مبارك رفض زراعة القمح فى السودان خوفا من أمريكا وآل جور عنفه على زراعة القمح فى توشكى

ونعود مرة أخرى لتوضيح كيف نعيد بناء عالم من 3 دوائر ؛ السلام – الحرب – العهد . وما ندعو إليه هو تصور واقعى ومنطقى ولكنه يحتاج فى المحل الأول إلى حرية اتخاذ القرار ، أى استقلال كل دولة عربية واسلامية على حدة من الهيمنة الأمريكية . وبعد ذلك ستجدون أن تنظيم الاقتصاد على أساس الأمة العربية والاسلامية ” إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ” الأنبياء – 92

أمر ممكن وواقعى

أمر أكثر فائدة وأقرب للازدهار

وأكثر تحقيقا لمصالحنا الاقتصادية.

وكما أوضحنا فى مثال اللحوم سنجد الأمر كذلك فى شتى المجالات ، مع ملاحظة أن مافيا الاستيراد وإن حملت جنسيات عربية واسلامية إلا أنها جزء لا يتجزأ من منظومة الهيمنة الأمريكية ، هذه الهيمنة لا تستغنى عن بيئة الفساد ، لأن ارتباط المصالح المالية لا يعرف المبادىء أو الأخلاق أو الاستقامة ، لا توجد مبادىء مشتركة تجمع بين المهرب والمستورد الفاسد والمستعمر إلا الأوراق النقدية الخضراء . كما أن المستورد الفاسد يعرف أنه يضر ببلده ولكنه يحقق أرباحا خيالية كافية لتقتل ضميره ، والمستعمر يعرف أن عمليات الفساد مهمة وأساسية لتوطيد أركان هؤلاء العملاء و يرى ضرورة حمايتهم من أى ملاحقة قانونية أو صحفية .

ولأننا بدأنا بالثروة الحيوانية فلننتقل إلى الزراعة . والمقصود هو إدارة بعض المناقشات الواقعية حول ضرورة إقامة مجتمع اقتصادى متكامل ومتعاون بين الدول العربية حتى قبل قيام دولة عربية موحدة أو اسلامية موحدة وأن هذا هو السبيل الأكثر نجاعة للجميع مع التأكيد فى نفس الوقت على أن مفتاح القضية يكمن فى الاستقلال السياسى عن الهيمنة الأمريكية .

الزراعة

تبلغ مساحة الأراضى القابلة للزراعة فى الوطن العربى حوالى 200 مليون هكتار ، والهكتار أكبر من الفدان ، أى ما يعادل 14 % من المساحة الجغرافية ، وهى أراض كافية لتوفير كافة احتياجات الوطن العربى الغذائية . ولكن فى إطار الرؤية العامة نجد أن الفجوة الغذائية العربية اتسعت اتساعا كبيرا منذ عقد السبعينيات من القرن العشرين من 15 مليار دولار عام 2005 إلى 25 مليار دولار فى عام 2007 ثم 41 مليار دولار عام 2008 .

أهم مجالات الفجوة الغذائية فى الحبوب والدقيق وتصل إلى 55 % فى عام 2008 – القمح58 % – الشعير 80 % – الذرة 65 % السكر 70 % البقوليات 44 % – الزيوت 63 % .

مما أدى إلى تفاقم العجز التجارى الزراعى الخارجى وتضخم المديونية لدى عدد من الدول العربية . ووصل استيراد المواد الزراعية إلى حوالى 47 مليار دولار عام 2007 لا تشكل الواردات البينية أى بين العرب إلا 11% ورغم أن الصادرات الزراعية العربية حوالى 14 مليار دولار إلا أن الصادرات البينية أى بين العرب 35 % منها .

حاشية :

ارتفع العجز التجارى الزراعى العربى عام 2020 إلى حوالى 74 مليار دولار- دراسة لمعهد البحوث الزراعية المصرى .

مع توفر الأراضى الصالحة للزراعة فى البلاد العربية فان هذه الفجوة غير مبررة اقتصاديا ، وتعكس حالة من الفساد العام للسياسات وحيث تخطط كل دولة لنفسها بشكل منفرد وتتعامل مع العالم الخارجى وحدها . ون أشهر المعلومات المستقرة منذ زمن أن السودان به 200 مليون فدان من أجود الأراضى الزراعية مع توفر الموارد المائية ، وأن الأراضى الصالحة للزراعة فى العراق لا تقل عن 40 مليون فدان ، وهذان البلدان كافيان لتغطية احتياجات العرب الغذائية مع فائض للتصدير .

مساحة الأراضى الصالحة للزراعة فى البلاد العربية وفقا للمتخصصين كافية لتحقيق الاكتفاء الذاتى العربى فى الغذاء ، ولا توجد أى ضرورة للسقوط فى فخ الاستيراد ومن ثم العجز التجارى ومن ثم الديون . ولكنها السياسات الفاسدة وفساد السياسيين فى ظل التبعية .

تحدثنا عن مافيا استيراد اللحوم وستجد عصابات موازية لاستيراد الحبوب والسكر وهؤلاء لا مصلحة لهم فى تطوير الزراعة وهم متنفذون بإمكانهم إيقاف أى مشروع زراعى يحقق الاكتفاء الذاتى على حساب حصتهم الاستيرادية . ولكن الموضوع أكبر من ذلك . ونجد أنفسنا نعود دوما لما بدأنا به أى إلى مسألة السيطرة السياسية لقوى الخارج . وإليك بعض القصص الموثقة من حقبة مبارك .

نظام الانقاذ السودانى فى مرحلته الأولى – البشير والترابى – كان فى حالة صحية عامة جيدة ومن ذلك اهتمامه بتحسين العلاقات مع مصر ورفعها إلى مستوى استراتيجى وأيضا مع ليبيا . وكانت فكرة المثلث الذهبى ” مصر والسودان وليبيا ” والتى نؤمن بها على وشك أن تصبح حقيقة . فالواقع ان توحيد العرب مرة واحدة من المحيط إلى الخليج أمر غير واقعى وغير ممكن فلابد من التدرج . وتلك الدول الثلاث مترابطة جغرافيا بدون أى انقطاع وتضم النيل وحضارة وادى النيل – والتقدم التقنى المصرى وخصوبة أرض السودان والمال البترولى الليبى مما يفتح الطريق لمشروعات تكامل تحول الدول الثلاث إلى قوة اقليمية كبيرة وفعالة ، وقطب مغناطيسى لتوحيد سائر العرب من المشرق والمغرب .

وحدث من ضمن مشروعات أخرى أن طرح السودان زراعة مليون فدان قمحا على أرضه بخبرة العمالة الزراعية المصرية وبتمويل ليبى ، ووافق القذافى ولكن عندما عرض المشروع على مبارك قال صراحة : أنتم عاوزين أمريكا تضربنا ! كان مبارك خبيرا فى شئون التبعية ويعرف ما الذى يغضب أمريكا بدون الرجوع إليها أو سؤالها . وقد تم وأد المشروع ، وحتى عندما طرحت الفكرة فى فترات متتالية كانت تضيع قبل أن تبدأ . ويؤكد ذلك القصة الخطيرة التالية لآل جور نائب الرئيس الأمريكى بيل كلينتون ، عندما جاء فى زيارة لمصر وهى القصة التى رواها د. أبو زيد وزير الرى السابق بعد ثورة 2011 ، رواها بلا خوف !

كان أبو زيد كوزير للرى هو المسئول عن مشروع توشكى ونظم زيارة لآل جور ليرى هذا المشروع العملاق . فى اليوم التالى للزيارة تلقى أبو زيد مكالمة هاتفية من مبارك لتوبيخه على ما قام به من جولة لآل جور فى توشكى خاصة فى مناطق زراعة القمح وكيف أن آل جور عاد قلقا من هذا المشروع وعاتب مبارك عليه لأنه سيؤثر على صادرات أمريكا لمصر من القمح !

وكان قد وصل بنا الحال فى عهد مبارك أن أصبحنا المستورد الأول فى العالم للقمح الأمريكى والمستورد رقم 5 فى العالم للذرة الأمريكية . وألأمريكان عندهم من الوقاحة ليؤكدوا على أهمية استمرار ذلك وإن كان ضد المصالح الوطنية المصرية سواء من النحية الاقتصادية أو من ناحية الأمن القومى المصرى .

وقد حدث تأكيد لذلك عندما جاء وزير الزراعة الأمريكى فى زيارة نادرة لمصر لدعم سياسات يوسف والى ، وقد كانت زيارة غريبة وكأنها زيارة خاصة ليوسف والى وليس للحكومة المصرية ، حتى ان يوسف والى نشر تحركات وتصريحات الوزير الأمريكى فى صفحات اعلانية وليس فى إطار أخبار الدولة المعتادة . وكان من أهم تصريحات الوزير الأمريكى تأييده لسياسات يوسف والى الزراعية فى كل صغيرة وكبيرة وقال ان من أهم انجازات والى هى إلغاء الدورة الزراعية !! فى دراسة محمد على تحدثنا عن أنه هو الذى وضعها وتحدثنا عن فوائدها الجمة على الزراعة المصرية كما ونوعا حتى ان السفير الفرنسى أعرب عن إعجابه بها وقال فى رسالة رسمية لوزارته إن فرنسا تعلمت منها ونقلتها إلى أراضيها الزراعية .

الوزير الأمريكى سعيد بإلغاء الدورة الزراعية لأنها تنظم زراعة المحاصيل الرئيسية : القمح – القطن – البرسيم – الذرة – قصب السكر – الأرز الخ والوزير الأمريكى يريد وقف هذه المحاصيل الرئيسية التى هى عماد الاقتصاد المصرى والنظام الغذائى للشعب . وبالفعل فقد شجع يوسف والى التوسع فى زراعة الكانتلوب والفراولة وقال بمنتهى الصراحة : سنصدر هذه الفاكهة ونشترى بأموالها القمح ! وهى سياسة تخريبية من عدة زوايا . ولكن من المهم انه لم يحدث أى توسع فى تصدير الكانتلوب والفراولة فمات المشروع فى مهده وتوسعنا فى استيراد القمح . وزاد انتاج الكانتلوب إلى أكثر من احتياجاتنا المحلية حتى استخدم علفا للماشية . وزعم والى أن مصر خارج حزام القمح بينما هى أساس حزام القمح فى العالم ، وكانت مزرعة لكل الامبراطورية الرومانية فى مجال الحبوب . وظلت مصدرة للقمح حتى عهد محمد على .

وأيد وزير الزراعة الأمريكى إلغاء كل أشكال التسعير وترك السوق الزراعى حرا فى الانتاج والبيع والأسعار . وهذا تخريب وتلاعب بأقوات الشعب ، ولا نزال نعانى منه حتى الآن – 2017

قصة سيدنا يوسف مليئة بالدروس الاقتصادية . ومن أهم ما تشير إليه هو أهمية فكرة التخطيط وتدخل الدولة الضرورى فى شئون الاقتصاد ، وقد جرت فى مصر التى تتسم بالأرض الزراعية المحدودة ومحددة المساحة القابلة للعيش داخل الدلتا والوادى ولها مورد مائى واحد أساسى ” نهر النيل وفى بلاد كهذه وحيث يوجد عدد كبير من السكان فى الوادى ، فإن الزراعة لايمكن أن تكون لعبة لمضاربى الأسواق بل إن تدخل الدولة فى نظم الرى والزراعة منذ فجر التاريخ كان ضروريا وواجبا ولا يزال حتى الآن ، وحتى بعد بناء السد العالى لايمكن ترك المزارعين يزرعون الفواكه ولا يغطون احتياجات الشعب من القمح وباقى الضروريات . وإن جاز فى الولايات المتحدة ترك الزراعة حرة فى أراضى من عشرات الملايين من الأفدنة فإن التنوع سيأتى بصورة طبيعية ويغطى معظم الاحتياجات الضرورية . أما إذا وقع المزارعون حتى فى أمريكا فى توجهات خاطئة فيما يتعلق بالمحاصيل الرئيسية فإن الدولة تتدخل بالحوافز أو العقوبات لضبط الأمور .

والحديث متواصل عن معركة تحرير الزراعة من السيطرة الامبريالية .

يتبع

الحلقة 112 من دراسة المشروع العربى الاسلامى

magdyhussein.id

magdyahmedhussein@gmail.com

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading