عرضت من قبل وجهة نظرى عن اندلاع الحرب العالمية الثالثة يوم 24 فبراير 2022 عندما اجتاحت القوات الروسية أوكرانيا وشرحت ذلك فى كتابى ” وبدأت الحرب العالمية الثالثة ” وقلت هذه صورة مختلفة للحرب العالمية وليست نسخة مكررة من الحربين الأولى والثانية لأنها حرب بين أطراف نووية .
الحرب كانت ولا تزال بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة وبين الشرق بقيادة روسيا والصين . وأكدت أنها ستمتد إلى منطقتنا : المركز المتوسط للعالم حول فلسطين وهذا ما حدث فى 7 أكتوبر 2023 وهى حرب امتدت لتشمل بعد فلسطين لبنان وسوريا واليمن وإيران . وقلت من قبل إن الصراع حول تايوان هو المركز الثالث لهذه الحرب وهذا حدث دون الانتقال للعمليات العسكرية المباشرة . وأخذ شكل الهجوم الغربى المحموم على التفوق الاقتصادى الصينى.
ورغم أن المعسكر الغربى يتسم بالوحدة والمركزية فى غرفة العمليات والتخطيط والتنفيذ تحت قيادة الولايات المتحدة ، إلا أن المعسكر الشرقى لا يتسم بهذا القدر من توحيد القيادة رغم التقارب الشديد بين روسيا والصين . وهذا ما يصيب الناس والمراقبين بعمى الألوان فلا يربطون بين هذه المراكز الثلاثة للصراع ، وقد لا يرون أن الصراع يشمل الكرة الأرضية بأسرها ولا يقتصر على هذه المراكز الثلاثة : أوكرانيا – فلسطين – تايوان وبحر الصين .
نعم رأينا تطور تشكل مجموعة البريكس ولكنها لم ترتق إلى مستوى الحلف السياسى الموثوق وكانت ولا تزال أقرب إلى التنسيق الاقتصادى ولكنها ظلت علامة على هذا الانقسام العالمى .
والمقصود بالحرب العالمية : هو الحالة أو اللحظة التى يصل فيها النظام العالمى إلى طريق مسدود نتيجة اختلال موازين القوى التى تغيرت إلى حد التصادم مع أسس هذا النظام العالمى الذى ولد وفقا لنتائج الحرب العالمية الثانية عام 1945 . واستقر على أساس الصراع الثنائى بين المعسكرين السوفيتى والغربى . ثم سقط عام 1991 الاتحاد السوفيتى وأصبحت أمريكا منفردة مؤقتا بقيادة العالم ، وقلنا وقتها إن هذا وضع مؤقت ولا يمكن أن يستمر لأنه لم يحدث عبر التاريخ أن هيمنت قوة واحدة على مصائر العالم وفقا لقانون التدافع : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . وقانون التداول : وتلك الأيام نداولها بين الناس .
وتوقعنا استعادة روسيا لعافيتها وتصاعد القوة الصينية وتصاعد القوة العربية الاسلامية .. وقد اختلفت مع الأستاذ محمد حسنين هيكل عندما كتب عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 إن القرن الحالى هو قرن أمريكى فقلت له : لا بالتأكيد إنه قرن آسيوى .
وكان عام 2008 بداية قلب صفحة انهيار روسيا بالتدخل الروسى فى جورجيا لوقف زحف الناتو وذلك بعد تولى الرئيس بوتين للحكم عام 2000 حيث قاد معركة النهوض الاقتصادى والاستقلال واستعادة القوة الجيو ستراتيجية لروسيا . ثم معركة استعادة القرم عام 2014 . ثم تربعت الصين فى الأثناء على عرش الاقتصاد العالمى فى المركز الأول وفقا لتقارير صندوق النقد الدولى .
وكانت الهند هى الشريك الثانى فى هذا الصعود الاقتصادى – بغض النظر عن رأينا فى سياسات الهند الآن – وهذا هو سبب وجودها فى البريكس ، فقد بدأت مصالحها الاقتصادية تكون أقرب لروسيا منها لأمريكا , ورغم غواية أمريكا واسرائيل للهند فى السنوات الأخيرة فهى مرشحة دوما لتعود إلى الاستقلال بحكم مصالحها فهى لن تكون أبدا عميلا لأمريكا . وسنعود للهند فى معالجة خاصة لأهميتها وتعقيدها لوجود 200 مليون مسلم هندى داخل هذه الدولة .
الآن نريد أن نركز على المركز العربى الفلسطينى لهذا الصراع العالمى . فى الحربين السابقتين كان العرب والمسلمون مفعولا بهم . فى الحرب الأولى دخل بعض المسلمين من خلال الدولة العثمانية فى تحالف مع ألمانيا ودخل بعض المسلمين مع التحالف الغربى الاوروبى بسبب وقوعهم تحت الاحتلال الفرنسى أو الانجليزى . وانتهت الحرب بالخسران المبين للعرب والمسلمين بل خسارة الدولة العثمانية نفسها والقدس وفلسطين وما تبقى من البلدان المستقلة .
فى الحرب العالمية الثانية كنا مفعولا به أيضا . وقاتل بعضنا مع الحلفاء وقاتلت قلة مننا مع ألمانيا وخرجنا من الحرب كما دخلنا تحت الاحتلال .
فى هذه الحرب العالمية الثالثة و لأول مرة فإن العرب والمسلمين لهم قوة ذاتية ويتخذون قرارهم بصورة مستقلة وهناك فرص كبيرة لنخرج من هذه الحرب بمكاسب كبيرة وأن نكون أكثر استقلالية وقوة إذا أحسنا الاستفادة من كل هذه الظروف المواتية .
القوة المستقلة لنا تمثلت فى إيران ومحور المقاومة : المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمن والباب مفتوح للجميع أن يلتحق بهذه الجبهة كل فى موقعه وفى بلده وأن يشارك فى القرار والفاعلية على الأرض عسكريا وسياسيا واقتصاديا . وهناك قوى شعبية سلمية فى كل البلاد العربية والاسلامية تعتبر نفسها جزءا لا يتجزأ من هذا المحور بالعمل الجماهيرى والاعلامى والسياسى والاغاثى .
إن القوة الاسلامية ممثلة فى محور الشرق من خلال إيران لأنها الدولة الاسلامية الوحيدة المستعدة لذلك ، ولقد شاركت بفاعلية فى دعم روسيا فى معركتها فى أوكرانيا بالمسيرات المتقدمة – شاهد وبأنواع معينة من الصواريخ . وقد وقعت اتفاقيتين للتعاون الاستراتيجى مع كل من روسيا والصين . والآن تلامس باكستان هذا التحالف الشرقى بسبب تقدم علاقتها مع الصين والتى أفادتها فى المواجهة الأخيرة مع الهند .
ويتحدث الغرب عن تحالف روسى – صينى – بيلوروسى – كورى شمالى – إيرانى وهذا صحيح بشكل عام ولكن بدون الحديث عن غرفة قيادة مشتركة . ولكن يمكن الحديث عن غرفة قيادة مشتركة بين أطراف محور المقاومة وهذا ما يهمنا .
التحالف العربى الاسلامى مع روسيا والصين هو تحالف مبدئى يقوم على المصالح المشتركة ومواجهة العدو المشترك الأمريكى .
ومن غير الصحيح الترويج لفكرة تخلى الصين وروسيا عن قضايانا العربية وفلسطين فهما لا يمكن أن يكونوا عربا ومسلمين أكثر من حكامنا الواقفين على الحياد أو يصلون إلى مستوى التواطؤ مع العدو الصهيونى . ونحن لا نطلب من الصين وروسيا أن يحاربوا معنا ، ونحن نعرف أنهما ليس مع إزالة الكيان . وليس مطلوبا منهما أكثر من الموقف السياسى والدبلوماسى داخل وخارج الأمم المتحدة وهذا ما يقومان به . كما أنهما لا يتأخران فى تقديم العون العسكرى من خلال الإمداد بأنواع معينة من الأسلحة فى مجالى الدفاع الجوى والطيران وغير ذلك ، وربما التعاون الاستخبارى والمعلوماتى من خلال الأقمار الصناعية وغيرها .
ولروسيا والصين مصالح جوهرية مع العرب والمسلمين ولنبدأ من إيران . بالنسبة لروسيا فإن إيران تمثل مخرجا أساسيا لروسيا إلى الجنوب عبر بحر قزوين إلى الخليج والمحيط الهندى ، ويوجد خط سكة حديد يتم بناؤه لتعزيز هذا التواصل بين روسيا وبحر العرب . وتمثل إيران للصين مدخلا أساسيا لخط الحزام والطريق عبر باكستان ، حتى لقد وصل بالفعل قطار سكة حديد بين الصين وإيران مؤخرا . كما تستورد الصين ثلث احتياجاتها من البترول من إيران وهى كمية لا يمكن تعويضها بسهولة من مكان آخر . بالاضافة لمصالح تجارية واقتصادية عديدة أخرى . وبالنسبة لايران وسائر العرب الراغبين فى التحرر من السطوة الأمريكية وأرجو أن تكون مصر من بينهم وعلى رأسهم نقول : إن روسيا والصين وسائر البلاد الآسيوية والافريقية واللاتينية فيها متسع لتبادل المنافع تغنينا عن هذه العبودية لأوروبا وأمريكا بدون مسوغ . وهذا يذكرنى بقول الله عز وجل : يا عبادى الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون .
بل نحن كعرب ومسلمين أكثر من 2 مليار نعيش من المغرب حتى
.أندونيسا
ولابد أن نضيف إلى هذه اللوحة هذا التغير الكبير والاستراتيجى فى الرأى العام الشعبى الغربى الذى أصبح متعاطفا مع غزة وفلسطين وإيران أكثر مننا نحن العرب الخاملين . لاحظ اليوم آخر قنبلة : فوز مرشح يسارى مسلم بمنصب عمودية مدينة نيويورك لأول مرة فى التاريخ ، وهذا آخر مؤشر على عمق انقلاب الرأى العام الغربى والأمريكى ضد اسرائيل والصهيونية وأين فى معقل المال والمصارف فى العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة ومعقل اليهود والصهيونية .
كل الموشرات السابقة إذا وضعناها مع مقالنا السابق الذى يوضح الإصابة الجوهرية التى أصابت العدو الصهيونى الأمريكى فى المواجهة الأخيرة مع إيران فبإمكاننا أن نرى آفاقا مفتوحة لتقدم أمتنا نحو التحرر من الاحتلال الأمريكى الصهيونى .
