لم تكن فى سوريا ثورة شعبية طبيعية فقد أجهضت الثورة الشعبية مبكرا عندما تمت عسكرتها وسيطر حلف خليجى تركى أمريكى على قيادتها وتمويلها وتسليحها – راجع كتابى الثورة السورية المغدورة – وتجمد الوضع عدة سنوات فى إدلب وشمال سوريا حين اعتمد النظام السورى على حلف اقليمى – روسى لمواجهة الحلف العالمى الغربى الذى يقود العمل المسلح والذى شمل أكثر من 80 دولة سموه أصدقاء سوريا . لاشك أن النظام لم يتمكن من إدارة الأزمة فى بدايتها بشكل رشيد .
وأثناء الحرب الأخيرة بين حزب الله واسرائيل وفور وقف إطلاق النار فى أواخر عام 2024 فى اليوم التالى مباشرة حذر نتنياهو الأسد من اللعب بالنار وبعد ساعات بدأ هجوم جبهة النصرة على حلب حتى الشام . ودخلت قوات النصرة دمشق بدون قتال وحدثت مساومة اقليمية دولية لتسليم الحكم وكان الجيش السورى قد فقد رغبته فى القتال ، بعد 13 عاما من القتال كان منهكا ، جنوده يأخذون راتبا فى حدود 10 دولارات والضباط لا يتجاوز راتبهم 40 دولار وكان ذلك من تأثير الحصار الاقتصادى الأمريكى الشديد تطبيقا لقانون قيصر .
لم تكن ثورة طبيعية توحد الشعب حولها .. بل قامت بحل الجيش رغم انه لم يقاوم وكان يمكن أن تتم عملية تسليم وتسلم بعد استبعاد الصف الأول من الجيش وكذلك فى الشرطة .. بل تمت تصفية المؤسسات الادارية والهيئات الحكومية بطرد قرابة نصف مليون موظف ، وهذا مالا تقوم به الثورات الطبيعية التى تتخلص من القيادات فحسب .
أنصار النظام الجديد من أهل السنة السوريين كان يشغلهم أمرين : الديموقراطية والاسلام . وأنصار المعارضة من باقى التلاوين كانوا مشغولين بالديموقراطية . وخلال 6 شهور من الحكم أصبح واضحا أنه تم استبدال استبداد باستبداد آخر . لم يعقد مؤتمر للحوار الوطنى وصياغة الدستور ، وسيطر الجولانى على كل السلطات لمدة 5 سنوات . ولم تعرف البلاد انفجارا للحريات كما يحدث فى أعقاب الثورات بل إن المعارضين فى الخارج لم يتشجعوا على العودة لسوريا ، وأغلب المهاجرين فى الخارج لم يرجعوا . والطغمة الحاكمة من نوع واحد سنى على الطريقة الوهابية وأفكار ابن تيمية وهى طريقة تستبعد الغالبية الكبرى من السنة . حتى لقد حدثت مواجهات بين هذا التيار الوهابى للنصرة وباقى فرق السنة : الصوفية والماتريدية والأشعرية وغيرها . وحدثت صدامات فى المساجد وبدأ الاعتداء على أضرحة المسلمين . واشتعلت فرق السنة ضد الوهابية التى يمثلها أعضاء النصرة .
والملفت للنظر أن هذه الصراعات تراجعت للخلف ورأى قادة تنظيم النصرة أن يركزوا على الطوائف الأخرى : العلوية والدرزية والشيعة والاسماعيلية والمسيحيين . والأضرحة والمقابر والكنائس والمطاعم والمقاهى التى يوجد بها موسيقى أو لعب بلياردو .
وهكذا تمحور المشروع الاسلامى المزعوم على محاربة وإبادة هذه الطوائف بديلا عن مواجهة الاحتلال الصهيونى الذى زحف برا وبحرا وجوا على سوريا منذ اليوم الأول لتولى النصرة حكم دمشق . حتى لقد وصلوا على بعد 20 كيلومترا من دمشق ولا يزالوا . واحتلوا 3 محافظات من جنوب سوريا تمثل مساحتها 10 آلاف كيلو متر مربع أى ما يوازى مساحة كل لبنان . بالاضافة لاحتلال هضبة الجولان السابق وهو الأمر الذى لا يتحدث فيه النظام السورى بل يقترح استمرار احتلال ثلث الجولان وتأجير الثلث وحصول سوريا على الثلث الأخير أو يتم تأجيره أيضا لمدة أقصر . بينما يعرض المبعوث الأمريكى باراك حصول سوريا على طرابلس اللبنانية مقابل التنازل عن الجولان وباقى الأراضى السورية المحتلة . بل حاولت بعض مجموعات الجولانى العبور إلى لبنان منذ شهور وتلقوا ضربات ساحقة من العشائر اللبنانية ارجعتهم للخلف . لم يتوقف الكيان عن قصف سوريا على مدار 6 شهور للقضاء على كل مقدرات الجيش السورى السابق والمفترض أنه ملك للشعب السورى ومن مسئولية النظام الجديد بل إن النظام الجديد لم ينبس ببنت شفة والقصف الجنونى بمئات الغارات يدمر مواقع الجيش فى دمشق وكل مكان فى سوريا . كما يقوم الاسرائيليون بدوريات مستمرة فى محافظات الجنوب ويؤسس مراكز مراقبة وقواعد عسكرية ويتحرك بحرية فى ريف دمشق .
ويقول النظام وكل مؤيديه فى مصر إن النظام الجديد لا يقوى على مواجهة اسرائيل حتى وان استمرت فى احتلال ثلث سوريا وانتهاك سيادتها كل يوم ، ولكنه قادر على مواجهة الكفار من أهل سوريا العلويين والدروز وسائر الأقليات . وأتوقف اليوم عند الدروز بمناسبة أحداث السويداء .
تيار النصرة – القاعدة – داعش سمه ما شئت يعتمد كما قلنا على الوهابية وابن تيمية وهو تيار تكفيرى تشير نصوصه إلى أعمال كثيرة إذا قام بها المسلم السنى نفسه لابد أن يستتاب 3 أيام ثم يقتل إن لم يتب . بما فى ذلك الجهر بنية الصلاة !! – فتاوى ابن تيمية .
وقد أضافوا إلى هذا التشدد مع المسلمين وأبناء الوطن من المذاهب والأديان المختلفة .. التساهل والتعاون مع أعداء الاسلام الأصليين : أمريكا واسرائيل . وقد نظروا لذلك على لسان الزرقاوى وغيره بأن الأولوية لقتال الكافر الأقرب أى الأنظمة العربية كما حدث فى العراق وسوريا . ولذلك هم يصرحون علنا ” بتأجيل ” أى مواجهة مع اسرائيل أو أمريكا . وإذا كان الزرقاوى قاتل أحيانا بعض الأمريكيين المحتلين لوجودهم بالعراق مع قتاله للشيعة إلا أن الجولانى تلميذه وتلميذ البغدادى ليس له تاريخ فى محاربة القوات الأمريكية فى العراق وسوريا . خاصة فى سوريا .
لقد حول هذا التيار الاسلام إلى دين طائفى وأصبحوا يترخصون ويرخصون بعد الطائفة الايزيدية الكردية فى العراق ، لقتل العلويين والاسماعيلية والشيعة والدروز بالذات باعتبارهم مرتدين عن الاسلام ، وبالتالى لا تقبل منهم جزية وعقوبة المرتد الاعدام . أما المسيحيون فلديهم إمكانية لدفع الجزية كأهل كتاب ولكن لابد من التعامل معهم بقسوة ولا مانع من تخويفهم لكى يهاجروا وهذا من أسباب تفجير كنيسة بصورة أوقعت عشرات القتلى والجرحى .
أعلم جيدا أن الأزهر عن حق لا يعترف بمذاهب : الدورزية والاسماعيلية والعلوية . وحتى الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية التى يتبناها شيعة إيران وحزب الله لا تعتبر الطائفة العلوية اسلامية شيعية . ولكن هناك أفراد من هذه الطوائف من يصلى ويصوم ويحج بأسلوب المسلمين وهم عموما يقرون بالقرآن و لكن يفسروه بصورة باطنية ولدينا من يفعل ذلك فى بعض الطرق الصوفية . ولكن ليست هذه هى القضية وأنا أتبنى موقف الأزهر الذى يعترف ب 8 مذاهب منها الجعفرية والزيدية . جوهر القضية أنهم مواطنون سوريون ولهم كامل حقوق المواطنة وهذا هو موقف الاسلام . ويمكن مراجعة نصوص صحيفة المدينة التى صيغت فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث كان لجميع أهل المدينة حقوق المواطنة الكاملة وكان منهم اليهود أو من لم يدخل الاسلام وكان النص على العشائر والقبائل كلها . وينص القرآن على أن غير المسلم إذا لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم : أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ” الممتحنة .
ودم كل انسان له حرمة ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : “ من قتل نفسا بغير نفس ” ولم يقل نفسا مؤمنة ، بل أى انسان . لا يجوز قتل أى انسان إلا لسببين : القصاص من القتل أو الفساد فى الأرض . يقول بعض الأذكياء أن الدروز أفسدوا فى الأرض لأنهم قاتلوا مع بشار الأسد ضد السنة . وقد وصل التعصب إلى حالة جنونية من ترديد الأكاذيب : السويداء بالذات كانت متمردة على نظام الأسد ولم يستطع النظام أن يدخلها بالقوة لسنوات طويلة ولذلك تعاقد معهم على الإدارة الذاتية للمحافظة . وكانت المظاهرات مع ذلك لا تنقطع تطالب بسقوط الأسد أيضا على مدار سنوات . وكانت هناك أقلية مع النظام . أما فيما يتعلق باسرائيل فهناك أقلية تتعاون مع اسرائيل بالتأكيد مثل الجولانى بالضبط أى أنها جريمة مشتركة بين الطرفين . فحتى هؤلاء لا يجوز للجولانى أن يقاتلهم إلا إذا أعلن الجهاد ضد اسرائيل وتبرأ من علاقاته معهم وقد كان آخر لقاء منذ ساعات فى باكو بأذاربيجان . وقد أعلن فى خطابه المسخرة اليوم أنه لن يحارب اسرائيل وسينسحب من السويداء وأنه حريص على الوحدة الوطنية .
والحقيقة ان قوات الجولانى لا تكف عن قتل السوريين يوميا فى الساحل ومناطق الأقليات فى حمص وحماة وغيرهما وأتابع ذلك يوميا مع الأسف على تويتر ، ولكن لا تقوى على إطلاق رصاصة واحدة تجاه العدو الاسرائيلى عندما يتجول فى دمشق ، كدفاع عن النفس ولا نقول أن يشن حربا على اسرائيل . وغير القصف الجوى منذ أيام هبطت قوة من الجو على بعد كيلومترات قليلة من القصر الجمهورى وشحنت معدات تابعة للجيش السورى وحملتها وعادت إلى اسرائيل .
الدروز ليسوا خونة يا من تتكلمون بغير علم الزعيم سلطان الأطرش هو الذى قاد الثورة الوطنية ضد الاحتلال الفرنسى . ودورز مجدل شمس المحتلة فى الجولان يرفضون الحصول على هوية اسرائيلية . دروز فلسطين عام 1948 تم استيعاب معظمهم فى الكيان ولكن “ولا تزروا وازرة وزر أخرى ” لدينا خونة من كل العرقيات والأديان والأجناس يسدون عين الشمس . دروز سوريا حوالى مليون مواطن معظمهم وطنيون وهم الذين تصدوا للتوغل الاسرائيلى البرى بالمظاهرات أخيرا وتصدوا بالسلاح وضربهم الطيرا ن الاسرائيلى بينما كان أفراد الجولانى لا ينطقون . وهم أى جنود الجولانى منضبطون إلى حد عدم حدوث أى حادثة منهم مع القوات الاسرائيلية المتوغلة فى جنوب سوريا . بل يصل الأمر إلى حد أن الجنود الاسرائيليين يوقفوهم ويفتشونهم ثم يفرجون عنهم .
الاسلام ليس دينا طائفيا . بينما كتب على صفحتى على الفيس بوك من يعتبرون أنفسهم متدينين واسلاميين يطالبون بذبح كل الدروز . من المؤسف أن تصل هذه الأفكار إلى مصر التى لا تعرف تاريخيا الطائفية ولا الدموية ولا الفاشية . وهذا نذير شؤم ونذير الخطر فاحذروا واتقوا الله وعودوا إلى دينكم .
