لا تزال مشكلتى مع الحكام والنخبة لم تتغير منذ عشرات السنين . كنت أقول لهم إن مشكلة مصر الكبرى والأصلية هى السقوط فى التبعية للولايات المتحدة وحليفتها المعروفة .. وأن جوهر الحل لكل مشكلاتنا التى تبدو لانهائية يبدأ بالتحرر من هذه الهيمنة .
وحتى لا أغوص فى الوقائع بعيدا أكتفى الآن بالرجوع إلى تأسيس حركة كفاية حيث كدنا ننفصل عن النخبة اليسارية والقومية والليبرالية والاسلامية لأنها كتبت بيانا تأسيسيا لا يشير إلى ضرورة التحرر من الهيمنة الأمريكية . فضحكوا علينا ووضعوا سطرا مائعا فى آخر البيان ولكن لأننا نسعى إلى التوحيد راهنا على الممارسة .
ولكن حركة كفاية استبعدتنا من قيادة الاجتماع التأسيسى فى جمعية الصعيد رغم أن فكرة مواجهة النظام كانت فى الأصل هى فكرتنا ونحن الذين خضنا المعركة وحدنا منذ عام 2002 ضد مبارك .
وظلت الحركة تركز على الديموقراطية والندوات الثقافية بخصوص الأمور الداخلية .
ثم انتهت بالانضواء مع كل النخبة الأخرى بما فى ذلك الاخوان تحت لواء البرادعى الليبرالى أمريكى الهوى كما يصف هو نفسه . وبقيت أقلية فى كفاية وانتخبتنى أمينا عاما لها رغم وجودى فى السجن على أساس اننى على وشك الخروج وقد حدث ولكن بعد قيام الثورة ب 4 أيام .
كانت الأغلبية الساحقة من النخبة لم ترتض البرادعى قائدا فحسب بل ارتضت الموقف الليبرالى وأن مشكلة مصر هى فحسب فى تزوير الانتخابات . وقد تحقق لهم ما أرادوا بقيام الثورة وإجراء انتخابات سليمة فعلا عدة مرات ولكن البلد ضاعت . وضاع هذا المكسب الوحيد وهو حرية الانتخابات . وقامت هذه النخبة نفسها بإضاعته بسوء تصرفها وإصرارها على الشجار الاسلامى العلمانى فانتصر الذى لا يشغله هذا النزاع واستبعد الطرفين !!
والآن وصلنا إلى مأساة الإبادة فى غزة ولا تزال طريقة التفكير كما هى ولا نتعلم من خبرات السنين ، ولا أقول الاحتكام لمشاعر الفطرة قبل مشاعر الإيمان .. كيف يباد 2 مليون وربع المليون انسان أمامنا ولا نتحرك . بمعايير الجيرة والعروبة والاسلام والمسيحية الشرقية والانسانية وحسابات الأمن القومى .
كان من المفترض أن يكون أهل النخبة هم أقرب وأسهل للقبول بفكرة التمرد على الهيمنة الأمريكية لأنهم ليسوا من المستفيدين . وأستبعد بطبيعة الحال المرتزقة الذين يعتاشون من التمويل الأجنبى المشبوه . ولكن هناك ما هو أخطر من الارتزاق : الاخوان المسلمون يتحالفون مع أمريكا والغرب ومن أهم مظاهر هذا التحالف أن مراكزهم الدعوية والمالية والاستثمارية الأساسية متركزة فى الغرب .. وإن التدفق المالى الرهيب لدى هذا التنظيم قادم من الغرب ، وهذا سر تواجد أمين الصندوق فى سويسرا عاصمة المصارف العالمية ونعلم تحت سيطرة من ؟ . والآن فإن القائم بأعمال المرشد هو شخص موال للسعودية ، وإخوان اليمن يقاتلون تحت لواء السعودية أطهر العرب وهم الحوثيون حتى بعد كل ما يقومون به لنصرة اخواننا فى فلسطين .
ما يحدث فى سوريا أكد هذه المخاوف فالاخوان المسلمون هم الشريك الأصغر للقاعدة وجبهة النصرة فى حكم سوريا الفاشل الذى يدفع إلى التقسيم والتطبيع تحت الاشراف التركى – السعودى الأمريكى . وليس لديهم أى تأنيب ضمير من العلاقات المتصاعدة منذ اليوم الأول بين الجولانى واسرائيل بل يدافعون عنها ، ولا يقبلون أى نقد لأردوجان لاستمراره فى التطبيع مع اسرائيل على نطاق واسع وفى مواد استراتيجيه أهمها البترول القادم من نظام أذاربيجان العميل المشترك لاسرائيل وتركيا عبر ميناء جيهان التركى ثم إلى حيفا .
وهكذا فإننا فى مصر أصبحنا فى خطر داهم من هذا التيار الذى يشمل الاخوان وغيرهم من مؤيدى الجولانى وتركيا فى إعلان صريح اننا لسنا ضد أمريكا واسرائيل ولكننا أولا ضد الأنظمة العربية حتى عندما يسقط نظام الأسد فإنهم لا يزالوا يعارضونه فى مشهد عبثى غير مسبوق .
المعارضة الخارجية الاخوانية والموالية أو المتحالفة معها تعزف لحنا شجيا واحدا : إن الغرب وأمريكا قد أعطى كارت أحمر للسيسى وأن عليه أن يعد حقائبه للرحيل .
مصر هى بين شقى الرحى بين هذه النخبة الاسلامية العلمانية المراهنة والمتحالفة مع امريكا كما كانت قبل وبعد ثورة يناير وبين النظام المصرى المستقر منذ نصف قرن فى إطار علاقات مؤسسية مع أمريكا واسرائيل ويعتبرها من الثوابت التى ترتفع لمستوى القداسة . علاقات التبعية الراسخة هذه هى المسئولة أساسا عن حالة التدهور الشامل فى شتى مناحى الحياة لأنها أدت إلى تآكل المجتمع وكل مقومات استقلاله وفق خطة محكمة تم تنفيذها عبر عشرات السنين . حتى انه يوجد مكتب دائم لصندوق النقد منذ زمن فى كل الوزارات المصرية . وبجوار السفارة الأمركية يوجد برج توأم لها عبارة عن مركز للمعونة الأمريكية وهى تشرف على كل مؤسسات الدولة التى تحصل على أى نسبة من المعونة ، تحت زعم متابعة للتأكد من حسن استغلال بضع ملايين من المعونة حصلت عليها كل مؤسسة حتى وصل الأمر للمحاكم .
وبالتالى فإن مصر محشورة بين شقى الرحى مطحونة بين النظام وهذه المعارضة إلا قليلا منها ..
إن اعتراضاتى من الواضح انها تتزايد بشدة ضد النظام القائم ولا أكف عن نشرها ولكننى أركز بالأساس على قضية غزة . غزة أصبحت تلخص كل شىء فى هذا العالم، حتى ان العالم يكاد ينقسم إلى فريقين معها أو ضدها . ولكن معها الشعوب وضدها حكومات الغرب وحكومات العرب . ومن الطبيعى أن تكون غزة هى القضية المفصلية فى مصر الآن ومنذ 21 شهرا .
النظام المصرى يتصور أن أقصى ما يمكن أن يفعله أن يسلم – كما كان يفعل دائما – المساعدات للجلاد الذى يعذب ويقتل أهل غزة ، وبذلك تنتهى مهمة مصر . المساعدات وصلت أو لم تصل هو غير مسئول . القتل مستمر بالرصاص والتجويع أم لا هو غير مسئول .
والمعارضة ترى أنها قامت بدورها بإصدار البيانات من حين لآخر إلا مجموعات الناصريين واليساريين الذى شاركونا من دون التيار الاسلامى فى وقفات أمام نقابة الصحفيين – وشارك أفراد أحسبهم من المستقلين فى التيار الاسلامى لا يزيدوا عن أصابع اليدين . وقام اليساريون والناصريون بوقفات فى أماكن أخرى . ويوجد 181 معتقلا منهم ومن مواطنين مشاركين معهم . وقلت من قبل إن غزة تستحق أكثر من ذلك . تستحق آلاف آلاف المعتقلين .
دعوت إلى تنظيم مؤتمرات جماهيرية عقب صلاة الجمعة عدة مرات ولم يستجب أحد وأطالب بذلك مرة أخرى يوم الجمعة القادم . ثم فوجئت بواقعة المعصرة فى نفس اليوم .
بسبب مواقف المعارضة والاعلام المعارض فى الخارج فإن الجمهور المصرى أكثر حساسية للأمور الداخلية .. وأنا أتوجه للنخبة الرشيدة وللجمهور .. لن تحل مشكلات مصر بالتصعيد مع النظام فى الأمور الداخلية التى أصبحت متفجرة ولكن بالتصعيد أولا ضد النظام فى موضوع فك الحصار عن غزة ولو بالقوة . لأنكم بهذا تصوبون نحو العدو الرئيسى الذى أفسد بلادكم وخربها عبر عشرات السنين حتى قبل النظام الراهن وإن كانت الأحوال الآن أسوأ بالتأكيد ولكن ليس بسبب طبيعة الأشخاص أساسا ولكن بسبب استمرار حالة الانحدار منذ عام 1974 حتى الآن . فلابد لكل عام أن يكون أسوأ ولكل عقد أن يكون أسوأ مهما كان شخص الحاكم .
إنقاذ غزة لن يستغرق وقتا طويلا وهو يستحق فى كل الأحوال ولكنه بالأساس سيعيد ضبط البوصلة نحو التآخى الداخلى والتوحد ضد الخطر الخارجى المشترك ثم الاستدارة لإعادة البناء والتنمية المستقلة بدلا من بيع البلد الذى بشرنا رئيس الوزراء أمس بأنه قرر بيع ما تبقى من مصر فى أقرب فرصة ممكنة . من الطبيعى أننا لابد أن نصطدم سياسيا بالحكام فى كل القضايا المتعلقة باستقلال مصر وعلى رأسها عملية بيع الأصول وهى نفس المعركة التى يتعين خوضها لفك الحصار عن غزة . هى معركة واحدة عنوانها : مقاطعة أمريكا واسرائيل لانقاذ مصر وغزة .
فى البيت المجاور لك دخلت عصابة وتقوم بإبادة سكان البيت شقة شقة . مهما كانت مشغولياتك وأعباءك فلابد أن تترك كل شىء لإنقاذ الجيران واستدعاء أكبر عدد ممكن من أهالى الحى للمقاومة وطرد وقتل المعتدين . كل طفل سليم الفطرة يدرك هذه المعادلة ولكنكم تكابرون . وكلامى موجه لمن تبقى من أحزاب معارضة أو مثقفين أو متعلمين أو بنى آدميين بأكثر من الحكام الذين هم حماة استمرار كامب ديفيد رغم يقينى من وجود عناصر وطنية مخلصة فى المؤسسات الرسمية ولكنهم يخفون مواقفهم .
مطالبنا واضحة وسهلة وبسيطة وبدون تحقيقها نأثم أمام الله الذى قال إذا كنت تذكرون :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27) الأنفال
لا أظن أن كثيرا منكم قد لاحظ ذلك من قبل : أن الله سبحانه وتعالى يحث المؤمنين على ألا يخونوا الله والرسول وألا يخونوا أماناتهم وهم يعلمون . وفى موضوع غزة أنتم تعلمون أنكم تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم .
عقب انتهاء خطبة الجمعة ليقف أحدكم ليقول للخطيب لماذا لم تتحدث عن غزة ؟ وما هو الموقف الشرعى للاسلام إزاء ما يحدث منذ 21 شهرا فى غزة ؟
وإذا كان قد ختم خطبته بالدعاء لغزة وقليل ما هم أسألوه هل هذا موقف شرعى يكفى وهل يوجد فى القرآن تأييد بالدعاء فقط . حتى النساء يذهبن للجبهة ويقدمن الطعام ويعالجن المصابين . إن جهاد مصر لم يرتفع إلى مستوى جهاد النساء .
مطالبنا واضحة وسهلة وبسيطة:
إدخال المساعدات مباشرة لغزة من خلال معبر رفح وليس من خلال المعبر الاسرائيلى كرم أبى سالم
تدخل المساعدات بإشراف المنظمات الدولية التابعة الأمم المتحدة بالتفتيش والمصاحبة حتى مستودعات المنظمات فى غزة ويفتح الجيش الاسرائيلى الطريق لهم .
إذا رفض الاسرائيليون يقوم الجيش المصرى بفتح الطريق بالقوة ويستعين بقوات رمزية من شتى البلاد العربية والاسلامية تنفيذا لقرار المؤتمر العربى الاسلامى
قطع كافة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية مع الكيان . ويمكن البدء بذلك أولا كنوع من التحذير ولكن الوقت ليس متسعا المجاعة تستشرى .
