كيف عالج رسول الله مشكلات الموظف العام ؟ – بقلم : مجدى حسين

وصلنا إلى أن قاعدة أن المال مال الله هى أكبر ضمانة للحفاظ على مال القطاع العام . ولكن أيضا بنفس القدر فى القطاع الخاص ، فليس صحيحا أن المشروع الخاص محصن ضد الاختلاس والسرقة من بعض العاملين فيه . فكما أن إيمان صاحب المال بأن المال مال الله يجعله ينفقه فى سبيل الله ، ولا يظلم العاملين عنده ، ويصبح مطالبا بأن يعطى العامل حقه العادل قبل أن يجف عرقه ، عندما كان الأجر باليومية ، فإن العاملين عنده يتحصنون فى عملهم بذات القاعدة فصاحب العمل لا يمكن ان يراقب العمال بدقة وعلى مدار 24 ساعة . ووفقا للقاعدة الاسلامية : إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن .والتى تعنى أن الاعتماد على ضمير المؤمن غير كاف وحده فلابد من قوانين رادعة للمخطىء ولمن لم يذعن للقرآن . وهذا هو أساس القصاص . وفقا لهذه القاعدة فإن قانون الثواب والعقاب يمكن أن يفعل فعله لتحصين المشروع العام وتطويره ، فالحوافز لا بد أن تكون مرتبطة بزيادة الانتاج والجودة ، ولابد من العقاب على أى تقصير ، وهو نفس القانون الذى يحكم القطاع الخاص أيضا . فإن ربط الأجر بالانتاج ، وبصورة عادلة ، ضمانة لحسن سير العمل والانتاج وزيادة الانتاج . وعموما فإن مشكلة الضمير فى القطاع العام لابد من مواجهتها لا بالقول بإلغاء القطاع العام والانصراف عنه ، فنحن لدينا فى كل الأحوال القطاع الحكومى وهم موظفو الدولة بالدواوين وهذا القطاع لا يمكن إلغاؤه ولكن لابد من ضمان النزاهة فى أوساط العاملين به بطرفى المعادلة : 1 التربية الاسلامية الدائمة ، فالتربية لا تنتهى مع الانتهاء من الدراسة فهناك دائما المحاضرات وجلسات الفكر والتثقيف والعقيدة وحلقات القرآن بين العاملين وكذلك دون أن ننسى دور الاعلام فى هذا النشاط التربوى القيمى . 2 الثواب والعقاب . ويجمع بين العاملين فى القطاع العام والحكومة أنهم يعملون فى مؤسسات عامة وتحت أيديهم أموال عامة ، هذه أموال شركة منتجة وتلك إيرادات الدولة من الزكاة والضرائب والرسوم. التحلى بالنزاهة ونظافة اليد ضرورى فى الحالتين . وقد كان لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم موظفون عموميون ، ولاة ومسئولون عن جمع الصدقات وتسجيلها. وقد كان يرى ضرورة إغناء هؤلاء حتى لا يتعرضوا لفتنة الحاجة . جاء فى الحديث الشريف : من ولى لنا عملا فلم تكن له زوجة فليتخذ زوجة ، ومن لم يكن له مركبا فليتخذ مركبا ، ومن لم يكن له مسكن فليتخذ مسكنا ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادما ، فمن اتخذ سوى ذلك جاء به يوم القيامة غالا أو سارقا . وتم توضيح ذلك فى حديث آخر : من استعملنا منكم على عمل فكتمنا مخيطا ، أى إبرة خيط ، فما فوقه كان غلولا ، أى خيانة ، يأتى بها يوم القيامة . مسلم وفى حديث آخر ” عود اراك ” أى سواك . وكان رسول الله من موقع الحاكم يحاسب عماله فى الأمور المالية بدقة . ورد عن أبى حميد الساعدى قال : استعمل رسول الله رجلا من الأسد على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللتيبة فلما جاء حاسبه . ولكن كيف تم إفساد القطاع العام فى مصر ودفعه إلى الفساد ؟ هذه قصة طويلة يتحمل مسئوليتها عهدا السادات ومبارك وقد تربح كثيرون من البيع الجائر للقطاع العام . وقد تم تعمد تخسير بعض الشركات لتسهيل بيعها ، ولكن حتى الشركات الرابحة تم بيعها أيضا ! وكان من علامات إفساد القطاع العام اتخاذ قرار بأحقية وأولوية أبناء العاملين فى الشركة فى التعيين ، وهذا شرط يخل بالعدالة وتكافؤ الفرص مع الآخرين ويحول القطاع العام إلى عزبة متوارثة . نعود مرة أخرى لخلاصة الخلاف الجوهرى بين المدرستين الاشتراكية والرأسمالية ، ثم بينهما وبين الرؤية الاسلامية . أقول الرؤية لا الاقتصاد الاسلامى لأن الرؤية أشمل وأعم . كانت الرأسمالية بدأت بنظرية الحرية المطلقة للسوق وعدم تدخل الدولة فى الاقتصاد بصورة مطلقة ، بينما قامت الاشتراكية على السيطرة الكاملة للقطاع العام على مجمل الاقتصاد مع التخطيط الحكومى المركزى الشامل والدقيق .
يتبع
الحلقة 74 من دراسة المشروع العربى الاسلامى

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading