أكذوبة صناعة التوكيلات : كيف يقضى الاستثمار الأجنبى على الصناعة الوطنية؟ وكيف حولت الخصخصة المصانع إلى مساكن ؟ – بقلم مجدى حسين

صناعة التوكيلات

لا نقدم صورة متشائمة إلا فيما يتعلق ببلاد العرب وافريقيا وقد أشرنا لتعدد المراكز الصناعية فى العالم الآن فى آسيا وأمريكا اللاتينية .

سياسة دعم المركز الصناعى الغربى اختلفت عن القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، فلم يعد من الممكن مثلا تصدير 7 مليارات من زجاجات كوكاكولا كل يوم ، فهذه عملية غير اقتصادية أو غير ممكنة . كما أن الاعتماد على انتاج كل السلع على الأرض الغريبة لن يحقق الغزو المطلوب ، ولن يحقق الاستيعاب والاشباع الاستهلاكى للمليارات من البشر . وبالتالى لابد من إقامة مصانع الكوكاكولا فى كل البلدان لتغطية استهلاك كل دولة على حدة أو لتغطية عدد من الدول المجاورة. ومن هنا نشأت صناعة التوكيلات والتى يتم من خلالها خداع الناس ، فتقدم كل هذه السلع على أنها وطنية انتجت على أرض كل بلد ، ثم يكتب بخط رفيع جدا لا يكاد يقرأ أو يقرأ بمجهر : بترخيص من شركة كذا الأجنبية . وبعض هذه الشركات مشهور وبعضها غير مشهور . وأحيانا يتم وضع اسم جديد للمنتج حتى ينسبوا هذه الانجازات للوطن لإشعار المواطنين أن صناعتهم الوطنية تتقدم ، وأيضا لإرضاء الحكام حتى ينسبوا هذه الانجازات لخطط التنمية . ولكن هذه الشركات تحصل على كل الأرباح وقد تدفع ضرائب بسيطة أو لاتدفع . ففى بلادنا وفى بداية الانفتاح الاقتصادى فى عهد السادات ولتشجيع الاستثمار الأجنبى تم إعفاؤه من الضرائب لمدة 5 سنوات فى المناطق الصناعية الجديدة ولا أدرى كيف تطورت القوانين فى هذا المجال ولكن فى ذلك الوقت كانت الشركات تغير اسمها وترخيصها فى هذه المناطق كل 5 سنوات حتى لا تدفع الضرائب ابدا ! هذه الشركات تحول أرباحها إلى الخارج ، وهى تدفع للعمال الوطنيين أقل بكثير مما تدفع فى بلادها الأصلية ، وإذا قامت بالتصدير فالأرباح لها ولا تستفيد الدولة المضيفة إلا قليلا . أهم استفادة تكمن فى تشغيل بعض العمالة الوطنية ، وهى شركات عموما قليلة الكثافة فى العمالة لأنها تنتج موادا استهلاكية وتقوم بصناعات خفيفة أو تجميعية .

شركات التوكيلات لا تضع فى البلاد خميرة لتوطين أى تكنولوجية صناعية أو لتراكم أى خبرات صناعية ، فهى مصانع تركيب وتجميع . مصانع السيارات تركب أجزاء مصنعة فى الخارج ، وهى وسيلة ماكرة لتجنب الجمارك أو تقليلها إلى الحد الأدنى ، لأن استيراد السيارة كاملة من الخارج ضرائبه عالية مما يؤثر على سعر السيارة فى السوق . وبالنسبة للمشروبات كمثال آخر تأتى المادة الأساسية فى أقراص يتم تذويبها فى المياه دون إمكانية البحث فى تحليل مكوناتها ، فلا نأخذ خبرة ولا نعرف هل توجد مواد ضارة بالصحة. أو محرمة كشحوم الخنازير أو الخمور وهذا ما يحدث فى بعض الحلويات كالشيكولاته . وهذا ينطبق على صناعات مستحضرات التجميل : كريمات ، شامبو . أو بعض الأدوية . فالمكون الرئيسى

essence

يأتى من الخارج بإجراءات أمان دقيقة حتى يذاب فى مواد أخرى محلية لإخراج المنتج

وبالتالى إذا أخذ المستثمر الأجنبى عصاه ورحل فى أى أزمة سياسية أو اقتصادية تصبح البلاد عديمة الخبرة فى التخصص الذى ينتجه .

ورغم أن هذه الدراسة لا تركز على مصر وحدها ولكن كثيرا من الأمثلة من مصر بسبب معرفتى ومتابعتى . المواطن المصرى قد لا يدرك أنه لا يستهلك إلا منتجات أجنبية منذ الصباح الباكر حتى ساعة النوم مساء حتى وإن كتب عليها صنع فى مصر ، على أساس ما أوضحناه سابقا . من ذلك وليس هذا على سبيل الاعلان غير مدفوع الأجر ، بل فى إطار دعم حملة المقاطعة : أمواس الحلاقة ناسيت أو جيليت – أنواع معجون الأسنان – معظم أنواع صابون الاستحمام : لوكس – فا – كامى . أنواع الشابو مثل جونسون ، حتى المياه المعدنية تكون مستخرجة من مصر ولكن بإنتاج شركة الكوكاكولا أو غيرها . الشيبسى وكثير من أنواع البطاطس المقلية وكثير من أنواع الحلوى ، صابون غسيل الأوانى السائل ، ناسكافيه ، شاى ليبتون ، كثير من أنواع الشيكولاته عدا كورونا المصرية . معظم أنواع المياه الغازية وليس البيبسى والكولا فحسب لأن هناك أنواع كثيرة من انتاج الشركتين . كذلك شويبس البريطانية . لبان شيكلس – السجائر الأمريكية التى يصنع بعضها فى مصر والسيارات الأمريكية من جنرال موتورز التى تجمع فى مصر أو الجيب . كثير من أنواع البسكويت . وبعض هذه السلع تستورد من الخارج جاهزة ولكن اكتشفنا أنها تأتى من مصانع اقليمية متواجدة مثلا فى المغرب أو الامارات .

معظم القائمة السابقة هى سلع استهلاكية خفيفة ، وكان لمصر القدرة على انتاجها ويمكن أن تجود فيها ويمكن أن تتعلم مالا تعرف .

وقد جرت خلال عملية الخصخصة الكثير من العمليات الاجرامية حيث كانت

تتم عمليات بيع لشركات منتجة يقوم المشترى بهدم المصنع وإقامة مجمعات سكنية . وهذا حدث لمصنع الكوكاكولا قطاع عام فى مدخل الاسكندرية وحدث لمصنعى الالكترونيات والتلفزيون فى الاسماعيلية وحتى فى عملية تشجيع الاستثمار الأجنبى فلم يأت الاستثمار الأجنبى لينافس بشرف ، بل بمنتهى الجشع ، فقام مثلا بالاستيلاء على خطوط الانتاج الخاصة بما يملك من مال وحول الانتاج لأصناف ينتجها هو فوفر على نفسه بناء مصنع جديد . وهذا يؤكد أن مصانعنا الخاصة كانت جيدة . مثال واحد على ذلك : قيام شركة كادبرى العالمية للشيكولاته بالاستيلاء على خطوط انتاج شركة بم بم الخاصة للحلويات بدلا من إقامة مصنع جديد ، وكأن المقصود هو كتم أنفاس الصناعة الوطنية العامة والخاصة .

فلا يغرنكم دائما زيادة عدد المصانع والمناطق الصناعية ، فإذا لم تكن صناعات وطنية أصيلة فهى قشرة لا تساهم فى تطوير العمل الصناعى وإنجاز ليس تحت يد السيطرة الوطنية .

حاشية : فى الأدب الماركسى تسمى هذه الصناعات بالقطاع الكمبرادورى أو البرجوازية الكمبرادورية أى العميلة ، وهى غير مؤهلة لتطوير التجربة الرأسمالية الوطنية ولا التنمية المستقلة .

يتبع

الحلقة 101 من دراسة المشروع العربى الاسلامى

magdyhussein.id

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading