حسن القبانى – مجلة المجتمع
تثار بين حين وآخر إشكاليات حول أسس التحالفات السياسية في الإسلام، وأوجه التوازن بين المصلحة السياسية والموقف العقدي، وهو ما وضحه علماء شريعة وفقه وسياسة شرعية تحدثوا لـ”المجتمع”، منطلقين من أبعاد القضية الفلسطينية، وما يطرحه البعض من تساؤلات وآراء، حول تعاون المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع إيران في مواجهة العدو الصهيوني.
في البداية، يوضح أستاذ العلوم السياسية د. سيف الدين عبدالفتاح، في حديث لـ”المجتمع”، أن مثل هذه النقاشات، تحمل بعداً معقداً متداخلاً مركباً، ولذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال التعامل معها بصورة مختزلة، موضحاً أن الاختزال في هذا الباب أمر خطير.
ويضيف د. عبدالفتاح أنه من الناحية المنهجية، يجب إيلاء الاعتبار للسياقات الواقعية، وبناء على ذلك، فإن تعامل المقاومة مع ما يوصف بالجانب الشيعي الإيراني، ومعاونيه ممن يرتبط بالنظام الإيراني، يجب التوقف عنده كثيراً، فإذا كانت التحالفات يمكن أن تحدث مع دول غير مسلمة، وتكوينات غير مسلمة، فمن باب أولى أن تحدث مع دول مسلمة وتكوينات إسلامية، خاصة أن مسألة الشيعة، مختلف عليها في التكفير، الذي يجب أن يحتاط فيه بشكل كبير، كما أن طرح تحالف إيران و”حزب الله: مع نظام بشار البائد، في هذا السياق، يمكن أن يدخل من الأمور التقديرية المختلف عليها، رغم أن بعض السوريين يجدون في ذلك غضاضة ولكن لا بأس.
د. عبدالفتاح: التحالفات إما ضرورية أو إستراتيجية.. ونقاشاتها معقدة ومتداخلة
ويوضح أن المقاومة في حالة ما يسمى “تحالف الضرورة”، مشيراً إلى أن التحالفات إما إستراتيجية أو وقتية تحث عليها الضرورات، التي يحكمها قواعد الضرورة في الشريعة الإسلامية، ومنها أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرورة تقدر بقدرها مكاناً وزماناً وإنساناً وأحوالاً، ومن هنا وجب علينا النظر في هذا الأمر من هذه الزاوية، خاصة أن الدول المسماة السُّنية في هذا الإطار لم تقدم أي عون جدي أو دعم للمقاومة.
ضوابط التعاون
بدوره، يؤكد د. هاني محمود الأزهري، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق في جامعة عين شمس بمصر، مدرس الفقه الإسلامي السابق بالجامع الأزهر الشريف، في حديثه لـ”المجتمع”، أنه لا حرج شرعاً في تعاون المقاومة الفلسطينية مع أي طرف من الدائرة الإسلامية بالمعنى الواسع، خاصة أن المقاومة خياراتها محدودة، ويدخل في إطار الضرورات، خاصة أنها لا تتحالف مع أي طرف معادٍ لحقوق العرب والمسلمين في فلسطين.
ويضيف أنه مع الاختلاف مع إيران في كثير من الأمور السياسية والفكرية والعقائدية، إلا أنها تبقى في إطار في الدائرة الإسلامية الواسعة، ولها مواقفها المحمودة، كما يظهر في العلن مع المقاومة والقضية الفلسطينية، رغم تشكيك البعض فيها، لكن تبقى أن صاحبة الموقف الأقوى في المساندة والدعم على مستوى الدول.
د. الأزهري: التعاون بين السُّنة والشيعة في مجال المقاومة لا يعني القبول بالمخالفات العقدية
ويشير د. الأزهري إلى أن التعامل بين السُّنة والشيعة موجود على مدار التاريخ الإسلامي، وليس مستجداً، بل أن الدولة البويهية الشيعية كان المفتي فيها سُنياً وهو الإمام الماوردي، أحد أئمة أهل السُّنة والجماعة، الذي لم يمنعه الاختلاف المذهبي من تولي أعلى منصب علمي شرعي في دولة شيعية، فيما يؤكد الأزهري أن مثل هذه السوابق وأمثالها جديرة بالتوقف عندها حتى يخرج المسلمون من دائرة ضيق الأفق الذي يصر عليه البعض، موضحاً أن التعاون بين السُّنة والشيعة في مجال مقاومة العدو الصهيوني لا يعني القبول بالمخالفات العقدية أو الفقهية في مذاهب الشيعة.
ويقول: نحن أمام حريق إن بادر بإطفائه أعصانا لله فليس لأتقانا لله أن ينكر عليه مبادرته، ويستدعي مساوئه، ويعيره بذنوبه، بل المطلوب شرعاً وعقلاً في هذا المقام أن يشد من أزره، ويثني على مبادرته، مع استمرار النصح والحوار بالحسنى وفقاً لقاعدة: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ونتحاور فيما اختلفنا فيه”، خاصة أن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد الأحلاف مع الكفار، ولم يمنعه من ذلك اشتمال دينهم على ما يسيء إلى ما نعتقده، والاتحاد لا يعني الرضا بالمخالفات العقدية عند الحليف، مؤكداً أنه من المنظور الإستراتيجي بلغة المصالح التي أرشد الشرع إلى توخيها ما دامت لا تخالف القطعيات: “احرص على ما ينفعك..”.
مسألة حياة أو موت
في السياق نفسه، يوضح المفكر الإسلامي المصري مجدي أحمد حسين، في حديثه لـ”المجتمع”، أن اختلاف المذاهب مسألة قديمة ولا تقتصر على الشيعة والسُّنة، لكن الأمة اليوم تواجه حملة صليبية صهيونية لضرب ما تبقى من فلسطين ثم لبنان وسورية ومصر والعراق على قاعدة “من النيل للفرات”، وهو ما يتطلب أن يتحالف المسلمون مع بعضهم بعضاً دون أن يغير أحد مذهبه الديني أو معتقده.
حسين: نواجه حملة صليبية صهيونية وتحالف المسلمين مهم دون أن يغير أحد مذهبه أو معتقده
ويضيف: المقاومة، بل الأمة بأسرها تواجه مسألة حياة أو موت، والذين يطالبون المقاومة برفض الدعم المالي والتسليحي والتدريبي والتكنولوجي من إيران عليهم أن يقدموا لها البديل، وبدون بديل في الدعم لا يكون أمامها سوى الاستسلام وإنهاء قضية فلسطين.
ويؤكد حسين أن هناك الرأي الذي يقول بالخلاف مع الشيعة فقط دون أن يخرجهم من الإسلام، وهذا موقف الأزهر الشريف وغيره من المؤسسات الإسلامية، منذ عشرات السنين، موضحاً أن الذي يقول بكفر الشيعة، وفق نظرته، فرأيه يجب ألا يشكل مانعاً شرعياً أو سياسياً كذلك في الحصول على السلاح من إيران، لأنه وقتها سيكون مثل الحصول على دعم من روسيا والصين، في مواجهة العدو الصهيوني، خاصة أن المقاومة الفلسطينية لن تتشيع ولن تدخل الشيوعية، مشيراً إلى أن المتعصب لمذهبه فليحارب وحده ويثبت جدارته والأمة كلها ساعتئذ ستسير خلفه.
