الصورة لمهاتير محمد –
سيادة المستهلك consumer sovereignty
فى كتابه ثروة الأمم قال آدم سميث إن السوق هو الذى يضبط الاقتصاد وعلى الحكومة أن تمنتع عن التدخل . والسوق يضبط الاقتصاد من خلال قرارات المستهلك . وهى نظرية ترفع من قدر ومستوى المواطن إذ يتضح أنه هو الديكتاتور الحقيقى الذى يملك السيادة وهو الذى يوجه الثروات فى اتجاه رغباته من خلال نظرية العرض والطلب ، فإذا أقبل المستهلك على سلعة معينة فإن ذلك يؤدى إلى زيادة الطلب عليها حتى يزيد عن العرض مما يؤدى إلى ارتفاع سعرها فيتجه المنتجون إليها ليحصلوا على أرباح كثيرة ، مما يزيد العرض على الطلب فتنخفض الأسعار وهكذا دواليك . فالمستهلك هو الذى يدفع المنتجين لانتاج ما يرغب فيه ، وأن هذا فى النهاية سيؤدى إلى توازن الأسعار . وهكذا لا حظ رعاك الله فإن المستهلك هو الذى يقوم بتوزيع عناصر الانتاج والثروة بين الصناعات والسلع المختلفة ، فهو ديكتاتور اقتصادى بحق . وهذا الكلام فيه تبسيط مخل ومع ذلك فلايزال بعض علماء الاقتصاد فى الغرب وعندنا يؤمنون به ، ومن أبرز هؤلاء أصحاب مدرسة شيكاغو بزعامة ميلتون فريدمان التى استولت بالفعل على صندوق النقد الدولى وتضع له تصوراته وخططه ومشروعاته حتى الآن . وهذا يفسر لنا الكثير من جرائم الصندوق . أنصح بقراءة الكتاب المهم : عقيدة الصدمة لنعومى كلاين – شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – شارع جان دارك – بناية الوهاد – بيروت – الطبعة الثالثة – 2011 فهو يشرح هذا الموضوع بالتفصيل ، وإن كانت لى بعض الخلافات مع الكاتبة ولكن ليس فى هذه النقطة . ميلتون فريدمان أستاذ اقتصاد فى شيكاغو وكان صديق الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون الجمهورى وعين له الوزير جورج شولتز وهو أستاذ فى جامعة شيكاغو أيضا ، كما أن وزير الدفاع رامسفيلد المشارك فى قرار وتنفيذ غزو العراق وأفغانستان من الدارسين فى مدرسة شيكاغو أيضا . وكما أشرنا فقد شجع فريدمان تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا على الإمعان فى الخصخصة وطرد الآلاف من عمال المناجم . كذلك كان وثيق الصلة برونالد ريجان الرئيس الأمريكى الجمهورى الذى طرد 11 ألف من أهم القيادات العمالية . والمثير أن الشركات الأمريكية التى يظن الناس أنها مجرد شركات منتجة لسلع معينة ، فإنها تقوم بتمويل هذا المشروع المتطرف لفريدمان من خلال تمويل كتبه وأبحاثه : بيبسى كولا – فاير ستون – جنرال موتورز ، حتى وصل تلاميذ فريدمان إلى حد السيطرة على صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ، وهذا طبعا بمساعدة الادارات الأمريكية المتعاقبة خاصة الجمهورية . وبحلول عام 1999 كان لمجموعة شيكاغو وزراء فى 25 حكومة وأكثر من 12 رئيسا لمصارف مركزية بما فى ذلك اسرائيل . مدرسة شيكاغو ليست إلا تجديدا وإحياءا للأفكار الرأسمالية التى كان قد عفا عليها الزمن : نظرية سيادة المستهلك . والتى تتلخص فى منع الدولة من التدخل فى الاقتصاد وإطلاق آليات السوق الحر حتى منتهاها وهذا يؤدى إلى ضرب الاقتصادات الوطنية فى بلاد العالم النامى الجنوبى ، واعتماد هذه الاقتصادات على الاستيراد من الغرب أو فتح الباب للشركات الاستثمارية الغربية لتدير اقتصادات هذه الدول وهذا حدث إلى حد كبير فى أمريكا اللاتينية والبلاد العربية وافريقيا . والواقع فإن أزمة النمور الآسيوية التى حدثت عام 1997 كانت بسبب هجوم غربى – أمريكى – يهودى لضرب استقلال هذه البلدان فالغرب رفض السياسة الحمائية ، الجمركية للنمور الآسيوية ، وكذلك سياسات تمنع تملك الأجانب للأرض وشراء المصانع الوطنية ، وتمنع استيراد بعض السلع من الخارج . وقد أعلن رئيس صندوق النقد الدولى علنا رفضه لهذه السياسات وطالب بخفض ميزانيات الدول وتقليص الدعم الاجتماعى . وقد افتعلوا هذه الأزمة المالية بالمضاربات فى العملة وأسواق المال لإجبار كوريا الجنوبية مثلا على بيع شركاتها الناجحة لمجرد الحصول على قرض . وكان محاضر أو مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا فى ذلك الوقت هو الذى رفض اقتراحات صندوق النقد ونفذ برنامجا وطنيا لصد هذا الهجوم الاقتصادى ، وكانت ماليزيا بذلك هى الأقل تضررا من هذه الأزمة . وقد بلغت به الشجاعة أن يتهم اليهود بالوقوف وراء هذه المؤامرة , وأشار إلى هيمنة اليهود على النظام المصرفى العالمى وأسواق المال . وكما ترون فإن الخلافات فى مثل هذه الموضوعات ليست من قبيل الترف الفكرى بين النظريات الاقتصادية ، بل هى حرب حياة أو موت ، ومن لا ينتبه فستدوسه أقدام الأمريكان واليهود والغرب . ولقد حذرت مرارا ، ولست وحدى ، بل لقد نذرت حياتى كلها لمحاربة هذه الهيمنة الأمريكية اليهودية ولكنى لم ألق مجيبا حتى الآن من الرأى العام إلا قليلا . فهل نريد المزيد من الكوارث حتى يستيقظ الناس ويوافقوا على ما نقول . نحن فى حالة إنحدار متواصل منذ سلمنا أمورنا للصندوق فى عهد السادات وحتى الآن . ومع ذلك فإن النخبة السياسية بكل أطرافها تتصارع فيما بينهما فى كل شىء ، وتتفق على استبعاد التجمع لمواجهة الخطر اليهودى الأمريكى رغم أن اليساريين والقوميين يصدرون بعض البيانات فى المناسبات ضد اقتراحات ومشروعات صندوق النقد الدولى ولكن الموضوع أكبر من مجرد بيانات المناسبات . وأكبر من الصندوق نفسه فهو ليس إلا أداة اقتصادية فى مجال محدد فى إطار مشروع الهيمنة الكلية للمشروع الأمريكى الصهيونى . يتبع
الحلقة 75 من دراسة المشروع العربى الاسلامى
