شركاء فى إبادة الأشقاء .. والاستبداد برىء – مجدى حسين

منذ قرابة عام ونصف العام تقف مصر فى موقف لا مثيل له فى تاريخها حتى فى أكثر اللحظات حلكة . فحتى عندما كانت تحت الاحتلال كانت موئلا للمعذبين والخاضعين للاحتلال جاءوا من المغرب والسودان وتونس والشام وليبيا ، بل كانت مصر عمقا استراتيجيا للمقاومة الليبية ضد الاحتلال الايطالى وكانت جسرا لعبور السلاح لها ، لجأ إلى مصر الأرمن والأكراد والأفغان وشعوب وسط آسيا . أما فى عهد عبد الناصر فقد أرسلت السلاح حتى الجزائر للمقاومة عبر البحر والصحراء.

لم تقف مصر يوما هذا الموقف المخزى من أقرب الأشقاء إليها . الحكومة تصر على التحالف الاستراتيجى مع الكيان الدموى الذى يتغذى على دماء أطفال غزة والشعب المصرى يوافق بصمته وسلبيته وامتناعه عن التحرك مكتفيا بعضه بحركة المقاطعة والتى يعلم يقينا أنها رغم إيجابيتها لا توقف المجزرة .

حضرت ندوة فى نقابة الصحفيين بعد طوفان الأقصى فى محاولة لاكتشاف المجتمع الذى غبت عنه 7 سنوات فسمعت أكثر من منظر يقول : إن الاستبداد لا يترك لنا مجالا إلا لتنظيم حركة المقاطعة التى لا تسبب خسائر ولذلك فعلينا التركيز عليها . وسمعت مثل هذا الكلام كثيرا قبل وبعد هذه الندوة . كان الأمر أكبر وأصعب من قدرتى على الاستيعاب .

ولكننى بعد تأمل وتفكير عميق وفى محاولة لاستعادة البديهيات توصلت إلى أن الاستبداد برىء و مظلوم ، ونحن المتهمون والمدانون . وكان منشطا لتفكيرى ما وجدته فى أوراقى المنسية من كلمات لنيلسون مانديلا زعيم تحرير جنوب افريقيا وأشهر سجين من حيث مدة اعتقاله : 27 سنة . قال مانديلا : العبيد فقط يطلبون الحرية .. الأحرار يصنعونها .

إن المعارضين برهنوا على صحة نظرية الاستبداد . تقوم نظرية الاستبداد على معادلة بسيطة : من يعارض يوضع فى السجن وإلى آجال مفتوحة مع وجود بعض السجون شديدة القسوة . والسجن هو رمز القبضة الحديدية فقد تتعرض لأشياء أقل : قد تكون كافية للردع . ولكن إكتظاظ السجون ليس مشكلة فما أسهل بناء السجون وما أوسع الصحراء . مع ملاحظة أن بناء السجون يدخل فى زيادة معدل النمو لأنه يدخل فى حساب زيادة الانفاق على الخدمات كالمستشفيات والمدارس .

وتعلمنا فى مقتبل الشباب أن هذه النظرية زائفة وخادعة وكنا نغنى : عمر السجن ما غير فكرة عمر القهر ما غير بكرة . غيرنا المعادلة بإقبالنا على السجون ! أو بالأحرى عدم الخوف من دخول السجون وتجاوب النظام معنا فى مختلف العهود من عام 1968 حتى 2011 ، تجاوب بمعنى أن استقرار وشرعية أى نظام لا يمكن أن تقوم على أساس فتح باب السجون باتجاه واحد فهذا يوسع من دائرة الغضب والاحتقان ويبعث برسالة للجميع فى الداخل والخارج بأن هذا النظام غير مستقر ولا يتمتع بالحد الأدنى من القبول الشعبى . ولذلك ظلت سياسة الباب الدوار للسجون لإخراج بعض المساجين بعد فترة قصيرة أو سياسة الباب الخلفى لإخراج مجموعات أخرى بين الفينة والأخرى .

ولكن يبدو أننا عدنا لسياسة السجن المفتوح بسبب الصراعات الحادة على السلطة . وأن سياسة الباب الدوار أو الباب الخلفى البطىء فى التصريف أصبحت أقل بكثير مما كان قبل 2011 . ونحن نستبعد هنا سياسة التعامل مع الجماعات التى انتهجت أساليب العنف فى المعارضة . لأننا نتحدث عن المعارضة السلمية .

ولكن تظل معادلة الاستبداد فى الميدان بين السلطات والناس . فإذا أصر الناس على التعبير عن مواقفهم وقناعتهم وأن يتحملوا عواقب ذلك . فإن النظام أى نظام لا بد أن يتراجع خطوة للخلف فى محاولة للإحتواء والتحمل . وأعتقد أن مساحة حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعى زادت بالتأكيد خلال السنوات الأربعة الأخيرة . وأن نسبة المعاقبين من المنتقدين قلت بكثير . ولكن الحرية ليست هى الفضفضة . نحن نريد حريات لنؤثر على القرار السياسى ولا بد للحكام أن يسمعوا لنا فى هذه القضية أو تلك .

عندما تكون القضايا التى تواجه الأمة على هذا المستوى من الخطورة فلابد من عقد الائتلافات و الاجتماعات وتنظيم المواكب والمسيرات والوقفات والدستور يسمح بذلك والقانون . وليس المقصود أن تقدم طلبا كل يوم ويرفض كل يوم ! وتقولون وفقا للقانون . حتى فى بلاد الغرب الديموقراطية أصبحت الحريات فى خطر إذا تعلق الأمر بمساندة غزة ولكن الأوروبيين والأمركيين المرفهين أكثر مننا يواصلون النضال ويضربون ويسحلون ويحبسون ويحاكمون ويطردون من الجامعات ثم يواصلون . هو نفس القانون .. نفس المعادلة بين الاستبداد وحريات الناس .

يجب أن يكون واضحا لدى الحكومة أننا مستعدون للتقدم بصفوف متواصلة حتى وإن دخلنا السجون الكئيبة . عندما نرى بلادنا تقع تحت الاحتلال الصريح لأمريكا وتخضع لإملاءات أقذر حكام فى التاريخ : نتنياهو وبن غفير وسموترتش . وكانوا يوم الخميس الماضى يؤكدون فى الكنيست على عدم إدخال أى غذاء أو دواء للشهر الثالث على التوالى حتى إبادة آخر طفل وإمرأة ورجل فى غزة . وعندما نرى البلاد تباع علنا وأمام أعيننا لعملاء الصهيونية ” الامارات ” . بل إن كل مواطن محاصر الآن فى رقعة أكثر ضيقا لا يقوى على توفير الحد الأدنى من الغذاء والدواء لأولاده بسبب سياسات الصندوق الأمريكى الصهيونى .

ستقولون إننا نعيش فى عصر مختلف فالمعتقلون الآن يتراوحون بين 80 ألف و100 ألف ولا أحد من الشعب يتحرك . وأقول ليست المشكلة فى الأعداد .. المشكلة بل الطامة الكبرى ان النخبة والقيادات السياسية لا تطرح ولا تتصدى للقضية الوطنية . قضيتنا الوطنية هى التحرر من الهيمنة والاحتلال الأمريكى الصهيونى . عندما تكون القضية الوطنية هى المطروحة لا الصراع على السلطة فإن موقف النظام يكون أكثر حرجا ويكون موقف الشعب أكثر إقبالا على الحركة . عندما نكون مخلصين فى طرحنا ستتغير المعادلة : نقول للحكام لستم المستهدفين بحركتنا فتعاونوا معنا ضد أعداء الخارج أو خلوا السبيل بيننا وبينهم . ونقول للشعب لسنا فى صراع على السلطة ولكن فى صراع لتحرير مصر من سطوة وسيطرة المعتدين الذين أذلوها .

لقد كانت قوة الحركة الشعبية والطلابية فى قلبها بين 1968 و1973 أننا نحمل القضية الوطنية على أكتافنا وفى شعاراتنا وكانت تحرير سيناء . ولن تعود الحركة الوطنية إلى قوتها الآن إلا بعودة القضية الوطنية : إلغاء كامب ديفيد وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة .

ومن يهوله هذا العنوان سيظل يرسف فى أغلال أمريكا الصدئة .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading