هل كان مبارك يبحث عن مخابرات يعمل لديها ؟
بعيدا عن حالة التوثيق الدقيق قامت مجموعة من العناصر المتصلة بالمؤسسة العسكرية المصرية والعاملة فى حقل الاعلام الترويج لعدد من الروايات فى أوساط الاعلاميين شفويا ثم عبر الانترنت . روايات متضاربة بين أن مبارك تم تجنيده للمخابرات الأمريكية أثناء تدريباته فى الاتحاد السوفيتى من خلال عناصر يهودية فاعلة فى روسيا ، وبين رواية أخرى تؤكدها وثيقة أمريكية مفرج عنها تقول إن مبارك عمل فعلا لصالح المخابرات السوفيتية . ورواية ثالثة غير موثقة يمكن أن تجدها على الانترنت بتوقيع ضابط مصرى متقاعد معلوم تقول إن مبارك تم تجنيده للمخابرات الأمريكية عندما كان يقوم بمهمة حربية لصالح الجزائر ضد المغرب أثناء فترة التوتر على الحدود بين البلدين وأثناء مهمته كطيار وقع فى أسر المغرب ، وقامت المخابرات الأمريكية بتجنيده خلال فترة الأسر . وفيما عدا الوثيقة الأمريكية عن ارتباط مبارك بالسوفيت فإن الروايتين الأخريين لا يمكن التأكد منهما لأنهما بدون أى توثيق . ولكن لا شك أن المقصود من ترديد هذه الروايات إثارة حالة من الشبهة حول مبارك وأنه دوما جاهزا للتعامل
مع الغير ، مقابل مصلحة مادية بلا شك ، فلم يكن مبارك يميل إلى الشيوعية ولا لأى فكر أصلا . أفعال مبارك وهو فى الحكم هى أخطر ما فى حياته وهى موثقة بما فيه الكفاية .
حامل الحقيبة
عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية كان السادات يرسله فى رحلات شبه دورية لأمريكا للحصول على حقيبة نقود حتى سموه فى المخابرات الأمريكية ” حامل الحقيبة ” والمفترض أن تكون هذه بداية عمليات سمسرة فى بيع السلاح الأمريكى . وهذه القصة نشرها كتاب وثائقى مخابراتى أمريكى بالتفصيل وتم عرضه فى الصحف القومية المصرية عقب سقوط مبارك . قرأت هذا العرض فى صحيفة الجمهورية .
كيف أصبح نائبا لرئيس الجمهورية ؟
نحن المحللون الذين لا نعرف بواطن الأمور نقول إن اختيار السادات لمبارك نائبا له موضوع واضح وسهل الفهم . فكما اختار عبد الناصر الشخص الذى لا يثير أى مشكلات أو خلافات ويقول دوما : تمام يا أفندم ” السادات ” نائبا له ، كذلك ما كان السادات يجد أفضل من مبارك ، فشعاره الدائم : تمام يا أفندم وليس له أى تاريخ سياسى أو تاريخ فى صراعات السلطة . وكل هذا لاشك صحيح . ولكن اتخاذ قرار استراتيجى كهذا قد يكون له أبعاد أخرى عديدة . وقد لا يتصور أحد أن الدول الأجنبية تتدخل أحيانا فى اختيار نائب الرئيس لأنه مرشح ليصبح الرئيس فى أى وقت . بل يمكن التعجيل بذلك من خلال عملية اغتيال للرئيس . ورغم أن قرار عبد الناصر باختيار السادات نائبا كان قرارا خاصا به بالتأكيد ، ولكن بما أن السادات كان مناسبا لأمريكا فقد تم السعى لاغتيال عبد الناصر ، بل كان ذلك السعى على جدول أعمالهم دوما . وهناك فيديو يبدو مقنعا عن إختراق أمريكى اسرائيلى لدائرة عبد الناصر و من خلال عملية بيولوجية معقدة لا تنكشف بسهولة وتؤدى إلى نوع من الموت البطىء الذى لا يترك أثرا تكشف أسبابه .
التفاصيل الموثقة لاغتيال عبد الناصر على يد الموساد والمخابرات الأمريكية – فيديو
وهناك رواية من داخل السلطة المصرية تردد أن اغتيال السادات كان لصالح مبارك لأن السادات فقد عمره الافتراضى عند الأمريكان بسبب كثرة انفعالاته وتصوراته غير المحسوبة التى أدت إلى اعتقالات 3 سبتمبر 1981 وإغلاق منافذ الحياة الحزبية والسياسية وغير ذلك من التصرفات . ولكننا لا نقول بذلك وليس لدينا أى دليل يخالف الواقع الذى نعلمه عن حقيقة اغتيال السادات . وقد قامت النيابة العامة مرة بالتحقيق فى هذه المزاعم لتبرئة ساحة مبارك ولم تجد أى دليل .
ولكن لدينا معلومات موثقة أى منسوبة إلى مصادر معلومة . مصادر غربية موثوقة نشرت أن الرئيس الأمريكى جيرالد فورد عندما التقى بالسادات فى النمسا نصحه بتعيين مبارك نائبا له !
وفى أحد أحاديث محمد حسنين هيكل الأخيرة قال : إن شاه إيران نصح السادات بتعيين مبارك نائبا له . وهو أمر عجيب فما علاقة شاه إيران بهذه القصة ، وما هى معرفته بمبارك حتى يقترحه إلا أن تكون توصية من جهة غربية ” أمريكا ” . كما أشار هيكل فى نفس الحديث إلى أن صحيفة جيروزاليم بوست الاسرائيلية نشرت تقريرا للمخابرات الأمريكية جاء فيه أنه يكفى السادات 10 سنوات وليترك الحكم لمبارك ! ولا تعليق فيكفى أن نلاحظ أن مصائر مصر يتم بحثها فى طهران وواشنطن وتل أبيب . بل تؤدى المشاورات إلى تنفيذ اقتراحات الأجانب فى أمر من المفترض ألا يعنيهم وأنه يمثل ذروة السيادة والأمن الوطنى المصرى .
حصانة للمخابرات الأمريكية
فى العام الأول لتولى حسنى مبارك للحكم أصدر قرارا جمهوريا يبيح للمخابرات الأمريكية العمل على أرض مصر ويعطيها الحصانة . لذلك تلاحظون أنه لم يصدر عن النيابة العامة طوال عهد مبارك أى قرار بإتهام أى شخص بالعمل لصالح المخابرات الأمريكية أى على مدار 30 سنة . وجدت قضايا تجسس ضد عملاء لاسرائيل ولكن لم توجد ولا قضية واحدة ضد المخابرات الأمريكية . وحتى عندما صدر قرار إتهام من النائب العام ضد سعد الدين ابراهيم بالتعامل مع المخابرات الأمريكية وأعلنه فى مؤتمر صحفى تم تعديل الاتهام فى اليوم التالى إلى تهمة تضليل الاتحاد الأوروبى بمعلومات كاذبة ! فلا بد أنه تم تنبيه النائب العام لهذا القرار الجمهورى القديم . توقيت صدور هذا القرار يهمنا فقد صدر فى العام الأول لحكم مبارك . فهو منذ اليوم الأول وهو يعرف كيف تكون العلاقات مع أمريكا . وبعد ذلك تتابعت قرارات استراتيجية خطيرة فى بداية الثمانينيات من القرن العشرين بدون عرض على مجلس الشعب أو أى جهة وبدون إعلان ، كحق استخدام الطائرات الأمريكية الحربية للمطارات المصرية .
السيطرة الأمريكية على القرار السياسى المصرى يمكن كتابة مجلدات فيها ، وكنت أتابعها فى جريدة الشعب الورقية فى مقالات أسبوعية ، ولكن أكتفى بما سبق لتوضيح أن السيطرة على الحاكم هى المدخل السحرى للسيطرة على الاقتصاد ومقدرات البلد ككل . ولكن لا شك أن ذلك يتم عبر آليات وتأسيس لسياسات عليا . وهذه قوانين طبقت مع مصر وكل البلدان التابعة والدائرة فى الفلك الأمريكى فى آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية. كما سنوضح تاليا .
يتبع
الحلقة 96 من دراسة المشروع العربى الاسلامى
magdyhussein.id
