رأينا فى القنوات الاسلامية قبل وبعد ثورة يناير 2011 كيف كانت تستبعد المواد والبرامج الفنية والأدبية والثقافية جملة وتفصيلا فى حدود متابعتى لها . لاشك أنه كان إعلاما سقيما متبولا كقلب كعب بن زهير ! أقصد ثقيل الظل ممل لايجذب جمهورا جديدا ، ويكتفى بجمهوره الثابت الملتزم ، وهذا فشل ذريع لأى وسيلة إعلامية . لابد للاعلام أن يخاطب الناس كافة . الاعلام الاسلامى – فيما بعض الاستثناءات القليلة – كان فشلا ذريعا ودليلا دامغا على السير فى سبيل الهزيمة المحققة ، وقد حدثت . فى حين نجح الطرف الاعلامى المنافس فى تحقيق أهدافه بالوصول إلى كل الناس بغض النظر عن صحة المضمون ، والمضمون لم يكن سليما تماما عند الطرفين . لا أتبرأ من أننى فى الطرف الاسلامى ولكن مضطر للقول بأن جريدة الشعب قدمت أنجح تجربة إعلامية اسلامية فى مصر قبل الثورة وبعد الثورة . رغم أننى لم أحقق بالطبع كل ما كنت أصبو إليه وفى حدود أنها كانت صحيفة ورقية أولا والكترونية ثانيا ثم منعتنى كل حكومات الثورة من إطلاق قناة فضائية . ولكن أرى الآن أن جريدة الشعب رغم نجاحها المهنى إلا أنها وقعت فى فخ الاستقطاب الذى كان ساريا فى المجتمع ولم تتخذ موقفا رشيدا تماما فى هذا الاستقطاب بين العسكرية والمدنية ، بين الاسلامية والعلمانية ، وبين الاخوان وجبهة الانقاذ . وهذا أمر بحثناه فى مواضع ودراسات أخرى . والآن نعود لقصيدة كعب بن زهير
بعد الغزل فإن القصيدة واضحة فقد انتقلت من الشحنة العاطفية التى تقوم بدورها فى جمع خيوط مشاعر المستمع ليدلف الشاعر إلى جوهر موضوعه ، عن رحلته لمقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبا للعفو وإعلان إسلامه وما أجمله من إعلان .
ويبدو فى القصيدة الإحكام الشديد مما يؤكد إلتزام كعب بخصائص المدرسة التى أصلها أبوه زهير من تنقيح وتهذيب للقصيدة قبل عرضها على المتلقين . فقد كان شائعا أن يرتجل الشاعر قصيدته على الملأ فورا وهذه وإن كانت عبقرية فى الضبط والقافية والبحور إلا أن هذا الأسلوب يفتح الباب لبعض الخلل فى المعانى والإحكام اللفظى . هذه القصيدة دخلت التاريخ ويدرسها الأدباء قديما وحديثا وقاموا بشرحها ووصلت إلى العالمية ، التى يتحدثون عنها اليوم فى السينما وكرة القدم ، حتى لقد درسها المستشرق الألمانى فريتاح بعد أن ترجمها إلى اللاتينية . وقد ترجمت القصيدة إلى عدة لغات بما لم تحظ به أى قصيدة ولا عجب فهى عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
شعر قتيلة
كذلك تأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر قتيلة أخت النضر بن الحارث الذى قتله على رضى الله عنه بأمر من الرسول ، فقد تعرضت له وهو يطوف بالكعبة وأنشدته معاتبة له على قتل أخيها :
أمحمد ها أنت نجل بخيبة … من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما …. من الفتى وهو المغيظ المحنق
والنضر أقرب من قتلت وسيلة …. وأحقهم إن كان عتق يعتق
وما كان تعليقه إلا أن قال عليه الصلاة والسلام : لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته !!
انظر النبى الذى يتسم بالرحمة والتسامح ، وهو يجبر بخاطرها وهى مكلومة ، فما عاد بإمكانه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء . وهى فى النهاية مسألة عفو ، لا مسألة ظلم .
روت السيدة عائشة معلومة ربما لا تكون معروفة عند كثيرين وهى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بنى لحسان بن ثابت فى المسجد النبوى منبرا ينشد عليه الشعر ، مما يعنى إعطاء طابع دورى أو شبه دائم لإلقاء الشعر فى المسجد ، وهذا ما لايحدث عموما فى عصرنا الحاضر . مرة أخرى هذا يوضح إدراك سيدنا محمد لأهمية الاعلام فى نشر وتثبيت الدعوة ، ففى المسجد هو تثبيت وليس نشر الدعوة لجمهور جديد أو هو نشر للدعوة ولكن بشكل رأسى ونوعى بمعنى تعميق العقيدة فى قلوب المؤمنين ، كما أن المسجد تدخله كل يوم وجوه جديدة من خارج قلب المدينة أو وجوه حديثة العهد بالاسلام . وقصائد الشعر تنتشر أيضا أفقيا خارج المساجد فى كل المنتديات والتجمعات فى مختلف أماكن المجتمع وخارجه .
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنما الشعر كلام مؤلف ، فما وافق الحق منه فهو حسن ومالم يوافق الحق منه فلا خير فيه . وهو شرح للآيات الكريمة الواردة فى نهاية سورة الشعراء : والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لايفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون . الشعراء 224 – 227
وفى كتب السيرة رواية مختلفة تقول إن الأنصار كانوا هم المبادرين بإقتراح نظم الشعر لمواجهة شعر المشركين وان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبدأ بالطلب ولكنه وافق :
جاء حسان يوما إلى رسول الله وقال له : يارسول الله إن أبا سفيان بن حارث هجاك وأعانه على ذلك الحارث بن هشام وكفار قريش ، أتاذن لى أن أهجوهم ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : فكيف تصنع بى ؟ فقال : أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين . قال : اهجهم وروح القدس معك ، واذهب إلى أبى بكر يعلمك الأنساب . ثم تبعه كعب بن مالك وابن رواحة وآخرون . وكانت القصائد ، ولا أقتبس فالمجال لا يحتمل ، متابعة حية لأبرز الأحداث : غزوات بدر وأحد والخندق ، فى مساجلات مع قصائد المشركين مثل عبد الله بن الزبعرى حول نفس هذه الأحداث . كما كتبت أشد القصائد وأكثرها حرارة فى رثاء رحيل محمد صلى الله عليه وسلم عن العالم . ثم كان للشعر دور إعلامى مساند للحرب ضد المرتدين ، وكانت لحظة فارقة فى حياة الأمة . مثل قول الحارث بن مرة فى وعظه لبنى عامر :
بنى عامر ان تنصروا الله تنصروا …. وان تنصبوا الله والدين تخذلوا
وان تهزموا لا ينجكم منه مهرب … وان تثبتوا والله للقوم تقتلوا
كذلك كان للمرتدين جهازهم الاعلامى الشعرى المضاد . وكما اهتم أبو بكر بحفظ الشعر والاستشهاد به فى خطبه ، اهتم عمر بن الخطاب بتنمية الاهتمام به إلى حد أنه كتب إلى واليه على البصرة أبى موسى الأشعرى : مر من قبلك يتعلم الشعر فإنه يدل على معانى الأخلاق ، وصواب الرأى ، ومعرفة الأنساب . وقال فى وصيته لابنه عبد الرحمن : يابنى ، انسب نفسك تصل رحمك ، واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك ، فان من لا يعرف نسبه لم يصل رحمه ، ومن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقا ولم يقترف أدبا . وعرف عن عمر أنه كان يجيد نقد الشعر وكانت أحكامه فيه لبنات أولى فى تاريخ النقد الأدبى عند العرب . العمدة
والحديث متواصل
الحلقة 42 من دراسة المشروع العربى الاسلامى – باب الاعلام
magdyhussein.id
