بعد أن لفّقوا لها تهمة الخيانة، وسيقت الفرنسية الناشطة في مجال الحرية مدام رولان، التي ذاع صيتها خلال الثورة الفرنسية عام 1789 ضد حكم الملك لويس السادس عشر، قالت قبل أن تسلم رأسها للمقصلة :”إيهٍ أيتها الحرية! كم من الجرائم ترتكب باسمك”!
لا أعرف هل كانت مدام رولان بريئة من التهم التى ساقتها إلى المقصلة وليس هذا هو موضوعى الآن ، ولكنى تأثرت منذ سنوات بعيدة بكلمتها العميقة التى يمكن أن تكون هى قرينة براءتها . وهى لا تختص بالحرية التى انتهكتها الثورة الفرنسية بالانتقال من إعدام الملك والحكام إلى إعدام الثوار بعضهم بعضا ، ولكن هذه الحكمة تشير إلى استخدام شعارات براقة لا خلاف حولها لتمرير عكسها وهذه مسألة شائعة فى عالم الفكر والسياسة . فالظالم لايمكن أن يقول أنا ظالم ولكنه يظلم وهو يرفع شعار العدل ، وهناك من يسلب الناس حقوقهم تحت شعار العدالة الاجتماعية أو الاشتراكية وهكذا لأن المخطىء لا يمكن أن يجاهر بخطئه . أو على الأقل يصعب عليه ذلك بصورة شديدة كقاعدة عامة .
الخطأ الذى عم فى بلادنا بين الحكام والمحكومين نابع من خطيئة كامب ديفيد ، وقد أصابنا المرض بدءا من 7 نوفمبر 1973 عندما اجتمع السادات مع كيسنجر وزير خارجية أمريكا عقب وقف إطلاق النار فى 24 أكتوبر عام 1973 . كانا وحدهما لا ثالث لهما إلا الله سبحانه وتعالى . ولكن الأمة كلها دفعت ثمن هذا اللقاء اللعين ولا تزال تدفعه حتى الآن . ولدينا روايتان عن هذا اللقاء واحدة عن محمد حسنين هيكل جاء فيها أن السادات وضع اقتراحات جولدا مائير رئيسة وزراء العدو على الطاولة وقال لكيسنجر أنا موافق بدون أن أقرأ . هذه تفاصيل غير مهمة . أريد أن أتحدث معك عن التعاون لمكافحة الشيوعية فى العالم وقام وشرح له اقتراحاته على خريطة للعالم . ويقول كيسنجر أنه امتدح السادات فى بداية اللقاء ليرضى غروره ويجعله مطواعا فأشاد بذكاء السادات وكيف خدع المخابرات الأمريكية والاسرائيلية فى مفاجأة الحرب . ولكن السادات لم يكن يحتاج لهذه المناورة وإن كانت أثلجت صدره فقد كان مندفعا بشدة إلى حضن الأمريكان . وكانت له رواية ثالثة تؤكد هذا الاندفاع العاطفى نحو أمريكا .
لا أستطيع أن أتهم السادات وحده فقد كان هذا المناخ يزحف فى أوساط الطبقات العليا للدولة .. إننا أرهقنا من الحرب والاحتلال ونريد سلاما مع اسرائيل يتضمن الاعتراف بها . بدأت هذه الأفكار فى عهد عبد الناصر وظهرت فى موافقته على القرار 242 الذى يتضمن الاعتراف باسرائيل وفى عديد من التصريحات بعد هزيمة 1967 الساحقة التى أحدثت شرخا عميقا فى صلابة الأمة وكبريائها ، رغم إصرار الشعب على الحرب والمقاومة . ولكن لا أتصور أن عبد الناصر كان يمكن أن يوافق على صياغات كامب ديفيد . يقول أبو الغيط فى مذكراته وكان سكرتيرا لحافظ اسماعيل مسئول الأمن القومى إن اسماعيل تحدث معه وهو فى منتهى السعادة بعد نجاح العبور إن السلام قد أصبح فى اليد وأننا يمكن أن نوافق على صيغة إيجال آلون . وهى تتضمن تقسيم الضفة الغربية بين اسرائيل والأردن بحيث تحصل اسرائيل على ما يكفى من الأراضى لتحقيق شعار أرض اسرائيل التاريخية.
وحدد المشروع منطقة غور الأردن من نهر الأردن وحتى المنحدرات الشرقية لجبال نابلس وجنين لتبقى تحت السيادة الإسرائيلية، وهكذا أيضاً بالنسبة لمنطقة القدس وضواحيها ومنطقة الخليل. أما بقية أراضي الضفة الغربية فتعاد إلى السلطة الأردنية مع فصل تام بينها، وإقامة معبر بين هذه الأراضي وبين الأردن بواسطة لسان في ضواحي مدينة أريحا. أما الأجزاء الأخرى من مشروع ألون فتطرقت إلى ضم قطاع غزة بأكمله إلى إسرائيل وتوطين اللاجئين خارج القطاع، وإعادة سيناء إلى مصر مع الاحتفاظ بالساحل الجنوبي الشرقي لسيناء من إيلات وحتى شرم الشيخ تحت السيطرة الإسرائيلية.
مع الأسف تحقق كثير من ذلك فى الضفة الغربية والقدس بعد ذلك وحتى الآن ، أقصد ابتلاع الضفة الغربية . ولكن ما يهمنى هو حالة الترهل التى أصابت الطبقة الحاكمة والرغبة فى الخلاص السريع مما يسمى الصراع العربى الصهيونى . وعندما وصلنا إلى كامب ديفيد فقد كان هذا يعنى السلام الاستراتيجى مع اسرائيل وقد تحقق ذلك على مدار 49 عاما . ففى حين لم نطلق طلقة على اسرائيل حاربنا ليبيا عام 1977 وشاركنا فى حرب العراق عام 1992 وشاركنا فى المجهود الحربى والتسهيلات لعدوان أمريكا على العراق فى 2003 وبدرجة أقل فى العدوان على أفغانستان 2001 بتسهيلات المرور وإرسال مستشفى ميدانى للمعتدين . والعجيب أن مبارك قال أثناء العدوان على أفغانستان إن مصر لا تربطها بأفغانستان معاهدة دفاع مشترك كتلك الموجودة مع العرب . ولكن عندما تم الاعتداء على العراق بعد عامين نسى وجود هذه المعاهدة وظلت منسية حتى الآن من قبل الجميع وليس من قبل مصر وحدها . ولم لا أليست مصر هى الرائدة . ولطالما قرأت وسمعت فى الاعلام أن السادات قد سبق عصره بالاتجاه إلى أمريكا والسلام مع اسرائيل حتى وصلنا إلى نكبة لا تقل عن نكبة 1948 دون أن نحظى بالسمن والعسل الذى وعدنا به مع أمريكا .
كامب ديفيد أصبحت تجب غيرها من أى ارتباط مصرى بالعرب وهذا نص صريح فى معاهدة السلام عام 1979 . وأصبح التطبيع إجباريا حتى وإن كان بطعم السرطان والفشل الكلوى والكبدى . وأصبح المثلث المصرى الأمريكى الاسرائيلى هو دستور البلاد وبعد ذلك نتحدث فى أى موضوع آخر أو أى تفاصيل .
وأصبحت العلاقات الاستراتيجية مع اسرائيل فى صميم الأمن القومى المصرى . وعندما كانت عناصر لها علاقة بأجهزة الأمن القومى تعارض تصدير الغاز لاسرائيل وبأسعار تفضيلية كنا نعمل معهم ونشارك فى ندواتهم وبعضها كان فى نقابة الصحفيين . ثم فوجئت بأن عمر سليمان رئيس المخابرات العامة يؤيد هذا التصدير ويقول فى تصريحات علنية إن تصدير الغاز المصرى لاسرائيل مفيد للأمن القومى المصرى لأنه يجعل اسرائيل مرتبطة بمصر وأن مصر يمكن أن تتحكم بها هكذا . وهو تصور مذهل لأن اسرائيل يمكن أن تستغنى عننا فى أى وقت والغاز متوفر من مصادر مختلفة ومتنوعة . وفعلا جاء اليوم الذى أصبحنا نستورد الغاز من اسرائيل . وأثناء تصديرنا لم يحدث أننا فرضنا عليها أى شىء بل كانت لها دوما اليد العليا . بطييعة الحال نرفض التصدير والاستيراد وكل أشكال العلاقة مع هذه الكيان الغاصب والمزروع على الأرض العربية وعلى حدودنا ليؤذينا ويمتص دماءنا حتى بالمعنى الحرفى للكلمة . ولكن أناقش منطق سيد الأمن القومى الذى تحول إلى ثوابت . أخطأت فى أحد الفيديوهات وقلت إن عمر سليمان زار اسرائيل 500 مرة . ولكن عندما عدت للأرشيف وجدت أنه زار اسرائيل 1520 مرة خلال 30 سنة ، مالذى بيننا وبين اسرائيل يستحق كل هذه الزيارات الأسبوعية . لو أعطينا كل هذا الاهتمام للسودان وبلاد حوض النيل لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه . فنحن الآن فقدنا افريقيا وحوض النيل والسودان وغزة . وقد اكتشفت فى الأرشيف أو تذكرت أمورا خطيرة فى مواقف عمر سليمان وليس من عادتى انتقاد الراحلين ولكن الأمر يتعلق بمفاهيم نظرية للأمن القومى ، وهذا يحتاج لمقال آخر .
إن مذابح غزة للنساء والأطفال والشيوخ التى أقضت مضاجعنا جميعا هى من صميم الأمن القومى المصرى . الأمن القومى لا ينحصر فى مسألة التهجير . ذبح شعب مجاور لك يحارب عدوك الأصلى والاثنان على حدودك أمر يضر بالأمن القومى المصرى . وعدم تقديم الدواء والماء والغذاء لهم جعل المفاضلة محصورة بين الإبادة الجماعية والتهجير . وإذا اردت منع التهجير فلابد أن توقف المجاعة . أسمع اعلاميين رسميين لايزالوا يرددون أن الحرب مع اسرائيل لن تقع إلا إذا عبر الفلسطينيون لمصر . وإذا تمت إبادتهم جميعا داخل غزة يكون الأمن القومى محفوظا هكذا ؟
الأمن القومى موضوع طويل تكتب فيه الدراسات والكتب ولكن أشير إلى معنى أساسى : لا مجال للحفاظ على الأمن القومى إذا سقطت هيبة الدولة ، عن طريق قصفها بشكل متكرر مع الاعتذار ثم إغلاق معبرها مع دولة شقيقة . وعميد متقاعد سمير راغب قال فى التلفاز مع عمرو أديب : إذا ارادت اسرائيل أن تحتل ممر صلاح الدين على الحدود بين مصر وغزة فلتطلب اجتماعا أمنيا مشتركا وستوافق مصر لأنه أراضى محتلة . دولة بحجم مصر تصر منذ سنوات على اعتبار أن غزة محتلة رغم انسحاب اسرائيل منها منذ عام 2005 . والآن أكبر دولة عربية تقول لاسرائيل إذا أردت إعادة احتلال غزة اتفضلى . مصر كانت هى التى تدير القطاع منذ 1948 حتى 1967 وعندما تفاوضنا فى كامب ديفيد أخذنا سيناء وتخلينا عن غزة وسلمناها لاسرائيل وهذا لايجور أخلاقيا وسياسيا . والآن نصر على أنها أراض محتلة ولتتفضل اسرائيل لاستكمال إعادة الاحتلال رغم كل المهانة التى تتلقاها فى شمال ووسط غزة .
إن تسليم معبر رفح لأمريكا واسرائيل أمر يتنافى مع أبسط معانى الأمن القومى ويضرب فى صميم مهابة وهيبة مصر الكبيرة أم العرب وأم الدنيا وتكفى نظرة واحدة على شاحنات المساعدات الواقفة بين العريش ورفح وعلى الجانب الآخر بدأت مجاعة حقيقية تنهش فى أجساد الغزيين.
اللهم بلغت .. اللهم فاشهد
magdyhussein.id










