الصورة لمصنع الحديد والصلب المقبور
المال مال الله فى القطاع العام
كانت من أهم الانتقادات التى وجهت للقطاع العام فى مصر وبشكل عام فى أى بلد فى العالم أن العامل فيه لا يشعر أنه يمتلكه ولذلك لا يكون حريصا عليه وعلى سلامته ،و طالما أنه يضمن الحصول على مرتبه أول الشهر فما الذى يعنيه ؟ هذا فى الحد الأدنى ولكن الأمر قد يتطور إلى حد الفساد كسرقة أدوات العمل أو أى مواد وسيطة أو استخدام سيارات الشركة وهواتفها فى أغراض شخصية وإلى ” التزويغ ” من العمل ، وهذا نوع من إضاعة أموال الشركة لأن وقت الحضور فيه عمل وإنتاج وأى تأخير أو إدعاء المرض يؤثر على العملية الانتاجية . أما فى القطاع الخاص فصاحب المال يراقبه بنفسه ويحرص عليه ويبذل قصارى جهده للحصول على الأرباح لتوسيع المشروع . وأيضا العاملون فى القطاع الخاص يدركون أنه لا مزاح ولا تضييع للوقت أو إهمال فى العمل وإلا سيتعرضون للعقاب ثم الطرد . وكل هذا يحافظ على مستوى إنتاجية المشروع وكفاءة التشغيل . كل هذه الملاحظات لا تخلو من صحة ، ولكن هناك عوامل مضادة أخرى تساهم فى الحصول على نتائج مشرفة من عمل القطاع العام . القطاع العام فى الأصل من المفترض أنه مشروع غير عادى يستهدف نهضة البلاد أو تسليحها أو تغطية وإشباع حاجات المواطنين أو التصدير للخارج . فى بداية النهضة الصناعية لنظام 23 يوليو كانت هناك روح حقيقية للنهوض بالبلاد مع الولوج إلى كل هذه المجالات الصناعية. فى الستينيات من القرن العشرين تم إنشاء ألف مصنع وتم تشكيل نواة الصناعة الثقيلة . وبلغت قيمة الصناعة مليار جنيه ارتفعت إلى 7 مليار عام 1981 . فى بداية هذه النهضة كانت هناك روح تدب فى العاملين فى القطاع العام من كبار المديرين إلى المهندسين إلى العمال . كانوا يشعرون أنهم يصنعون شيئا لأمتهم ولذلك كان حرصهم شديدا على المصنع وعلى زيادة الانتاج وتطويره . كذلك كانت أحوالهم المادية لا بأس بها بأسعار ذلك الزمان وبالمقارنة مع أحوالهم قبل 1952 . وكانوا يتمعتون بحوافز الانتاج وكانت هناك حافلات لنقل العاملين لمقر العمل ومساكن خاصة لهم بأسعار زهيدة مع الضمان الصحى والاجتماعى والمعاشات مع توفير المدارس والخدمات فى المدن العمالية . كانت هناك درجة عالية من الاشباع الروحى الوطنى ، المعنوى والمادى معا . وبغض النظر عن الظروف التى مرت بمصر فمثل هذه المكاسب معرضة للانتكاس المؤقت لأى سبب ، لذلك تظل هناك أهمية للأجهزة الرقابية ، كالرقابة الادارية وجهاز المحاسبات ومباحث الأموال العامة والكسب غير المشروع . ولكن ما حدث فى مصر كان انهيارا شاملا بسبب الانقلاب على التجربة الناصرية الذى قام بها السادات ثم مبارك . وليس هذا هو موضوعنا الآن . ولكن بشكل عام فإن التربية الدينية عموما والتربية الاسلامية على أساس أن المال مال الله هى أنسب تربية للعاملين فى القطاع العام . فالمال له صاحب ، وليس بدون صاحب ، وصاحب المال هو الله عز وجل ، فهل هناك رادع أكثر من ذلك ضد الفساد والإهمال ؟ مع ملاحظة أن العامل بالقطاع العام هو عمليا أحد ملاك هذا القطاع بل كل مواطن هو شريك فى الملكية العامة ، ولكن قد يكون الأمر غير محسوس، لذلك فإن تربية الناس على أصل الموضوع : المال مال الله هو الضمانة العظمى للحفاظ على القطاع العام وأيضا القطاع الخاص .
يتبع الحلقة 73 من دراسة المشروع العربى الاسلامى
