  • اعتبرهما قد تما !!!
  • المطلب الثالث : هذا الطلب بيننا فقط . يجب على ميخائيل ساكاشفيلى أن يترك الحكم .
  • سيرجى ، لا يمكن لوزيرة الخارجية الأمريكية أن تبحث مع وزير خارجية روسيا الإطاحة بحكومة منتخبة ديموقراطيا . لقد اصبح مطلبكم الثالث للتو معلنا على الملأ ، لأننى أنتوى الآن الاتصال بكل من أستطيع ، وأعلمهم ، أن روسيا تطالب بالإطاحة بالرئيس الجورجى .
  • قلت لك هذا المطلب فيما بيننا فقط .
  • لا هذا ليس بيننا . الآن سيعرف الجميع به . وأغلقت سماعة الهاتف وفضحت ذلك فى كل مكان .

لكن بوتين ركز على جوهر القضية ، لقد بدأت جورجيا العدوان ولا بد من معاقبة الرئيس الجورجى فقال : ما يدهش ، بالطبع ، ليس الاستخفاف فى حد ذاته . ما يدهش هو حجم هذا الاستخفاف ، القدرة على إظهار الأبيض على أنه أسود والأسود أبيض ، القدرة على إظهار المعتدى بصفة ضحية العدوان وتحميل المسئولية عن العواقب للضحايا ذاتها . وتذكر بوتين ما قاله رونالد ريجان عندما كان يدافع عن نورييجا حاكم بنما المتهم بتجارة المخدرات – قبل أن تنقلب عليه أمريكا – وقال : أنا أعلم أن نورييجا ابن عاهرة ولكنه ابن العاهرة بتاعنا ، لذلك سنساعده وسوف ندافع عنه – وكان هذا تصريحا علنيا ! – وعلاوة على ذلك قال بوتين : لقد تم تعليق المشنقة لصدام حسين لأنه دمر بعض القرى الشيعية أما حكام جورجيا الحاليون الذين مسحوا من وجه الأرض عشرات القرى الأوسيتينية بين عشية وضحاها مثل هؤلاء الحكام ، يجب بالطبع الدفاع عنهم !

وبحلول يوم 11 أغسطس 2008 احتلت الدبابات الروسية مدينة غورى مسقط رأس ساكاشفيلى ، ووقفت فى ضواحى العاصمة تبليسى دون أن تدخلها.

سيطر الهلع على أروقة إدارة ساكاشفيلى وقام الموظفون على عجل بتوضيب أوراقهم وحزم حقابئهم ، وأحرقوا الوثائق ، وانتزعوا اللوحات من الجدران . فاتصل ساكاشفيلى بالرئيس بوش يستصرخه . وتصف كونداليزارايس أول إجتماع للإدارة الأمريكية بأن المشاركين فى الاجتماع الذين ضموا وزير الدفاع بوب جيت وممثلى أجهزة الأمن القومى كانوا مرتبكين وهم يبحثون البدائل الممكنة لمواجهة الموقف ، حتى قطع عليهم ستيفن هيدلى مساعد الرئيس لشئون الأمن القومى تأملاتهم بسؤاله : هل أنتم حقيقة مستعدون لبدء الحرب مع روسيا من أجل جورجيا ؟! . وتذكروا الموقف الأمريكى الآن من الهجوم الروسى على أوكرانيا ، بعد أن ورطت أمريكا أوكرانيا فى استفزاز روسيا ، ثم التخلى عنها عند الجد !

ورغم ماقاله لافروف لكونداليزا رايس عن تخلى الرئيس الجورجى عن الحكم بهدف أن تتولى أمريكا ذلك ، إلا أن روسيا لم تكن مصرة على أن تقوم بذلك بنفسها رغم أنها قادرة خلال 24 ساعة أن تستولى على تبليسى العاصمة وهى واقفة بدباباتها فى ضواحيها بالفعل . كانت روسيا تركز على تحقيق جوهر أهدافها فحسب وقد كان الحفاظ على استقلال الجمهوريتين اللتين استقلتا بالفعل منذ1993 ، وأن يتوقف ساكاشفيلى عن مواقفه العدائية من روسيا وهى بلد على حدوده ، وبالتأكيد عدم إدخالها فى الناتو، و كان قد صدر قرار من الناتو بأن جورجيا وأوكرانيا الجارتين لروسيا سيدخلان الناتو بدون تحديد الموعد بسبب معارضة ألمانيا وفرنسا فى ذلك الوقت كما أسلفنا القول . وهذا الموقف الروسى صرح به ميدفيديف فيما بعد – بعد 3 سنوات – عندما قال فى حديث صحفى إن الهدف الرئيسى للكرملين لم يكن بالذات الإطاحة بالنظام فى جورجيا ، وعليه أن يكون شاكرا لى ، لأننى أوقفت تقدم القوات فى ساعة معينة ، فلو أن القوات الروسية دخلت تبليسى ، فعلى الأغلب لكان الآن فى جورجيا رئيس آخر . ولايزال موقف روسيا فى أوكرانيا مماثلا ، فهى تجرى حتى اللحظة مفاوضات مع زيلينسكى رئيس أوكرانيا ، وتقول إنها غير مصرة على إسقاط النظام ، ولكنها تهدف لنزع سلاح أوكرانيا وهذا ما لم تفعله مع جورجيا لأنها لم تكن تملك امكانيات عسكرية خطيرة كأوكرانيا ، وتهدف لمنع إنضمامها للناتو ، وتهدف لقمع المجموعات النازية القومية المتطرفة التى ترفع شعارات النازية بالفعل : الصليب المعقوف ! وهى غير مصرة على اقتحام كييف وهى تملك ذلك إذا أرادت بجرعات تدميرية أكبر ، فهى لاتزال تحاصر كييف وتضرب الأهداف العسكرية داخلها ، وتتفاوض مع زيلينسكى للوصول إلى أهدافها المعلنة .ولكن أمريكا تضغط على أوكرانيا كى لا تتنازل سريعا كما فعلت مع جورجيا عام 2008 لأنها تريد استنزاف روسيا ، وتريد ألا تبدو مهزومة بهذه السرعة ، وتتوهم أن العقوبات قد تركع روسيا ، وهذا عبط الشيخوخة الأمريكية . وبطبيعة الحال فإن الأزمة الراهنة أكبر وأخطر بكثير من أزمة جورجيا عام 2008 ، وهى ستغير العالم فعلا ، وأمريكا تعلم هذا ولكنها تكابر وتحاول أن تخفى كارثتها إلى حين . ولكن الأمر لم يعد يحتاج لمحللين من العيار الثقيل أو استراتيجيين كبار لكى يدركوا أن العمر الافتراضى للامبراطورية الأمريكية قد انتهى بالفعل منذ سنوات .

– 14 –

عندما هدد بوتين بتعليق رئيس جورجيا من خصيتيه .. وعندما جذب بوتين الرئيس الفرنسى من رابطة عنقه فى إجتماع رسمى !

كانت أزمة جورجيا نموذجا مصغرا لأزمة أوكرانيا الحالية ، فقد صرح الرئيس الروسى ميدفيديف بعدها ب3 سنوات أى عام 2011 فى مؤتمر صحفى ردا على سؤال : لماذا لم تصل الدبابات الروسية إلى تبليسى بالقول : إن هدف تلك العملية ” الحض على السلام “التى استمرت خمسة أيام قد تم تحقيقه . لم تهدف تلك العملية إلى الاستيلاء على تبليسى أو أى مدينة أخرى . كان المطلوب فقط وقف العدوان الذى شنه ساكاشفيلى . علاوة على ذلك ، أنا لست قاضيا ولا سفاحا ، أؤكد ثانية ان تقييم ساكاشفيلى ومصيره يجب أن يقرره الشعب الجورجى عن طريق التصويت أو بطريقة أخرى .

وبالعودة إلى أحداث الأزمة وفى يوم 12 أغسطس 2008 كانت طائرة الرئيس الفرنسى فى الجو عندما ظهر أمامه على شاشات القنوات التلفزيونية الروسية ديمترى ميدفيديف وقال إن عملية ” الحض على السلام ” قد حققت أهدافها ولهذا تعتبر منتهية . ووصل ساركوزى بالطائرة إلى موسكو وقد شعر بنفسه كأنه أبله ، فقد تم تحقيق الهدف الرئيس من زيارته من دون تدخله . ولكن المقبل كان أسوأ .

فما أن بدأ مباحثاته مع ميدفيديف حتى انضم إليهما بعد 40 دقيقة فلاديمير بوتين الذى صرح فى اللقاء بأنه ينوى ” تعليق ساكاشفيلى من خصيتيه ” . ويروى ساركوزى أن بوتين بعد ذلك اقترب منه وأمسك برابطة عنقه وبدأ يهزه كى يظهر جدية نواياه . ومع كل ذلك واصل ساركوزى مهمته المكوكية بين موسكو وتبليسى ، ولكن فى المرة التالية لحضوره إلى موسكو أشترط – تجنبا للبهدلة – أن يتباحث فقط مع ميدفيديف وألا يحضر بوتين فى مكان محادثاتهما !!

وبعيدا عن ساركوزى المسكين انتهت الأزمة بعد 5 أيام على ما يبدو من خلال اتصالات مباشرة غير معلنة بين موسكو وواشنطن بعد أن حققت موسكو أهدافها الرئيسية . لم تدخل الدبابات الروسية العاصمة تبليسى وتم إقرار وقف إطلاق النار ، وتم فرض اتفاق عدم استخدام القوة من قبل جورجيا ضد الجمهوريتين أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وتم تأكيد استقلالهما فعليا . وفى يوم 26 أغسطس عام 2008 أعلن الرئيس ميدفيديف أن روسيا تعترف بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية جمهوريتين مستقلتين . ولم يحدث ضم الجمهوريتين إلى روسيا . ولم يكن هذا ضروريا لروسيا فهما جمهوريتان صديقتان . وعادت خلال عام ونصف العام العلاقات إلى طبيعتها الدبلوماسية بين روسيا وجورجيا وتمت إعادة تسيير الرحلات الجوية بينهما ، وبعد عامين ألغت جورجيا من جانب واحد نظام تأشيرة الدخول للمواطنين الروس .

لم يعلق ساكاشفيلى من خصيتيه كما هدد القبضاى بوتين ، ولكن حدث له ماهو أسوأ من ذلك بدون تدخل بوتين أو روسيا . لقد نكل به الشعب الجورجى بنفسه ، بعد أن خرج من الحكم فى 17 نوفمبر عام 2013 . قصة هذا الرجل التافه لا تهمنا ولسنا الآن فى معرض تقديم قصة مسلية . ولكن كما قلت فى البداية لنعرف من هم أعداء روسيا كى نعرف كيف نقيم روسيا بشكل موضوعى . ولكن يوجد ما هو أهم من ذلك ، ولا تذكره الآن وسائل الإعلام فى العالم الحر !! وهو يهمنا لأنه متصل بأوكرانيا . وقد أشرنا من قبل إلى أن جورجيا فى عهد ساكاشفيلى كانت توأم أوكرانيا فى العداء لروسيا والتبعية لأمريكا . والآن ولهذه الأهمية فى فهم أحداث أوكرانيا اليوم لنتابع معا قصة ساكاشفيلى وإلى أين وصل ؟

بعد خروجه من الحكم فى أواخر عام 2013 خرج من البلاد متوجها إلى أوكرانيا . وبمجرد خروجه من الحدود تحركت ضده قضية فساد فى المحاكم الجورجية ، ولكن الخطير والمريب هو الأمر غير المسبوق إذ تولى عدة مناصب رسمية فى أوكرانيا . و كان يحمل جنسية اوكرانية مزدوجة مع جنسيته الجورجية ، وكان قد أدى تعليمه فى أوكرانيا .

حياة ساكاشفيلى نموذج للعميل وهى تستحق التوقف .. لنعرف كيف يصنع العملاء ؟

حاصل على الإجازة في القانون من جامعة كييف في أوكرانيا سنة 1992. كما حصل على منحة دراسية في الولايات المتحدة، حيث حصل على دبلوم في القانون بجامعة كولومبيا وآخر بجامعة جورج واشنطن سنة 1994. كماحصل على دبلوم من المعهد الدولي لحقوق الإنسان في ستراسبورغ بفرنسا سنة 1995. وهو متزوج من ساندرا روولف الهولندية الأصل. وهو يتقن بالإضافة إلى الجورجية لغته الأم، الفرنسية والإنجليزية والروسية والأوكرانية 

عاد إلى جورجيا بعد تخرجه ونيله الشهادة في الحقوق سنة 2000 ونشط في المجال السياسي، كما عين وزيراً للعدل في رئاسة إدوارد شيفرنادزه

استقال من الحكومة سنة 2002 وأسس حزب معارضة سمي بالحركة الوطنية الجورجية وأصبح زعيم المعارضة ثم انتخب رئيس مجلس العاصمة تبليسي .

استطاع إسقاط حكومة شيفرنادزه عقب ثورة ملونة اشتهرت باسم ثورة الورود أحدثها وأعوانه لإدعائهم بأن الحكومة تدخلت في الانتخابات البرلمانية سنة 2003.

قبل ذلك مر بمواقع ملفتة للانتباه : عمل بمكتب محاماة في نيويورك سنة 1994. وانتخب نائبا في البرلمان سنة 1995. كما عمل مكلفا بمهمة حقوق الإنسان في الفترة الانتقالية التي تلت استقالة الرئيس الجورجي السابق زفياد غامسخورديا. ورأس اللجنة البرلمانية المكلفة بإعداد نظام انتخابي جديد.

في يناير 2000 عين نائباً لرئيس الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي. فى ويكبيديا يوصف كالتالى :

يعتبر بشكل كبير أنه موال للناتو وللولايات المتحدة الأمريكية. في عام 2010، كان 67% من الجورجيين يساندونه في سياسته رغم الانتقادات من طرف المعارضة بسبب ميولاته السلطوية وبسبب غش محتمل في الانتخابات.

فى عام 2015 استدعت وزارة الخارجية في جورجيا سفير أوكرانيا في تبليسي لتقديم تفسير حول أسباب تعيين الرئيس الجورجي السابق، المقيم في المنفي ساكاشفيلي مستشارًا للرئيس الاوكراني بيترو بوروشينكو . والحقيقة أن ساكاشفيلى تقلب فى عدة مناصب رسمية سياسية بمجرد وصوله إلى أوكرانيا عام 2013 . وفى نفس عام 2015 تم تعيينه حاكما لإقليم أوديسا الأوكراني المضطرب.

أعلن ذلك الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، ويشمل الإقليم مدينة أوديسا التي يوجد بها أكبر موانئ البلاد.

وفى 30 مايو 2015 ذكر موقع سكاى نيوز الغربى : ورغم أن أوديسا لم تتأثر بالقتال بين القوات الحكومية والانفصاليين في الشرق، إلا أن التوتر بين القوميين والموالين لروسيا يعد قويا.

وفي مايو الماضي لقي 48 شخصا حتفهم في أعمال عنف بين مؤيدي الجانبين، غالبيتهم من الموالين للروس الذين لجأوا إلى مبنى نشبت فيه النار بعد أن ألقى خصومهم قنابل حارقة عليه. – لاحظ أن هذا ما تقوله روسيا الآن فهى لاتدعى ولا تختلق مبررات . التعليق من م . أ ح –

وتحت حكم ساكاشفيلي خاضت جورجيا حربا قصيرة مع روسيا عام 2008، ويواجه اتهامات باساءة استخدام السلطة في بلاده، ورفضت أوكرانيا الشهر الماضي طلب جورجيا بتسليمه. سكاى نيوز

ساكاشفيلى شخص لا يوثق فيه ، فحتى أوكرانيا التى حاولت الاستفادة منه فى العداء لروسيا غضبت عليه لشىء ما وسحبت جنسيته الأوكرانية وطردته من البلاد !!

فى 28 أكتوبر 2017 :

قال الرئيس الجورجي السابق والحاكم الإداري لمحافظة أوديسا الأوكرانية سابقا، ميخائيل ساكاشفيلي، إن السلطات الأوكرانية تعكف على صياغة وثائق من أجل اعتقاله وتسليمه إلى جورجيا.

 وكتب ساكاشفيلي على حسابه في فيسبوك: “في هذه الأيام يعد المدعي العام الأوكراني، يوري لوتسينكو وثائق تهدف لاعتقالي، وترحيلي إلى جورجيا بسبب الفترة التي أمضيتها رئيسا للبلاد”.

وكانت  وزارة العدل الأوكرانية قد أعلنت في سبتمبر2017، أن كييف تسلمت طلبا من تبليسي باعتقال ساكشفيلي وترحيله مقيدا إلى الأراضي الجورجية، وأن الوزارة ستحيل الطلب إلى النيابة العامة لدراسته والبت فيه.

يذكر – وكل هذه المعلومات من وكالات الأنباء الغربية – أن ساكاشفيلي الذي سحبت السلطات في كييف منه الجنسية الأوكرانية، قد عاد إليها قادما من أوروبا عبر معبر حدودي مع بولندا في 10 سبتمبر 2017، وعندما حاولت قوات الأمن الأوكرانية منعه من العودة باعتبار جواز سفره الأوكراني غير ساري المفعول بقرار قضائي، تدخل حشد من مناصريه كانوا بانتظاره وحطموا الحواجز الأمنية وأدخلوه إلى البلاد عنوة.

من جانبها قامت النيابة العامة الأوكرانية بفتح قضية جنائية بحق ساكاشفيلي تنص على أنه خالف خمس مواد قانونية منها التورط في ارسال أشخاص عبر الحدود بطرق غير شرعية و مقاومة أفراد الأمن أثناء أداء عملهم.

وصرح ساكاشفيلي على إثر ذلك، بأنه لم يخالف القانون عند عبوره الحدود، وأنه ينوي اللجوء إلى القضاء من أجل استعادة جنسيته الأوكرانية، مؤكدا أن عناصر الأمن ” سرقوا جواز سفره الأوكراني” عندما قاموا بتفتيش بيته، الأمر الذي نفته الشرطة الأوكرانية.

من جهته قدم محام ساكاشفيلي لإدارة الهجرة والجوازات الأوكرانية، طلبا حول اعتبار موكله من الأشخاص الذين يحتاجون لحماية إضافية من قبل الدولة، بهدف عدم الموافقة على ترحيل السياسي من أوكرانيا إلى جورجيا.

كيف تحولت حياة ساكاشفيلى إلى نوع من أفلام العصابات والمجرمين والمطاردين دوليا

.. وهذا تحذير لكل العملاء .. والقصة لم تنه بعد

-15 –

لم ينفذ بوتين تهديده بتعليق رئيس جورجيا فى السقف ولكن حكومتى جورجيا وأوكرانيا قامتا بأكثر من ذلك !!

في 30 مايو 2015، أعلن الرئيس الأوكراني، بيترو بوروشنكو، تعيين رئيس جورجيا السابق (وعدو روسيا اللدود)، ميخائيل ساكاشفيلي محافظاً على الميناء الرئيسي،أوديسا، الذي قيل أن روسيا تسعى للاستيلاء عليه. وكانت روسيا قد شنت حرباً على جورجيا في 2008 للاطاحة بساكاشفيلي من الحكم وطرده من جورجيا بعد إعتدائه على الجمهوريتين : أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وهاهو ذا يعود ليقاتل روسيا في أوكرانيا.

بعد ضم روسيا للقرم، خاف الغرب كله أن روسيا قد تحاول الاستيلاء على كل الساحل الأوكراني على البحر الأسود، وأهم موانيه أوديسا، التي هي أيضاً ثاني أكبر مدن أوكرانيا. فالحلف الأطلسي كان، ومازال، يتحاشى مواجهة مباشرة مع روسيا. لذلك اتجه التفكير لتكرار الحرب بالنيابة، مثلما حدث في الحرب الجورجية الروسية سنة 2008، حين قاد ساكاشفيلي جورجيا الضعيفة في حرب ضد روسيا، خسرها طبعاً . لذلك اقترح الغرب على الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو أن يمنح ساكاشفيلي الجنسية الأوكرانية، ويعينه عمدة على مدينة أوديسا. وهذا ما جرى في فبراير 2015، على أمل أن يحشد ساكاشفيلي الرأي العام العالمي ضد روسيا، كما ظن البعض أنه فعل في جورجيا في حرب 8-8-2008 ضد روسيا حين غزت أوستيا الشمالية وأبخازيا.

استمر ساكاشفيلي في منصب عمدة أوديسا لأقل من عامين. وفي نوفمبر 2016، أنشأ ساكاشفيلي حزبا جديدا في أوكرانيا لينافس الحزب الحاكم. واستقال من العمودية وسافر إلى أمريكا لعدة أشهر. فسحب الرئيس بوروشينكو الجنسية الأوكرانية منه في يوليو 2017. فتسلل عائدا إلى أوكرانيا بطريقة غير رسمية، ليقود حملة ترشحه لرئاسة أوكرانيا. فطاردته الشرطة الأوكرانية بتهم الإقامة غير الشرعية.

فى موقع معرفة على الانترنت جاء التالى :

في 5 ديسمبر 2017، رئيس جورجيا السابق، ميخائيل ساكاشفيلي، يعتصم فوق سطح عمارة في كييف، بأوكرانيا، مهددا بالانتحار لو اقتربت منه الشرطة. ساكاشفيلي رشح نفسه لرئاسة أوكرانيا فقررت السلطات القبض عليه لأن إقامته غير شرعية في أوكرانيا.

بعد استيلاء روسيا على القرم عام 2014، تم تعيينه عمدة لمدينة أوديسا، أكبر موانئ أوكرانيا، على الرغم من أنه لا يحمل الجنسية الأوكرانية، على أمل أن يحشد المواجهة ضد روسيا، كما ظن البعض أنه فعل في جورجيا في حرب 8-8-2008 ضد روسيا . روسيا شنت الحرب لأنه لا يكف عن تمرير المجاهدين الوهابيين إلى الشيشان لأكثر من عشر سنوات تحت إشراف ضابط المخابرات الجورجي، طرخان باتيراشفيلي عبر ممر بانكيسي. بعد هزيمة جورجيا وإغلاق الممر، أشهر باتيراشفيلي إسلامه في 2011 ليصبح اسمه “أبو عمر الشيشاني” ليصبح قائدا فى جيوش داعش . أما ساكاشفيلي في منصبه في أوديسا فقد ثبت إنه “ينبح ولا يعض”. فأقاله الرئيس بوروشينكو، فقرر ساكاشفيلي أن يرشح نفسه رئيسا لأوكرانيا .

.فطاردته الشرطة لأنه لا يحمل تصريح اقامة

جورجيا أوقفت الرئيس السابق ميخائيل ساكاشفيلي لدى عودته من المنفى عام 2021 وخرج من السجن ولكن عاد إليه مرة أخرى .

وفى 30 ديسمبر 2021

قالت السلطات الجورجية إن الرئيس السابق ميخائيل ساكاشفيلى عاد مرة أخرى إلى السجن.

وأوضحت السلطات في تبليسى – في بيان نقلته شبكة (يورونيوزالإخبارية في نشرتها باللغة الإنجليزية – أن هذه العودة تأتي بعد أن خضع ساكاشفيلى، البالغ من العمر 54 عاماً، للعلاج في المستشفى إثر إضرابه عن الطعام في وقت سابق.

وحسب شبكة يورونيوز، لم يتم إخطار محامي ساكاشفيلي بنقله إلى السجن.

وكان محامو الرئيس السابق قد أعربوا مؤخراً عن قلقهم على صحته عقب اعتقاله في تبليسي في الأول من أكتوبر الماضى.

يُشار إلى أن مصلحة السجون الجورجية قد أعلنت أيضاً عودة ساكاشفيلي إلى سجن روستافي” الذي يبعد حوالي ثلاثين كيلومتراً عن العاصمة تبليسى.

يذكرأنه حذر أطباء، من أن الرئيس الجورجى السابق ميخائيل ساكاشفيلى المضرب عن الطعام منذ أسابيع احتجاجاً على سجنه يعانى من وضع صحّى حرج ولا يتلقّى الرعاية المناسبة، بحسب  بلومبرج.

ويرفض ساكاشفيلى الذى تولى الرئاسة بين عامى 2004 و2013، تناول الطعام منذ 48 يوماً احتجاجاً على سجنه فى الأول من أكتوبر الماضي، بعد وقت قصير على عودته من منفاه فى أوكرانيا.

ورفضت حكومة جورجيا نقله من مستشفى السجن إلى عيادة مدنية خلافاً لنصيحة الأطباء الذين حذّروا من مخاطر وشيكة على حياته.

وقالت مجموعة أطباء شكّلها أمين المظالم الجورجى فى بيان إن الوضع الصحّى الحالى للمريض يعتبر حرجاً، مضيفة أن مستشفى السجن حيث يعالج الرئيس السابق لا يمكن أن يوفّر له الرعاية الطبية المطلوبة.

ودعا الأطباء لنقل ساكاشفيلى فوراً إلى غرفة عناية مركّزة فى عيادة مدنية مجهّزةوالأسبوع الماضى نُقل الرئيس الإصلاحى السابق الموالى للغرب والبالغ 53 عاماً إلى مستشفى السجن بعدما ساءت حالته، وقال يومها إنه تعرض لاعتداء من قبل حراس فى السجن وهو يخشى على حياته.

وفى 13 يناير 2022

تعقد محكمة مدينة تبليسى جلسة استماع فى قضية العبور غير القانونى للحدود للرئيس الجورجى السابق ميخائيل ساكاشفيلى.

وحسب وكالة سبوتنيك” الروسية، تجمع بضع مئات من أنصار السياسى أمام مبنى محكمة المدينة لدعمه، ومن بين الحاضرين أيضًا في مكان الحادث والدة ساكاشفيلي وشقيقها، اللذان يحاولان الحصول على إذن لحضور المحاكمةحيث أن هذه المرة، لا توجد إجراءات تقييدية صارمة في ساحة المحكمة، على عكس المحاكمات السابقة، عندما لم تسمح الشرطة للنشطاء والصحفيين بدخول المبنى واصطفت طوقًا للشرطة ونصبت حواجز حديدية.

وكان ساكاشفيلي قد اعتقل في جورجيا في الأول من أكتوبر، فى نفس الوقت الذي أضرب فيه عن الطعاموفي وقت سابق أدين في قضيتي قتل المصرفي ساندرو جيرغفلياني وضرب النائب فاليري جيلاشفيليفي الحالة الأولى، حُكم على ساكاشفيلي بالسجن ثلاث سنوات، في الثانية – بستة أعوامبالإضافة إلى ذلك، فهو متورط في قضايا تفريق تجمع المعارضة في نوفمبر 2007، ومذبحة شركة إعلامية تلفزيونية واختلاس أموال من ميزانية الدولة – وما زالت تنظر فيها المحاكم.

رئيسة جورجيا لن أعفو عن ساكاشفيلى أبدا !

وكالات الأنباء – أعلنت الرئيسة الجورجية، سالومي زورابيشفيلي، أنها لن تعفو عن الرئيس الأسبق للبلاد والسياسي المعارض، ميخائيل ساكاشفيلي، بعد اعتقاله في جورجيا.

وقالت زورابيشفيلي، في خطاب تلفزيوني: “اليوم يسأل الكثيرون هل يخطط الرئيس للعفو عنهالجواب على هذا السؤال واحد وبسيط ونهائي، أبدا لا.

واعتبرت زورابيشفيلي أن ساكاشفيلي وصل إلى جورجيا لزعزعة استقرار البلاد رغم كل التحذيرات التي تم توجيهها له.

بدوره، أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، أن الكرملين غير مهتم بمصير الرئيس الجورجي الأسبق، ميخائيل ساكاشفيلي، الذي تم اعتقاله في بلاده.

وقال بيسكوف، في حديث لوكالة تاس” الروسية، ردا على سؤال حول اعتقال ساكاشفيلي وموقف الكرملين: “لسنا مهتمين بمصيره.

كما أفادت وزارة الخارجية الأمريكية بأن واشنطن على علم بأنباء اعتقال الرئيس الأسبق لجورجيا ميخائيل ساكاشفيلي، مضيفة أنها تراقب الوضع عن كثب.

وقالت في بيان إنها تدعو السلطات الجورجية إلى معاملة رئيس الجمهورية الأسبق معاملة عادلة وفقا للقوانين الجورجية والتزامات البلاد في مجال القانون الإنساني الدولي.

وفى مارس 2022

جاء فى صحيفة الوطن المصرية ما يلى :

 حذر الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف زيلينسكى من مواجهة مصير الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي، المعتقل في بلاده حاليًا بتهمة إساءة استخدام السلطة، .

المعروف أن ساكاشفيلى متهم باختلاس أموال الدولة، إذ اختلس أكثر من 2 مليون و800 ألف دولار من ميزانية جهاز أمن الدولة المخصص للسلع. 

ونكتفى بهذا القدر !! ما يهمنا فى هذه المأساة الملهاة أنها عبرة لكل العملاء .. هذه هى نهايتكم . وهذا نموذج لأبرز أعداء بوتين وروسيا التى تسعى للنهوض من جديد كدولة عظمى مستقلة .

والآن نعود إلى أوكرانيا من جديد رغم أننا لم نبتعد عنها فى حديثنا عن ما يسمى ساكاشفيلى .

– 16 –

خطة أمريكا لتطويق وتفكيك روسيا هى التى دفعت الأمور للحرب العالمية الثالثة ..

على خطورة أزمة جورجيا وما نجم عنها من تأكيد استقلال الجمهوريتين : أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ، فإن أزمة أوكرانيا الحالية هى الأخطر بالتأكيد بل وصلت لتكون نقطة تحول فى تاريخ العالم. ولعلكم لاحظتم أن جورجيا على حدود روسيا كما أن أوكرانيا على حدود روسيا . وقد ضم الناتو 15 دولة لعضويته فى شرق أوروبا ولم يبق سوى جورجيا وأوكرانيا . كان الهجوم الأمريكى لتحويل هذين البلدين إلى رأس رمح فى قلب ، ولا نقول فى خاصرة ، روسيا مسألة بالغة الاستفزاز والخطورة والوقاحة ، وبالمعنى الحرفى . إذا لم تزمجر روسيا وترد بالأفعال قبل الأقوال لكانت نهايتها المحققة . ورأينا كيف حاولت أمريكا أن تجمع بين جورجيا وأوكرانيا فى جبهة واحدة إلى حد أنها سعت لتحويل ساكاشفيلى من رئيس جورجيا إلى أوكرانى ورئيس أوكرانيا.

كانت أوكرانيا هى الجبهة الأخطر لأسباب عديدة ، فهى فى قلب روسيا بالمعنى الحرفى – أنظر الخريطة – وهى أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة بعد روسيا ، وهى أساسا جزء لا يتجزأ من روسيا كما أسلفنا من قبل فى دراستنا – روسيا من احتلال المغول إلى نهضة بوتين – وهى متقدمة فى المجالين الصناعى والعسكرى ، وقد كانت قبل سقوط الاتحاد السوفيتى وبعد سقوطه لفترة وجيزة الدولة النووية الثالثة فى العالم بعد أمريكا وروسيا ، حتى اتفقتا أمريكا وروسيا على نزع سلاحها النووى وتحويله إلى روسيا ، فى إطار منع الانتشار النووى . وقد كانت أوكرانيا سعيدة بإنفصالها عن روسيا بحيث لم تقاوم هذا التوجه الذى تم بسلاسة معها ومع كازاخستان .

منذ اليوم الأول لسقوط الاتحاد السوفيتى كانت هناك خطة أمريكية معتمدة لتطويق روسيا الاتحادية وتفكيكها ، والسيطرة على كل مساحة نفوذها فى قلب اليابسة الأوروآسيوية . وهذا التوجه هو الذى دفع العالم إلى هذه الحرب العالمية الثالثة الراهنة ، لأن الصدام أصبح حتميا . ولكن غطرسة القوة الأمريكية لم تتصور أن يقوم المارد الروسى من جديد من تحت الرماد والركام .. رماد وركام الخصخصة والديون والانهيار المعنوى والتهتك الاجتماعى . و بالتالى خرج المارد من القمقم وبدون الشيوعية ولكن بأنوار القومية الروسية و مشاعل العزة الوطنية . وقد بدأ ذلك عام 2008 وظهر فى أزمة جورجيا بعد أقل من عقدين من الضياع أو بعد 17 عاما على وجه الدقة.

وقد أوضح زبيجنيو برجينسكى مسئول الأمن القومى فى عهد الرئيس جيمى كارتر أوضح فى كتابه الذى صدر فى إبريل 1997 هذه الخطة الأمريكية ، وإن لم يكن هذا هو المصدر الوحيد لهذه المعلومات ، إلا أنه يتميز بالوضوح والشرح والتحليل بصورة جيدة للموقف الأمريكى . كتاباته مهمة عموما فى فهم الاسترتيجية الأمريكية التى تعلو فوق الحزبين الذين يمثلان على المسرح لعبة الديموقراطية المزعومة.

فى مقدمة الكتاب يقول صراحة أنه كتب هذا الكتاب خصيصا لتوضيح أهمية سيطرة أمريكا على أوروآسيا وإقصاء النفوذ الروسى تماما منها رغم أنها ، أى الأوروآسيا ، موطن روسيا ونطاقها الجعرافى !! إلا إذا قبلت دور الشريك الصغير والمطيع والمفوض بمتابعة شئون الأورآسيا لحساب أمريكا وتحت إشرافها . وهو موقف يجمع بين الغطرسة والحماقة . وهذانص كلمته “

يجب ألا يظهر تحد أوراسي، قادر على السيطرة على أوراسيا، وبالتالي على تحدي أميركا. وهكذا، فإن الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو صياغة جيواستراتيجية أوراسية متكاملة وشاملة .

والمقصود بالأوروآسيوية هو قلب اليابسة ، وأكبر كتلة يابسة متصلة فى العالم . وتشمل أوروبا وآسيا الممتدة أرضيا بصورة تامة ولا يفصلهما سوى جبال الأورال الروسية ، مع وجود طريق مفتوح جنوب هذه الجبال عبر تركيا.

ويخصص بريجينسكى فصلا فى الكتاب عن أوكرانيا التى كانت قد استقلت عن الاتحاد السوفيتى وبالتالى عن روسيا ، ويعطيها أهمية قصوى فى مجال الإحاطة بروسيا من أجل تدمير أى طموح قومى لها . فيقول” :

وأوكرانيا تحتل مكاناً جديداً وهاماً في رقعة الشطرنج الأوراسية، وبالتـالي فهي دولة محورية جيوبوليتكية – أى جغرافية سياسية – لأن وجودها ذاته كدولة مستقلة يساعد علـى تحويـل أو تغييـر موقف روسيا . وهكذا، فإن روسيا، بدون أوكرانيا لا تشكل إمبراطورية أوراسية . وروسيا، بدون أوكرانيا، لا تستطيع أن تتابع السعي إلى أ ن تكون ذات وضع أو هيبة إمبراطورية فهذا الهدف لايتحقق إلا إذا استعادت موسكو السيطرة على أوكرانيا، بملايينها الاثني و الخمسين ومواردها الكبيرة، وو

جودها على البحر الأسود.

ويضيف بريجينسكى :

لاً بد أن تعمل أميركا، وبشكل وثيق جداً، مع ألمانيا في تطوير توسع أوروبـا شرقاً . وسيكون التعاون الأميركي الألماني والقيادة المشتركة لهذه القضية ضـروريين . وسيتم التوسع إذا شجعت الولايات المتحدة وألمانيا معاً الحلفاء الآخرين في حلف الاطلسي على الموافقة على هذه الخطوة، ثم العمل إما على التفاوض الفعال على بعض التسويات مع روسـيا ، أو علـى التصـرف علـى نحـو مضمون، ومن خلال الاقتناع الصحيح بأن مهمة بناء أوروبا لا يمكن إخضاعها لاعتراضـات موسكو . وسوف تدعو الحاجة بشكل خاص إلى الحصول على الموافقة اللازمة بالإجمـاع لكـل أعضاء حلف الأطلسي، ولكن أحداً من هؤلاء الأعضاء لن يكون قادراً على الرفض إذا ضغطت أميركا وألمانيا معاً عليه . وأخيراً نجد في الرهان علي هذا الجهد الدور الطويل الأمد لأميركا في أوروبا . فثمة أوروبا جديدة لا تزال تتشكل، وإذا كان على أوروبا الجديدة هذه أن تبقى، من الناحية الجغرافية، جزءاً من المجال” الأورو ـ أطلسي”فلا بد أن يكون توسع الناتو ضرورياً . وفي الواقع، فإن السياسة الأميركية الشاملة لأوراسيا ككل لن تكون ممكنة اذا كان الجهد الهادف إلى توسيع الناتو، والذي كان قد أطلق من قبل أميركا، سيتوقف ويتعثر . وسوف يؤدي هذا الفشل إلى نزع الثقة بالقيـادة الأميركية، وكذلك ، فسوف يشتت مفهوم أوروبا المتوسعة، وسيؤدي أيضا إلى خفـض الحالـة المعنوية لسكان أوروبا الوسطى، وقد يستطيع إعادة تفعيل الطموحات الجيوبوليتكيـة الروسـية، النائمة أو المحتضرة حالياً في شان أوروبا الوسطى . وبالنسبة إلى الغرب، فسوف يكـون ذلـك جرحاً ذاتياً وسيدمر حتى الموت الأفاق المستقبلية لعمود أوروبي حقيقي فـي أي بنـاء أمنـي أوراسي فعلي، أما بالنسبة إلى أميركا، فلن يكون الأمر مجرد هزيمة إقليمية فحسب، بل سيكون أيضاً هزيمة عالمية . انتهى الاقتباس

وهذا يبدو واضحا أن أمريكا تريد محو النفوذ الروسى فى القارتين الأوروبية والآسيوية رغم أن أراضى روسيا كلها فى هاتين القارتين . ولاتوجد لأى دولة أوروبية غربية أرض فى آسيا أما أمريكا فليست موجودة فى القارتين!! علما بأن روسيا أكبر دول العالم مساحة وتشكل ثمن مساحة اليابسة المأهولة بالسكان . وأمريكا تريد إقصاءها عن موطنها ومجالها الجغرافى المباشر ، وهذا جنون عظمة وغير واقعية . وإذا لم يكن بوتين فسيكون أى شخص آخر ، والمسألة ليست فى شخص بوتين على أهميته ، و هو ماكان له أن يصنع ما صنع إلا بعصبة قوية حوله تؤمن بمشروع إحياء روسيا. إن أمريكا تريد أن تحكم العالم وحدها وهذا مستحيل . وخطتها تشمل القضاء على النهضة الصينية أيضا ، واحتواء الهند والسيطرة عليها . والقضاء من قبل ومن بعد على أمة العرب والمسلمين . وكل هذا عبث لم تتمكن أمريكا من تحقيقه وهى فى ذروة قوتها . فكيف ستحققه وهى فى مرحلة الانحدار .. والذى أصبح الآن انحدارا شديدا.

الذى يحدث الآن هو إقصاء النفوذ الأمريكى – لا الروسى أو الصينى – من مختلف بقاع الأرض .. من الأوروآسيا ومن الشرق العربى ومن أمريكا اللاتينية وإفريقيا. حتى جارتها المكسيكية أصبحت يسارية !!

ولكن كما ذكرت من قبل فإن الشيخوخة عندما تتملك الانسان ، فهو دون أن يدرى يفقد التقدير السليم للأمور .. ثم يدخل فى الألزهايمر . لكن المهم أن تدرك النخبة العربية والاسلامية هذا التحول العالمى للخلاص الفورى والسريع من النفوذ الصهيونى اأمريكى الذى أصبح متوطنا فى بلادهم بدون ضرورة . المهم ألاتكون نخبتنا العربية قد أصابتها ، هى الأخرى ، الشيخوخة ومن ثم الألزهايمر .

ولكننى لست متشائما وقلت من قبل إن المارد العربى الاسلامى يستيقظ وينهض من تحت الركام والرماد تحت عنوان محور المقاومة

– 17 –

.. انتصر اليمن كما توقعنا

فى 3 فبراير 2022 كتبت ” قضى الأمر .. وانتصر الحوثيون ” واستغرب البعض كيف أقول هذا والقذائف تدك كافة أنحاء صنعاء وسائر المدن اليمنية بغارات وحشية من السعودية والامارات بعضها بطيارين اسرائيليين .

اليوم أصبح النصر ساطعا لايملك أحد أن يمارى فيه .. فقد فرض اليمنيون شروطهم على هدنة لمدة شهرين .. وهى فك الحصار البحرى والجوى عن مطار صنعاء وميناء الحديدة حتى وإن أدعو أن هذا فك جزئى للحصار ، فليس هذا سوى البداية ، بل هو ذر للرماد فى العيون . فتسيير رحلات جوية تجارية للقاهرة وعمان يعنى أن المسافر يمكن أن يذهب إلى أى مكان آخر بعد ذلك . وفتح ميناء الحديدة يعنى حل مشكلات الوقود والسلع الضرورية. وفتح المطار والميناء ولو جزئيا كما يقولون يعنى حل مشكلات الدواء والعلاج فى الخارج .

وعندما يتوقف إطلاق النار فهذا يعنى أن يواصل الحوثيون وحلفاؤهم من مختلف الفصائل الوطنية العمل على تطوير وإعادة بناء اليمن والذى بدأوه بالفعل تحت النيران . ويعنى تعزيزسلطاتهم ومشروعاتهم للتنمية على مساحة تبلغ قرابة 90 % من مساحة اليمن الشمالى بحيث لم تبق مدينة اساسية خارج سيطرتهم سوى مأرب المحاصرة من كل الجوانب . بالإضافة للتوسع فى أجزاء من اليمن الجنوبى . وبالتالى فإن وقف إطلاق النار يعنى إطلاق أكبر مشروع لتعمير وبناء اليمن فى العصر الحديث . فقد برهن الحوثيون على وعيهم بأهمية النهوض الصناعى والزراعى والتعدينى والاهتمام بالبحث العلمى والتكنولوجية ليس فى المجال العسكرى وحده . والتصنيع الحربى الناجح هو مدخل طبيعى للتصنيع المدنى ، وهذا ماحدث فى مختلف البلدان الناهضة .

أما بالنسبة لليمن الجنوبى فهو يحتاج لمباحثات وحوارات سلمية جادة لإعادة دمجه بالوطن الموحد ، ولابد من استبعاد الحل العسكرى معه لأنهم أصبحت عندهم عقدة حقيقية من الشمال الذى طالما أهملهم ، ولم يشركهم حقا فى الحكم فى عهد على عبد الله صالح وفى غيره من العهود .

ولا أتصور أن حكام السعودية والامارات بعد أن ذاقوا ويلات الصواريخ الدقيقة اليمنية التى أفزعت من دقتها اسرائيل نفسها حتى تحسست رقبتها ، لا أتصور أن يعودوا إلى الخداع مرة أخرى ومعاودة التدخل العسكرى المباشر . وشعار الحوثيين جاهز : وإن عدتم عدنا .

قلنا إن الحوثيين انتصروا لأنهم تبنوا مشروع متكامل للتحرر الوطنى يقوم على أساس الاستقلال ورفض النفوذ الصهيونى الأمريكى ، وأنهم بنوا تنظيما عقائديا ملتزما مجاهدا ، وانهم أقاموا جبهة وطنية متحدة مع مختلف القوى الوطنية اليمنية ، وانهم أقاموا تحالفات إقليمية صحيحة مع القوى المناهضة للهيمنة الأمريكية وعلى رأسها إيران .

وقد تنبأت بالنصر بعد أن أصبح قاب قوسين أو أدنى ولكننى كنت موقنا به فى داخلى قبل أن يتاح لى إمكانية الكتابة . وقد تنبأت به بناء على التحليل السابق وقبل إندلاع الأزمة الأوكرانية . ولكن الأزمة الأوكرانية جاءت لمصلحة اليمن . وليعلم الجميع على كل الجبهات أن إحتدام الصراع بين أمريكا والتحالف الروسى الصينى يهيىء فرصا أكبر لتحرر كل الأمم المستضعفة الواقعة تحت النفوذ الأمريكى الصهيونى . واليمن مثال على ذلك .

فالأزمة الأوكرانية التى كشفت الضعف الأمريكى بعد الانسحاب المخزى من أفغانستان ، أدت إلى حدوث شرخ فى التحالف الأمريكى العالمى ، فهناك شرخ حقيقى يحاولون التعمية عنه بين أمريكا وأوروبا وهناك شرخ أمريكى أكبر بين أمريكا والتابعين لها فى مختلف أنحاء العالم . وفى منطقتنا وجدنا حكام السعودية والامارات يلبسون جلود النمر ، ويرفعون قبضاتهم فى مواجهة السيد الأمريكى رغم وجود قواعد عسكرية أمريكية فى البلدين . رغم أن دوافعهم ليست طيبة ، فهم يريدون أمريكا أكثر عدوانية ضد إيران ، ويريدونها أكثر دعما للعدوان على اليمن . لا يهمنا الدوافع هنا ، فالمهم أن الشرخ قد حدث وأصاب أمريكا فى مقتل إلى حد التمرد على طلباتها فى مجال السياسة النفطية . وأن الدولتين الخليجيتين وبكل ما تملكانه من احتياطيات نفطية انحازتا لإتفاقهما مع روسيا فى أوبك بلس وضد المطلب الأمريكى بزيادة الانتاج لخفض السعر . حتى ان هيلارى كلينتون طالبت بالتصعيد ضد الدولتين لأن أمريكا تعانى من أزمة وجودية !!

صدقت والله يا مسز كلينتون إنها أمريكا – وليست إسرائيل فحسب – فى أزمة وجودية . والملاحظ أن تعاون السعودية والامارات تزايد بالتدريج وبشكل متواصل مع الصين وروسيا فى الأعوام الأخيرة ولم يكن الأمر مفاجئا .

اسرائيل فى نفس ورطة نظامى السعودية والامارات ، وكل المتغطى بأمريكا عريان .. وهى مقولة لمبارك وليس لفيلسوف متطرف معاد لأمريكا!

وبالتالى هذه لحظة مواتية لكل حركات التحرر الوطنى وعلى رأسها المقاومة الفلسطينية أن تضرب ضربتها فى اتجاه النصر المبين .

وكان الحوثيون سينتصرون بدون هذه الأزمة بل لقد اقتربوا من النصر وأمريكا تقدم كل الدعم للسعودية والامارات . ولكن عندما تتصدع العلاقات مع أمريكا فإن النصر يكون أسرع وأقل تكلفة . مع التأكيد على الحذر واليقظة ومواصلة الاستعداد العسكرى، ولا أعتقد أن الحوثيين يحتاجون لهذه النصيحة .

.. النصر التام آت لا محالة .. ألا إن نصر اله قريب .

– 18 –

خطة أمريكية منذ 30 عاما للاستيلاء على أوكرانيا وطرد روسيا من روسيا

من اللحظات الأولى لسقوط الاتحاد السوفيتى فى عام 1991 وأمريكا تضع عينيها على أوكرانيا التى استقلت بالفعل عن روسيا . أدركت أمريكا أن أوكرانيا صيد ثمين وفرصة مواتية لإختراق قلب روسيا . أوكرانيا كما أسلفنا جزء لايتجزأ من روسيا ، بل جزء أصيل أكثر حتى من موسكو . فكييف أقدم وأعرق مدينة روسية وكانت الإمارة الأكبر بين الامارات الروسية المفتتة قبل توحيد روسيا على يد بطرس الأكبر فى القرن السابع عشر.

كتاب زبجنيو بريجينسكى مسئول الأمن القومى الأمريكى فى عهد جيمى كارتر رقعة الشطرنج الضخمة والذى أشرنا إليه من قبل يمثل رؤية النظام الأمريكى وليس كتابا شخصيا وقد خصصه لهدف سيطرة أمريكا على منطقة الأوروآسيا وهى باختصار أراضى روسيا فى المحل الأول بالأخص فى الشق الآسيوى ومنطقة نفوذ روسيا فى شرق أوروبا ، وشرق أوروبا هى الرابط بين أوروبا وآسيا .

الرؤية الأمريكية بالغة الوقاحة حيث يقول بريجينسكى :

إن الجائزة الجيوبوليتية (الجغرافية السياسية) الرئيسة لأميركا هي أوراسيا. فمنذ خمسـمئة سنة كانت شؤون العالم تدار من قبل القوة (الدول) والشعوب التي حاربت إحداها الأخرى مـن أجل السيطرة الإقليمية، وسعى كل منها إلى بسط سلطته العالمية . أما الآن فثمة قوة (دولة) غير أوراسية – يقصد أمريكا – تبرز في أوراسيا، وبالتالي فإن السيطرة العالمية لأميركا تعتمد بشكل مباشر على المدى الزمني والمدى الفعال لاستمرار هذه السيطرة (التفوق) الأميركي على القارة الأوراسية .

ويضيف بصراحة لأن القوى العظمى لا تخشى الكشف عن نواياها :

وفي هذا السياق، فإن كيفية ” إدارة” أميركا لأوراسيا هي أمر حرج . فأوراسيا هـي أكبـر قارات العالم وهي محور العالم جغرافياً . والقوة (الدولة ا) لتي تحكم أوراسيا سوف تسيطر على اثنتين من مناطق العالم الثلاث الأكثر تقدماً والأكثر انتاجاً على الصعيد الاقتصادي . وإن مجرد لمحة على الخريطة توحي أيضاً أن السيطرة على أوراسيا سوف تستوجب تبعية إفريقيا جاعلة نصف الكرة الغربي وأوقيانوسيا في وضع محيطي (ثانوي ب) بالنسبة إلى القارة الرئيسة في العالم . فثمة 75في المئة من سكان العالم يعيشون في أوراسيا، كما أن معظم الثروات الماديـة للعـالم موجودة هنا أيضاً . ويبلغ الدخل القومي السنوي لأوراسيا نحو 60 في المئة من إجمالي الـدخل القومي السنوي في العالم، كما أن مصادر الطاقة فيها تساوي تقريباً ثلاثة أرباع موارد الطاقـة الإجمالية المعروفة في العالم .

وتتحدث الوثائق الأمريكية عن ضرورة أن تدرك روسيا أنها شريك صغير فى المشروع الأمريكى للسيطرة على أورآسيا والعالم. وتتخوف الرؤية الأمريكية من طموح روسيا التى يمكن ألا تقبل هذا العرض !! وهكذا فإن امريكا تفكر دائما على أساس أنها تمتلك الكرة الأرضية بأكملها وتستغرب من الذين يرفضون ذلك ، حتى فى محيط أوطانهم الخاصة . فأمريكا لاتعترف بالأوطان ، بل بالسيادة العالمية بنفس طريقة السيادة الرومانية من قبل أو السيادة البريطانية . إن أمريكا تتحدث فى وثائقها الرسمية ليس عن طرد روسيا من الشرق الأوسط بل على طرد روسيا من روسيا !!

ويتحدث بريجينسكى ببجاحة عن هذه السيادة الأمريكية بدون أى حياء فيقول :

ومهما كان المستقبل، فمن المنطقي أن نستنتج أن السيادة الأميركية على القارة الأوراسـية سوف تواجه بالاضطراب والشغب وربما”على الأقل ” بالعنف المتقطع، ومن المحتمل أن تكـون السيادة الأميركية غير منيعة إزاء التحديات الجديدة سواء مـن قبل المنافسـين الإقليميـين أو التجمعات الجديدة . وإن النظام العالمي الأميركي المسيطر حالياً والذي نجد فيه (أن خطر الحرب مستبعد الآن) يحتمل أن يكون مستقراً فقط في تلك الأجزاء من العالم التي تعتمد فيهـا السـيادة الأميركية الموجهة بجيواستراتيجية طويلة الأمد على أنظمة اجتماعية سياسية متناغمة ومنسجمة ومرتبطة معاً بإطارات عمل متعددة الأطراف وخاضعة للسيطرة الأميركية .

لا يوجد أفضل من الاقتباس من بريجينسكى لأنه يروى قصة أطماع أمريكا وقصة حصار روسيا وحتى لانسمع هذه الرواية على لسان روسيا ولا نصدقها !

يتحدث فى عام 1997 عن دخول البلدان الشرقية تباعا إلى الناتو ويقول :

إن أوكرانيا يجب أن تدخل الناتو بين عامى 2005 و2010 .

والحقيقة ان روسيا فقدت الكثير من أراضيها بل ومواطنيها بسقوط الاتحاد السوفيتى . وقد ظهر ذلك أكثر ما ظهر فى استقلال أوكرانيا ، وهذه هى جريمة الخيانة الوطنية لجورباتشوف نصف الأوكرانى .

، تراجعت حدود روسيا في الغرب إلى ما كانت عليه في العام 1600 تقريبا . وكذلك فإن استقلال أوكرانيا تحدى جوهر الاعتقاد الروسي القائل بأنها، أي روسيا، هي القائد الشرعي للهوية السلافية المشتركة الممنوحة إليها بقدسية خاصة . إن المساحة التي كانت تمثلها الإمبراطورية القيصرية خلال قرون من الزمن، والتي احتلها الاتحاد السـوفييتي الـذي تحكمه روسيا، لثلاثة أرباع القرن أصبحت الآن مشغولة من قبل اثنتي عشرة دولـة، علمـا أن معظم هذه الدول (ما عدا روسيا) ليست مهيأة إلا بصعوبة للسيادة الحقيقية، وعلى رأسها دولة أوكرانيا الكبيرة نسبيا التي يبلغ عدد سكانها 52 مليون نسمة . وكانت الصدمة التاريخية التي عانى منها الروس قد تضخمت بالحقيقة المتمثلة بأن نحو 20 مليون شخص ممن يتكلمون اللغـة الروسية أصبحوا الآن مواطنين في دول أجنبية محكومة سياسيا من قبل نخـب حاكمة ذات اتجاهات قومية متنامية ومصممة على تأكيد هوياتها .

كان الأمر الأكثر ازعاجاً هو فقدان أوكرانيا . فظهور دولة أوكرانية مستقلة لم يكن تحـدياً فقط لكل الروس بحيث يجعلهم يعيدون التفكير في طبيعة هويتهم السياسية والاثنية، ولكنه مثـل أيضاً انتكاسة جيوبوليتكية للدولة الروسية . وإن رفض الاعتراف بأكثر من ثلاثمئـة سـنة مـن التاريخ الروسي كان يعني خسارة اقتصاد زراعي وصناعي غني جداً و52 مليـون إنسان ارتبطوا بعلاقة وثيقة بشكل كاف اثنياً ودينياً بالروس ليجعلوا من روسيا دولة امبراطورية كبيرة وموثقة فعلاً . وهكذا، فإن استقلال أوكرانيا حرم روسيا أيضاً من وضعها المسيطر علـى البحر الأسود حيث كانت أوديسا باباً حيوياً لروسيا تتاجر من خلاله مع حوض البحر المتوسـط والعالم الذي يقع وراءه . والأهم من كل ذلك أن روسيا فقدت بالفعل 52 مليون روسى سلافى أرثوذكسى مما أضعف الوضع القومى لها كدولة سلافية أرثوذكسية وسط بحر من القوميات داخل روسيا وحولها . لم يعرف التاريخ دولة باسم أوكرانيا قبل الشيوعية . ولم يكن الأوكران إلا سلاف أرثوذكس يعيشون فى تلك المنطقة التى تسمى أوكرايينا ، كانت مجرد محافظة داخل روسيا.

وقبل العام 1991 ، كان البحر الأسود يشكل نقطة الانطلاق لنقـل القوات البحرية الروسية إلى البحر المتوسط . أما في منتصف أعوام التسعينيات من القرن العشرين فقد ترك لروسيا شريط ساحلي صغير على البحر الأسود واستمر النقاش دون حل مع أوكرانيا في شأن حقـوق التموضع في القرم لبقايا أسطول البحر الأسود السوفييتي، بينما راقبت روسيا، في الوقت ذاته وبإثـارة واضحة، مناورات الناتو وأوكرانيا المشتركة البحرية والتي تم فيها أيضاً الإنزال على الشواطئ،

لابد من هذه الرواية عن أوكرانيا لإكتشاف وقاحة وغطرسة أمريكا .

والرواية لم تنته بعد .. والحرب الحالية لا يبدو أنها ستنتهى قريبا .

– 19 –

النازيون المسلحون هم من استولى على الحكم فى أوكرانيا منذ 2014

لماذا وضعت أمريكا العقدة فى المنشار بخصوص أوكرانيا على مدار 30 سنة ومنذ 1991 عام سقوط الاتحاد السوفيتى ، وحشرت روسيا فى الزاوية وأجبرتها على استخدام مخالبها فى نهاية الأمر. أولا فى عام 2014 ثم الآن فى 2022 . حدث ذلك لأن أمريكا وضعت خطتها كالتالى : إن أوكرانيا أكبر كتلة روسية سلافية أرثوذكسية خرجت من الاتحاد السوفيتى ، وحرمان روسيا من علاقات خاصة معها يمنعها من التفكير فى إعادة تأسيس إمبراطورية روسية على أسس سلافية أرثوذكسية غير شيوعية . كذلك فإن أوكرانيا أكبر كتلة روسية فى أوروبا ، وبدونها تصبح روسيا مجرد دولة آسيوية خارجة من أوروبا .

وكانت الرؤية الاستراتيجية لأمريكا أبعد من ذلك -كانت ولاتزال- إستعلائية على كل أوروبا وهى لاترى فى أوروبا إلا كيانا تابعا وجسرا للعبور إلى الكتلة الآسيوية . وعلى نحو تفصيلى أكثر ترى أوروبا الغربية معبرا لأوروبا الشرقية والأخيرة معبرا لآسيا فى قلب أحشاء روسيا ، ولا تستهدف محاصرة روسيا فحسب بل تفتيتها إلى 52 دويلة بعدد القوميات التى تنطوى عليها . وحرمان روسيا من أكثر من 50 مليون روسى – أوكرانى و600 ألف كيلومتر مربع هى مساحة أوكرانيا يعنى حرمانها من إقامة كيان أورآسيوى متوازن .

ولكن الاستراتيجية الأمريكية وإن كانت أكثر عنصرية تجاه روسيا السلافية الأرثوذكسية ، فإنها لاتحترم الأوربيين حق الاحترام ولا تنظر إليهم نظرة ندية فهم أيضا مجرد حلفاء صغار ، وتستغل أمريكا فى ذلك الحماية العسكرية النووية التى تقدمها لهذه الدول . ولذلك فإن شقشقة ألمانيا وفرنسا ضد أمريكا تنتهى عادة إلى لاشىء . وعنصرية أمريكا تجعلها تنحاز أكثر إلى تحالف الأنجلوسكسون مع انجلترا واستراليا وكندا ونيوزيلنده ، وتعتبر أن ألمانيا البروتستانتية هى الأقرب إليها من فرنسا الكاثوليكية . إن هؤلاء الحكام أبعد ما يكونون عن التدين ، ولكنه تعصب عرقى طائفى حقيقى. وترى أمريكا إن استخدام أوروبا كجسر لإقتحام أورآسيا وروسيا فى القلب منها يجعلها تسود العالم بحق . وتكون قد وصلت إلى نهاية التاريخ من زاوية التوسع الإمبريالى . وهذا التصور كان خياليا وغير منطقى فى عهد القوة الأمريكية ، وبالتالى فهو أشبه بالكاريكاتير والمسخرة فى وضع أمريكا المتداعى الراهن . ولذلك فإن كل تصرفات أمريكا غير منطقية فى الآونة الأخيرة حتى من وجهة نظر المصالح الأمريكية . وهذا هو حال كل إمبراطورية غاربة .

نحن مشغولون هنا فى بلادنا بمشكلاتنا الكبرى ولم نجد من بيننا من يلاحظ تلك المعارك الشرسة التى جرت بين أمريكا وروسيا حول اوكرانيا . ونحن الآن مضطرون لفهم هذه القضية لتحديد موقفنا من الحرب العالمية الثالثة التى اندلعت بالفعل . وقد دعوت من قبل إلى الاصطفاف فى معسكر روسيا الصين إيران فلسطين باكستان أفغانستان اليمن العراق سوريا لبنان فنزويلا كوبا الخ . نعم العالم ينقسم الآن إلى معسكرين ولا بد أن نصطف مؤقتا فى أحد هذين المعسكرين . وهذا لايتعارض مع مشروعنا العربى الاسلامى المستقل ، ولابد أثناء هذا التحالف أن نحافظ على استقلالنا كأمة عربية اسلامية . ومشروعنا الحضارى المستقل لن يتحقق بدون كسر أنف أمريكا وطردها من منطقتنا ، وهذه أهمية هذا التحالف مع روسيا والصين . وليس معنى هذا أن نغدر بهم بعد الخلاص من أمريكا . أبدا لقد علمنا الاسلام الوفاء والالتزام بالعهود حتى مع الكافرين . ولروسيا والصين مكانة لائقة لصداقة مستمرة كدول عهد وميثاق بيننا سلام ومواثيق عدم إعتداء وعدم تدخل فى الشئون الداخلية . راجع مقالى عن الأسس الشرعية للتحالف مع روسيا والصين .

ونعود إلى أوكرانيا فى عام2004 والثورات والثورات المضادة لا تنقطع فى أوكرانيا وكان جوهر الصراع بين معسكر موالى لروسيا ويرى مصلحة البلاد فى علاقة خاصة مع روسيا والمعسكر الأمريكى الذى يريد ربط البلاد بالناتو والاتحاد الأوروبى . ويمكن أن نتصور حجم الدعم المالى والاعلامى الذى كان يتلقاه المعسكر الموالى لأمريكا. وفى عام 2013 كانت لحظة المفاصلة حين رفض الرئيس يانكوفيتش التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبى وانحاز لفكرة الإنضمام للاتحاد الجمركى مع بيلو روسيا وروسيا وكازاخستان ، فقام المعسكر الموالى لأمريكا بتفجير ما يسمى الثورة البرتقالية الثانية عام 2014 . ومع صمود النظام الأوكرانى لجأ الأمريكان إلى النازيين حيث نزلوا إلى ميدان الاستقلال وسحقوا جهاز الشرطة بالقوة المسلحة . الأمريكيون والغربيون لا يعترضون على استخدام السلاح بل يساعدون على ذلك إذا كان الأمر فى مصلحتهم أما إذا استخدم المخالفون لهم العنف أصبحوا إرهابيين فورا وبلا جدال !

يقول إيهاب عمر فى كتابه المهم ” الإمبراطورية الروسية ” إن الغرب تخطى الخط الأحمر الذى كان يعنى تقسيم أوكرانيا أو إغراقها فى الفوضى وقرر عام 2014 إتباع سياسة الأرض المحروقة ، إما أن تكون أوكرانيا أوروبية أولا تكون أوكرانيا على الإطلاق. وأطلق الغرب العنان لليمين القومى الأوكرانى المتطرف المعادى لكل ما هو روسى ، منظمة برافى سكتورالتى تأسست فى ديسمبر 2013 ، منظمة مسلحة من النازيين مارست العنف المسلح ضد الشرطة بشكل مستفز ما أدى إلى مصادمات رهيبة فى فبراير 2014 ، وهذه المنظمة ترفض الاندماج فى الاتحاد الأوروبى ، وسبق للسفارة الاسرائيلية فى أوكرانيا أن نددت بتوجهاتها !

يرأس المنظمة ديمترى ياروش ، وأصبح بعد الثورة نائب سكرتير عام مجلس الأمن والدفاع الأوكرانى , وكان قد قاتل ضد النظام الروسى فى الشيشان . وفى 1 مارس 2014 أصدر ياروش بيانا يطالب فيه مقاتلى الشيشان بقيادة دوكو عمروف بتقديم الدعم العسكرى المسلح لما أسماه القوى المعادية لروسيا فى أوكرانيا موضحا أن الأوكرانيين لطالما دعموا الشيشان ! ويرى ياروش حتمية حظر الحزب الشيوعى الأوكرانى وحزب الأقاليم الأوكرانية الموالى لروسيا . كذلك كانت هناك أيضا حركة الحرية وهى الحزب النازى فى أوكرانيا ورئيس الحزب أوليه تياهنبوك وقد شارك الحزب فى الوزارة الجديدة للثورة ب نائب رئيس وزراء ووزراء الدفاع والزراعة والبيئة ، كما نالوا منصب المدعى العام .

ونواصل الاقتباس من إيهاب عمر :

يحاول بعض المؤرخين الغربيين إطلاق اسم الثورة الأوكرانية الثانية على اشتباكات ميدان الاستقلال ما بين 18 و 23 فبراير 2014 فحسب ولكن الواقع ان الثورة بدأت فى 21 نوفمبر 2013 من قبل الغارة النازية التى قام بها المتطرفون الأوكرانيون .

لاحظ أن كتاب إيهاب صادر عام 2014 قبل هذه الأحداث الراهنة ب 8 سنوات ، وهو ما يؤكد صدق المعلومات التى ينشرها الإعلام الروسى عن النازية . فمن الواضح أن هؤلاء كان لهم ضلع أساسى فى الحكومة التى أعقبت إسقاط الحكم الموالى لموسكو ، إلى درجة تولى وزارة الدفاع ومجلس الأمن الداخلى .

وفى نفس يوم انتهاء الثورة البرتقالية فى 23 فبراير 2014 ، اندلعت ثورة شرق وجنوب أوكرانيا الموالية لروسيا .

  • 20 –

بعد سيطرة النازية الموالية لأمريكا على أوكرانيا .. روسيا تقرر إستعادة القرم

كان لأمريكا دور سافر فى ثورة أوكرانيا الثانية عام 2014 ، فمنذ شهر ديسمبر 2013 وصلت بالطائرة إلى كييف مساعدة وزير الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولند وعضو مجلس الشيوخ جون ماكين . وكانت توزع فى ساحة الميدان البسكويت والساندويتش على المتمردين وعلى المسلحين ، وكان ماكين يلقى الخطب على المنصة ! كان الناس يتوافدون إلى مطار كييف بأعداد كبيرة محملين بالأموال وبقيت النوافذ مفتوحة بالليل والنهار كما يقول المسئول الروسى بيسكوف الذى أضاف :كان كل شىء مبرمجا ومنظما حسب المخطط . لقد كان هذا تحديا مباشرا لأمن روسيا .

وفى 18 فبراير 2014 استؤنفت من جديد الأعمال القتالية فى كييف . حيث بدأ نشطاء ساحة الميدان فى النهار هجوما على الحى الحكومى ، وحاولت قوات الشرطة تطهير الساحة ليلا . كانت معارك مسلحة ولم تكن ثورة شعبية سلمية ، وكان النازيون هم القوى المعارضة المسلحة .

وعندما تمت الإطاحة بالقوة المسلحة بحكم ياناكوفيتش الموالى لروسيا فى 23 فبراير 2014 لخص بوتين الموقف فى إجتماع مع كبار مستشاريه قائلا : لقد تطور الوضع فى أوكرانيا بحيث أصبحنا مضطرين إلى البدء فى العمل على إعادة القرم إلى قوام روسيا . لأنه لا يمكننا أن نرمى بهذه الأراضى والسكان الذين يعيشون فيها للقدر ، تحت نير القوميين المتعصبين . وكان بوتين يردد مرارا من قبل : “إذا انضمت أوكرانيا إلى حلف الناتو فسنأخذ القرم – سيفاستوبول – مدينة المجد الروسية” حيث توجد أهم قاعدة استراتيجية لأسطول البحر الأسود التى أستأجرتها روسيا من أوكرانيا منذ عام 1991 عندما سقط الاتحاد السوفيتى .

فى نفس يوم انتهاء الثورة الأوكرانية الثانية فى 23 فبراير 2014 ، اندلعت ثورة شرق وجنوب أوكرانيا ، ورفضت حكومة أوكرانيا مظاهر الاستقلال التى راحت تزحف على شرق أوكرانيا وقررت إخضاع الشرق بالقوة للسلطة المركزية . وفى المقابل أعطى بوتين الضوء الأخضر للانفصاليين فى شرق أوكرانيا حيث تركز السكان من أصل روسى صريح والمتحدثين باللغة الروسية ، وتم إعلان قيام جمهورية دونيتسك الشعبية فى 7 إبريل 2014 ، ثم جمهورية لوجانسك الشعبية فى 27 إبريل 2014 . وكان برلمان القرم قد أعلن الاستقلال فى 17 مارس 2014 ، وطلب الإنضمام إلى روسيا ، وتحديدا جمهورية القرم وإقليم ولاية سيفاستوبول حيث توجد القاعدة الروسية العسكرية فى شبه جزيرة القرم .

وبالتوازى تم إنزال قوات روسية من الجو سيطرت على الموقف العسكرى وسائر القواعد الأوكرانية فى نطاق القرم بدون أى معارك ، فالبيئة كلها روسية وليست مجرد موالية لروسيا .

القرم فى التاريخ الروسى

دخل القرم فى قوام روسيا منذ عهد الإمبراطورة كاترينا فى عام 1783 ولكن فى القرن التاسع عشر دخل الامبراطور نيقولاى الأول حربا ضد العالم بأسره من أجل القرم . حارب الغرب كله ، حارب بريطانيا وفرنسا وتركيا وحتى جزيرة سردينيا . ومن المؤسف أن مصر فى عهدى عباس وسعيد شاركت تركيا فى هذه الحرب بقوات بلغت أعدادها 20 ألف مقاتل بتسليح كامل من المدفعية والسفن الحربية . وكانت معارك خاسرة لأنها كانت لصالح الانجليز فى نهاية الأمر . وكانت الدولة العثمانية فى مرحلة إنهيارها تتحالف مع انجلترا وفرنسا ضد روسيا لمنعها من الوصول إلى البحر الأسود . وانتهى الأمر بأن انجلترا وفرنسا هما اللذان افترسا الدولة العثمانية وقسما أملاكها فى الشرق بينهما ، وحصلت روسيا بقوتها العسكرية على القرم حيث استولت عليها نهائيا و أدمجتها بالإمبراطورية الروسية.

وبدأ تمجيد سيفاستوبول إلى حد كبير بفضل ذكريات أحد المشاركين فى الدفاع عنها وهو الكاتب الكبير ليف تولستوى. أما التقديس النهائى لها باعتبارها مدينة المجد الروسى فقد حدث فى الذكرى المئوية للدفاع عن سيفاستوبول أى فى عام 1954 حين قرر خورتشوف الأوكرانى زعيم الحزب الشيوعى السوفيتى نقل تبعية القرم من روسيا إلى أوكرانيا

فى 18 مارس 2014 أمام البرلمان الروسى ألقى الرئيس بوتين خطابا تاريخيا أعلن فيه قبول روسيا عودة شبه جزيرة القرم إلى التراب الروسى ، بعد قرار برلمان القرم بهذا المعنى ، وطالب المجتمع الدولى بعدم الوقوف أمام وحدة العالم الروسى . وقال إن الأسطول الروسى وإن كان لا يقبل أن يكون ضيفا على الناتو فى القرم إلا أنه يقبل أن يزوره الناتو فى قاعدته – أى الأسطول الروسى – فى القرم . فى إشارة إلى أن التحرك الجارى لا يحمل عداء للناتو بقدر ما يحمل تأمينا لمصالح روسيا الاستراتيجية والتاريخية فى البحر الأسود . وهكذا انقسمت أوكرانيا إلى خمس دويلات : جمهوريتان فى شرق أوكرانيا وجمهورية القرم وولاية سيفاستوبول فى جنوب أوكرانيا وانضمتا صراحة إلى روسيا ، وباقى أوكرانيا فى الغرب وهى المساحة الأكبر . وبدأت العقوبات الغربية على روسيا التى فشلت فى تحقيق أهدافها كما فشلت موجة العقوبات التى أعقبت أزمة جورجيا ، وكما ستفشل موجة العقوبات الحالية بسبب غزو أوكرانيا الذى حدث لذات الأسباب ، وهو إمعان أمريكا والغرب فى تحويل أوكرانيا إلى قاعدة نووية وبيولوجية وعسكرية عموما ضد روسيا .

– 21 –

قناة الجزيرة أسوأ قناة فى تغطية مسألة أوكرانيا

نعم قناة الجزيرة أسوأ قناة فى كل العالم العربى فى تغطية الأزمة الأوكرانية . وقد كتبت مرارا من قبل عن الدور الخبيث الذى تقوم به قناة الجزيرة كأداة للنظام الأمريكى وهو الأمر الذى ظهر فى قضايا عديدة ، كالدور التخريبى فى مسألة الثورات العربية ، ودعم المخطط الأمريكى الإجرامى فى سوريا ، وهو دور لا يزال مستمرا ولكنه إنحسر بسبب هزيمة المشروع الأمريكى التركى القطرى فى سوريا ، إنحسر فى إدلب !! واعترافات حمد بن جاسم والرئيس الأمريكى ترامب كافية لإدانة هذا الحلف ، وكم أنفق من تريليونات من الدولارات لتخريب سوريا ، لمنعها من تقديم الدعم اللوجيستى للمقاومة اللبنانية والفلسطينية . ولضرب تحالفها مع إيران المقاومة .

فى الملمات الكبرى تضطر الجزيرة للكشف عن وجهها الأمريكى . فى المسألة الأوكرانية وهى مسألة مصيرية بالنسبة لأمريكا . تقف الجزيرة بثبات لتعطى المساحة الأكبر فى المعلومات والتعليقات للمسئولين الأمريكيين واليهودى ريزيلنسكى وكافة المسئولين الغربيين . والتعليقات العسكرية تركز على إنهيار الجيش الروسى فى أوكرانيا . وإذا أخذنا يوم أمس كمثال أخير وهو السبت 9 إبريل 2022 ستجد إن شريط الأخبار المستمر ، ماهو فى جوهره إلا ترجمة لما ورد فى السى إن إن وغيرها من تصريحات المصادر الغربية ورئيس أوكرانيا الأراجوز اليهودى ، والذى يقرأ من ورقة معدة له سلفا . لم تستطع الجزيرة أن تلعب لعبة التوازن المهنى التى تجيدها ، بأن تظهر فى صورة المحايد الذى ينقل الرأى والرأى الآخر . وهذا لا يمكن أن ينجح عندما تعطى 80 % أو 90% من المساحة لرأى واحد خاصة عندما تكون ممتلئة بالأكاذيب عن إنهيار الجيش الروسى وفظائع الجيش الروسى المفبركة فى بوتشا – راجع مقال أمين حطيط وفيديو حفكوف فى هذا الموضوع فى مدونة مجدى حسين

magdyhussein.id –

والجزيرة عادة تجيد خداع المشاهدين غير المتخصصين فى السياسة والاعلام ، لدرجة أنهم يستغربون منى هذا الحديث ، وينسون حقيقة أن أكبر قاعدة للولايات المتحدة خارج أمريكا هى قاعدة العديد فى قطر على بعد أمتار من قناة الجزيرة . لاتوجد حكومة فى العالم عبر التاريخ ، عبر الزمان والمكان ، يمكن أن تتحدى حكومة تسيطر عليها عسكريا . وقد قلت مرارا على سبيل المزاح الحقيقى : إن أمريكا قادرة بإستخدام سيارة جيب أن تطيح بأمير قطر فى دقائق. بل هى لاتحتاج لهذه السيارة ويكفى مكالمة هاتفية . أمريكا هى التى غيرت الأمير السابق بإبنه وقادرة على تغيير الحالى فى أى لحظة . الأمير السابق لم يتحد أمريكا ولكنهم رأوا أن ابنه أفضل لأى سبب ، وربما لأسباب صحية .

قطر مكلفة من أمريكا بمهمة محددة تلعب فيها قناة الجزيرة دور الأداة التنفيذية . والمهمة هى العمل على غواية واستئناس وترويض قوى المعارضة العربية القومية والاسلامية لتعمل تحت المظلة الأمريكية ، لا مانع من استمرار معارضتها للأنظمة القائمة ولكن تحت الإشراف الأمريكى . كما تفتح الجزيرة النار على أى نظام عربى صديق للولايات المتحدة بغرض تأديبه وضبط حركته على الرغبات الأمريكية . ولكى تكسب مصداقية كان لابد لها أن تفتح المجال لحرية الرأى إلى أعلى سقف . عندما سأل أحد الاعلاميين العرب – السيد الغضبان – حمد بن جاسم الذى كان يؤسس الجزيرة عن سقف عمل هذه القناة : قال له : ليس لها سقف . فرد عليه الاعلامى العربى : إذا ستكسب القناة مصداقية كبيرة وستنجح . ولكنه رفض العمل معها لأنه استراب فى الأمر . ولكن غضب الحكومات العربية من ضربات الجزيرة الاعلامية أدى إلى إغلاق مكاتبها فى كثير من العواصم العربية ، فاضطرت للترجع أحيانا عن السقوف المفتوحة . ولكنها لاتتراجع عن السياسة الأمريكية من خلال التعامل المباشر مع المخابرات المركزية الأمريكية سى أى إيه . قال وضاح خنفر مدير الجزيرة السابق على سبيل المثال فى حديث صحفى : إن أشرطة أسامة بن لادن كانت تعرض على المخابرات الأمريكية قبل عرضها وبعد الاتفاق على ماذا يعرض منها وماذا يسقط . وهذا كلام منطقى فالعلاقة بين أمريكا العظمى وواحدة من أصغر دول العالم لاتقوم فحسب على هذه القاعدة العسكرية الرهيبة ، العديد ، ولكن كل الأمور مربطة جيدا” حتى قال مدير المخابرات القطرية فى عام 2014 فى تصريح علنى دفاعا عن سياسة قطر فى سوريا لدعم الإرهاب : إن كل ما نقوم به فى سوريا لايتم إلا بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية .. سى أى إيه.

وأخيرا بعد الدور الدبلوماسى مع طالبان لصالح أمريكا ، أصبحت قطر هى المسئولة عن إدارة العلاقات مع أفغانستان . ثم أصبحت دولة حليفة للناتو بشكل رسمى .

ما يهمنى الآن أن أنصح كل من يريد أن يعرف حقيقة ما يدور فى أوكرانيا والأزمة العالمية بين روسيا والغرب ألا يعتمد على قناة الجزيرة كمصدر أساسى فى هذا المجال . لقد وصل إنحطاط الجزيرة إلى حد أن قناة العربية أصبحت أكثر موضوعية فى موضوع أوكرانيا ، بسبب الأزمة الراهنة بين السعودية وأمريكا . قطر هى الدولة العربية الوحيدة !!الآن التى لاتوجد لها مشكلة مع أمريكا

– 22 –

الناتو يهاجم العالم على محورين : المحور العربى الاسلامى والمحور الروسى الصينى وهذا فوق طاقته لذلك يهزم الآن على الجبهتين

فى يوم 18 مارس 2014 ألقى فلاديمير بوتين خطابا تاريخيا فى الكرملين أعاد فيه إلى أسماع وأفئدة قادة ومواطنى روسيا أمجاد روسيا . لم يقتصر الخطاب على إعلان أن القرم وسيفاستوبول أصبحا فى قوام روسيا الاتحادية ، بل عرض رؤية استراتيجية متكاملة من خلال عرض قصته هو شخصيا ، وقد كان مؤثرا فى النخبة والجمهور بقدر ما كان صادقا . روى فى الخطاب كيف تغيرت نظرته إلى العالم ، كيف كان يسعى إلى أن يكون رئيسا أوروبيا ليبراليا عاديا ، وكيف خاب أمله بالأصدقاء الغربيين ، وكيف أقتنع بعدائهم ، وكيف انه لن يثق أبدا بعد الآن بصدقيتهم وإخلاصهم . وكما يقول ميخائيل زيغار – مرجع سابق- : لم ينطق أى رئيس روسى فى يوم من الأيام بمثل هذه الكلمات المؤثرة والعميقة ، إنه ليس خطابا بل اعتراف فى جلسة جماهيرية من التحليل النفسى على أعلى المستويات .

تقاسم بوتين مع الحضور الاستياء الذى يشعر به قائلا : لقد سعت روسيا بإخلاص إلى الحوار مع زملائنا فى الغرب . نحن نعرض بإستمرار التعاون فى جميع المسائل المهمة ، ونريد تعزيز مستوى الثقة ، ونريد أن تكون علاقاتنا متكافئة ، منفتحة وشريفة . ولكننا لم نكن نجد خطوات مماثلة . بل على العكس ، كانوا يخدعوننا مرة إثر مرة ، ويتخذون قرارات من وراء ظهرنا ، ويضعوننا أمام الأمر الواقع ، وكانوا يؤكدون لنا الشىء نفسه : هذا لا يتعلق بكم .

قبل 14 عاما كان صوت بوتين يتردد بطريقة مغايرة كليا : يمكن لروسيا أن تصبح عضوا كامل الحقوق فى حلف الناتو ” إذا ما أخذوا مصالح روسيا فى عين الاعتبار ، إذا ما أصبحت شريكا متساويا فى الحقوق ” هذا مقاله بوتين عندما كان مرشحا للرئاسة فى مارس 2000 على الهواء فى حديث مع بى بى سى .

فيما بعد تصادق بوتين كما ذكرنا مع تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا ولكنه تصادق أيضا مع جورج بوش الابن . وعندما قبل هذان الصديقان من خلف ظهره فى عام 2004 سبعة بلدان فى حلف الناتو ، بما فى ذلك بلدان البلطيق ، اعتبر بوتين هذا بمثابة خيانة شخصية . وكتب بلير فى مذكراته عن انتهاء صداقته مع بوتين قائلا : لقد توصل بوتين إلى نتيجة مفادها أن الأمريكيين لا يخصصون له ذلك الحيز الذى يستحقه .

هذا التوسع للناتو شرقا هو ما كان يقصده بوتين فى خطاب الكرملين عام 2014 : كانوا يخدعوننا مرة إثر مرة ،ويتخذون قرارات من وراء ظهرنا ، ويضعوننا أمام الأمر الواقع ، وكانوا يؤكدون لنا الشىء نفسه : هذا لا يتعلق بكم .

وأضاف : إن شركاءنا الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة يفضلون فى سياستهم العملية الاسترشاد بحق الأقوى وليس بالقانون الدولى . إنهم مقتنعون بتفردهم وإستثنائيتهم، وبأنه يحق لهم تقرير مصير العالم ، وأنهم وحدهم يكونون دوما على حق .

وكان بوتين قد قال لمجلة تايم الأمريكية عام 2007

ورغم أنها اختارته فى نفس العدد الزعيم العالمى لعام 2007 قال : إن أمريكا لاتحتاج إلى أصدقاء .يتكون لدينا إنطباع وكأن الولايات المتحدة فى حاجة إلى تابعين يمكنها قيادتهم وتوجيههم .. إنها تقول لنا ولجميع الآخرين : لا ، من الممكن قرصهم قليلا ومعاتبتهم ، لأنهم ليسوا متحضرين تماما ، مازالوا متوحشين بعض الشىء ، ففى الأمس فقط نزلوا من فوق الشجرة . ولذلك علينا أن نسرح لهم شعرهم فهم بأنفسهم عاجزون عن ذلك ، يجب السيطرة عليهم وغسلهم من القاذورات . هذا هو دورها الحضارى .

لم يعبر أى زعيم فى العالم عن استيائه أبدا بمثل هذه الصراحة كما عبر بوتين . ميخائيل زيغار

وإذا عدنا لخطاب الكرملين لعام 2014 سنجده قد عبر عن موضوع روسيا والقرم بمنتهى البساطة :

إن الروس هم الشعب الأكثر تقسيما فى العالم ، أما السكان الروس فى القرم فقد سلموا كما يسلم كيس البطاطا !

وعندما كان بوتين يتعرض لانتقادات لاذعة من حكام الغرب كانت له مقولة شهيرة تكشف عن أنه لا يفتقر لخفة الدم رغم صرامته : على هؤلاء الغربيين أن يهتموا أكثر بتعليم زوجاتهم كيف يطهين الحساء!

كم أتمنى أن يتعلم الحكام العرب من بوتين : العزة والكرامة ونزعة الاستقلال الدفينة والاعتزاز بالوطن .

موضوع حلف الناتو هو الموضوع الجوهرى . والأمر بمنتهى البساطة كالتالى : الناتو حلف عسكرى أنشىء خصيصا لمواجهة الاتحاد السوفيتى ومعسكره الشيوعى فى بداية الحرب الباردة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية . بسقوط الاتحاد السوفيتى ومعسكره الأوروبى الشرقى الشيوعى . لم يعد هناك مبرر لاستمرار وجود الناتو . لأنه لم يكن هناك أى عدو ظاهر لأمريكا والغرب . بل كانت العلاقات مع روسيا مثل السمن والعسل فى عهدى جورباتشوف ويلتسين ثم فى المرحلة الأولى لحكم بوتين . ولذلك كان التصريح الأخير لوزارة الخارجية الصينية منطقى للغاية حين قالت : كان يتعين حل حلف الناتو بعد سقوط الاتحاد السوفيتى . ونذكر فى ذلك الزمان أن المناقشات كانت علنية فى الغرب عن إنعدام أهمية الناتو ، فى حين تحدث البعض عن أن العدو الذى يتعين توجيه فوهات المدافع إليه هو الاسلام والعالم الاسلامى . فقد رأى هذا الفريق أن العدو الوشيك والمتوقع هو العالم الاسلامى . إن الحلف العسكرى لا معنى له إذا لم يكن له عدو واضح . فكل تاريخ أوروبا الحديث لا تجد فيه حلف عسكرى دائم ، بل لكل دولة سياستها وهناك تحالفات متقلبة بينها حسب التطورات السياسية . لم يحدث تحالف عسكرى واضح وثابت إلا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية ضد ألمانيا . ولكن لم توجد منظمة عسكرية موحدة إلا بعد الحرب العالمية الثانية : الناتو . وبالفعل ورغم أن حلف الناتو يعمل فى النطاق الأوروبى والأطلسى وفق ميثاقه . إلا أنه شارك رسميا فى عدوان أمريكا على أفغانستان . وشارك فيما يسمى الحرب على الارهاب عام 2014 ، وشارك العديد من أعضاء الناتو فى غزو العراق 2003 . وكانت حروبا هجوميا غير دفاعية . حيث لم تتعرض اى دولة عضو لغزو أجنبى . أى تحول الناتو لأداة عسكرية فى يد التوسعية الامبريالية الأمريكية والتى عادت بالبشرية إلى زمن الاحتلال العسكرى المباشر فى أفغانستان والعراق ، مع انتشار سرطانى للقواعد العسكرية فى العالم : 100 قاعدة عسكرية أمريكية .

ولكن حلف الناتو تحول إلى الهجوم لإحكام سيطرة أمريكا على العالم على محورين : المحور العربى الاسلامى والمحور الروسى الصينى . وقد كان هذا التوجه إنتحاريا للولايات المتحدة لأنه فوق طاقتها ، ولذلك فنحن نشهد الآن إندحارهذه الهجمة العدوانية على الجبهتين . وهذا يوضح أن التحالف العربى الاسلامى الروسى الصينى تحالف منطقى فرضته هذه العدوانية الغبية الأمريكية ومن يسير فى ذيلها من نظم أوروبا .

والآن نرى أننا انتهينا من المقدمات التاريخية ، ولنتابع معا من الآن وصاعدا إن شاء الله تطورات الحرب العالمية الثالثة الراهنة .

– 23 –

جبهة فلسطين جزء لا يتجزأ من الحرب العالمية الثالثة

جبهة فلسطين جزء لا يتجرأ من الحرب العالمية الثالثة وهو الجزء الأساسى الذى يهمنا نحن العرب والمسلمين . كانت فلسطين دائما ميدان أساسى وحاسم فى كل الحروب العالمية من أيام حروب مصر والحيثيين والآشوريين والبابليين وحروب اليونان وفارس ثم الروم وفارس . ثم العرب المسلمون ضد الروم وفارس .. ثم الحروب الصليبية ثم حروب المغول . ثم صراع فرنسا وإنجلترا على المشرق العربى.. والحربين العالميتين فى القرن العشرين، حيث حسمت الحرب العالمية الأولى بهزيمة الدولة العثمانية فى فلسطين ، واستيلاء أللنبى على رأس جيوش بريطانيا على القدس حيث قال : الآن انتهت الحروب الصليبية وكان واهما ! والحرب العالمية الثانية حسمت إلى حد كبير فى مصر عندما هزم الألمان فى معركة العلمين ، وكان الجيش الألمانى متجه بعد مصر إلى فلسطين والخليج. وكان انتصار المشروع الصهيونى فى فلسطين عام 1948 من آثار إنتصار الحلفاء فى هذه الحرب .

وبعد الإنذار الروسى النووى لاسرائيل وبريطانيا وفرنسا عام 1956 ،

كادت حرب نووية تقع بين الاتحاد السوفيتى وأمريكا على حدود فلسطين فى مصر فى أواخر حرب أكتوبر 1973 . حيث أعلنت الطوارىء النووية فى أمريكا والاتحاد السوفيتى .

والآن فإن الصراع حول الشرق العربى حيث فلسطين أكثر أهمية من اوكرانيا . فأوكرانيا مشكلة حدودية لروسيا . أما الشرق العربى – الوطن العربى الآسيوى + مصر – فهو مركز العالم المتوسط كما كان دائما . والصراع العالمى يحسم فى النهاية هنا .ومن المهم أن ننتبه حتى لا نلعب دور الكومبارس فى هذا الصراع كما كان الحال فى الحربين العالميتين الأخيرتين . بل نسعى للدفاع عن أمتنا وتحقيق مصالحنا الوطنية والقومية .

وفى صراعنا الراهن منذ 1948 فقد تزاوج سعينا للتحرر من الاحتلال الفرنسى الانجليزى مع جهادنا ضد المشروع الاسرائيلى . وظلت اسرائيل هى الشريك المحلى الأساسى للغرب بعد انسحاب بريطانيا وفرنسا واستلام الأمريكيين لراية الهيمنة والاستعمار بوسائل جديدة . ولكنهم نشروا قواعدهم العسكرية ولا يزالوا فى معظم البلاد العربية + تركيا وجنوب السودان والبحر الأحمر خاصة فى منطقة القرن الافريقى وباب المندب . واستعادوا محاولات الاحتلال المباشر فى أفغانستان والعراق وجزئيا فى سوريا . وكانت اسرائيل ولاتزال شريكا أساسيا لأمريكا فى العراق وسوريا والأردن وتركيا وأذاربيجان وجنوب السودان بل وتحاول فى السودان أخيرا وكذلك فى ليبيا. بل هى تتوسع الآن فى الامارات والبحرين والسعودية وسائر دول الخليج عدا الكويت .

وهكذا فإن اسرائيل لا تستطيع أن تكون بعيدة عن الصراع العالمى الراهن بين روسيا وامريكا ، ولابد أن تنحاز صراحة لأمريكا لأنها هى أساس وجودها واستمرارها . وروسيا تدرك ذلك جيدا وتتعمق الشقة كل يوم بين روسيا واسرائيل ، رغم ألاعيب اسرائيل لتبدو محايدة فى الصراع الروسى الأوكرانى ، لأن الصراع فى جوهره روسى أمريكى . وروسيا تدرك ذلك جيدا . ومؤخرا جرت مناورات عسكرية روسية سورية متعددة برية وبحرية .

ولكن الأساس فى يدنا نحن .. فى يد الجهاد الفلسطينى والعربى المساند له والإيرانى وذلك بفرض قضيتنا الفلسطينية على جدول أعمال هذا الصراع العالمى ولإنتزاع حقوقنا وتأديب هذا الكيان المجرم . وهذا ما تقوم به المقاومة الفلسطينية الآن بكل الوسائل الشعبية والمسلحة مع استنفار صواريخ غزة التى تشارك الآن فى خلفية المشهد مؤقتا وهى التى تمنع اسرائيل من إقتحام جنين ومن ذبح القرابين فى المسجد الأقصى ، واليوم الجمعة سيكون حاسما فى إنكسار اسرائيل على هذين المحورين : جنين والأقصى .

ويدرك الحلف الروسى الصينى بشكل متصاعد أن المحور العربى الاسلامى المقاوم والمناوىء للهيمنة الأمريكية هو الحليف الذى يمكن الركون إليه فى هذا الصراع الوجودى بينهما وبين أمريكا . فالصراع العالمى وصل إلى مرحلة اللاعودة حتى ينكسر أحد الطرفين . فأمريكا لا تنتوى بسهولة أن تجلس مرة اخرى على طاولة مفاوضات مع الصين وروسيا لتعترف بدور أقل لها فى المحيط العالمى . ولكن ستذهب فى النهاية إلى الطاولة عندما تنكسر هيمنتها بشكل واضح، وهذا ما نشهد مقدماته الآن. فالمبادرة منذ فترة بيد روسيا والصين وأصبحت أمريكا وحلفاؤها فى موقع رد الفعل . والعقوبات الاقتصادية لعبة قديمة مهترئة ، سلاح الضعفاء الفاشل ولم تنجح مع إيران أو فنزويلا أو كوبا أو أفغانستان أو كوريا الشمالية أو سوريا فهل يمكن أن تنجح مع روسيا ، ثمن الكرة الأرضية . هل يمكن محاصرة ثمن الكرة الأرضية أيها الأغبياء . فما بالك وأنها قوة نووية تمتلك صواريخ أحدث وأخطر من صواريخ امريكا وكل أنواع الأسلحة المختلفة والحديثة . واقتصاد قوى ، وموارد أساسية للعالم بأسره ليس فى الغاز والزيت فحسب بل فى الذهب والنيكل وكثير من المواد المعدنية النادرة ، والقمح وكثير من المواد الغذائية .وهل نجحت العقوبات الساذجة هذه فى أزمتى جورجيا والقرم عامى 2008 و2014 ؟ لا بل تراجع الغرب عنها تدريجيا . ولكن تراجع الغرب هذه المرة بعد كل هذا الضجيج والتوسع فيها سيكون مدويا ومخزيا لأمريكا ولكل من يتبعها من أغبياء أوروبا .

قبل أن نتحدث عن دخائل القضية الفلسطينية ، يجب أن نتذكر اولا أن منطقتنا هى أكثر المناطق التى أضيرت من الهيمنة الأمريكية على مدار العقود الماضية بحيث أصبحت المنطقة العربية أكثر مناطق العالم تخلفا من الناحية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية وأكثرها إنحدارا من ناحية مستوى المعيشة والخدمات ، عدا حفنة من السكان فى بعض دول الخليج بسبب الريع النفطى حيث يوجد نوع من التقدم الشكلى المصطنع فى إطار التبعية . ولكن حتى هؤلاء يتمردون الآن على أمريكا من شدة ضعفها وتراجعها. ولكننا لانعول على هؤلاء ولكن نتحدث عنهم فحسب للتدليل على الإنهيار الأمريكى.

الشعب الفلسطينى ليس هو الضحية الوحيدة للحلف الصهيونى الأمريكى وإن أتى فى المركز الأول ، بل لقد استبيح الشعب العراقى ولم يعد بعد إلى حالته الطبيعية ولا تزال بقايا الاختراق الأمريكى والاسرائيلى تعيث فيه فسادا شمالا وجنوبا . والشعب السورى عانى الأمرين على مدار 11 سنة ولا يزال لم يرجع إلى حالته الطبيعية .

وكذلك شعب اليمن وليبيا والسودان ولبنان والأردن ، ولا أستثنى أحدا.

ما يهمنا الآن أن نتوجه بكل الدعم والمناصرة لرأس حربتنا ، للشعب الفلسطينى الذى لايطالب الآن ، فى هذه اللحظة ، إلا بحق الحياة ، وحق البقاء فى بيوته ، وحق العيش ، وحق زراعة الزيتون . ولنعلن للعالم الغربى بأسره : إنه منافق وكذاب ومجرم بحيث يتواطأ مع الاسرائيليين على جرائم ترتكب فى وضح النهار وأمام عدسات التلفزيون بكل اللغات .

أقول ذلك وأنا واثق من النصر ثقتى فى الله . وأن الشعب الفلسطينى سيفرض إرادته فى المدى المرئى .

– 24 –

اسرائيل المرتعشة تقصف أرض فضاء فى غزة .. والمبادرة لاتزال بيد الفلسطينيين ومحور المقاومة ..

القاهرة 19 إبريل – 2022 – الثانية صباحا

منذ دقائق ردت اسرائيل على قصف المقاومة الفلسطينية لمستوطنة اسرائيلية بصاروخ ، ردت بغارة جوية تقصف فيها أراضى زراعية مفتوحة حتى لا تتورط فى إصابة أو قتل أى فلسطينى ولا حتى تدمير بناية .

هذا المشهد يرمز للحالة الاستراتيجية العامة لموازين القوى . اسرائيل بدأت تدرك جيدا أنها الطرف الأضعف فى الصراع وأن عليها أن تسير على قشر البيض بطريقة لا تسمح بتكسره كما يقول المثل الشعبى . فغزة ليست وحدها وهى محمية بعد صواريخها ومقاومتها الباسلة التى طورت تسليحها برا وبحرا وجوا كجيش شعبى حقيقى ، هى محمية بعد ذلك بمقاومة الشعب الفلسطينى المتصاعدة فى الضفة الغربية ، والمد الشعبى فى أراضى فلسطين المحتلة عام 1948 . ومحمية بعد ذلك بالمقاومة اللبنانية ، ثم المقاومة العراقية ، ثم المقاومة اليمنية وأخيرا محمية بإيران كخط دفاع نهائى . وبالتالى نحن لا نلقى الكلام على عواهنه . وبرجاء مراجعة ما يكتبه الاعلام الاسرائيلى – راجع باب اسرائيل إلى زوال فى المدونة

– . مرجع سابق

التقدم الجديد الذى حدث فى الشهور الأخيرة

فى الصراع الوجودى المرير بين أمتنا وبين الكيان الصهيونى لا توجد لحظة سكون ممتدة أو مرحلة جمود استاتيكى ، فإما يكون الوضع لصالح هذا الطرف أو ذاك .. بمعنى يتطور لصالح هذا الطرف أو ذاك . وقد تحدثنا من قبل عن التطورات لصالح المقاومة الفلسطينية ومحور المقاومة بمناسبة حرب مايو الماضى بين غزة والكيان .. وبمناسبة انتصار الحوثيين على حلف عدوانى اسرائيل طرف اساسى فيه .. وبمناسبة هزيمة أمريكا الساحقة فى أفغانستان . فما الجديد اليوم ؟

عندما يميل الميزان إلى جانب فمن الطبيعى أن يزداد رجحان الكفة بواقع الثقل الأكبر الذى تراكم فى مراحل سابقة . فى الشهور الأخيرة حدث أكثر من تطور خطير .

أولا : الحرب العالمية الثالثة التى تفجرت فى أواخر فبراير الماضى فى أوكرانيا . وأمتنا أكثر المستفيدين منها باعتبارها أكثر المضارين من نظام القطب الواحد الذى يريد الأمريكان له أن يستمر . ومسح كرامة أمريكا و تمريغ أنفها فى التراب ، حسب التعبير الأثير للإمام الراحل آية الله الخمينى ، شرط ضرورى للتحرر . فاسرائيل لاتقوى ولا تعيش إلا بالمساندة الأمريكية .

ثانيا : ولكن تطور الأحداث أدى إلى أثر مباشر على قضايانا العربية وعلى رأسها فلسطين . فحدثت وقيعة حقيقية بين روسيا واسرائيل ، عندما أضطرت اسرائيل للوقوف إلى جانب أمريكا ليس بالتصويت فى الأمم المتحدة فحسب بل بالحديث عن جرائم حرب لروسيا فى اوكرانيا . راجع التفاصيل فى فيديو عيد الحميد العونى بعنوان بداية حقيقية للقطيعة بين روسيا واسرائيل – المدونة – مرجع سابق . وقد كتبت كثيرا عن أن التحالف مع روسيا فى المراحل السابقة كان مفيدا فى صراعنا مع اسرائيل ليس فى مرحلة عبد الناصر فحسب بل حتى الآن .. من خلال التحالف مع إيران وسوريا . ومن خلال السلاح الروسى الذى يتسرب بكثافة إلى حزب الله وإلى المقاومة الفلسطينية فى غزة . وعلى رأسه صاروخ كورنيت مدمر الدبابات الاسرائيلية . كذلك فإن هذا التحالف يمتد إلى كوريا الشمالية .

ثالثا : أدى إحتدام الصراع العالمى إلى تصاعد الصدام الأمريكى الصينى الذى يتمحور حول تايوان ، وهو فى الحقيقة بسبب شعور أمريكا بالعجز الاقتصادى والعلمى والتكنولوجى أمام الصين التى تمثل تهديدا أخطر من روسيا لأمريكا من وجهة نظر بعض الاتجاهات داخل النظام الأمريكى . وبالتالى فإن ما قلناه عن التحالف العربى الاسلامى مع روسيا ينسحب إلى التحالف مع الصين العظمى . والصين جاهزة عندما تجد من يتجاوب معها ضد أمريكا . لاحظ الاتفاق الاستراتيجى بين الصين وإيران . وفى نفس الوقت يوجد إتفاق استراتيجى مواز لإيران مع روسيا . وجرت مرتين مناورات بحرية عسكرية بين الدول الثلاث : روسيا والصين وإيران .

رابعا : حدث تطور نوعى خطير على الأرض ، إذ نجحت المقاومة الفلسطينية فى فتح جبهة عسكرية جديدة ضد اسرائيل فى مجمل الضفة الغربية . ومركز هذه الجبهة فى جنين . وهذا تطور نوعى خطير . فلأول مرة مرة توجد قطعة أرض شبه محررة فى الضفة الغربية ، محررة من القوات الاسرائيلية و من أمن السلطة الفلسطينية . البؤرة الثانية بعد غزة . وهى محررة من الوجود العسكرى الاسرائيلى الذى أصبح لا يستطيع إجتياحها إلا بخسائر بشرية كبيرة ، مع إحتمال لفتح جبهة غزة التى أصبحت غطاء وعمق استراتيجى من على البعد . وفى الأزمة الراهنة أعلنت غزة أنها ستضرب تل أبيب إذا تم إجتياح جنين . وجنين هى البقعة المركزية ولكنها لاتحتكر السلاح والخلايا المسلحة ، فقد أصبحت هناك شبكة فدائية فى عموم الضفة الغربية . وقد برهنت الأيام الأخيرة أن المقاومة قامت بعمل بطولى كبير من خلال تجميع وتهريب وتصنيع كمية لا بأس بها من السلاح ، بحيث أصبح لديها بنية تحتية للمقاومة بحد أدنى . وكل هذا بقيادة حماس والجهاد مع مشاركة مختلف الفصائل معها بما فيها الجناح الثورى لفتح . وبالتالى أصبح من المنتظر أن نرى بؤرة ثالثة محررة بعد غزة وجنين فى الضفة الغربية ، وهذا هو التحرير الحقيقى لفلسطين .

خامسا : تطور جبهة المقاومة الشعبية والمسلحة فى أراضى فلسطين المحتلة عام 1948 . نقول تطور لأن هذه الجبهة فتحت بقوة أثناء حرب مايو 2021 بين غزة والكيان . ولكن التطور النوعى الخطير يظهر فى إنخراط سكان 48 فى عمليات فدائية فردية مؤثرة وهؤلاء إذا اخرطوا فى هذا الجهاد يصعب تعقبهم أو محاصرتهم أمنيا ، بالإضافة لما يمثله تمردهم من تفكيك الكيان وهم يمثلون 20 % من السكان .

سادسا : تطور نشاط الفلسطينيين فى الشتات مع العرب والمسلمين فى شتى بقاع الأرض خاصة فى العالم الغربى حيث يسيطر اليهود على السياسة والاعلام والاقتصاد . ففى هذه البلدان تصاعد نشاط التضامن مع جهاد الفلسطينيين فى الداخل وتصاعدت حملات إدانة اسرائيل وتصرفاتها العنصرية . وقد أدى هذا النشاط إلى تطوير مواقف العديد من المؤسسات الشعبية فى بلدان الغرب : الجامعات – الكنائس – منظمات العمل المدنى .. ضد العنصرية الاسرائيلية .

سابعا : تطور الفزع الاسرائيلى وتزايد فكرة الهجرة المعاكسة إلى خارج اسرائيل . وفى عيد الفصح الحالى هرب 70 ألف اسرائيلى تحت عنوان الاحتفال بالعيد خارج اسرائيل . ولا تدرى كم منهم سيعود ؟ وكم منهم سينتظر يترقب الموقف فهم يسافرون وهم يعلمون أن خطر وقوع حرب محتمل بشكل كبير كما يقول الاعلام الاسرائيلى.

ويسألونك متى يكون النصر ؟ قل عسى أن يكون قريبا . وما النصر إلا من عند الله

.

  • 25 –

قصة الحماقة الأمريكية : ضم 15 دولة للناتو لإحكام حصار وخنق روسيا

22 – 4 – 2022

مر حتى اليوم 57 يوما على بداية الحرب العالمية فى أوكرانيا أى نقترب من إتمام شهرين. ما الذى تغير فى العالم ؟

تغير الكثير. نحن نشهد عالما جديدا يتشكل أمام أعيننا . ولم يعد بالإمكان العودة إلى الوضع الذى كان قبل 24 فبراير 2022 يوم إندلاع الحرب . وهذا ما توقعناه وكتبناه من اللحظة الأولى ، لأن الصراع الذى تفجر لم يكن مفاجئا بل كان ينمو على السطح منذ قرابة عقدين من الزمان . منذ تولى بوتين الحكم فى روسيا أو بالدقة بعد توليه الحكم ب 8 سنوات عندما أصبح بإستطاعته تحدى أمريكا وهو الأمر الذى ظهر فى أزمة جورجيا عام 2008 .

إن أساس الأزمة الدولية الراهنة التى تأخذ شكل حربا فى أوكرانيا ويحاول الاعلام الغربى الكاذب أن يحولها إلى عدوان روسى على دولة حرة مستقلة ديموقراطية ذات سيادة ، وكأن الدولة المجاورة لدولة ما يمكن أن تفعل أى شىء داخل حدودها للإضرار بجارتها بما فى ذلك أن تتحول إلى مركز نووى و بيولوجى ضدها . وأن تقف هذه الدولة الجارة الأخرى تتفرج ببراءة .

كما ذكرت فإنه بكل المعايير الاستراتيجية وبمعايير المصلحة الوطنية الروسية فقد تأخرت روسيا كثيرا فى مواجهة هذا التوسع العسكرى للناتو شرقا الذى بدأ عام 1992 . فمنذ ذلك التاريخ دخلت15 دولة فى شرق وشمال أوروبا تباعا إلى حلف الناتو.

وحلف الناتو أنشىء أساسا لمواجهة الشيوعية فلماذا كل هذا التوسع للإحاطة بروسيا عسكريا ونوويا إحاطة السوار بالمعصم . الأمر لايحتاج إلى مفكر استراتيجى ليقول إن هذا التحرك يستهدف روسيا غير الشيوعية للقضاء عليها كدولة ، فى وقت كانت روسيا تسعى للتعاون بكل إخلاص مع الغرب لتعيش حياة طبيعية كدولة أوروبية .

ما هى الدول الأوروبية التى دخلت الناتو بعد سقوط الاتحاد السوفيتى فى عام 1991 ؟

دول البلطيق الثلاث : لاتفيا – ليتوانيا – إستونيا وهى الأشد خطورة على روسيا من ناحية الموقع الجغرافى فهى دول حدودية تتحكم فى مخارج ومداخل بحر البلطيق الأساسى لروسيا ، وكانت فى مراحل عديدة عبر التاريخ جزءا من روسيا أو متحدة أو متحالفة معها، فى القرن الثامن عشر كانت جزءا من الامبراطورية الروسية وكانت كذلك فى عهد الاتحاد السوفيتى . وهى كبلاد طرفية أو متطرفة جغرافيا لم تتبلور فيها دولة قومية واحدة مستقرة ، وكانت عبر التاريخ محل نزاع بين السويد والدنمارك وروسيا والمانيا وبولنده ، ولم تشهد دولة قومية واحدة مستقرة عبر التاريخ كله .

وإذا أخذنا استونيا كمثال سنجد إنها تخترق قلب روسيا فهى على مقربة ساعة ونصف الساعة بالسيارة من سان بطرسبرج الميناء الأساسى لروسيا . 27 % من سكانها روس و35 % منهم يحملون الجنسية الروسية و90 % منهم فى المناطق الشرقية يتحدثون بالروسية .

قامت أمريكا والغرب بدور كبير لفصل هذه الدويلات عن روسيا عام 1991 ، ولا بأس .. فروسيا تتحمل عواقب انهيار الاتحاد السوفيتى ، ولكن ضم هذه الدويلات للناتو عمل عدوانى غير مبرر بعد أن اعترفت روسيا باستقلال هذه الدويلات . وتذكر دوما أن دخول الناتو معناه وضع أسلحة نووية فيها وهى على حدود روسيا مباشرة .

ضم 4 دول من شظايا يوغسلافيا

حرب أمريكا لإنهاء أى وجود لروسيا فى أوروبا كانت على كل الجبهات ، وحروب تفكيك يوغسلافيا كانت إحدى هذه الجبهات وحاولت أمريكا والغرب ترويجها باعتبارها مناصرة للمسلمين وكان هذا كذبا صريحا فقد تواطأ الجميع على ذبح المسلمين خاصة فى البوسنة والهرسك . وانتهى الأمر بمنع قيام أى دولة اسلامية فى البوسنة والهرسك وفى كوسوفا .

تم ضم : الجبل الأسود ومقدونيا الشمالية وكرواتيا وسلوفينيا للناتو .

وتم ضم كل دول شرق أوروبا الشيوعية سابقا وكانت فى حلف وارسو الشيوعى وهى :

بولنده – بلغاريا – التشيك – سلوفاكيا – المجر .

ودول شيوعية سابقة لم تكن فى حلف وارسو وهى :

ألبانيا – رومانيا .

وانضمت ألمانيا الشرقية ضمنيا للناتو وكانت فى حلف وارسو كدولة أساسية ، ولكنها انضمت فى إطار ألمانيا الموحدة .

وكانت أمريكا قد ضمت جزيرة أيسلنده فى أقصى الشمال الأوروبى عام 1949 وقد كان هذا فى إطار الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى . ولكن نذكرها على سبيل الطرافة فهى بلد صغير جدا ولا يوجد فيها جيش نظامى !! وبالتالى نحن أمام استعمار أمريكى صريح . ومع ذلك فقد أيدت أيسلنده احتلال العراق عام 2003 وشاركت بجهد لوجستى فى العراق وأفغانستان وقصف يوغسلافيا !! وهذه من مساخر الناتو وعدائه الدفين للعرب والمسلمين .

وإذا استبعدنا أيسلنده لأنها عضو قديم فى الناتو ، فقد تم ضم 15 دولة للناتو منذ 1991 حتى الآن .منهم 5 دول على حدود روسيا مباشرة : استونيا – لاتفيا – ليتوانيا – بلغاريا – رومانيا –.

أليس فى كل ذلك إعلان صريح للحرب العالمية على روسيا و أيضا على المسلمين والعرب فى أفغانستان والعراق ، رغم أن بلادنا خارج نطاق عمل الناتو الأطلسى حسب مواثيق تأسيسه الأصلية ، والتى تنص على التعاون فى حالة تعرض أى دولة عضو لعدوان خارجى . ومن المؤكد أن العراق لم يشن عدوانا على أمريكا ، أما أفغانستان فإن عملية إرهابية واحدة لاتشكل مبررا للعدوان ، أقصد 11 سبتمبر وهناك تقديرات معتبرة أن 11 سبتمبر كانت من تدبير أمريكى لتبرير العدوان على العرب والمسلمين . وكتبت عن ذلك فى دراسة أخرى – المستطيل القرآنى .

بالنسبة لروسيا ماذا فعلت ضد أمريكا بعد 1991 ، حتى يستدعى الأمر كل هذه الحمى فى التوسع شرقا لمحاصرة روسيا وخنقها . والأمر لم ينته عند كل ما مضى بل كان هناك إصرار ولا يزال على ضم أوكرانيا وجورجيا وفنلنده والسويد ومولدوفا والبوسنة والهرسك .

رغم أن جورجيا أقرب لأن تكون دولة آسيوية وميثاق الناتو يشترط أن يكون العضو الجديد من أوروبا . ووقفة روسيا العسكرية عام 2008 هى التى حالت دون هذا الإنضمام . واستجابة أمريكا السريعة هى التى أدت إلى انتهاء حرب جورجيا فى 5 أيام . وانسحب الروس وكانوا على أبواب العاصمة تبليسى . ولكن أمريكا لا تريد أن تكرر الاستجابة هذه المرة فى أوكرانيا نظرا للأهمية الاستراتيجية الأكبر لها ونظرا لرغبتها فى إستنزاف روسيا ، استنادا لقدرات أوكرانيا العسكرية وهى أكبر بكثير من قدرات جورجيا .

ومن المهم أن نشير إلى أن عددا من كبار المفكرين الاستراتيجيين الأمريكان ومنهم هنرى كيسنجر يرون أن سياسة التوسع شرقا فى عضوية الناتو استفزاز لا معنى له وسيضر بأمريكا ولن يحقق الغرض منه . قالوا ذلك سابقا قبل إندلاع الأزمة وكرروه الآن ولكن الماكينة الاعلامية الغربية الكاذبة تخفى هذه الآراء .

لقد صبرت روسيا بما يكفى ، وأصبح لديها من القوة ما يمكن أن تقاوم بها وتفرض شروطها العادلة . وهى شروط عادلة .. لأن من أعطى لأمريكا الحق فى أن تسيطر على العالم ؟ فهى فى نفس الوقت ترفض أى قوة للصين ولا لإيران على المستوى الاقليمى ، فهى ليست عداوة لروسيا فحسب إنها رغبة دفينة فى السيطرة على العالم وفق عقيدة القدر المتجلى والتى تزعم أن الرب فوض أمريكا لحكم العالم . ولأن روسيا هى الأقوى عسكريا لذلك فهى الأولى على جدول أعمال العدوان الأمريكى . ولكن أمريكا لاتدرك بعد أن قوتها لم تعد تكفى لتحقيق هذه الطموحات الخيالية ، وأن عليها أن ترضى بدور أقل فى إدارة العالم سواء بالذوق أو بالعافية .

وأمتنا جزء من هذه المعادلة ولسنا متفرجين فى هذا الصراع الوجودى الضارى . .

ولكن لنصل للإجابة على السؤال : ماذا تغير فى العالم ؟ وإلى أين نسير ؟

– 26 –

الحرب العالمية الثالثة : الموقف العسكرى بعد شهرين من إندلاعها

صباح يوم 27 إبريل 2022

يصور الاعلام الغربى أن روسيا قد علقت فى أوكرانيا وأنها تغرق فى المستنقع وتخسر أعدادا هائلة من قواتها ومعداتها ، وأنها تعانى من مشكلات لوجستية فى الإمداد والتموين . والخبراء العسكريون المحايدون والمحترمون يرفضون هذه الإدعاءات باعتبارها من الإدعاءات السوداء للاعلام الغربى ، وهو خبير فى قلب الحقائق لفترة من الزمن حتى يمارس الدعاية النفسية على الخصم وأيضا على الجمهور الغربى ذاته لإقناعه بسداد موقف أمريكا والدول الأوروربية .

فى البداية لابد من ربط ماهو سياسى بما هو عسكرى . لقد حققت روسيا ومنذ الأيام الأولى للحرب الهدف الأول والأساسى المعلن والمعروف ، وهو منع أوكرانيا من الإنضمام للناتو ، فقد أصبح هذا المنع عمليا ، بل تكررت الاعلانات من حاكم أوكرانيا ومن حكام الغرب بأن ضم أوكرانيا للناتو أصبح مؤجلا وليس ضروريا أو عاجلا وأن الأمر قابل للنقاش . ولكن روسيا لايمكن ، عن حق ، أن تعتبر هذا الكلام بمثابة تعهد مضمون خاصة وأن الغرب لم يتوقف عن مثل هذه التصريحات من قبل ثم يعود لينقلب عليها . وقد كان هدف روسيا من فتح مجال للتفاوض مع أوكرانيا هو التوصل لتفاهم مكتوب ومفصل ، ليس فقط لنفى عضوية أوكرانيا بالناتو ، بل لضمان حياد أوكرانيا ، ونزع سلاح القوى النازية التى تمثل عصب القوات المسلحة الأوكرانية ، سواء أبقى زيلينسكى فى الحكم أم لا ، وإن كان الروس يفضلون تولى عناصر جديدة للحكم لا تكون معادية لروسيا . ولكن التفاوض مع زيلينسكى كان يعنى الإعتراف الضمنى ببقائه فى الحكم إذا أوفى بهذه الشروط الثلاثة : عدم الانضمام للناتو – الإلتزام بالحياد – نزع سلاح القوى النازية المعروفة بالاسم وهى ثلاثة أحزاب مسلحة ومشاركة بشكل أساسى فى الحكم ، وشعاراتها النازية معلنة وليست هذه مجرد شائعات روسية . بل إن تمسك الغرب بهذه القوى النازية يفضح إدعاءاته بالحرية والديموقراطية .

وقد تعثرت المفاوضات مع حكم زيلينسكى لأنه يستمع لتوجيهات أمريكا ، التى طالبته بالتصلب فى المفاوضات على أمل إطالة أمد الحرب لإستنزاف روسيا حتى آخر أوكرانى . وهذا التعبير للمفكرالأمريكى نعوم تشومسكى قبل أن يستخدمه بوتين . وخطة أمريكا واضحة : استنزاف روسيا على طريقة المستنقع الفيتنامى الذى غرقت فيه أمريكا ، والمستنقع الأفغانى الذى غرق فيه الاتحاد السوفيتى ثم أمريكا ، وعلى طريقة المستنقع العراقى الذى غرقت فيه أمريكا . وهى حسبة استراتيجية خاسرة بكل المعايير لأن ظروف الأزمة الأوكرانية مختلفة تماما.

ولكن لنبدأ بتقييم الموقف العسكرى بعد شهرين من إندلاع الحرب . كان الهدف الجوهرى هو تعزيز سيطرة روسيا على شرق وجنوب أوكرانيا ، فهو الجزء الملاصق لها ، والجزء الذى يضمن لها السيطرة على القرم و شمال البحر الأسود ، وهو الجزء الذى يضم الجمهوريتين المستقلتين المواليتين لروسيا ، وهو الجزء الذى يشمل أكبر عدد من المواطنين الروس والمتحدثين بالروسية والمعتنقين للمسيحية .الأرثوذكسية وبطبيعة الحال فإن المسيحية الأرثوذكسية هى السائدة فى كل أوكرانيا باعتبارها جزءا لا يتجزأ من روسيا التاريخية بنسبة لا تقل عن 85 % والكاثوليك نسبتهم حوالى 8 % والبروتستانت 2 % . ولكن الكاثوليك يتركزون فى أقصى الغرب ، وهذا ما يجعل غرب أوكرانيا أكثر موالاة للغرب ، فهناك القرب الجغرافى لبولنده الكاثوليكية والأشد ولاء للغرب ، والبعد الجغرافى عن قلب روسيا ، و أن غرب أوكرانيا تعرض مرارا لاحتلال بولندى وهذا ما ساهم فى نشر الكاثوليكية فى الغرب والارتباط العام بالثقافة البولندية .

هل عجز الروس عن احتلال الغرب وإسقاط كييف ؟

المؤكد أن الروس بكل الأرقام المعروفة لقوة التسليح ومستواه بالمقارنة مع أوكرانيا التى تحتل المركز ال 22 بين جيوش العالم كان بإمكانهم حسم الصراع عسكريا خلال هذين الشهرين وفى أقل من ذلك . ولكن روسيا لا تتصرف كالجيش الأمريكى الذى دمر البنية التحتية للعراق : الماء – الكهرباء – الاتصالات – الصرف الصحى – كل المبانى الحكومية .. الخ وهو أمر لابد أن يؤدى إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة للمدنيين بعشرات الآلاف فى أيام قليلة . هذه ليست ثقافة روسيا . والأهم من ذلك أن روسيا تتعامل عن حق وبدون إدعاء مع الأوكرانيين باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من الشعب الروسى . وهم يريدون كسب القطاعات التى تأثرت بالدعاية الغربية لتعود إلى حضن روسيا ولو بشكل معنوى وثقافى وبالحفاظ على حسن الجوار . إذا انتبهت لأكاذيب الاعلام الغربى ودققت فى المعلومات من مختلف الأطراف ستتأكد أن الجيش الروسى استهدف ولا زال المراكز العسكرية بكل أنواعها : الوحدات العسكرية – المصانع الحربية – المطارات العسكرية أو التى تتلقى السلاح من الغرب – مبانى المخابرات الخ .

فى الحرب العالمية الثانية قام القصف الجوى الأمريكى بإزالة مدن بكاملها فى ألمانيا ، عن طريق تقسيم المدينة لمربعات ، وإزالة مربع تلو الآخر بكل ما فيه .

إن حرص روسيا على المدنيين لا شك يؤثر على معدلات سرعة العمليات العسكرية.كما أن القصف الدقيق عن بعد للوحدات العسكرية الأوكرانية المؤذية ، المضادة للدبابات والطائرات يقلل من خسائر الجيش الروسى . ولا نستبعد وجود أخطاء وإخفاقات فى الخطط العسكرية الروسية ، ولكن لا نظن أنها هى أساس المشكلات ، خاصة وأن الروس يعدلون من هذه الخطط على ضوء تحديات الواقع ومنها الدعم التسليحى الرهيب لأوكرانيا من الغرب .

وهناك أسباب أخرى لبطء العمليات العسكرية الروسية : ان أوكرانيا شاسعة الأركان فهى أكبر دول أوروبا مساحة بعد روسيا . وهى تمتلك من مصادر القوة التكنولوجية العسكرية التى تأسست فى العهد السوفيتى بمساعدة روسيا ما يساعدها على الصمود والمقاومة.

كذلك فإن روسيا عندما اندفعت إلى كييف العاصمة ووصلتها بسهولة ، كانت تستهدف الضغط السياسى لتسريع المفاوضات الجادة . وهذا ما حدث فى تجربة جورجيا حيث استمرت الحرب 5 ايام فقط ، وسلم الغرب بمطالب روسيا عندما وقف الجيش الروسى على ابواب تبليسى ، وقام أركان النظام الجورجى بحرق أوراق الدولة والهروب من البلاد . ولكن هذه المرة فحسابات أمريكا مختلفة ، فهى تريد استمرار الحرب لإستنزاف روسيا استنادا لقوة أوكرانيا النسبية بالمقارنة مع جورجيا الضعيفة ، واستنادا لأهمية أوكرانيا فى الاستراتيجة العدوانية الأمريكية باعتبارها فى قلب روسيا .

وعندما اكتشفت روسيا ان الغرب لم يأبه بحصار كييف ، فقد قررت عدم تحطيم العاصمة فهى مدينة روسية أصيلة فى روسيتها أكثر من موسكو نفسها ، لمن يريد ان يقرأ التاريخ . قررت موسكو إعادة تجميع قواتها والتركيز على إحكام السيطرة على الشرق والجنوب

وكل سواحل أوكرانيا على البحر الأسود . حتى وإن فتح هذا الباب لتقسيم أوكرانيا ، فلا بأس ، لأن تحرير الشرق وضمه فعليا لروسيا يمثل حماية كبرى لأمنها القومى . ولكنها ستظل لاتسمح لأوكرانيا الغربية إذا استقلت عن الشرق أن تنضم للناتو وأن تواصل تهديد روسيا بذات الوسائل السابقة التى مارستها السلطة الأوكرانية فى الدونباس أو حتى بجعل أراضيها وكرا للتآمر على روسيا بمعامل الأسلحة البيولوجية وغير ذلك ، أو استمرار التشكيلات النازية التى قتلت بالفعل 14 ألف من سكان الدونباس منذ عام 2014 .

إذا روسيا استجمعت قواتها فى الشرق وتحقق إنجازات واضحة فى إحكام قبضتها على الدونباس بسقوط ماريوبول وهى ثانى مدينة وأهم ميناء أوكرانى ، واستولت على مدينة أخرى . لم يعد الجيش الروسى يعانى من طول خطوط الامداد ، وفى نفس الوقت فإنه يضرب مصادر التهديد فى الشمال والغرب بالصواريخ الدقيقة بعد الرصد الدقيق بالأقمار الصناعية. وبالتالى هو يواصل ضرب الأهداف العسكرية المنتقاة فى كييف وحولها وفى أى موقع عسكرى يراه ضروريا . وبالتالى فليست روسيا فى عجلة من أمرها ، وتقلل خسائرها ، وتسير نحو ضمان تحقيق كل أهدافها المشروعة .

وإذا عدنا للسياسة مرة أخرى سنرى ان العملية العسكرية فى أوكرانيا قد حققت بالفعل أهدافها الأساسية ، ولم يبق سوى تحويلها إلى إتفاق مكتوب ومعترف به دوليا . أما رفض أمريكا التوصل إلى حل متفاوض عليه ، فسيكون معناه استمرار الحرب العالمية الثالثة بشكل ساخن وربما أكثر سخونة وفى مدى أكثر اتساعا فى أوروبا وخارج أوروبا .

– 27 –

كيف تتوسع الحرب خارج أوكرانيا ؟

28 إبريل 2022

قالوا لى كيف تقول بإندلاع حرب عالمية بينما الحرب لا تزال محصورة داخل أوكرانيا

: ولم تتخذ طابعا عالميا ؟ ..قلت:

الحروب العالمية هكذا تبدأ بين بلدين وتنتهى إلى حرب شاملة بين حلفين كبيرين ، وتتحول إلى حرب عابرة القارات أى غير محصورة فى منطقة محددة .

قالوا لماذا تسبق الأحداث فقد لا يحدث شىء من ذلك وهو لم يحدث بعد على أى حال ؟

أقول :لقد ذكرت من قبل إن الأسباب العميقة لإندلاع حرب عالمية قد تجمعت بالفعل . وأكرر باختصار : الحرب العالمية تقوم عندما تختل موازين القوى العالمية بين طرف يتراجع وطرف يصعد . الطرف المتراجع يريد أن يحافظ على وضعه الدولى ، والطرف الصاعد يريد أن يترجم صعوده على أرض الواقع.

فى حالتنا هذه : أمريكا تتراجع سطوتها وهيمنتها على العالم بصعود صينى – روسى ومن خلفه صعود مجموعة من القوى الناشئة : الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا – دول البريكس . ومن خلفها مجموعة من الدول الآسيوية والافريقية والأمريكية اللاتينية . وكذلك صعود محور المقاومة العربى الاسلامى فى مركز العالم المتوسط الذى يسمونه الشرق الأوسط . أمريكا تريد أن تضرب القوى الأكبر فى هذه الموجة العاتية وهى روسيا والصين . وروسيا هى الأقوى عسكريا . بل تريد أن تمحوها من الوجود كقوة عظمى من خلال الحصار والعقوبات ، حتى قبل أزمة أوكرانيا . وهذا تقدير خاطىء بكل المقاييس الموضوعية ولكن هكذا حال القوى العظمى عبر التاريخ ، لا تعترف بشيخوختها ، وتعاند وتعافر حتى النفس الأخير ، ولا تعترف بانتهاء هيمنتها إلا عندما تنكسر بالفعل . كما انكسرت انجلترا فى حرب السويس فى مواجهة المقاومة المصرية والانذار النووى الروسى والاعتراض الأمريكى على عدوان استهدف استمرار دور إنجلترا فى المنطقة الأهم فى العالم .

الحرب الراهنة اندلعت بسبب الزحف الأمريكى العنيد لإحكام الحصار على روسيا بأعضاء الناتو . وبالتالى فالصراع ليس حول أوكرانيا فى حد ذاتها . فأوكرانيا بالنسبة لأمريكا مربع على رقعة الشطرنج من المهم السيطرة عليه على طريق كش قيصر أى كش ملك . وأوكرانيا بالنسبة لروسيا مربع الدفاع الأخير عن نفسها بعد إنضمام 15 دولة أوروبية شرقية للناتو . وهى تقع فى قلب روسيا وجزء تاريخى وحقيقى منها . وبالتالى فإن هدف روسيا هو تحييد أوكرانيا فى الحد الأدنى والسيطرة الفعلية على شرقها وجنوبها على الأقل . ولكن الهدف الاستراتيجى الأكبر هو كسر هذه الموجة الأمريكية المجنونة التى تستهدف القضاء على روسيا ذاتها . وبالتالى فأوكرانيا ليست هدفا فى حد ذاته للطرفين المتصارعين . وإن كانت روسيا تدافع عن وجودها وجزء عزيز من ترابها وشعبها . ولكن نقصد من الناحية الاستراتيجية فإن الحرب ستستمر لفترة طويلة نسبيا أو لنقل لفترة زمنية مفتوحة ، لأنه صراع بين روسيا وأمريكا . وإن كانت روسيا تدعو إلى مجتمع دولى متعدد الأطراف وأمريكا تسعى للهيمنة الانفرادية بالعالم وهو ما أضحى من رابع المستحيلات .

كان يمكن للحرب أن تنتهى من خلال المفاوضات التى جرت بالفعل مع حكم زيلينسكى فى روسيا البيضاء ثم فى تركيا ثم عبر الفيديو كونفرانس . ولكن أمريكا لم ترد ذلك لأن الميزان العسكرى كان لصالح روسيا ، وزيلينسكى أعلن فعلا الموافقة على معظم شروط روسيا . فأمريكا رأت أن انتصار روسيا سياسيا فى هذه الموقعة يعنى إنكسار أمريكا وإنتهاء هيبتها فى العالم ، ولذلك اتخذت قرارا بإستنزاف روسيا فى المستنقع الأوكرانى . وبالتالى أرسلت ولا تزال كميات لاتنتهى من الأسلحة وعبر جسر جوى لا ينقطع من نقاط مختلفة من أوروبا . مع اتخاذ قرار مقاطعة وعقاب روسيا اقتصاديا كوسيلة إضافية لخنق روسيا والقضاء عليها . وهذا ما سوف نتحدث عنه بعد أن نستكمل الجانب العسكرى فهو الذى سيحسم الأمر فى نهاية المطاف .

وبالتالى كان يتعين على روسيا أن تمضى فى طريقها إلى آخر الشوط لأنه صراع وجودى بالنسبة لها . وهذا ما يفتح الطريق لتوسع دائرة الحرب إلى خارج أوكرانيا . وقد بدأ ذلك يحدث بالفعل.

أولا :

بدأت عمليات خاصة متبادلة بين أمريكا وروسيا خارج نطاق أوكرانيا . وهى عمليات لا يعلن عن حقيقتها من الطرفين وتبدو وكأنها حوادث مؤسفة كغرق المدمرتين الروسية والأمريكية.

ثانيا : بدأت روسيا فى ضرب نقاط تلقى أوكرانيا للأسلحة الغربية على الحدود ، وإن كانت داخل أوكرانيا ، وقد أدى هذا القصف لقتل ضباط وخبراء ومستشارين غربيين من جنسيات مختلفة .

ثالثا : بعد أن أعلنت بريطانيا أنها ترسل سلاحا لأوكرانيا لضرب أهداف داخل روسيا ، هددت روسيا بريطانيا بقصف أهداف داخل بريطانيا ذاتها باعتبارها أصبحت شريكا مباشرا فى الحرب . كذلك فإن بريطانيا الدولة الاستعمارية المتقاعدة والتى لا تملك أى قوة تذكر فى مواجهة روسيا ، تهدد بضرب روسيا نوويا ، بإيعاذ من أمريكا فى مجال التهديد والحرب النفسية . الأمر الذى استدعى تهديدا روسيا بالمقابل ، وروسيا تملك أن تمحو بريطانيا من الوجود بصاروخ واحد أو بعدد قليل من الصواريخ . ولكن لا شك أن روسيا ستستخدم صواريخ غير نووية فى البداية لاستهداف مواقع عسكرية منتقاة لها علاقة بدعم أوكرانيا كالمصانع الحربية مثلا . وهذا احتمال وارد لكيفية توسع الحرب خارج أوكرانيا . وقد أعلنت روسيا اليوم أنها تعتبر أن الدول التى تمد أوكرانيا بالسلاح تساهم بشكل مباشر فى الحرب داخل أوكرانيا . ولكن قد تكون الضربة الروسية التحذيرية الأولى فى مواقع داخل بولنده التى تعتبر الجسر الأساسى لعبور مختلف أنواع الأسلحة . المهم نحن على أعتاب هذه المرحلة : أن تضرب روسيا علنا – لأنها ضربت سرا فى عمليات خاصة – مواقع خارج أوكرانيا ، مواقع تقوم بدعم أوكرانيا عسكريا بالسلاح . كذلك فإن قصف أوكرانيا لأهداف داخل روسيا يعجل بهذا التطور ، وإن أدى بشكل مباشر إلى قصف أهداف فى كييف ، حتى لا يتصور الغرب أنها أصبحت بعيدة عن القصف الروسى . بل وقالت روسيا : إن ضرب أهداف داخل روسيا يعنى أن ترد روسيا بقصف مراكز صنع القرار فى كييف . وهى مراكز يوجد بها عسكريون وخبراء غربيون . فقد كشفت معركة مصنع آزوفستال أن أمريكا وحلف الناتو هم الذين يقودون الحرب فى أوكرانيا ضد روسيا عن طريق الجنرالات والقادة العسكريون وقادة المخابرات وعناصر من المخابرات والقوات الخاصة وقوات مرتزقة من مختلف بلدان الغرب خاصة كندا وبريطانيا . وكشف ذلك أن فرنسا تمكنت من إجلاء 200 عسكرى فرنسى من ماريوبول بصفقة مع روسيا .

رابعا : احتمالات توسع الحرب خارج أوكرانيا تتم على محور آخر وهو التوسع الروسى لربط الجمهورية المستقلة الموالية لروسيا فى مولدوفا – ترانسنيستريا – بروسيا من خلال شريط أرضى فى جنوب أوكرانيا . وهذا الاقليم شبيه بشرق أوكرانيا من حيث تركز المواطنين الروس فيه ، مع ملاحظة أن مولدوفا تسعى بدورها للانضمام إلى حلف الناتو .

خامسا : إلحاح السويد وفنلنده فى المطالبة بالإنضمام للناتو وهما على حدود روسيا ، وترحيب الناتو بذلك يفتح مجالا آخر لتوسع الحرب خارج أوكرانيا . وهذا الملف يؤكد بوضوح أن استراتيجية أمريكا والغرب هى التصعيد ثم التصعيد ثم التصعيد على روسيا ، وهم لايريدون التفاوض أو التفاهم . ويتصورون أنهم يمتلكون العالم . فإذا كانت روسيا منزعجة من إنضمام أوكرانيا للناتو ، فنحن سنضم أيضا مولدوفا والسويد وفنلنده.

وهذه المواقف المتعنتة تؤكد ضرورة الوقوف مع الموقف العادل لروسيا . لابد من وقف هذا الطغيان الأمريكى الغربى الذى يمارس علينا نحن العرب والمسلمين كل أنواع الإذلال من عقود . دعونا لا نأمل شيئا من الاتحاد الأوروبى التابع الذليل لأمريكا . هل تتابعون أن الاتحاد الاوروبى خلف أمريكا يوقف دعم فلسطين منذ عامين لأنهما يشترطان تغيير المناهج الدراسية حتى لا تتحدث عن الاحتلال الاسرائيلى !

هذا عن امتداد الحرب خارج أوكرانيا إلى القارة الأوروبية . ولكن ماذا عن امتداد الحرب فى أماكن أخرى من العالم خاصة فى آسيا ؟

  • 28 –

فلسطين وتايوان ومولدوفا أكثر المناطق المرشحة لتوسع الحرب العالمية الراهنة

أول مايو 2022

أوضحت أن جمهورية ترانسنيستريا المنشقة عن مولدوفا هى المرشح الأول لتوسع الحرب العالمية إلى خارج أوكرانيا لأنها ملاصقة لأوكرانيا الجنوبية وبها حامية روسية من ألف جندى يمكن دعمها فى أى وقت بقوات محمولة جوا . وفى المقابل تقاتل قوات تابعة للناتو فى جنوب أوكرانيا لمنع التلاحم الأرضى بين القوات الروسية فى جنوب اوكرانيا وهذه الجمهورية. وتقاتل مع قوات الناتو قوات أوكرانية ومع استعداد رومانيا للتدخل لأنه لا توجد قوات حقيقية لدى دولة مولدوفا . ورومانيا عضو فى الناتو وعلى حدود أوكرانيا وهى تشارك من الآن مع بريطانيا فى التخطيط والقيادة لمعارك الجنوب الأوكرانى حيث يوجد 200 من قوات النخبة الملكية البريطانية .

وبولنده هى المرشح رقم 2 إذا قامت هى بالتوسع لضم غرب أوكرانيا، كما فعلت من قبل فى سوابق تاريخية ، مؤيدة من أمريكا وتحت شعار مساندة أوكرانيا . واحتمال آخر أن تقوم روسيا بقصف مراكز دعم أوكرانيا بالسلاح على أراضى بولنده . ولكن الوضع يسخن الآن فى ترانسنيستريا ولذلك فهى المرشح الأول .

أما خارج أوروبا فقلنا أن آسيا هى القارة المرشحة للانخراط فى الحرب العالمية وهو الأمر الذى سيؤكد أنها حرب عالمية بالفعل عابرة للقارات . ولكن من المهم عدم الانشغال بالحروب العالمية السابقة ، لأن هذه الحرب تتسم بخاصية فريدة وغير عادية ، وبالتالى لابد أن تأخذ مسارات فريدة وغير مسبوقة ، لأن الأطراف المتصارعة الآن تمتلك جميعا أسلحة نووية وأسلحة دمار شامل وصواريخ متطورة وبعيدة المدى وشديدة التدمير والدقة يمكن إطلاقها من الأرض والبحر والجو . فى الحرب العالمية الثانية كانت ألمانيا أول من بدأ يستخدم سلاح الصواريخ لضرب لندن وبريطانيا ولكن قوتها التدميرية أقل بكثير من الصواريخ الراهنة . أما السلاح النووى فلم يستخدم إلا فى ختام الحرب بضربتى هيروشيما ونجازاكى ، ولم تكونا ضروريتين ، فقد هزمت اليابان قبلهما ، ولكن كانت أمريكا مهتمة بإعلان إمتلاك هذا السلاح الجهنمى ، وإنتقاما لضرب اليابان لبيرل هاربر .

فى هذه الحرب الراهنة ستكون الأساليب الملتوية وغير المباشرة واستخدام الإعلام والعقوبات الاقتصادية والهجوم الدبلوماسى سيكون لها مساحة كبيرة ، لأن استخدام العنف المسلح مقيد بمسألة الردع النووى المتبادل ، وإن كان هذا لن يمنع امتداد دائرة الحرب بالأسلحة التقليدية تدريجيا بنفس اسلوب تمدد بقعة الزيت .

خارج أوروبا أتصور أن قيام الصين بغزو تايوان وإعادة ضمها لحضن الوطن ، هو الاحتمال الأكبر من حيث الترتيب الزمنى لتوسع بقعة الزيت الحربية . والصين لديها فرصة تاريخية للقيام بذلك وأتصور أن الوقت مناسب نظرا لانشغال أمريكا بجبهة أوكرانيا . ولكن القرار الصينى مرهون بماكينة الحكمة الصينية المعقدة ، ولكن المؤكد أن هدف ضم الصين لتايوان مسألة محسومة استراتيجيا فى جدول أعمال الصين وهو أمر فى قدرتها وسيكون أسهل من عملية اوكرانيا . التوقيت لايمكن التنبوء به لأنه فى قلب ماكينة العقل الصينى المغلق . ولكنكم ستصحون يوما وستجدون الصين قد قامت خلال الليل بإعادة تايوان لحضن الوطن الأم .

يهمنى أن أركز على الشرق العربى وفلسطين فى قلبه لأنها منطقتنا وأمتنا . وحتى يدرك الجميع أننا لسنا بعيدين عن الحرب العالمية الراهنة ، بل إننا من أهم المناطق المرشحة للانخراط فى أتونها ، ولدينا فرصة تاريخية – مثل فرصة الصين مع تايوان – فى أن نضرب ضربتنا ونحرر فلسطين ، بدون أى تهور أو تعجل صبيانى بل بالحسابات الاستراتيجية الدقيقة والمعلومات الباردة . ومن المهم أن نتداخل مع هذه الحرب ونحن فى كامل قوانا العقلية ونحن نمتلك زمام أمورنا وقرارنا ، وأن ننتهى من لعب الدور الكومبارس الذى لعبناه فى الحربين الأولى والثانية وخسرنا فى الاثنين . ونحن الآن نتملك الامكانيات الفعلية : العسكرية والاقتصادية والرؤية الاستراتيجية والاستقلال فى اتخاذ القرار والقدرة على إقامة تحالفات ندية غير ذيلية مع روسيا والصين .

إن إمكانية الدخول فى منازلة كبرى ونهائية مع اسرائيل كانت قد توفرت بالفعل قبل حرب أوكرانيا . أهمية أحداث الحرب العالمية التى بدأت فى أوكرانيا أنها أضافت المزيد على أرض الواقع وبصورة نوعية لمسألة إنكسار الهيمنة الأمريكية الصهيونية على العالم . ولكننى كتبت من قبلها عن هذا الانكسار الذى ظهر فى منعطفات نوعية مؤخرا فى الانسحاب المذل لأمريكا من أفغانستان والهزيمة المذلة لاسرائيل فى حرب مايو الماضى وما أعقبها من صعود للنضال الفلسطينى على كل الجبهات .

لا يدرك البعض خطورة التصريحات التى يدلى بها قادة محور المقاومة ، وهؤلاء ليسوا من بياعين الكلام ، فهؤلاء قدموا دماءهم وسطروا بها هذا التطور الاستراتيجيى حيث أصبح من الممكن تهديد العدو بالفناء الفعلى . ومع ذلك لا أعتمد على تصريحات قادة محور المقاومة وحدها فقد يقال انها على سبيل التشجيع والحشد ورفع المعنويات . وإن كان هذا لا يجوز ، أى لايجوز خداع الجماهير وإلا ستكون العاقبة بالغة السوء . أعتمد أساسا على معلومات موثقة على أرض الواقع أصبح العدو يعترف بها . الاعلام الاسرائيلى يطفح كل يوم بمادة إعلامية تؤكد ما نقوله نحن المتفائلين من أبناء الأمة . – راجع المقالات الاسرائيلية فى مدونة مجدى حسين فى باب اسرائيل إلى زوال .

الأمر باختصار كالتالى :

أولا : لقد أصبح لدى إيران وحدها سواء كان لديها سلاح نووى حاليا أم لا القدرة على تدمير اسرائيل . مع ملاحظة أن الكيان الصهيونى مساحته 22 ألف كيلومتر مربع وهى مساحة ضئيلة للغاية ، وأن معظم السكان اليهود والعمران يتركزون فى مثلث تل أبيب – حيفا – القدس وهو ما يمثل 10 آلاف كيلومترمربع أى أقل من نصف الكيان . ولكن ضرب إيران لاسرائيل تحكمه محاذير معقدة خاصة وأن اسرائيل لا تجرؤ على بداية الحرب أو توجيه ضربة عسكرية صريحة لايران . والآن أصبح هناك تحذير معلن من إيران أنها سترد بقسوة على أى خرق اسرائيلى لقواعد الاشتباك ، ولم يكن ذلك بالكلام ولكن بتدمير وإزالة مركز استخبارى أساسى لاسرائيل فى أربيل .

ثانيا : إن أطراف محور المقاومة الذين أقاموا حلفا معلنا وأنشأوا لجنتين قياديتين للعمل المشترك على المستويين السياسى والعسكرى ، قادرون بدون إيران على تدمير اسرائيل و على رأس هذا الأطراف : المقاومة الفلسطينية وهى العصب الأساسى مع شعبها الفلسطينى فى هذه المواجهة فهم فى خط النار الأول دائما وبدونهم ما كان يمكن لأى تحالف أن يأمل فى تحرير فلسطين . والمقاومة تشمل كل فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس والجهاد ، والمقاومة تشمل النضال الشعبى والمسلح بمشاركة واسعة للشعب الفلسطينى ليس فى غزة وحدها بل فى الضفة الغربية وفلسطين ال48 وفى الشتات . والأمر المثير للحنق أن المحللين الاستراتيجيين يهددون اسرائيل بإحتمال إندلاع إنتفاضة ثالثة ، ألا يرون أمام أعينهم ما يجرى فى كل اراضى فلسطين منذ مايو الماضى حتى الآن ليدركوا أنها إنتفاضة ثالثة وأنها أصبحت مسلحة أكثر من أى وقت مضى .

ثالثا :

ويشمل محور المقاومة حزب الله وهو قوة ضاربة مخيفة ، وفق تقديرات اسرائيل ، صاحب ال150 ألف صاروخ وجزء منها دقيق بالفعل ومعه الآن دفاع جوى ومسيرات وقوات برية مدرعة ومدافع وقوات خاصة – الرضوان ، بحيث أن إجتياح الجليل بشمال فلسطين المحتلة أصبح مطروحا .

رابعا : المقاومة العراقية : وهى لاتزال تضرب القوات الأمريكية فى العراق . وضربت مرتين أهدافا فى الامارات تضامنا مع الشعب اليمنى . وهى تملك مسيرات وصواريخ قادرة على ضرب الكيان الصهيونى .

خامسا : الجبهة السورية حيث تتمركز قوات للحرس الثورى الايرانى وحزب الله اللبنانى فى الجولان المحرر ، والجيش السورى سيشارك بنشاط إذا وقعت حرب إقليمية ، خاصة عندما يكون مطمئنا للغطاء الروسى حيث يتغير موقف روسيا الآن من اسرائيل .

سادسا : اليمن بقيادة حركة أنصار الله التى أعلنت بالفعل أنها ستشارك فى أى حرب إقليمية ضد اسرائيل . وقد كتب اسرائيليون يحذرون من خطورة الجبهة اليمنية من زاوية دقة الصواريخ ومداها الذى يصل لاسرائيل ، وهو ما يؤكد أن تصريحات الزعيم عبد الملك الحوثى ليست مجرد كلمات حماسية .

المهم ان كل الأطراف المقاومة تتحدث الآن بلغة واحدة ، بل بمصطلحات واحدة وعلى رأسها الاستعداد لحرب إقليمية ضد اسرائيل . وهذا ما تأخذه اسرائيل على محمل الجد. ولذلك ألغت مسيرة الأعلام وذبح القرابين بالمسجد الأقصى ، واضطرت فى النهاية رغم وقاحات الشرطة أن تسمح بمرور ربع مليون مصلى للتراويح بالأقصى وبتقديم المزيد من التنازلات لأهالى غزة فى تصاريح العمل . وقد كتب الاعلام الاسرائيلى فى هذه الموقعة التى جرت تحت سيف تهديد غزة بالصواريخ ، ولنسمها موقعة العشر الأواخر من رمضان ، كتب الاعلام الاسرائيلى ملخصا الموقف : انتصرت حماس وتعرضت اسرائيل للإذلال.

ولكن ما علاقة كل ذلك بحرب أوكرانيا ؟

– 29 –

فلسطين من أكثر المناطق المرشحة لامتداد نيران الحرب العالمية الثالثة

النقاط المرشحة لتوسع نيران الحرب العالمية الثالثة متعددة . ولكن فى البداية يجب أن نقدر هل من الضرورى أن تتصاعد الأحداث ؟ أليس من الممكن التوصل إلى تهدئة فى أوكرانيا بتفاهم أمريكى روسى يستند إلى استجابة أمريكية لمطالب روسيا المشروعة ولو بالحد الأدنى ؟ طبعا هذا احتمال وارد دائما ، ولكن أمريكا بعد كل ما اتخذته من مبادرات ومن مواقف التحدى فإن عودتها للخلف ستعنى هزيمة مرة ونهائية وإزاحة صريحة من عرش العالم المفترض ، حيث ستقبل بإدارة ثلاثية أمريكية روسية صينية قريبة من الإدارة الثنائية التى حدثت فى أواخر الحرب الباردة ، حين تبنى الطرفان الأمريكى والسوفيتى سياسة الوفاق والاعتراف بالأمر الواقع والرضا المتبادل بتقسيم النفوذ . ولكنها فى تلك المرة الأولى كانت القوى ندية وشبه متعادلة بين الاتحاد السوفيتى وأمريكا ، أما هذه المرة فإن القبول بالوفاق الثلاثى سيكون لصالح الثنائى الروسى الصينى فهما بتحالفهما معا أقوى من أمريكا عسكريا واقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا وأوسع ارتباطا بدول العالم وبعدد سكان يصل إلى 60 % من سكان العالم . ولذلك ترفض أمريكا الإنصياع للأمر الواقع وتعاند معاندة الطفل الذى لايقبل الواقع ، ولكنها ستضطر فى النهاية أن تقبل بالشراكة الثلاثية ولكن من نقطة أدنى لأنها ستأتى إلى الطاولة مكسورة الأنف والهيبة .

ولكن لايبدو أن أمريكا تستمع لصوت العقل الذى يصدر خافتا من داخل الولايات المتحدة ومرتفعا قليلا من أوروبا المضارة أكثر من تصاعد هذا الصراع . وبالتالى فإن المرجح كما تدل كل الشواهد استمرار أمريكا فى التصعيد وجنوح أوروبا إلى الخضوع .

شرارات نيران الحريق فى أوكرانيا قد تتلامس وتشتعل فى مولدوفا أو بتدخل بولندى فى غرب أوكرانيا أو فى السويد وفنلنده حيث يصر الناتو على إدخالهما فى عضويته وهما يسعيان أيضا.

وفى هذا الاطار نواصل تحليل موقف منطقتنا العربية الفلسطينية ، ولماذا نتوقع أن تمتد نيران الحرب العالمية إليها رغم البعد الجغرافى عن مركز الصراع الراهن فى أوكرانيا ؟

فى الصراعات العالمية ليس من المهم أن تمتد النيران بحكم تلامس الحدود كما هو حال مولدوفا وبولنده والسويد وفنلنده مع روسيا وأوكرانيا . فاليابان تحالفت مع ألمانيا النازية من على البعد للمصلحة المشتركة فاليابان كألمانيا تقدمت عسكريا واقتصاديا وتريد نصيبها من كعكة الكرة الأرضية وركزت غزوها على الصين وكوريا وجنوب شرقى آسيا حتى سنغافورة . أما اليوم فإن اليابان تريد أن تعمق تحالفها مع أمريكا ولكن أيضا لمد نفوذها فى شرق أسيا ضد الصين والكوريتين ومع محاولة انتزاع حقها فى التسلح النووى والصاروخى ، كما تحاول ألمانيا الآن أن تسير فى نفس الاتجاه . فهذه المرة التحالف الألمانى اليابانى يرجع لاشتراكهما فى نفس المشكلة ، وهى منعهما دوليا من التسليح المتقدم ضمن نتائج الحرب العالمية الثانية التى خرجا منها مهزومين .

ورغم تلمظ الصين على تايوان . إلا أن الصراع العربى الاسلامى – الصهيونى يبدو أنه قد أصبح ناضجا للانفجارقريبا . والواقع أن الحرب الاقليمية لم تشتعل ضد اسرائيل فى رمضان بسبب تراجع اسرائيل لإدراكها لحرج موقفها ، فكتمت مسيرة الأعلام ومنعت ذبح القربان فى المسجد الأقصى وسمحت فى النهاية مرغمة بصلوات التراويح والجمعة الأخيرة من رمضان والعيد بعشرات الآلاف . والحقيقة ان المقاومة بذكاء اكتفت بالعملية البطولية بالبلطة والمسدس فى شرق تل أبيب ، فلم تلجأ إلى الصواريخ للرد على اقتحام الجنود للمسجد الأقصى عدة مرات . وقد أصبحت أميل إلى أن هذه العمليات الفردية ليست عشوائية وأنها مخططة فى توقيتها ، لأنها تحدث آثارا مروعة فى الكيان الاسرائيلى لاتقل عن آثار الصواريخ . ولكننا لا نزال على حافة الحرب لأن اسرائيل تحتفل بعيد تأسيسها ، وهى لاتريد التوقف عن إقتحام المسجد الأقصى تحت تأثير اليمين المتطرف الذى هو جزء من هذه الحكومة المتهاوية ، وبالتالى نحن على صفيح ساخن بالمعنى الحرفى للكلمة .

كما أنه من الجديد أن محور المقاومة قد قرر الانتقال إلى مرحلة أعلى من المواجهة لعدة أسباب :

أولا أن جهوزيته العسكرية والمعنوية أصبحت أعلى بكثير عن المراحل السابقة وبالأخص بعد موقعة سيف القدس .

ثانيا : أن الشعب الفلسطينى أصبح فى حالة ثورية جهادية يمكن وصفها بالفعل بالانتفاضة الثالثة ، وهويقبل على المزيد من التضحيات بقلب راض ، وبإدراك أن المسيرة تتقدم بالفعل وأن الكيان يضعف بوضوح .

ثالثا : ان روسيا أصبحت جاهزة أكثر من أى وقت مضى للعب دور الحماية غير المباشرة لسوريا وتقديم الدعم العسكرى الواجب لحماس ، فزيارة موسى أبو مرزوق التى ستعقبها زيارة لهنية ليست من قبيل الزيارات البروتوكولية. فقد وصل الصدام بين روسيا واسرائيل إلى مداه فى أوكرانيا . وروسيا تدرك جيدا أن مركز الصراع العالمى هنا فى الشرق العربى ، أما فى أوكرانيا فهى معركة حدودية لروسيا . وأمريكا أصبحت منزعجة بوضوح نتيجة التمرد العربى الرسمى من حلفائها بحيث لم تجد معها فى التصويت الأخير بالأمم المتحدة بخصوص روسيا سوى الحكومة العميلة فى طرابلس . ولذلك هناك اقتراح بأن يأتى بايدن لزيارة المنطقة وسيبدأ باسرائيل . ولكن إذا لم يزر السعودية والامارات ومصر فستظهر للعيان عزلة أمريكا واسرائيل فى المنطقة . ويجرى البحث حاليا فى عقد اجتماع اقليمى على غرار اجتماع النقب فى اسرائيل أو فى أى عاصمة عربية ، والموعد المقترح لا يزال فى آخر يونيو لصعوبة هذه المهمة . أمريكا تدرك أنها فقدت السيطرة على قطاع النفط العربى ومن ثم العالمى ، وتفقد نفوذها بشكل مخيف فى منطقة الشرق العربى بحيث لم يبق معها فى علاقات طبيعية سوى اسرائيل والأردن حيث يوجد الملك عبد الله فى واشنطن حاليا . وهو مغضوب عليه من اسرائيل لمجرد أنه يتحدث مجرد حديث عن مسئولية الأردن عن المسجد الأقصى .

رابعا : هناك قرار فى محور المقاومة الذى تحول اسمه إلى محور القدس لتأكيد الاستعداد للدفاع عنها ، هناك قرار بالمبادرة فى تحدى اسرائيل وليس الانتظار لمقاومة رد الفعل لأى عدوان اسرائيلى . وقد أعلن السنوار عن معركة تشغيل ميناء غزة لفك الحصار وهذا قد يؤدى إلى حرب إقليمية مفتوحة ، وهذه الخطوة متفق عليها فى محور القدس . كذلك خطوة إختطاف المزيد من الاسرائيليين لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين . ومحور القدس لايطلب الكثير من موسكو إلا المساعدة فى حماية الأجواء السورية من الاعتداءات الاسرائيلية . إيران قطعت شوطا كبيرا فى الاكتفاء الذاتى من السلاح لها ولكل محاور المقاومة . وكذلك لابد للمحور الصينى الروسى أن يقدم الغطاء السياسى والدبلوماسى للكفاح الفلسطينى العربى الاسلامى فى أى مواجهة مع اسرائيل . والمواقف المعلنة لهما تتطور بشدة بهذا الخصوص فى الآونة الأخيرة . وأخيرا تم التوقيع النهائى على الاتفاق الاستراتيجى بين الصين وإيران . والصين تضرب الحصار والعقوبات على إيران بشراء النفط الإيرانى بتوسع . وروسيا يمكن أن تقدم بعض الأسلحة النوعية .

وأخيرا فإن تراجع الوضع الاستراتيجى والسياسى والمعنوى للكيان الصهيونى لن يدفعه للمزيد من التنازلات أو عدم الرد المتكافىء مع العمليات البطولية الفلسطينية ، فلابد له من استمرار عملياته العدوانية وهى لاتتوقف بالفعل فى الضفة الغربية وفى الأراضى المحتلة عام 48 . ولذلك فإن اشتعال حرب اقليمية وارد جدا خاصة مع الخطوات التصعيدية لمحور القدس بخصوص ميناء غزة وتحرير الأسرى ، مع استمرار الالتزام بحماية القدس كمسألة حى الشيخ جراح والمسجد الأقصى.

ويمكن تلخيص واجب العرب والمسلمين فى هذه اللحظة التاريخية فى :

أولا التخلى عن أى مظهر من مظاهر الحياد باعلان معارضة الموقف الأمريكى الامبريالى المتغطرس ضد روسيا والصين ، وتطوير التنسيق الحقيقى مع هذين البلدين فى مختلف الأمور الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، والانسحاب من المنظومة الغربية الجائرة.

ثانيا : الاستعداد لمواجهة اسرائيل ووقف كافة أشكال التطبيع معها باعتبار اسرائيل هى الذراع الأساسى الآن للحلف الأمريكى الغربى .

ثالثا : مطالبة كل دولة أوروبية على حدة بالابتعاد عن المواقف العدوانية الأمريكية ضد فلسطين وسائر بلاد العرب والمسلمين وروسيا والصين .

رابعا : إن الشكل الأمثل هو ما دعوت إليه سابقا : الاعلان عن جبهة عالمية ضد الهيمنة الأمريكية الصهيونية .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: