هذا التخلى المفضوح والمستمر عن الأشقاء على مدار 21 شهرا رغم أن المشاهد المؤلمة تذاع على الهواء وعلى مدار الساعة .. هذا الموقف جعل من مصر التى نعرفها مصر أخرى . مصر التى قال عنها الشاعر : لا تبخلوا بمائها على ظمى
واطعموا من خيرها كل فم
أى ظمى وأى فم وليس الأشقاء المجاورين لنا منذ آلاف السنين وكانوا فى حقب طويلة من سكان مصر وأرضهم من أرض مصر .. وهم مسلمون مع أقلية مسيحية وجميعهم من العرب .
بدأت سلسلة من الفيديوهات تحت عنوان تصحيح العقيدة الاسلامية . الوطنية المصرية كأى وطنية والعروبة كأى قومية لا تحتاج إلى تنظير فهى مسألة فطرية وليس لنا أى فضل أننا ولدنا مصريين وعربا . “ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ” . أما الاسلام كعقيدة فقد تعرضت للانحراف عبر السنين وفى موجات متعاقبة وعبر العصور . وإذا شفينا من جرح فى عصر ما ظهر جرح آخر فى عصر آخر . وهذه ابتلاءات مقدرة وحدثنا القرآن طويلا عن النفاق والمنافقين . وعن الذين بدلوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون .
وكانت المذاهب السنية يكفر بعضها بعضا ولا يصلون خلف بعض حتى وصل الأمر إلى الاقتتال . والآن جاء دور تكفير الشيعة ومحاربة وإبادة الأقليات ، بدلا من حشد الجهود لمواجهة التغول الاسرائيلى الأمريكى على الأرض العربية . رغم أن أكثر من أطلق النار مع سنة غزة هم شيعة إيران وحزب الله والعراق واليمن الزيدية الشافعية .
أعلن بعض زعماء حماس فى الخارج عقب سقوط نظام الأسد أن هذه بشارة فلسطين والمعركة التالية فى القدس . مرة أخرى لا أدافع عن نظام الأسد ولكن مهما كان سوءه فهو ليس مبررا لقبول من هو أسوأ منه أو مثله . مثله فى الاستبداد وأسوا منه فى التعامل مع اسرائيل . فزعيم حماس بالخارج الذى احتفل بنظام الجولانى . لم يتمكن من زيارة دمشق حتى الآن بعد أكثر من 7 شهور فى العهد الجديد . بل يتم طرد نشطاء حماس والجهاد وسائر الفصائل الفلسطينية . وتم تحويل الفلسطينى إلى أجنبى مقيم يمكن طرده فى أى وقت . ولا أتحدث فى هذا المقال عن سوريا ولكن عن انحراف العقيدة عند كثير من الاسلاميين من الاخوان المسلمين السوريين وكل فروع الاخوان الأخرى التى تؤيدها ، لأن اخوان سوريا شريك صغير للنصرة ويعملون تحت إمرتها . والتيار الاخوانى فى مصر والموالى له يتخذون موقف تأييد نظام الجولانى بدون أى تردد . ويدافعون عن حقه فى عدم التصدى للعدوان الاسرائيلى .. ويدافعون بحماس شديد عن حقه فى إبادة العلويين والدروز والشيعة الكفرة . ولا يعارضون اضطهاد المسيحيين . حتى لقد هاجر من 40 ألف إلى 50 ألف مسيحى سورى إلى لبنان حتى الآن .
القضية هى أن يصل الاسلاميون للحكم لا أن يقاتلوا اسرائيل فهذه مسألة مؤجلة إلى أجل غير مسمى . ولذلك لا يعارضون أن يلتقى الجولانى مع مسئول الأمن القومى الاسرائيلى أو رئيس الموساد فى الامارات وأذاربيجان 3 مرات . ويقولون بمنتهى الوقاحة والصراحة : هل تريدون للجولانى أن يتورط فى حرب بدون استعداد ؟ وهو نفس منهج ومنطق مدرسة كامب ديفيد . بل اسوأ لأن الاسرائيليين وصلوا على مسافة 20 كيلومتر من دمشق فى قطنة .
وهم يدافعون عن السلطان أردوجان عندما يمارس أعلى درجات التطبيع مع اسرائيل : البعض يكذب بدون دليل والغالبية تقول : المهم انه يعمل لصالح شعبه . أو هو مضطر لأنه عضو فى الناتو وكأن الاسلام يبيح الاستمرارفى عضوية حلف عسكرى صليبى تم تأسيسه للدفاع عن مصالح الغرب ثم تحول إلى محاربة الاسلام فى العراق وافغانستان وسوريا ولبنان وغزة واليمن . والبعض يقول لا انه ملتزم ببعض الاتفاقيات كالتزام مصر بكامب ديفيد . وهل تؤيدون كإسلاميين الآن كامب ديفيد ؟
أردوجان وحزبه فى الحكم منذ عام 2002 أى منذ 23 عاما ألم تكن هذه فترة كافية ليخرج من الناتو وأن يقطع علاقاته مع اسرائيل . بل لقد قام بالفعل بتطوير صناعاته الحربية . وهدد كثيرا اسرائيل بالكلام ولكنه لم يطلق رصاصة واحدة طوال 21 شهرا ولا حظوا ماذا فعل اليمن على بعدأكثر من 2000 كيلومتر . ولم يوقف التطبيع . ولم يغلق السفارة . وعندما أصبح على حدود فلسطين من خلال سوريا لم يتقدم ولم يقم بدور دفاعى عن حليفه ودميته الشرع لا فى الدفاع الجوى ولا فى أى مجال . واتفق مع الاسرائيليين فى اجتماعين فى باكو بعدم الاصطدام والتوقف عن بناء قواعد عسكرية فى سوريا أو بناء مصانع حربية أو مد نظام الجولانى بأى معدات ثقيلة . ومع ذلك فى أحداث السويداء ضد الدروز ظهرت مع قوات الجولانى بعض المدرعات والدبابات التركية . الجولانى لم يصدر أى بيان يتعاطف مع غزة . وغزة هى قضية المسلمين الأولى الآن . ويظل اسلاميون فى مصر يؤيدونه ويفرحون به لأنه لا يصافح النساء الأجنبيات كوزيرة خارجية ألمانيا ولا يسألون أنفسهم لماذا يقابلها وهى زعيمة نشر فكرة الشذوذ الجنسى وهى ثانى دولة فى تسليح اسرائيل ضد غزة . قال كادر كبير فى إحدى الجماعات الاسلامية المصرية عندما سألته عن رأيه فى النظام السورى الجديد قال عدة أسباب ولكن كان أولها ان الجولانى لا يصافح النساء . فلم أجد فرصة للحديث معه فى كل هذه العفة وهم لديهم فتاوى معلنة بالسبايا لا تمت للاسلام بصلة حيث يمكن لأى عضو بالنصرة أن يكون عنده سبايا بدون حد أقصى من العلويات والدرزيات حتى الآن على الأقل . وسأتناول موضوع السبايا فى مقال خاص ضمن تصحيح المفاهيم المنحرفة عن الاسلام .
ومن الطبيعى أن يمتص هذا الحبور بالجولانى العميل الاسرائيلى طاقة مؤيديه فى مصر وسوريا وغيرهما وبالتالى لم يعد عندهم طاقة من أجل غزة . وفى اتصال لى مع صديق سورى سابق فى حماة عقب سقوط الأسد قال لى إذا كان تحرير فلسطين سيتم عن طريق حزب الله فلا نريده . قال ذلك بعد استشهاد السيد حسن نصر الله و6 آلاف من أعضاء وجمهور الحزب فى الحرب مع اسرائيل . وعشرة آلاف من المصابين . ولكنه وعدنى بتحرير القدس ولا أعرف ماذا يقول الآن بعد 8 شهور من حكم الجولانى هل اقتربنا من القدس أم اقترب الاسرائيليون من دمشق .
وبالنسبة للاسلاميين فى مصر فهم لا يرون أن غزة هى معركتهم ، بل معركتهم هى مع السيسى وهى المعركة التى لا يخوضونها من داخل مصر ولكن من خلال الفضائيات الخارجية التى أصبحت سلبياتها أكثر من ايجابياتها إذا كان لها إيجابيات وأعنى بها بعض الحقائق الصحيحة .
إن معركة الأمة العربية والاسلامية ومنها وعلى رأسها مصر مع الحلف الصهيونى الأمريكى وخلافنا مع الحاكم يتمحور أساسا حول بعده أو قربه من هذا الحلف .. ثم تأتى القضايا والخلافات الأخرى بعد ذلك .
المسلم مجاهد فى سبيل الله ولا يخشى العواقب ، ونحن نتحدث عن الجهاد بالكلمة والحركة السلمية .. المسلم لا يربط مواقفه بمخاطر السجن ، إن سجناء الاسلاميين أساسا جاءوا فى معركة على السلطة حتى وإن كانوا على حق فى موضوع الصندوق الانتخابى . ولكننا لا يمكن أن نظل نناقش كل مشكلات مصر من خلال ذلك الصندوق .
فى آخر لقاء لى عام 2014 مع مجموعة دعم الشرعية والتى كانت تضم ممثلى كل الأحزاب الاسلامية وكانت مجتمعة فى مقر حزب الوسط . اتفقوا جميعا ضدى عندما قلت إن معركتنا الاساسية هى فى التحرر من الهيمنة الأمريكية . وقالوا جميعا بالنص : إن الأولوية الآن لمعركتنا من أجل تحرير الصندوق . وهم لايزالوا يخوضون هذه المعركة حتى الآن . ولكن الشعب غير معنى بهذه الخناقة لأن قضاياه لم تشغلكم . بدون قضية وطنية لا يمكن إقامة جسر حقيقى مع الشعب . والقضية الوطنية غير مفتعلة هى مجسدة فى مجزرة غزة بالدم ومجزرة مصر بالفقر والغلاء والديون والعدو واحد فى الحالين أمريكى صهيونى .
لا يوجد فى حدود علمى فى السجن اسلامى واحد بسبب تحركه من أجل غزة ولكن يوجد 181 معتقلا بتهمة مناصرة غزة وهم من الناصريين واليساريين وربما بعض المستقلين . بل إننى ألوم الجميع : غزة تستحق أكثر من ذلك . نحن لم نقم بالدعاية الكافية للافراج عنهم . ثانيا يجب ألا تتوقف الحركة .. غزة تستحق أكثر من 181 سجينا حسب احصاء شهر يونيو الماضى . غزة تستحق آلاف آلاف المعتقلين وهكذا تتحول إلى قضية كبرى فى البلاد .
السجون لا توقف تطور الحركة الشعبية .. الخوف من السجون هو الذى يقتل الحركة الشعبية . وقد قال مانديلا من قبل إن الحرية لا تعطى ولكن تنتزع . وقال بالنص ” العبيد فقط يطلبون الحرية. الأحرار يصنعونها “
