- مجدى حسين( الثورة السورية المغدورة 4)
أعلم ان القارىء ليس له ثقل على القراءة فى الاقتصاد وهذا العيب منتشر أكثر بين الاسلاميين والمتدينين عموما وأنا اقاوم ذلك الميل ، لأنه بدون فهم الأمور الاقتصادية يصبح من العسير فهم الأمور العامة التى تجرى فى المجتمع . وقد يقال أن الاقتباس الطويل السابق من دراسة السيد شكيب كانت دسمة وثقيلة . ولذلك أعود إلى تبسيط الأمور فى موضوعين ضروريين فى التنمية الاقتصادية فى بلادنا : الاعتماد على الذات والاكتفاء فى السلع الضرورية + الميزان التجارى .
أولا : السلع الغذائية :
تقول ورقة بحثية لمركز كارنيجى للشرق الأوسط :
قبل انتفاضة آذار/مارس 2011، كانت سورية البلد الوحيد في المنطقة الذي كان مكتفياً ذاتياً في مجال إنتاج الغذاء، ولاسيما المحاصيل الزراعية الأساسية مثل القمح والشعير. وقد تحوّلت سورية حتى إلى مُصدِّر إقليمي قبل أن يُجبِرها جفافٌ كبيرٌ بين العامَين 2008 و2009 على استيراد كميات كبيرة من القمح للمرة الأولى منذ سنوات عدة.
يُشار إلى أن سورية كانت أنتجت في السنوات التي سبقت الانتفاضة، محاصيل أكثر بفضل التحسينات التي أُدخِلَت على ممارسات إدارة الأراضي والمحاصيل، التي ساعدت البلاد على جذب الأسواق الرئيسة في البلدان المجاورة والخليج.
شهد القطاع الزراعي في سورية استثمارات عامة وخاصة كبيرة في التقنيات والبنية التحتية الزراعية الحديثة وسريعة النمو قبل اندلاع الأزمة في العام 2011. ففي شمال شرق سورية، كانت السلطات قد بدأت تستثمر في الري بالرشّ في العديد من المشاريع الأكبر حجماً التي تديرها الدولة، كما كان الحال في بعض الاستثمارات الخاصة الكبيرة.
( انتهى الاقتباس من كارنيجى )
وفى دراسة لصحيفة عمان نقرأ التالى :
سوريا كانت قبل عام 2011 بداية الحرب، من الدول المكتفية زراعيا من هذه المادة ( القمح )، بل وتصدر قسم لابأس به إلى عدة دول عربية واجنبية، وتملك مخزونا استراتيجيا يكفيها لخمس سنوات على الأقل بحسب وزارة الزراعة، تضطر اليوم بسبب الحرب التي انهت عامها التاسع إلى استيراد القمح من الدول الصديقة مثل روسيا وايران وغيرها، واستوردت من روسيا مايقارب 1.5 مليون طن، هذا العام كون غالبية الأراضي التي تزرع بالقمح تقع خارج سيطرة الحكومة السورية.،
ووفق التقديرات الرسمية بلغ متوسط إنتاج القمح قبل عام 2008 أربعة ملايين طن، تكفي لحاجة الإنتاج المحلي ويصدّر الفائض إلى الدول العربية.
ومنذ عام 1994 وحتى 2008، كانت سوريا تصدّر القمح إلى دول الجوار، وكانت تؤمّن حاجة الأردن من المادة بشكل كامل، في حين كانت تؤمّن جزءًا من حاجة مصر وتونس، إضافة إلى تصدير القمح إلى أوروبا وخاصة إيطاليا من أجل إنتاج المعكرونة بسبب نوعية القمح السوري الجيدة، أما في العامين 2009 و2010 فتراجع الإنتاج واكتفت ذاتيًا دون تصديره بسبب الجفاف الذي ضرب سوريا ولكن المخزون الاستراتيجي الذي يكفي لخمس سنوات بقي على ماهو عليه.
ثانيا : الميزان التجارى :
وهو من أهم المؤشرات البسيطة التى تعكس الحالة العامة للاقتصاد وهو الميزان بين الصادرات والواردات ، فالصادرات تعكس قدرة الاقتصاد على الاكتفاء وتوفر امكانية للتصدير . والبيانات الرسمية السورية وغير السورية تؤكد أن الميزان التجارى السورى حقق فائضا فى الأعوام 2000 حتى 2003 ولم أسمع يوما عن فائض تجارى فى مصرفى الفترات المماثلة ولا قبلها ولا بعدها . أقصد ان بعض المؤشرات السابقة تقول إنه النظام الاقتصادى السورى لم يكن فى أزمة مستحكمة .
الأوضاع الديموقراطية
الحالة الديموقراطية فى سوريا لاتحتاج لبحث طويل ، فهناك حالة من التعارض التكوينى بين المصطلحين : الديموقراطية والبعث السورى . ولكن اذا حولنا مسألة تناول الحريات إلى درجات نسبية ، فقد شعر الجميع وقال لنا كثير من المعارضين إن عهد بشار يختلف عن عهد حافظ ويساعد على ذلك أنه لم يكن طرفا فى الصراع السياسى بل لم يعمل فى السياسة أصلا وكان يدرس فى لندن استعدادا للتفرغ للعمل كطبيب . أصبحت حالة الخوف غير موجودة وأصبح الناس يتحدثون بحرية فى منتديات خاصة ، وبعض الأحزاب القومية والناصرية واليسارية غير المعترف بها رسميا أصبح أعضاؤها يلتقون بسهولة لتدارس الأحوال السياسية العامة ، وأصبحنا كزوار لدمشق نلتقى معهم بدون حرج . ولكن بعض العناصر القومية واليسارية لم تكتف بذلك وكانت أحيانا تصدر بيانات سياسية تحمل نوعا من المعارضة وتقوم بتنظيم وقفات فى مناسبات معينة وسط العاصمة دمشق على طريقة حركة كفاية فى القاهرة ، ولكن التسامح معها لم يكن بمستوى التسامح الأمنى المصرى . وكانت أحيانا تضرب هذه التجمعات وتفرق ويعتقل البعض لأيام أو أسابيع أو شهور ، وكانت المعاملة فى السجون أكثر خشونة بالمقارنة مع مصر . ولكن كان هؤلاء يخرجون من السجون ويمارسون قناعاتهم ويواصلون . ولكنهم كانوا ينحون إلى المنحى الليبرالى . كنت أعرف بعضا من هؤلاء وتضامنت معهم فى حدود طاقتى والتقيت بأحدهم بعد خروجه من السجن ولكنى فوجئت بتحوله من ناشط قومى عربى إلى ليبرالى غربى . لاحظت أن منظمات حقوق الانسان الغربية ومايسمى منظمات المجتمع المدنى تنشط مع هؤلاء وتساعدهم وتكتب عنهم وتوفر لهم محامين . وكانت هذه بذرة إختراق النخبة السورية بالأموال والدعم الاعلامى والدبلوماسى والسياسى . وهى خطة موحدة ليس للعالم العربى وحده بل لكل الدول المستهدفة بالاختراق من أجل إسقاطها فى حبائل التبعية أو تعزيز وتعميق التبعية إن كانت قائمة أصلا . وستتحول هذه البذرة إلى شجرة الزقوم طعام الأثيم ولكن فى الدنيا . كيف ؟ وإن كان هذا يسبق الأحداث كثيرا ولكن لايمكن عدم الربط فى هذه اللحظة . فى عام 2012 فى شهر فبراير اجتمعت أكثر من 60 دولة فى تونس وشكلت مجموعة عرفت باسم أصدقاء سوريا بقيادة الولايات المتحدة وبعد قليل أصبحت مائة دولة .( مذكرات هيلارى كلينتون – خيارات صعبة – إ للنشر والتوزيع – بيروت ) وإن كانت هذه المعلومات نشرت مرارا فى الصحف السيارة وكل وسائل الاعلام لأن مجموعة أصدقاء سوريا لم تكف عن الاجتماع . وسنأتى لذلك بالتفصيل ولكن ما نريد أن نوضحه وهذه نصيحة لكل الوطنيين والاسلاميين العرب أن ما يسمى منظمات المجتمع المدنى التى لاتستهدف الربح والتى لاتحصل على أى دعم حكومى غربى هى فى أغلبيتها الساحقة ونقصد تلك المنظمات وفيرة الأموال ، تعمل بتوجيه حكومى مخابراتى أمنى لدولها ولخدمة السياسة الخارجية لهذه الحكومات ، مع الاخراج الذكى الواجب . وإلا فإن مثل هذه المنظمات لاتستطيع أن تقدم ميزانية مقنعة للتبرعات التى تحصل عليها من أهل الخير فى الغرب لتبرير ما لديها من ملايين . بل فعلا تقوم شركات بتمويل هذه المنظمات بموافقة الدولة . وهذا لايعنى عدم وجود مجموعات صادقة من اليساريين وأنصار السلام والبيئة وأنا أعرف بنفسى بعض هذه المجموعات وبعض قياداتها . ولكنهم متواضعوا الامكانيات على قدر إخلاصهم لمبادئهم ، وتواضع امكانياتهم من أهم علامات صدقهم . أما المنظمة الغربية التى تدفع مليون جنيه مصرى لمثقفة يسارية مصرية من أجل مشروع اجتماعى أو ثقافى ( وهذا مثال حقيقى ) لايمكن أن تكون من هذه المجموعات القليلة الصادقة . هذه المنظمات الكبيرة الممولة والمتمولة هى التى أقصدها وهى التى أحذر منها ويمكن اكتشافها بسهولة من أهدافها ولكن رنين المعادن الفضية والذهبية يأخذ بعقول المثقفين الآن . كما أفقدت 17 قطعة معدنية رومانية عقل يهوذا فأبلغ عن مكان المسيح حسب رواية الكتاب المقدس .مهما كرهت نظامك الوطنى ومهما فعل بك فلا تبيع نفسك للشيطان . واذا تكاتفت الأمة كلها من أجل إصلاح البلد فإنها ستنتصر على أعتى الطغاة والأمثلة لاحصر لها .
شرارة تونس تعم المنطقة
كما ذكرنا فإن شرارة الثورة العربية التى انتقلت من تونس إلى مختلف أرجاء الوطن العربى ، وصلت إلى سوريا ، وكان لابد أن تصل . فالناس لديها أشواق عميقة للحرية ، وليس بالخبز وحده يحيى الانسان ، بل الحقيقة فإنه لاتوجد ماتسمى ثورة الجياع التى يروج عنها المثقفون السطحيون الذى سيطروا على الاعلام وعلى التوك شو .
. فالثورة لها أسباب عميقة سياسية واجتماعية مركبة ، أما المعاناة الاقتصادية وحدها فيمكن أن تؤدى إلى مظاهرات أو اعتصامات أوانتفاضات وهى دون الثورة . بدأت المظاهرات فى جنوب سوريا فى منطقة درعا وكان المحرك المباشر لها مطلب قديم ومشكلة قديمة وهى رفع القيود عن حقوق التملك فى المناطق الحدودية . بعض النظم تضع عراقيل أمام حقوق ملكية الأرض فى منطقة الحدود لأسباب أمنية . ومصركان لديها مشكلة قريبة من ذلك فى سيناء . واندلعت المظاهرات تطالب بهذا المطلب . والنظام السورى لايعرف ولا يقبل هذه الممارسة ، فقمع المظاهرات بقسوة شديدة ، وبدأت الأمور تتفاعل وتتصاعد وانتقلت إلى مناطق الشمال السورى . وتركزت مطالب المظاهرات فى هذه المرحلة على مطالب الحريات وبالأخص تغيير نص الدستور الذى يحظر تأسيس الأحزاب السياسية باعتبار أن حزب البعث العربى الاشتراكى هو الحزب الشرعى الوحيد . واذا تمتع النظام بالذكاء الكافى لتفاعل مع هذه المطالب الجزئية وامتص الغضب بتكلفة أقل بكثير ، كما فعل النظام المغربى ونظام سلطنة عمان . ولكنه واصل ضرب المظاهرات بوحشية وباستخدام الرصاص . ( فيما بعد وافق النظام على تعديل الدستور فى هذه المادة وأكثر ولكن المعارضين رفضوا ) ولابد أن نؤكد أن كل الأنظمة استخدمت القوة والرصاص فى كل الثورات العربية ، بل كقاعدة عامة فى مختلف ثورات العالم . ولكن معدل النظام السورى بالمقارنة مع النظم العربية الأخرى كان أعلى . فى تلك المرحلة كانت لى زيارة لدمشق لحضور أحد المؤتمرات العربية وكان فى برنامجى محاولة عقد لقاء مع خالد مشعل زعيم حماس المقيم بدمشق على أساس أننى يمكن أن أفهم منه حقيقة الأوضاع . أثناء خروجى من الطائرة فى المطار كنت أتطلع حولى وقد نشطت قرون الاستشعار جميعا ، ففى زمن الثورات تكون المشاهدات البصرية مهمة لالتقاط كل ما يساعد على فهم الأجواء العامة . فى المطار لم ألحظ أى شىء غير عادى . فى تلك الآونة لم تكن هناك سوى أربعة دول لاتطلب من المصرى تأشيرة مسبقة : سوريا – الأردن – اليمن – ليبيا . عادة لا ينتظرنى أحد من أى جهة رسمية أو غير رسمية فى المطار وأشعر بالألفة فى سوريا بشكل حقيقى أكثر من أى بلد عربى لامتزاج طبائع الشعبين . وكانت تواجهنى مشكلة فى مطار دمشق عندما يكون مكتوبا فى جواز السفر صحفى . وهذه من العلامات المميزة لنظم الاستبداد وهو القلق من الصحفى . كانت هناك قاعدة فى الجوازات وهى عدم إدخال الصحفى للبلاد قبل الاستعلام عنه مع الجهات المختصة ، ولكن كل مرة كانت تأتى الموافقة الشفوية بعد وقت غير طويل ، ولكنه أمر يشعرنى بالضيق ، ويذكرنى أننى مطلوب دائما فى مطارات العالم وعلى رأسها مطار القاهرة ! ومرة فى مطار عمان تم احتجازى فى أحد المكاتب وتعرضت لتحقيق مع ضابط أمن كبير وتم إبلاغى بمنعى من دخول البلاد وترحيلى على نفس الطائرة التى أتيت على متنها من القاهرة . وفى هذه المرة فى مطار دمشق لم يختلف الأمر عن المرات السابقة . وخرجت من المطار ليلتقطنى أحد سائقى الأجرة ، وننتقل إلى الفندق . وأثناء الطريق من المطار للفندق وهو طويل نسبيا لم أرد التحدث إلى السائق فى شىء وأعلم أن الأمور حساسة . ولكنى لاحظت على طول الطريق وحيث توجد حدائق ومساحات نجيلة تفترشها الأسر لتمضى يوما من الترفيه والاسترخاء ، وكان اليوم يوم جمعة . وقد مر قرابة شهرين على اندلاع الثورة . قلت لنفسى هذه ليست أجواء الثورات . وعلمت فيما بعد أن دمشق التى يقطنها أربعة ملايين ونصف المليون ( المقصود دمشق الكبرى ) أغلبيتهم الساحقة من العرب والسنة ، دمشق هذه لاتزال هادئة وأن الانتفاضات الشعبية فى الاقاليم . ولعل المقصود هو دمشق الصغرى . وقد يتعجب أحد ويقول لماذا تقول أن معظم أهالى دمشق من العرب أليست كل سوريا عربا . المقارنة مع مصر غير صحيحة فى أشياء كثيرة ومنها هذا الجانب . فيوجد من أهالى دمشق 4 % أكراد بالاضافة لأرمن وألبان وشركس وتركمان وآشوريين . بعض هذه العناصر موجودة فى القاهرة ولكنها مندمجة تماما ولا تشعر بها لأنها لاتتركز فى أماكن معينة ولا تبقى على حالها بل تكاد كلها تصبح مصرية .
فى البداية لابد من الاتصال بالأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحماس فى ذلك الوقت لأنه مشغول بطبيعة الحال حتى أعطيه فرصة لتحديد موعد وأنا لا أبقى فى دمشق الا لأيام قليلة ، وقد كان كريما معى دائما ، ومهما كانت مشغولياته فقد كان لابد أن نلتقى ولو فى لقاء قصير . وهذا ما حدث فى هذه المرة رغم أننى كنت فى أمس الاحتياج لحوار طويل حول أوضاع سوريا ، وهو مقيم فى دمشق منذ سنوات وعلى دراية كبيرة بالأحوال السورية . ولكن مع الأسف كان من أقصر اللقاءات وإن كان من أهمها . حتى حوارنا لم يكن فى غرفة الاجتماعات المعتادة ، وكان يتابع أمرا فى غرفة أخرى . كان فحوى اللقاء أننى أدركت أن مشعلا وبالتالى حماس فى ورطة شديدة . فقد كانت علاقتهم بالنظام السورى قوية . وكان النظام لا يتأخر عنهم فى أى شىء كما سنوضح . وتصور النظام أنه يمكن أن يستفيد من هذا الرصيد فى أزمته . وطلب من خالد مشعل التوسط مع القيادات الاسلامية التى ظهرت لتقود التحركات والمظاهرات فى مختلف الأقاليم لما لحماس من وزن وهيبة واحترام بين الاسلاميين . ولكن الغريب أن النظام طلب من حماس التدخل لتهدئة الأوضاع دون أن يقترح أى حلول أو اقتراحات لكسب الناس . قال لهم خالد مشعل : إن أحدا لن يستجيب لى مهما كان تقديره لحماس إذا لم يكن هناك اقتراحات وحلول لمطالب الناس ، وحتى لو جاءهم نبى ليهدئهم لن يستمعوا له اذا لم تحدث أى استجابة لمطالبهم . شعرت أن حماس تقترب من أزمة مستحكمة مع النظام السورى . شعرت أن حماس مضغوطة بين علاقتها بالنظام ومايقدمه للقضية الفلسطينية وبين التيار الاسلامى والشعب السورى . وبسرعة شديدة وخلال وقت قصير وكنت أعلم أن ظروف الأخ مشعل لن تسمح إلا بدقائق قدمت له اقتراحا . ماهو ؟ وهل نجح فى أيجاد مخرج لسوريا ولا أقول لحماس ؟ ( يتبع )
