قارعة سنترال رمسيس – مجدى حسين

حريق السنترال المركزى لمصر .. قلب الاتصالات النابض من الهواتف والانترنت والشبكات .. حدث جلل .. بل هو القارعة لمن يريد أن يتذكر أو يخشى .

كتبت منذ يومين أن مصر أصبحت غارقة فى الحوادث بين المرور والسكة الحديد والحفار وونش ميناء الاسكندرية وحوادث الانتحار الفردى والجماعى بوتيرة ملحوظة وغير طبيعية .. وقلت إن هذه من علامات أن مفاصل الدولة مفكوكة وأنها فى حالة من الهزال الخطير . ثم كتبت : إن إصرار الدولة على مواصلة رفع الأسعار فى مجال الكهرباء والوقود ومنتجات الألبان وطرد ملايين السكان من بيتوهم هو بمنزلة إعلان الحرب على الشعب .

ثم تصاعد الهجوم الأمريكى على النظام فى مفاوضات صندوق النقد الذى قرر وهو أداة سياسية أمريكية وقف تسليم شرائح القرض حتى المراجعة بعد 6 شهور وهو ما يوقف بالتبعية عددا من القروض الأخرى مع الاتحاد الأوروبى والبنك الدولى توأم الصندوق .. وقد سبق ذلك تهديد بوقف المعونة العسكرية الأمريكية عام 2026 . وهناك حملات اعلامية مركزة فى أوروبا وأمريكا ضد النظام المصرى فى الشهور الأخيرة حتى وإن استخدمت بعض المعلومات الاقتصادية السلبية الصحيحة فهذه الحقائق السيئة وليدة سياسات الصندوق . وحتى عندما تكون وليدة الفساد المحلى ، فإن المؤسسات الاقتصادية الغربية والاعلام الغربى تصفق دوما للنظام عندما يكون راضيا عنه سياسيا .

فى بداية العدوان على غ..زة كانت أمريكا راضية عن السياسة المصرية التى تمارس ضبط النفس وتتمسك بكام..ب ديف..يد ولا تدخل زجاجة مياه أو قطعة خبز لغزة بدون موافقة اس..رائيلية . وبالتالى تركت القياد لها فى موضوع إمداد غزة بالغذاء والدواء ، حتى إخراج المرضى للعلاج لابد لاس..رائيل أن توافق على أسمائهم . ولذلك ظلت الأموال تتدفق إلى مصر من الصندوق وغير الصندوق مع ارتفاع مستوى نبرة المديح لحالة الاقتصاد المصرى فى كل تقارير الغرب الاقتصادية .

ولكن عندما جاء موعد التهجير رفض الجيش المصرى كل مشروعات تهجير أهل غزة إلى سيناء . بينما كان الإصرار الأمريكى واضحا خاصة عندما تولى ترامب الحكم فى يناير الماضى 2025 وقال كلامه الفارغ المعروف عن ريفييرا غ..زة وإخراج كل أهلها بدون استثاء ، وظل الموقف المصرى ثابتا . بينما إعادة احتلال غ..زة وضمها للك..يان مسألة استراتيجية فى الرؤية … والأمريكية . ومن هنا كان تصاعد الضغوط على النظام المصرى .

وعندما حدثت كل هذه التطورات ظللت ألح على النظام المصرى أن يعيد التلاحم مع الشعب وقلت إن معركتنا الجوهرية مع أمريكا هى فى مجال الاقتصاد واقترحت لجنة وطنية لإدارة الأزمة الاقتصادية مع أمريكا . وأنا أتعمد ذلك تماما فعندما يهجم الغول الأكبر على مصر نقول للحاكم مهما كان ومهما كانت ملاحظاتنا على أدائه .. لن يسعد إلا خائن عندما يأتى النظام الأمريكى المتوحش ليستولى على مصر ..بصورة كاملة وصريحة . عندما يحدث هذا نقول للحاكم فى هذا الزمان وكل زمان نحن معك .. كلنا معا لصد هذا الهجوم ، ولكن بالفعل وليس بالكلام . بمعنى أن سياستك لابد أن تتغير ، ولابد أن تستمع لآراء الخبراء وأن ترفع القبضة الحديدية عن الناس وأن تصفى السجون من الأبرياء .

وبالتالى نحن نحذر من سياسة الاستمرار فى الدفاع عن المنجزات والتهوين من شأن ما حدث فى سنترال رمسيس وما حوله وما قبله من سلسلة الحوادث وأهمها تراجع قدرة الناس على الشراء وقدرة المنتجين الصناعيين على الانتاج على مدارآخر 5 شهور – وهذا تقرير دولى . وهذا مايسمى الانكماش أو الركود .

وإذا أصر النظام على السير فى نفس الاتجاه ومواصلة الاتصال بأمريكا سرا وعلنية للتفاوض وتحسين شروط التبعية ، فإن تركيزنا لابد أن يكون على ضرورة التحرر من الاحتلال الأمريكى ، والاعتماد على النفس ، و المطالبة بالتحالف مع الشعب ، نعم ليبدأ النظام بالتحالف فقد أصبحنا طرفين أنتم الذين تحاربون الشعب والشعب يتلقى الضربات فى ركن الحلبة ولا يقاوم .

لابد أن نركز على القضية الوطنية التى هى أساس كل البلاء ، وإذا حدثت حركة شعبية قوية فى هذا الاتجاه فإن إصراركم على تجاهلها أو مناوئتها رغم أنها تدعو للاجتماع الوطنى ضد الأعداء ولا تركز على تغيير النظام ، فإنكم تأخذون قراركم بالرحيل . فأنتم تحكمون برضاء الشعب صراحة وضمنا ، وقد كان قرابة نصف الشعب على الأقل معكم فى 30 يونيو . وكان يمكن أن تكسبوا معظم النصف الثانى ولكنكم أبيتم ، وقلتم من أكثر منا قوة ، ومع ذلك لو نجحتم فى المجال الاقتصادى بعد إلغاء الحياة السياسية لكسبتم أيضا معظم النصف الثانى من الشعب ، ولكنكم قلتم مرة أخرى من أكثر منا قوة بدون أى انجازات اقتصادية حقيقية يلمسها الشعب بل ساءت أحوال الناس .

وواقع الأمر اننى أطالب منذ أربع سنوات أنا الشخص الضعيف بالسباق مع الزمن حتى تنتصر رؤية التحرر من الهيمنة الأمريكية قبل أن تنفجر البلاد فى حالة من الفوضى ، ثم يحدث تغيير شكلى فى السلطة ونظل تحت المظلة الأمريكية الصهيونية .

لا أهرب من المعارضة ولا أتقرب للسلطات ولكن أعتصم بالمصالح الوطنية العليا للبلاد .. وإذا لم تستجب السلطات لدعوتى فهى تضعنى فى خانة المعارضة رغم أنفى . وأذكركم أن عرابى وصحبه لم يكونوا ضد الخديو توفيق بل ضد الانجليز ، وهو أى توفيق هو الذى هرب من القاهرة إلى الاسكندرية المحتلة . ومصطفى كامل لم يكن ضد الخديو عباس الثانى ولا حتى ضد الدولة العثمانية ولكن ضد الانجليز وسعد زغلول وثورة 1919 لم يكونوا ضد الملك فؤاد الأول ولكن ضد الاحتلال البريطانى . والحركة الوطنية المصرية لم تكن فى البداية ضد الملك فاروق ولكن ضد الانجليز وهكذا . والثورة المغربية كانت ضد الاحتلال الأسبانى والفرنسى وليس ضد الملك محمد الخامس بل كان هو متعاطفا معها .

الشعب والحركة الشعبية بقيادة النخبة الذكية الفاهمة هى التى تحدد الموقف وعلى الحاكم أن يختار صراحة بين الشعب وبين المحتل . ولكن عندما تكون غالبية النخبة لا ترى فى أمريكا العدو ، فهذا يعطى مصداقية للحاكم الذى يسايرها ، وتصبح الخلافات فى أمور داخلية وصراع داخلى على السلطة ، وفى حالة سلطة ترتكب أخطاء سياسية واقتصادية فإن الأمر يبدو مقنعا لشرائح واسعة من الناس أن الحاكم هو المشكلة لا أمريكا ولا اسرائيل .

أعود مرة أخرى لقارعة سنترال رمسيس .. هناك رأى غير مستبعد بأن أمريكا وراء هذه الضربة فى إطار الضغط على النظام المصرى مع كل الضغوط الأخرى التى أشرنا لبعضها ، وهى بالفعل ضربة ولا أتصور أنها حادث طبيعى ، بغض النظر عن الفاعل ، فكيف كان الحريق يتنقل بين الدورين الثالث والسابع ، والفديوهات كانت على الهواء فاضحة .

ولكن حتى إذا كان هذا الاحتمال صحيحا ، فلا أدعو لإعفاء النظام من المسئولية لأنه مسئول عن عدم اتخاذ موقف صارم من الأعداء من قبل القارعة وأنه مسئول عن عدم تأمين هذا الصرح الاستراتيجى .

المتهم الآخر من وجهة نظرى هو ما أشرت إليه من قبل : الفساد الداخلى بمعنى فساد السياسات قبل فساد الأشخاص .. وقلت بالحرف الواحد : إن تواتر الحوادث بهذه الوتيرة يعكس تفكك مفاصل المجتمع وهو إنذار خطير لما هو آت .

والآن بعد قارعة سنترال رمسيس فليس بعدها كما كان قبلها .. سيعود الانترنت وستعود الاتصالات بصورة أو بأخرى ولكن هيبة النظام لن تعود . وإذا اراد البقاء فلابد أن يحدث تغييرا جوهريا فى هذه الوزارة التى لم تشهد مصر لها مثيلا : فهذا مدبولى فى أحضان آبى أحمد قاتل الشعب المصرى يضحك لها ضحكة من أعماق قلبه فى نفس لحظة احتراق قلب مصر لترمز لحالة هذه الوزارة ، وهو وزير ماليته ذهبا لبريكس كشحاذين يطلبون القروض وكأننا لا هدف لنا إلا تنويع مصادر التسول وبالتالى لا ننال إلا احتقار الجميع ، ووزير تعليم بلا أى شهادات موثقة حتى شهادة الثانوية العامة غير مؤكدة وأفعاله وأقواله تعكس مستواه التعليمى فعلا يجلس فى موقع طه حسين ود. محمد . حلمى مراد ووزيرة التضامن الاجتماعى تبشرنا بنشر التكايا أى مطاعم الجائعين المجانية وهى مشكورة لأن الوزارات الأخرى تجوع الشعب ، أما هى فستقدم وجبات مجانية . هذه أمثلة ولا أريد تعقب باقى الوزراء فالموضوع أكبر من كل هذه الأشخاص .

دعوتى مزدوجة أو لها وجهان رغم أنها دعوة واحدة : التحرر من الاستعمار الأمريكى الصهيونى .

أدعو الحاكم لأمر غريب بالنسبة له أن ينفتح على الشعب من خلال الانفتاج على النخبة المخلصة من مثقفيه وسياسيه . ومن خلال تعديل السياسة الأمنية .

وأدعو النخبة الوطنية المثقفة والسياسية إلى الاجتماع معا لتوحيد المواقف بينها أولا . أين ذهبت الحركة المدنية ولماذا لا تجتمع بإطراد لمناقشة القضايا الكبرى لا لمناقشة قانون الانتخابات المعروف نتائجها سلفا !! وإذا اجتمعتم بقوة وإخلاص فأرجح فى هذه الحالة أن يستمع الحاكم إليكم . أو تجعلوا الشعب حكما بينكم . أما الآن فإن الشعب لا يراكم ، ولا يرى أمامه سوى الحاكم وهذا الاعلام المعارض فى الخارج الذى يحترف البذاءات التى لا تقدم ولا تؤخر وهو فى حمى اسكوتلاند يارد بدلا من تقديم رؤية بديلة تقنع الشعب وأن تخرج هذه الرؤية من داخل مصر أولا .

يارب سبحانك الله وبحمدك .. نسألك التوفيق والسداد لهذه الأمة المكلومة

magdyahmedhussein@gmail.com

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading