إقالة حكومة مدبولى – مجدى حسين

من غرائب الطبيعة أننا لم نسمع أو نقرأ بعد نبأ إقالة حكومة مدبولى برمتها أو استقالتها . ليس بسبب قارعة سنترال رمسيس وهى كافية فى حد ذاتها .. ليس بسبب تعلقه بأيادى آبى أحمد قاتل الشعب المصرى .. وفشخة فمه بابتسامة من صميم قلبه .. مع أن فشخة الفم بالضحك ليست من البروتوكول الذى يزعم أنه عبد له . وهذا سبب كاف لإقالته . وليس بسبب مستوى وزرائه وعلى رأسهم وزير الاتصالات الذى لايكف عن التبجح بدلا من أن يتوارى خجلا وغيره من الوزراء لأنه غالبا ليس له صلاحية اختيار أى وزير وفقا للنظم المرعية فى النظام المصرى منذ عقود . قد يرشح بعض الوزراء ولكن قرار اختيارهم ليس له .

قارعة سنترال رمسيس هى الحاسمة فى حد ذاتها وأيضا لأنها كاشفة فى دلالاتها . قارعة سنترال رمسيس كافية لأنها تقول أن الحكومة الرقمية التى صدعت رؤوسنا بالرقمية بل واستخدمت الرقمية بالفعل على أوسع نطاق لمراقبة أفراد الشعب وفرض الضرائب والرسوم فى كل خطوة يخطوها المواطن المصرى . لم تستخدم الرقمية فى البحث العلمى وتطوير الصناعةوالتكنولوجية . ثم اتضح أنها تتصرف على هذا القدر من الحماقة بحيث تضع مصائر البلاد فى غرفة واحدة رغم المثل الشعبى الشائع : لا تضع البيض كله فى سلة واحدة .. البيض وليس شبكة أعصاب الأمة !! .

هذا النظام أضاع 12 عاما من عمر البلاد فيما أسماه بناء البنية التحتية وكانت هذه هى النتيجة فى البناء الالكترونى والطرق والسكك الحديدية . أعلن النظام فى بيانات رسمية فى أكتوبر 2023 أنه أنفق 10 تريليون جنيه على البنية التحتية بين عامى 2014 – 2023 . بما يساوى 323 مليار دولار بأسعار ذلك الوقت . 20 % منها للنقل والمواصلات . 530 مليار على الطرق والكبارى و225 مليار على السكك الحديدية . وانظروا لحالة المرفقين الآن نحن لا نستطيع أن نلاحق عدد الحوادث اليومية على الطرق والسكة الحديد . بل لقد وصل الأمر لوقف العمل بالطريق الاقليمى للاصلاح رغم أنه جديد جدا .

وفى 6 مارس2022 كان قد صدر بيان رسمى آخر بأن حجم الانفاق على البنية التحتية خلال الفترة من 2014 إلى 2021 هو 400 مليار دولار ثم أكدت الوزيرة هالة السعيد هذا الرقم . ولا تسألونى كيف كان الرقم 400 مليار دولار فى مارس ثم هبط و أصبح 323 مليار دولار فى أكتوبر 2023 . ربما لارتفاع قيمة الدولار !

ولكن لا تسألونى كيف ارتفع رقم الانفاق على البنية التحتية فى عام 2024 إلى 550 مليار دولار خلال آخر 10 سنوات وقد تضمن ذلك تعبيد 7 آلاف كيلو متر من الطرق .

وهذه البيانات لا تتحدث عن قطاع الاتصالات وتدخل فى حساباته المدن الجديدة والموانىء . وتقول بيانات رسمية أخرى :

استثمارات الدولة في البنية الرقمية تجاوزت 150 مليار جنيه، بهدف رفع كفاءة الإنترنت الثابت، وإنشاء شبكة كابلات ألياف ضوئية متطورة، وربط أكثر من 25 ألف مبنى حكومي رقميًا على مستوى الجمهورية.

والطريف والمخيف أن هذه المعلومات الرسمية نشرت فى اليوم السابع صباح يوم الحريق .. فى صباح 7 يوليو 2025 نقلا عن ندوة حضرتها نائبة وزير الاتصالات ,

نظمت جمعية المهندسين المصريةبرئاسة المهندس أسامة كمال وزير البترول الأسبق ندوة بعنوان واقع وآفاق الرقمنة والذكاء الاصطناعي في مصر، حاضرت فيها الدكتورة غادة لبيب نائب وزير الاتصالاتوتكنولوجيا المعلومات للتطوير المؤسسي،

الذى أنفق 150 مليار جنيه لم يفكر فى تخصيص عدة ملايين لتأمين هذه الشبكة من الحريق أو الاختراق . علما بأن هذا الرقم يشمل الاستثمارات ولا يشمل الانفاق المعتاد للوزارة . إنفاق الوزارة فى عهد مدبولى بين 2019 و2024 كان 84 مليار جنيه . أما الاستثمارات الكلية العامة والخاصة فى قطاع الاتصالات فى نفس الفترة فقد بلغت 374 مليار جنيه . أما ال 150 مليار فهى تخص حسب تصريح لمدبولى استثمارات لاحلال شبكات النحاس بكابلات الألياف الضوئية والتى احترقت الآن عقدتها الأساسية .

ويواصل مدبولى التدليس ووهو واثق أنه يمر بعاصفة داخل فنجان وأنه سيبقى فى منصبه للأبد حتى يبيع كل مصر فيقول : إننا لا نعتمد على سنترال رمسيس وحده . والحقيقة أن سنترال رمسيس مسئول مباشرة عن 60 % من كل الشبكات وهل هذه نسبة مقبولة . وقد ثبت أنه مسئول بنسبة 100 % عن بعض القطاعات كمسألة التحويلات البنكية التى توقفت 100% ولم تعد إلى حالتها حتى الآن . ولا أريد أن أدخل أكثر من ذلك فى كثير من التفاصيل فحجم الكارثة بائن ومستوى الحماقة لا يحتاج لمحللين لاكتشافه .

ورغم أن هذه الطامة الكبرى كافية وحدها لإقالة الوزارة برمتها لأنها تخص المسئولية الجماعية . لقد علمنا من فيديو حسنى مبارك أن الأمريكان كانوا يخلصون موضوع تحويل سنترال رمسيس إلى مركز وحيد لكل اتصالات مصر مع وزير الاتصالات مباشرة بدون مجلس الوزراء ولكن يبدو أن المخابرات العامة نبهت مبارك لذلك فاتصل بالوزير لوقف العملية فقال له الوزير إن الأمريكان لم يطلبوا شيئا مقابل ذلك . تصوروا مستوى حديث الوزير! وأضاف لقد أوصلوا الاتصالات فعلا بين الجيزة وسنترال رمسيس ، فقال له مبارك : خلاص اكتفى بذلك وزحلقهم ! وهكذا لا نستطيع أن نقول : لا صراحة فى أمر يخص الأمن القومى المصرى . ولكن لا بأس على أى حال .

نرى فى هذه الممارسة أن الأمريكان يتصلون بالوزير المعنى ويخلصون معه ما يريدون إلا إذا اكتشفت المخابرات ورفضت وطلبت من الرئيس التدخل . البلد ” مخربقة ” .

ولا يمكن إعفاء كل مجلس الوزراء إذا كان يعرف أو لا يعرف أن سنترال رمسيس عاد ليصبح قلب الاتصالات المصرية .

ورغم فداحة هذا الموقف إلا أنه يمثل قمة جبل الجليد الذى ظهر . بل نحن نعلم حجم جبل الجليد تحت الماء .. بل الواقع لقد ظهر معظم جبل الجليد من تحت الماء . فمصر تباع بالقطاعى والجملة علنا وبمنتهى الوقاحة . وهذا هو البرنامج الوحيد لحكومة مدبولى وهو يعقد اجتماعات أسبوعية مع الصحفيين لإبلاغهم بتطورات عمليات بيع ما تبقى من مصر . وهو يسمى هذه طروحات مرة واستثمارات تارة أخرى . وكلمة طروحات هى كلمة بذيئة . كما تقول عن الزنا إنه علاقة حرة بين الذكر والأنثى كما ورد فى مؤتمرات السكان للأمم المتحدة فى القاهرة وبكين ومابعدهما.

أنتم تبيعون مصر وتسمون ذلك طروحات ، هل يوجد إثم أكثر من ذلك أين الأزهر أين رجال الدين ؟ أين القوى الوطنية ؟

إن كل سياسات مدبولى الاقتصادية هى سلسلة من الجرائم فى حق مصر : بتنفيذ تعليمات الصندوق بإلغاء الدعم عن السلع والخدمات وإفقار الشعب وبيع المصانع وتشريد العمال ووقف الدعم عن الفلاحين والنشاط الزراعى بما فى ذلك وقف الارشاد الزراعى . خفض سعر الجنيه عدة مرات مما سبب موجة غلاء فاحش . بيع المستشفيات وإنهاء العلاج المجانى . إغراق مصر فى الديون . تعيين مواطن فاشل وزيرا للتعليم الخ

أعلم أن مدبولى ليس هو صاحب هذه السياسات هو وزير تربى فى أحضان نظام كامب ديفيد ، مجرد موظف يترقى وفقا للسياسات العليا للتبعية لأمريكا والصندوق . وتولى وزارة الاسكان لمدة أربع سنوات .

إن رئيس الدولة هو المسئول الأول عن كل السياسات الكبرى فى البلاد . والمطلوب منه لا أن يضحى بمدبولى كما يحدث فى السياسة ثم يسير فى نفس الطريق بأشخاص أخرى . بل أن تكون إقالة حكومة مدبولى إيذانا بتغيير فى السياسة الاقتصادية .

وأعلم أن الدوائر العليا للحكم تقع تحت الضغوط الأمريكية . والمعركة التى أدعو إليها هى لتحرير مصر من الاحتلال الأمريكى .. ولا أضع فى حساباتى تجنب الصدام مع السيسى شخصيا لأن عواقبه معروفة .لا أنا أدعو الناس جميعا للموقف الذى أراه صحيحا وليس معى الآن أى جماعة أو حزب لأننى سأظل أصدع بالحق كما أراه حتى الموت .

أعلم يقينا أن الدوائر العليا فى أجهزة الدولة تضم عناصر وطنية مكتومة . ولكننى لن أدعو بعد ذلك النظام للحوار حتى لا أبدو متسولا للحوار مع أننى لا أقصد الحوار مع شخصى ، بل أستبعد ذلك وسأظل مجرد صاحب رأى وفكر ، ولكن أقصد مع كل النخبة وكل الشعب وقواه الحية .

ولكننى أدعو من تبقى حيا من القوى السياسية الوطنية ومن المثقفين أن يجتمعوا فورا فى أى مكان .. فى مقر حزب المحافظين مثلا لأنه واسع أو فى مقر حزب الكرامة الواسع نسبيا . أو أى مكان آخر لوضع وثيقة إنقاذ وطنى ورفعها للسلطات العليا وعلى اعتبار أن حكومة مدبولى فى حكم العدم حتى وإن ظلت فى وضعها لأيام كخشب مسندة .

إننى أدعو لوثيقة يقوم جوهرها على تحرير مصر من الاحتلال الأمريكى مع التمسك بالدستور الحالى الذى لا تلتزم السلطات بكثير من بنوده . الجلاء والدستور . وعندما نؤمن استقلالنا فلن يضيرنا أن نتفق أو نختلف على أى سياسات . ولابد أن نجعل الانتخابات الحرة هى الفيصل وأن نكف مستقبلا عن التمرد على نتائج الانتخابات . وأقصد بالاحتلال إلغاء كامب ديفيد – وقد أعلنت ذلك منذ فترة الأحزاب المدنية – وما يتضمنه من قواعد أمريكية فى سيناء وتدخل أمريكى فى شتى شئوننا الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية وسياساتنا الخارجية . معركة التحرر الكبرى من الاحتلال الأمريكى هى فى مجال الاقتصاد . فلابد من إنهاء هذه العلاقات مع صندوق النقد والتوقف عن القروض والذهاب لنادى باريس لجدولة الديون وإطلاق عملية تنمية مستقلة وتعزيز التعامل مع الدول بالعملات المحلية .

وعموما ما تتفقون عليه سيكون أفضل بمالايقاس من هذه الحكومة الحالية .

magdyahmedhussein@gmail.com

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading