الصورة لآلن ديلون
متابعة للقانون السابع الذى يحكم الاعلام الأمريكى وهو : نشر التفاهة والانحلال الأخلاقى والإثارة نقول : اعلام الإثارة والتفاهة يخلق عالما متكاملا يشغل عموم الناس فى كل ماهو غير مفيد ، عالما افتراضيا يصنعه الاعلام . الاعلام يصنع النجوم فى كل المجالات ، فى كل أنواع الفنون والتمثيل والسينما والرياضة ، وحتى فى السياسة ولكننا سنركز الآن على الفنون والرياضة . وكثير من هؤلاء النجوم لديهم قدرات حقيقية حتى يمكن تسويقهم وتلميعهم . ولاشك أن هناك فقاعات لا تساوى شيئا لمعها الاعلام ، وهذه لا تعيش طويلا كالشهب المضيئة للحظات فى السماء ثم تحترق . ولاحظ أننا بدأنا نتعلم منهم كل هذه الأساليب فى عالمنا العربى . ولكننا لا نناقش الآن فى قدرات هذه النجوم وبعضهم لايمكن التشكيك فيه فنجم كرة السلة يسجل فعلا أمام الناس 50 أو 60 نقطة فى مباراة واحدة . ولكننا نناقش استغلال الحياة الشخصية لهذه النجوم كمواد للإثارة وشغل الرأى العام فى التفاهات . أخبار الحب والطلاق والزواج والخيانة وسيرة العشيقات والعشاق والخلافات المالية ومظاهر حياة الرفاهية والترف الخ . فماهى جدوى هذه الأنباء إلا الإثارة وخلق موضوعات تبدو شيقة وشغل الناس بعيدا عن الأمور المهمة للمجتمع ، وتحقيق مكاسب مالية من خلال هذه الدائرة الشيطانية الدوارة ، فالاعلانات تزيد فى برامج الإثارة ، والنجوم يدفعون الرشاوى للاعلاميين ، والنجوم يستخدمون فى الترويج الاعلانى للسلع .
خلال إحدى زياراتى للولايات المتحدة كان الموضوع الذى يشغل الرأى العام من خلال الاعلام هو جريمة قتل نجم كرة القدم الأمريكية الشهير وهو أسود لزوجته البيضاء ، أو هو متهم بذلك ولم تكن قد ثبتت عليه التهمة بحكم قضائى . لم أكن شخصيا مهتما بهذا الموضوع بطبيعة الحال ولا بأمثاله من الموضوعات ، فأنا لم آت من على بعد آلاف الأميال لمتابعة هذه السخافات . ولكن الموضوع كان يفرض نفسه على فى أى جلسة عائلية أو اجتماعية أو فى أى أحاديث شخصية عابرة مع المرافق لى . لمست عينة بنفسى لشغل الملايين بمثل هذه الموضوعات ، وتجد الرأى العام منقسما بحدة بين مؤيد للاعب الكرة ويبرءه وبين المعادى له والذى يدينه ، بينما التحقيقات والمحاكمة لم تنته بعد ، واختلاف لون الزوجين أعطى بعدا عنصريا للخلافات بين الأبيض والأسود . وهل الحملة على اللاعب سببها أنه أسود . لقد فرض على الموضوع 3 أو 4 مرات خلال لقاءات مع أسر مختلفة وبعضها أسر مصرية أمريكية ، ولم أتدخل فى الحوار ، وكنت أنتظر فى كل مرة أن يكفوا عن الحديث لأفتح موضوعا جادا للحوار . والطريف أننى سافرت وعدت بعد سنتين للولايات المتحدة ورأيت الموضوع لا يزال مشتعلا وانقسام الرأى العام بين الموقفين مستمرا ، ولعل ذلك لأن المحاكمة استمرت فى الاستئناف والنقض . ولا تسألونى عن مآل القضية فى النهاية لأننى لم أتابعها أصلا ، ولكنها فرضت على كمثال على قدرة الاعلام على شغل الناس بالفضائح وأخبار الجريمة بين النجوم .
وإذا انتهت هذه القصة فهناك أخرى بل فى نفس الوقت هناك العديد من القصص المحلية والتى تهم دوائر معينة ، والتنافس بين أنباء الفضائح مستمر بمنتهى الشراسة .
ومن أمثلة الانحلال الأخلاقى دعونا نضرب مثلا فرنسيا ، فكما قلت أنا مهتم بأمريكا لأنها هى التى تحاول أن تحكم العالم كأكبر قوة عظمى ، وهى ذروة تحقق ما يسمى الحضارة الغربية . ولكن كل ما نقوله عن امريكا يصدق من الناحية الجوهرية على أوروبا ، مع بعض التنوعات والخلافات الفرعية . أضرب مثلا واحدا من فرنسا أذهلنى ولا يزال يذهلنى كلما تذكرته . منذ سنوات نقلت وكالات الأنباء نبأ قيام النجم السينمائى الفرنسى الشهير آلان ديلون وفى برنامج على الهواء بالهجوم على مذيعة البرنامج التى تحاوره فى محاولة جادة لاغتصابها على الهواء ، ولعلها ضايقته بسؤال ما ففعل ذلك على سبيل الانتقام . وبغض النظر عن الإباحية الظاهرة ، فهذا يكشف عقلية الغرب الحقيقية وهو استخدام الجنس كوسيلة لمعاقبة إمرأة ما أو لإذلالها. لا أعرف كيف انتهى الموضوع على الهواء . هل تم قطع الإرسال ؟ أم تدخل العاملون لمنعه ؟ أم ماذا ؟ ولكن الذى يعنينا فى المقام الأول أن هذه الفعلة لم تؤثر على مكانة آلان يلون ، ولم تكن سببا لإثارة حملة تدعو لمعاقبته أو حملة تدعو للعودة إلى الأخلاق مثلا ، فى بلد كاثوليكى !! ولم نسمع أن آلان ديلون الفنان المحبوب والوسيم تم تحويله إلى التحقيق مثلا ، وطبعا لم نسمع أنه سجن . وكأن الاغتصاب على الهواء أو غير الهواء ليس جريمة فى فرنسا . أما الجريمة فهى إصدار روجيه جارودى المفكر الاسلامى لكتاب ينتقد فيه .اسرائيل فيتم تحويله للمحاكمة وهو من كبار مفكرى فرنسا ، أما الجريمة فهى جريمة باسكال بونيفاس المفكر الفرنسى صاحب الخمسين مؤلفا بعدة لغات ، وهو عضو الحزب الاشتراكى الفرنسى الذى انتقد اسرائيل ، فتعرض لحملة إعلامية وألغيت المحاضرات والندوات التى كان يلقيها فى الجامعات وتمت إقالته من المعهد العلمى الذى يعمل فيه وتم طرده من الحزب الاشتراكى الفرنسى عام 2003 وتلقى تهديدات عدة بالاغتيال !
فى إعلام الإثارة نجد دائما أهم الأخبار هى : سقوط طائرة – انقلاب قطار – حريق كبير فى الغابات – زلزال – انفجار بركان – حوادث طرق – كوارث طبيعية . ولا نقول إن هذه الأخبار غير مهمة أو ينبغى تجاهلها ، ولكن من غير المعقول أن تكون هذه هى أخبار العالم فأنت فى النشرة تنتقل بين انفجار قنبلة إلى حوادث إلى كوارث . عدا فترات الحروب التى تهم الغرب كالحرب فى أوكرانيا الآن ، فتكون هى أخبار الحوادث الأساسية ! وليس أخبار القتل اليومى للفلسطينيين .
حتى الأخبار الايجابية التى تبعث على التفاؤل والتى تحدث فى الغرب نفسه لم يعد لها مكان فى الاعلام إلا بشكل متوارى وفى الصحف أكثر من الفضائيات ، كالكشوف العلمية وكشوف الفضاء والانجازات الاقتصادية الباهرة هنا وهناك ، لأنها أبعد ما تكون عن الإثارة .
بل وصل الأمر إلى حد التنظير لذلك فى كليات الاعلام الغربية وتمت ترجمته فى كليات الاعلام لدينا ، كمقولة تقدم وكأنها حكمة الدهر : إن الخبر هو ان رجلا عض كلبا ، أما أن يعض الكلب رجلا فليس خبرا . المقصود أن الطرائف والغرائب وغير المعهود هى موضوع الأخبار فى الاعلام . وهذا كلام غير صحيح ، فالاعلام فى الأساس هو إرشاد وإنارة للطريق ونشر الايجابيات فى أعمال البشر لتحفيز الآخرين على تقليدهم والاقتداء بهم .
إن وصول الهند للمريخ كان خبرا خطيرا ومهما . فكم سطر كتب عن ذلك وكم دقيقة بثت حوله . ماذا تفعل مركبة الهند فى المريخ ؟ هل لاتزال تدور حوله ؟ وماهى المعلومات التى حصلت عليها ؟ وماهو البرنامج الفضائى الهندى ؟ . عندما تصدر واحدة من أفقر دول العالم : بنجلاديش منسوجات ب 34 مليار دولار أليس هذا خبرا مثيرا ومفيدا إذا عرضت التقارير عنه وكيف تحقق ذلك ؟! وعندما تصبح اندونيسيا وماليزيا فى مقدمة الدول النامية ، وفيتنام التى سوتها أمريكا بالأرض من النمور الآسيوية ، أليست هذه هى الأخبار الحقيقية ؟ وما هى قصة القمر الصناعى الايرانى ؟! هل تسمع مثل هذه الأخبار فى الاعلام الغربى أو العربى التابع للغرب . إن قناة الميادين وحدها تكاد تتفرد بالاهتمام بأخبار أمريكا اللاتينية ، وهذا مجرد مثال ايجابى على ما نقصده من عدم السقوط فى التبعية الاعلامية للغرب .
الاعلام له رسالة انسانية .. تنويرية .. تثقيفية .. ناقلة للمعلومات المهمة ، ولا بأس من بعض الترفيه وأخبار المنوعات الخفيفة ،الاعلام وسيلة لتعارف الأمم والتعاون ، وأن تكون أنباء الكوارث بهدف حشد الدعم والتبرعات الدولية لا من أجل الإثارة .
طبعا لن نتحدث عن العرى والجنس فهذا أشهر من أن نتحدث عنه ولكن لابد أن نشير إلى أن الجنس تحول إلى صناعة وتجارة عالمية مهولة ، مركزها الولايات المتحدة واسرائيل وغرب أوروبا ، والاعلام يلعب الدور المحورى والأساسى فى إدارتها .
تحدثت من قبل عن جولاتى الحرة فى سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة ولا يزال لدى الكثير فى الجعبة ، فيبدو أنها مدينة مثيرة . أثناء تجوالى وسط المدينة فى الشارع التجارى الكبير كانت معظم المحلات مغلقة لأنه يوم الأحد ، وأخيرا وجدت محلا مفتوحا ولم أفهم من المعروض فى الفاترينة نوعية البضائع التى تباع ، فدخلت لأستكشف أكثر ، وعندما استقبلنى صاحب المحل فى الداخل ليسألنى عن طلبى ، قلت له : آسف لا أريد شيئا ! لأننى أكتشفت أنه محل لبيع أجهزة ووسائل مساعدة للعمليات الجنسية الطبيعية والشاذة ! كيف يمكن أن تكون هذه الأدوات تجارة مشروعة ؟! خرجت مذعورا ورأيت أن أفضل شىء يمكن أن أفعله يوم الأحد هو أن أعتصم فى غرفة فندقى حتى يأتى موعدى مع الكاتب الأمريكى المختص بالشئون المصرية سبرنجبورج !!
ولكن صناعة الجنس والتى يلعب فيها اليهود دورا رياديا لا تعتمد أساسا عل هذه المحلات بل على وسائل الاعلام التى تنشر الفجور ، وما نشاهده فى الأفلام الأمريكية بدون مقص الرقيب المصرى تتحدث عن نفسها . ويمكن أن ترى ذلك فى محطة أوربيت التى يمتلكها ثرى سعودى ، بندر بن سعود ، وهى بالاشتراك وأنا غير مشترك فيها !! ولكن أراها نادرا فى الفنادق .
أما الأهم فهى المحطات الإباحية بدرجات متفاوتة حتى المحطات البرنو المنحطة وهذه تعمل أحيانا بدون تشفير لجذب الزبائن وأحيانا بتشفير وما أسهل الاشتراك فيها أو فك التشفير مجانا . وهى تجمع بين كل أنواع الفجور والشذوذ ولا داعى للتفصيل مع أن الشباب يعرف الآن الوصول إليها بسهولة .
ما يهمنا أيضا الاشارة إلى أن بعض هذه المحطات تمارس الدعارة الدولية بأرقام هواتف على أساس ممارسة الدعارة بالهاتف أو بأخذ مواعيد مباشرة لأن التنظيم الدولى للدعارة يغطى كل بلدان العالم ، والدعارة مرخصة فى بلاد الغرب . وتترافق مراكز الدعارة مع مراكز القمار والخمور والرقص العارى تماما : الاستربتيس وعاصمتها العالمية لاس فيجاس فى أمريكا . والحمد لله لم أزرها ولم توضع أبدا فى برامج زياراتى ! ولكن فى قلب الشانزليزيه فى باريس مررت أمام مسرح يعرض مثل هذه العروض ، ولما لا فهى أمور مباحة فى إطار الحريات المزعومة .
لعنة الله على التكنولوجية إذا استخدمت فى هذه السبل وما أكثر الاستخدامات وهناك محطات مصري وعربية فضائية تمارس الدعارة بشكل مغلف من خلال مذيعة تتحدث كالعاهرة وتدعى أنها تنظم مسابقة بأسئلة صعبة مثل : ما هى عاصمة جمهورية مصر العربية ؟ والحرف الأول منها قاف . والمحطة تكسب من الاتصالات الهاتفية الكثيرة بهدف الحصول على جائزة مزعومة ولكن لا يبدو أن الأمر يقف عند هذا. كذلك كثرت محطات الفيديو كليب على مدار 24 ساعة ، والمسخرة الجنسية واضحة فى كثير من هذه الأغنيات ، وكل هذا نقلا عن الحضارة الأمريكية .
وفى الأفلام السينمائية الأمريكية انتشرت أخيرا وشاعت مسألة شرب الدماء داخل أحداث الفيلم ، كمتعة جنسية أو كمتعة غذائية بعيدا عن مسألة دراكيولا الشهير وهو بالمناسبة شخصية أوروبية تاريخية حقيقية عاشت فى رومانيا . والمعروف أن شرب الدماء من طقوس عبادة الشيطان ، ونشر هذه الفكرة وتحبيب الشباب فيها يضعهم على العتبة الصحيحة فى اتجاه الشيطان .
يمكن كتابة مجلدات فى هذه المساخر فهناك آلة إعلامية وسينمائية هائلة ، وجهاز انتاجى رهيب ينفق المليارات لانتاج ملايين الشرائط والسيديهات والفيديوهات والأفلام على مدار الساعة فى استديوهات فى أماكن شتى فى بلاد الغرب ، ويتم إغراق ملايين بل مليارات البشر بها كى تملأ كل ساعات فراغهم دون أن ينتهى منها ، وهى لا تنتهى فمنها انتاج جديد كل ساعة وكل دقيقة مع ابداعات شيطانية لا تتوقف .
وبهذا نكون قد انتهينا من القوانين السبعة التى تحكم الاعلام الأمريكى .
الحلقة 29 من دراسة المشروع العربى الاسلامى وقد كتبت بشكل
مقارن بين النموذجين الاسلامى و الغربى
magdyhussein.id
