الوحدة .. الاستقلال .. النهضة – 2- كيف نحقق الوحدة الوطنية والسلطة ترفض المشاركة الشعبية ؟ – بقلم مجدى حسين

هناك فجوة أو أزمة تواصل بينى وبين بعض الجمهور المتابع ، فكلما دعوت للحوار بين كل الأطراف تصور البعض أننى أروج للحوار مع الحكومة لضعف ألم بى بسبب السجون الطويلة ، ونفر البعض الآخر من فكرة الحوار مع كل من شارك فى 30 يونيو ، وطبعا بعض المشاركين فى 30 يونيو يرفضون الحوار مع الآخرين ومع أى اسلاميين وليس مع الاخوان فحسب .

الفجوة والاستغراب يزدادان عندما أدعو لأكثر من الحوار .. أدعو لجبهة وطنية جامعة لكل الأطراف الوطنية ضد النفوذ الأجنبى المتغلغل فى البلاد . وبالتأكيد فإن دعوتى للحوار تستهدف الوصول إلى هذه الجبهة المتحدة . فكيف ؟ هل هذه سذاجة ؟ أم حالة فقدان للواقعية ؟

الصراحة والاستقامة هى الطريق لحل هذه المعضلة . ولنأخذ المسألة بالتدريج المتصاعد نقطة نقطة .

أولا : تشخيص الأزمة الراهنة للبلاد وقد تحدثت عنها فى المقال رقم 1 . وجوهرها الوقوع تحت التبعية للحلف الصهيونى الأمريكى الغربى فهو السبب وراء كل المصائب الرئيسية : التى نعانى منه فى الاقتصاد والسياسة والتعليم والبحث العلمى والتشريع الخ . وأشير للاختصار للدراسة المحترمة التى دبجها الأستاذ عادل حسين وأخذت موافقة واحتراما من مجمل النخبة الوطنية وحصلت على جائزة من جهة علمية فى الكويت . واسمها الاقتصاد المصرى من الاستقلال للتبعية 1974 – 1979 . وهى من مجلدين كبيرين 1029 صفحة .

أزمة التبعية بدأت فى عهد السادات تحت شعار الخلاص من الحروب وأن مشكلات مصر ستحل بالعلاقة مع أمريكا ليس باستعادة سيناء فحسب ، بل سنحل كل مشكلاتنا الاقتصادية ، وسنحصل على السلاح الأمريكى لمحاربة الشيوعية – كما ورد فى لقاء السادات مع كيسنجر – رغم ان هذا لم يكن من أهداف الشعب المصرى ولا من أهداف حرب أكتوبر . المهم أن الأزمة بدأت فى عهد السادات وليس فى عهد 30 يونيو . ولكن لاشك نعانى من أعراض التبعية للأجنبى بصور مضاعفة فى الوقت الراهن . ولكن الأغلبية الساحقة من المعارضة والنخبة لا تتبنى هذا التحليل ، بل ترى ان الخلاص من التبعية لم يكن من أهداف ثورة يناير ، وهذا ما حدث بالفعل بسبب سيطرتهم على ميدان التحرير ومجريات الثورة . ورغم ان أى مواطن يدرك مسألة تبعية مصر لأمريكا ، ولكنهم أى الأغلبية الساحقة من النخبة يقولون ليست هذه هى مشكلة مصر الأولى ، وهذا يضعهم فى حالة اتفاق جوهرى مع نظام 30 يونيو . يقولون إن مشكلة مصر الأولى غياب الديموقراطية أو حكم العسكر أو الفساد. والغريب أنه من الحجج الرائجة : إن إسقاط التبعية مسألة صعبة وإلغاء كامب ديفيد من رابع المستحيلات . ولابد من إرساء الديموقراطية أولا ثم نبدأ نفكر فى موضوع أمريكا واسرائيل . وهى رؤية تؤدى إلى شطب الاهتمام بغزة ولبنان وهذه الهجمة الوحشية على الأمة من على رأس جدول أعمالنا لأن أولويتنا هى الديموقراطية . و أن نشطب من على رأس جدول أعمالنا كوارث صندوق النقد الدولى الذى يمثل بجسد مصر حية وهو لايريدها ميتة كما قال كيسنجر يوما ، ولكن هيهات أن يقتلوها .

ثانيا : سيقول لى محاورى : سأسير معك فى الحديث . ولكن الحكومة لا تريد الحوار مع أحد . ألم تر الحوار الوطنى كيف انتهى إلى لا شىء . بل انتهت المطالبة بتحسين شروط الحبس الاحتياطى إلى التوجه إلى إصدار قانون شامل للاجراءات الجنائية ما أنزل الله به من سلطان . فحتى الحوار الوطنى تحول إلى وبال . وقلت له : الحكومة أى حكومة آخر ما تحب الحوار فيه هو الديموقراطية ، لأن الديموقراطية تعنى أن تقلل من سلطتها بقدر ما تسمح بالمشاركة الشعبية . والمسألة لا علاقة لها بالعسكر ، ففى الأردن نظام مدنى ولديه انتخابات معقولة وحرية صحافة معقولة وكل شىء مسموح به إلا المساس بالملك . وفى المغرب نموذج مماثل . فهل حلت مشكلات البلدين ؟ فى هذين البلدين نجد أسوأ علاقة مع الكيان وأمريكا فهل هذا هو طموحكم يا سادة .

لا أقلل إطلاقا من أهمية الديموقراطية وإن كان لدى تصور لديموقراطية أفضل وهى الشورى فى الاسلام وشرحت ذلك فى كتاب : نظام الحكم فى الاسلام . ولكننى أوافق بالتأكيد على ديموقراطية الغرب بالمقارنة مع أى حكم للفرد . ولكن تظل حرية الوطن وتحرره من الاحتلال هى المبدأ الأعلى . وقد كان هذا وعى الحركة الوطنية قبل 1952 حيث لخصت أهدافها فى كلمتين : الجلاء والدستور . أضرب مثالا للتوضيح : أتصور ان أقرب الأحزاب الراهنة لمواقفى السياسية هو حزب التحالف الاشتراكى . ولكنه عندما أثار مشكلة حول اشتراكه أو استمراره فى الحوار الوطنى ربط ذلك بوضع مسألة الافراج عن المعتقلين على جدول الأعمال . كما ذكرنا فالحوار الوطنى لم يفض إلى أى شىء ولكننى أتحدث عن موقف الحزب . ألتقيت مصادفة بأحد الأعضاء القيادين فى الحزب وقلت له : كان من الأوفق أن تكون قضية مناقشة إلغاء كامب ديفيد أو مسألة التبعية الاقتصادية والسياسية هى القضية الأولى التى تشترطون وضعها فى جدول الحوار ثم قضية الافراج عن المعتقلين . طبعا لم أكن أتوقع الموافقة على ذلك ولكنها مسألة الأولوية عند أحزاب المعارضة الوطنية .

ثالثا : سيقول محاورى سأستمر معك . تقدمنا للحكومة عبر الحوار الوطنى أو غيره لطلب بحث مسألة العلاقات مع أمريكا واسرائيل ، ورفضت ماذا نفعل ؟ وكيف نتحاور معها ؟ هل نتحاور بالعافية ؟!

عندما ترفض الحكومة الحوار سنتحاور نحن معا كقوى شعبية أو حزبية أو نخبة أو مثقفين . وهذا يحدث لكن بشكل فوضوى وانتقائى ومبعثر وغير منظم : من خلال ندوات محدودة وصالونات ثقافية ووسائل تواصل اجتماعى . وهذا لم يؤد عمليا إلى أى تقدم أو تقارب بين الفرقاء . فالناصريون يفعلون ذلك معا ، واليساريون يفعلون ذلك معا ، والاسلاميون من غير الاخوان أكثر حذرا لأسباب أمنية ، أما الاخوان خارج السجن فمن الطبيعى أنهم يلتقون ويتحاورون بشكل شخصى واجتماعى أو هكذا أتخيل . أى أن كل طرف منغلق على نفسه . ويكفى أن أنشر بوست لشخصية ما أتفقت مع ما قالته فى موضوع معين ، حتى أجد تيارا يهاجم ذلك لأن هذه الشخصية كانت من 30 يونيو . وهكذا يكاد كل فرد وكل مجموعة يتمترس خلف أفكاره ومعارفه وأصدقائه ، ولم يدرك أحد أننا جميعا كنا مخطئين . فعندما تفشل الثورة ، تفشل لأن معظم القائمين عليها وعلى قيادتها كانوا مخطئين .

ولكن محاورى يعود ليقول : سأسير معك إلى نهاية الشوط . سيبدأ الفرقاء فى التحاور مع بعضهم بدون إذن السلطات سيتم القبض عليهم .

وأقول ، وهذا الحوار ليس حوارا افتراضيا بل حدث ويحدث بالفعل ولكن ليس مع شخص واحد بل العديد من الأشخاص من مختلف التيارات ، أقول : بداية إن أى انسان لابد أن يحترم نفسه ويعلم انه مطالب بأن يفكر فى مصلحة وطنه وأن يسعى للاصلاح ولا يفكر فى العواقب . انه فعلا يقوم بعمل مشروع ، يتحدث بما يؤمن به ويرى فيه الصالح العام . وأنا أتحدث هنا على من يدعى انه سياسى أو حزبى أو مثقف ولا أتحدث عن المواطن العادى وسيأتى الحديث عنه فى موضع تال . ومع ذلك لا أتصور أن الحكومة ستقمع أى لقاءات سلمية تتسم بالبحث النظرى والفكرى وتدرس مشكلات الوطن وتجتمع فى نادى أو مقر حزبى أو نقابة وهذا يحدث بالفعل ولكن كما ذكرت مبعثر انتقائى فى شكل جزر معزولة . وهو شكل لا بأس به فى البداية ولكن لابد أن يأخذ أشكالا أكثر تبلورا وتنظيما ليصنع مجرى تفاعليا واحدا ، كالتقاء روافد الأنهار بالنهر الكبير . وكل هذا لن يكون له قيمة كبيرة إذا لم يغلب عليه الطابع الشبابى فكلما صغر السن كان أفضل .

هناك قانون طبيعى يمكن أن يساعد على هذا التفاعل الصحى : فمن ناحية الحكومة تشارك فى الحوار عمليا من خلال متابعة ما تنشره القطاعات الشعبية وهذا يظهر بوضوح على النت ، وأحيانا تتراجع الحكومة عن بعض قراراتها بسبب هذه المعارضة الالكترونية . ويجب ألا نيأس من رفض الحكومة للحوار فقد ترى من المفيد لها أن تفعل ذلك فى وقت لاحق . ولكن القانون الطبيعى الأهم أننا كنخبة عندما نركز اهتمامنا على الأخطار الخارجية وهى حقيقية وواقعية ، فهذا يقلل من توتر وقلق السلطات . ونحن لا نتجه لذلك إلا عندما نكون مقتنعين بهذا التحليل الذى أطرحه وليس هروبا من المتاعب . عندما نكون مقتنعين بأن هذه – أى مسألة التبعية – هى الأولوية .

يقول محاورى عندما يجد أنه وضعنى فى خانة اليك : أليست الحكومة جزء لا يتجزأ من السيادة والسيطرة الأجنبية .

أقول : لاشك أن القوى الأجنبية المعادية تجثم على صدر الحكومة وتفرض عليها ما تفرضه . ولكن عندما يرى الحاكم أن القوى الشعبية رافضة لهذا التدخل ، ولا تتجه لتستقوى بالخارج فيما يسمى ملف حقوق الانسان ، ولا تستهدفه هو بشكل شخصى ، فقد يعيد ترتيب أولوياته ، وحتى إذا لم يفعل فإنه لن يكون حانقا على المعارضين ، بل يستفيد منهم فى تحسين شروطه وهذا ما كان يفعله مبارك .

وأضرب مثالا للتوضيح : عندما سمحت السلطات بالتظاهر من أجل غزة فى بداية الأزمة ، قام بعض المتظاهرين باستغلال الفرصة لتحويل المظاهرة من مناصرة غزة إلى مناهضة الحكومة وقد سمعت الشعارات ولم يكن هذا مناسبا ولا مفيدا لقضية غزة . لقد تم إرسال رسالة واضحة للحكومة اننا سنستغل هذه المظاهرات لمهاجمة الحكومة . وقد تكون الحكومة كانت تنتوى الاكتفاء بالتظاهر ليوم واحد . ولكن ما كان للحركة الشعبية أن تبدد هذه الفرصة لإبقاء جذوة قضية غزة مشتعلة . وفى هذا الصدد لابد من تحية شباب وشيوخ التيارين الناصرى واليسارى لما قاموا به من وقفات رمزية قدر الطاقة فى الشهور الأخيرة .

إننا نعرض على الحاكم عرضا منصفا .. وصفقة قد تكون مغرية .. لن ننازعك فى الحكم ولكن أقطع العلاقات مع اسرائيل وأدخل المساعدات لغزة . واذا رفض سنظل نطالب بها . وليس بالضرورة أن تكون المظاهرات هى الوسيلة الوحيدة . فماذا لو تمكنا من جمع ملايين التوقيعات على عريضة تطالب بإلغاء كامب ديفيد ؟

.قال محاورى : سيلقى القبض عليك لأنك تدعو لذلك وكل من يوقع على هذه العريضة . سيرون أنك تضحك عليهم وتتذاكى وأنك تستهدف الحاكم فى النهاية . وسيقولون من أنت ومن أنتم ؟ كى تنازعوا الحاكم فى سلطانه .

قلت : لم أقل لك إن هناك طريقا آمنا للجهاد ، حتى الجهاد بالكلمة ، ولكن إعلاء كلمة الله وإعلاء كلمة الحق لن يكون بدون معاناة . وهذا يحتاج إلى مقال ثالث

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading