تجربتى مع الحركة الوطنية والاسلامية – 1981 – 1988 – كتاب لمجدى حسين

ا المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن أهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد :

هذه ليست مذكرات شخصية من التى تكتب فى نهاية العمر ولكنها دراسة تستهدف عرض تجربتى مع الحركة الوطنية والاسلامية بغرض الفهم والتقييم والتحليل من وجهة نظرى وبهدف تسليح الأجيال الصاعدة بخبرة من سبقوهم فالمعول الأساسى الآن على هذه الأجيال . وأعتقد أن الأجيال القديمة ، أقصد التى تستعد لمغادرة العالم ، مطالبة بتقييم تجربتها والقيام بمراجعة نقدية لتاريخها ، فأحسب أن مختلف التيارات الوطنية والاسلامية قد فشلت فى استنهاض الأمة ووضع مصر فى المكانة اللائقة بها ، كأول دولة وأول مجتمع منظم وأول حضارة فى العالم . مصر الآن ووفقا لتقرير التنمية البشرية لعام 2020 تحتل المركز 116 من 189 دولة وتسبقنا بلدان لم نسمع باسمها ولن تجدها على الخريطة بسهولة مثل : ساموا – بليز – تونجا ، وتسبقنا كثير من الدول العربية ومنها فلسطين المحتلة .

وبغض النظر عن هذا التقرير الدولى فإن الأمر لايحتاج إلا نظرة على ظواهر الأمور لندرك أن مكانة مصر وهيبتها عربيا واقليميا ودوليا لا تليق بها وهى غير مؤثرة فى الأحداث التى تقع حولها ومؤشراتها الاقتصادية لا تليق فى مجالات الاستدانة – العجز فى الميزان التجارى – مستوى التقدم الصناعى والتكنولوجى.. وقد انعكس هذا على مستوى الانتاج الفنى والفكرى والأدبى وكأننا قد خرجنا من هذه المجالات بعد رحيل نجيب محفوظ ، وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس و الشيخ محمد الغزالى ومحمد متولى الشعراوى وغيرهم من الرموز والتى كانت مؤثرة على المستوى العربى والاقليمى والدولى .

إن المصابيح الحمراء المنذرة قد أضيئت واشتعلت فى كل غرف العمليات ولكن أحدا لا يشعر بالقلق إلا قليلا . وإدراك وجود مشكلة وتشخيصها هو نصف الطريق نحو الحل ، بل هو الحل كله .

وسأعطى اهتماما أكبر فى هذه الدراسة للحركة الاسلامية باعتبارى أنتمى إليها منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين حيث أرى أن مراجعة نقدية لمجمل ممارسات وفكر الحركة الوطنية والاسلامية يتعين أن يتم على3 مراحل : مراجعة داخل كل تنظيم على حدة ثم مراجعة داخل كل تيار على حدة ثم مراجعة مجمعة يشارك فيها الجميع ، وبطبيعة الحال تعمل كل هذه المراجعات معا بشكل متواز ومتفاعل قدر الإمكان ، ولكنها تتصاعد كما أتصور هكذا . وهى مسألة وعى بهذه المهمة وليس عبر تنظيم تقوم به أى جهة ، فلتتم بشكل عفوى تفاعلى ، وبقدر توفر الإخلاص والنية الحسنة والوطنية سيلتقى الجميع على كلمة سواء فى نهاية هذا التفاعل ، أقصد الأغلبية الكبيرة أو الساحقة ، فإلإجماع أمر بعيد المنال.

ستركز هذه الدراسة على الفترة الممتدة من 1981 حتى 2012 أى من إغتيال الرئيس السادات حتى ثورة 25 يناير 2011 .

1- البداية

منذ بداية عام 1981 كنت أعيش على مفارق طرق أساسية فى حياتى ولم أكن بعد قد انخرطت فى أى عمل اسلامى منظم . كنت فى لحظة مراجعة عميقة لمرحلة استمرت 13 عاما مررت بأطوار متتابعة بين التدين الشديد بعيدا عن العمل السياسى ثم الاعجاب بالتجربة الناصرية وفكرة القومية العربية ثم الوطنية الخالصة التى وصلت إلى حد تأسيس منظمة وطنية تعمل لتحرير مصر من الاحتلال الاسرائيلى ومعارضة النظام المصرى فى عهدى عبد الناصر والسادات من أجل حفزهما لتحرير سيناء ، مع المرور فكريا بصورة متتابعة على الفكر الغربى الليبرالى والاعجاب بشارل ديجول زعيما لتحرير فرنسا من الاحتلال النازى والتأثر بروجيه جارودى المفكر الماركسى الفرنسى المتحول إلى اشتراكية مختلفة معجبة بالتجربة اليوغسلافية ، إلى معارضة الغزو السوفيتى لتشيكوسلوفاكيا، إلى التأثر قليلا فأفكار حركة الهيبز ، مع الاحتفاظ طول الوقت بالمنظمة الوطنية التى كانت بدون اسم وكانت قائمة على العداء الدفين لاسرائيل وأمريكا . وكانت أقرب للحلقة الدراسية والثقافية ولكنها بدأت فى العمل بالاعداد للمظاهرات وطبع المنشورات لتوزيعها فى الجامعة و التى تدعو لإعلان حرب التحرير فى سيناء وكان ذلك فى عام 1971 . ثم انتهيت فى عام 1972 إلى الماركسية حتى عام 1980 . وفى أواخر 1980 وأوائل عام 1981 عدت مرة أخرى لمنابع الايمان والاسلام بصورة تدريجية وعبر معاناة فكرية وتعمق فى القراءات المتنوعة والحوارات المكثفة مع الأستاذ عادل حسين.. عدت بصورة عكسية على طريقة الهندسة العكسية من الماركسية إلى العروبة والقومية العربية .. عدت عبر كتابات د. عمارة ودراسات غربية عن ابن خلدون .. عدت إلى الوطنية المصرية الخالصة مع استمرار العداء الدفين لاسرائيل وأمريكا الذى ظل مصاحبا لى فى كل المراحل وحتى الآن .. ثم عدت إلى الاسلام الأصلى والوحيد : القرآن الكريم والسنة المشرفة مع الاخلاص فى العبادات . فى أوائل عام 1981 لم أكن قد خرجت من كل مفارق الطرق هذه . كنت بين القومية والدين والوطنية بدون منهج قاطع محدد .

مرة أخرى هذه ليست مذكرات شخصية فهذه لها مكان آخر وهى مطلوبة فى نفس سياق المراجعة التى تحدثت عنه آنفا . ولكن كتبت هذه السطور لتوضيح أننى لم أكن مشاركا فى أحداث عام 1981 ولم أكن قد انخرطت فى الحركة الاسلامية السلمية ، فلم أفكر فى أى لحظة فى العنف والارهاب فى العمل الوطنى أو الاسلامى وكنت رافضا له تماما . وكنت بل فكرت فعلا فى تنظيم عمل فدائى خاص ضد قوات الاحتلال الاسرائيلى فى سيناء وسأوضح ماذا فعلت ؟ فى مكان آخر. كان لابد أن أوضح موقفى الفكرى فى هذه اللحظة لأننى سأحلل أحداث عام 1981 التى صاحبت إغتيال الرئيس السادات كمراقب وكمحلل وأيضا من وجهة نظر اسلامية . أما بدءا من عام 1983 فسأكتب محللا ولكن من موقع المشارك فى الأحداث من خلال حزب العمل الذى بدأت مع و تحت قيادة عادل حسين فى تحويله إلى حزب اسلامى.

فى عام 1981 كنت مجرد صحفى فى جريدة الشعب أكتب فى الشئون العربية ضد اسرائيل وأمريكا وداعما للقضية الفلسطينية ، ولم أنخرط حتى فى الشئون السياسية المصرية لأننى لم أكن مستوعبا ولا مؤيدا لأشياء عديدة فى فكر وممارسة وسياسة حزب العمل الاشتراكى فى ذلك الوقت . لذلك عندما ضرب السادات حزب العمل وأغلق صحيفة الشعب فى قرارات سبتمبر 1981 واعتقل سبعة من قيادات الحزب . لم أكن من بين المعتقلين .

أحداث سبتمبر 1981 وتكفير السادات – 2

لا أريد أن أبحث هنا مجمل الوضع السياسى للبلاد فى ذلك الوقت . ولكننى كنت ولا زلت معارضا شديدا لكل ما فعله السادات من زيارة القدس المحتلة حتى كامب ديفيد . نحن لا زلنا ندفع ثمن هذه السياسة حتى الآن أى بعد 45 عاما . تصادف أن كنت على مقربة من أحداث المنصة فى بيت عائلة زوجتى بمدينة نصر وشاهدت الأحداث عن بعد من الشرفة . وأعترف أننى كنت أسعد مخلوق فى الدنيا فى ذلك اليوم رغم كراهيتى للعنف والدم ، ولكننى أكره كامب ديفيد واسرائيل وأمريكا أكثر . ولكننى الآن بعد 45 عاما بل منذ سنوات بعيدة لا أؤيد هذا العمل بمنطق وطنى وبمنطق اسلامى . فالاغتيال لم يضرب كامب ديفيد بل أدى بصورة غير مباشرة إلى تعزيز توجه التحالف الثلاثى المصرى الامريكى الاسرائيلى ، وقد ساهمت نعومة الرئيس مبارك فى تمرير نفس سياسات السادات وبصورة أكثر عمقا وأشد بأسا وتنكيلا على مدار 30 سنة . ومن الناحية الاسلامية فلم تقم دولة الاسلام بإغتيال السادات ، ولا كنا نريد إقامة دولة للاسلام على الطريقة الداعشية ، فهذه تكون أسوأ ضربة وأسوأ دعاية للاسلام .

ما يهمنا فى هذا المقام دراسة وتقييم أفكار وسلوك جماعتى الجهاد والجماعة الاسلامية اللتين كانتا متداخلتين بين التعاون وبين التوحد . نتوقف الآن عند حدث إغتيال الرئيس أنور السادات وأحداث أسيوط المصاحبة لها .

تكفير السادات وفتوى إغتياله

الحقيقة ان الجماعة الاسلامية كانت قد اتخذت موقفا وطنيا سياسيا صحيحا من وجهة نظرى بمعارضة كامب ديفيد واتفاقية السلام مع اسرائيل وقد كان هذا موقف سائر القوى الوطنية ، وهذه رؤية سياسية قد يتفق معها البعض أو يرفضها ، وقد كان النظام نفسه مختلفا حول كامب ديفيد : معظم أو كل الفريق المفاوض مع السادات فى كامب ديفيد كانوا معارضين ولكنهم رضخوا لرأى السادات فى النهاية جميعا عدا وزير الخارجية ابراهيم كامل الذى استقال . ولكن لم تكن هذه هى القضية التى دفعت الجماعة الاسلامية لتكفير ثم إقرار إغتيال السادات لأن موقفهم استند لكتاب الفريضة الغائبة لعبد السلام فرج وقد تأتى لى أن أقرأه كاملا بعد هذه الأحداث بسنوات .

ولابد من التوقف عند فكرة التكفير التى ترجع منابعها إلى كتب ودراسات عديدة قبل هذا الكتيب وبعده . ولكن لنتوقف الآن عند كتيب عبد السلام فرج ” الفريضة الغائبة ” .

أول ملاحظة منهجية فى الفقه هو القياس بين واقعتين مختلفتين . فتحريم المخدرات مثلا يستند إلى قياس مع الخمر المحرم لأن الأخير يغيب العقل وهذا ما تفعله المخدرات . ولكن الفريضة الغائبة يعقد مقارنة غريبة بين حكم السادات وحكم التتار . والخطأ الأول أنه يريد أن ينتزع الفتوى من كلام ابن تيمية وهو خطأ شائع ومستمر حتى الآن بين الجماعات الاسلامية المتشددة والمؤمنة بالعنف . فهم يرفعون إلى مستوى التقديس أى كتابات لابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وابن كثير فى إطار المذهب الحنبلى . والحقيقة فإن الفتوى فى الأمور المتغيرة لايجوز الاعتماد فيها على الأموات من العلماء ، فما بالكم بالعلماء الذين عاشوا منذ قرون فى ظروف سياسية واقتصادية وحضارية شديدة الاختلاف . فالاجتهاد يستند إلى قاعدة معروفة : إنزال النص على الواقع . وقد شرع الاجتهاد لأن الواقع متغير ولأن النصوص محدودة والوقائع المتجددة غير محدودة . وبالتالى ليس من الصحيح الاستناد إلى فتوى متكاملة من كتب أى عالم كبير فى زمن مضى . كتب الفقه هى بالتأكيد ترسانة فكرية يتعين على العلماء والمجتهدين أن يستوعبوها ويستفيدوا منها لا أن ينقلوا منها . وقد رأيت بنفسى شبابا من تنظيمات القاعدة والجهاد والجماعة الاسلامية يمسكون كتابا اسمه التوحيد ولا يناقشونه بل يبحث كل فرد منهم على عبارة فى الكتاب تؤكد رأيه وكانوا يناقشون مسألة العذر الجهل أو التكفير بين تكفير الأعيان والتكفير العام . والطريف أن صاحب كل وجهة نظر كان يجد فى عبارة ما ما يؤكد وجهة نظره . وكان الكتاب يضم موضوعات من ابن تيمية وعبد الوهاب وأولاد عبد الوهاب . ويتصور المنتمون لهذه الجماعات أن مسألة التكفير مسألة عقائدية قديمة ولا جديد فيها وبالتالى فإن ما قاله الأقدمون يكفى .

الخطأ الثانى أنهم يختارون أئمة دون أئمة وكأن الذين اختاروهم يحتكرون الصواب . ولم يكن هذا رأى الأقدمون أنفسهم ، ليس فقط للمقولة الشهيرة : رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب . ولكن لأن كثيرا من كبار الأئمة تعاصروا وتعاونوا واحترم بعضهم بعضا وتتلمذ بعضهم على يد البعض الآخر كما تتلمذ الشافعى على يد مالك مثلا . والخطأ الثالث أن العالم الواحد تختلف آراؤه من مرحلة لأخرى . وستجد فى فتاوى ابن تيمية وقد كان غزير الانتاج مواقف تختلف من وقت لآخر وهذا ليس عيبا ، فأى عالم حقيقى يمكن أن يغير رأيه من وقت لآخر ، وقد تظهر له زوايا لم يرها من قبل . والمثل الشائع أن فقه الشافعى اختلف فى مصر عن العراق ، وهذا منطقى لأن الظروف والوقائع تختلف وهذا يؤثر على الفتوى رغم ثبات النصوص العامة فنحن هنا نتحدث عن الفروع وهى كثيرة .

ولنأخذ من حديث عبد السلام فرج مثالا حيا . فهو يقول إن التتار أدعوا فى مرحلة ما فى عهد ابن تيمية أنهم دخلوا الاسلام ولم يكونوا صادقين فأمر ابن تيمية بمواصلة قتالهم لأن إدعاءهم الاسلام غير حقيقى وكانت هناك شواهد عملية ظاهرة على ذلك . وهذه الخلفية وتلك الظروف لا يمكن مقارنتها بنظام السادات . لايمكن مقارنة نظام 23 يوليو مهما كان رأيك فيه بالتتار ، فهذا موضوع وهذا موضوع آخر . والضباط الأحرار ليسوا غزاة أجانب كافرين وإذا أردت أن تناقش وضعهم على أساس الشرع فدعك من قصة التتار ، فقصة التتار ليست هى التى ستساعد على تكفيرهم .

معضلة التكفير فى العصر الحديث

ولكن لنبدأ بحديث ابن تيمية عن المرتد فى كتاب الفتاوى الكبرى فلن نجد شيئا يصلح لتكفير حكم السادات . باختصار هو يقول عن المرتد إنه المشرك بالله أو المبغض للرسول صلى الله عليه وسلم أو ترك منكرا بقلبه أو أنكر مجمعا عليه قطعيا أو جعل بينه وبين الله وسائط ومن شك فى صفة من صفات الله . وأن من حكم عليه بالردة فأنكر حكم بإسلامه ولايحتاج أن يفى بما شهد عليه به ثم تحدث عن التنجيم والسحر .

راجع نص ابن تيمية ص 442 – 443 باب حكم المرتد

الفتاوى الكبرى – المكتبة القيمة للطباعة والنشر والتوزيع – المجلد الرابع – الطبعة الأولى 1988 – الناشر دار الغد العربى – العباسية – القاهرة

أما فتواه فى قتال التتار فجاء فيها :

وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم . فقد علم أن هؤلاء [ ص: 520 ] القوم جازوا على الشام في المرة الأولى : عام تسعة وتسعين وأعطوا الناس الأمان وقرءوه على المنبر بدمشق ومع هذا فقد سبوا من ذراري المسلمين ما يقال إنه مائة ألف أو يزيد عليه وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله حتى يقال إنهم سبوا من المسلمين قريبا من مائة ألف وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها كالمسجد الأقصى والأموي وغيره وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة دكا .

وقد شاهدنا عسكر القوم فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نر في عسكرهم مؤذنا ولا إماما وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله .

ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق .

وهم يقاتلون على ملك جنكسخان . فمن دخل في طاعتهم جعلوه [ ص: 521 ] وليا لهم وإن كان كافرا ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار المسلمين . ولا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار .

بل غاية كثير من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم أن يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرب إليهم بأنا مسلمون . فقال هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله محمد وجنكسخان . فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين أن يسوي بين رسول الله وأكرم الخلق عليه وسيد ولد آدم وخاتم المرسلين وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفرا وفسادا وعدوانا من جنس بخت نصر وأمثاله .

وذلك أن اعتقاد هؤلاء التتار كان في جنكسخان عظيما فإنهم يعتقدون أنه ابن الله من جنس ما يعتقده النصارى في المسيح ويقولون إن الشمس حبلت أمه وأنها كانت في خيمة فنزلت الشمس من كوة الخيمة فدخلت فيها حتى حبلت . ومعلوم عند كل ذي دين أن هذا كذب . وهذا دليل على أنه ولد زنا وأن أمه زنت فكتمت زناها وادعت هذا حتى تدفع عنها معرة الزنا وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله في تعظيم ما سنه لهم وشرعه بظنه وهواه حتى [ ص: 522 ] يقولوا لما عندهم من المال هذا رزق جنكسخان ويشكرونه على أكلهم وشربهم وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون المعادي لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين .

مجموع فتاوى ابن تيمية – اسلام ويب

وبدون أى دفاع عن نظام السادات وقد كنت معارضا شديدا له وصدر أمر باعتقالى عام 1972 ولكننى أفلت منه ، فلا وجه للمقارنة بينه وبين نظام التتار الغازى المتوحش . ولا توجد مقارنة بين السادات والله أعلم بسريرته ولنا الظاهر وبين هذه المعتقدات الفاسدة المشار إليها .

لا أريد التوغل فى هذه المقارنة فالأمر يبدو فساده واضحا . ولكننى أقف عند المقولة التى سارت مثلا : الطائفة الممتنعة عن تطبيق الشريعة الاسلامية وأن مقاتلة الكافر الأقرب أولى من مقاتلة الكافر الأبعد وهو الأمر الذى يكرره حتى الآن قادة داعش ليبرروا عدم مقاتلة اسرائيل . بل يقولوا صراحة نحن نقاتل كافة الأنظمة العربية أولا وبعد ذلك نتفرغ لاسرائيل . ولكن ثبت أن قاعدة سوريا – الجولانى تعاونوا بالفعل مع اسرائيل وكل مخابرات الغرب ضد النظام السورى .

الابتعاد عن التطبيق الشامل للشريعة الاسلامية مسألة مركبة فقد

تدهورت أحوال الدولة الاسلامية الكبرى الأخيرة ، الدولة العثمانية على مدار أكثر من قرن على الأقل منذ بداية القرن 19 حتى عام 1924 يوم الاعلان الرسمى عن إلغاء دولة الخلافة الاسلامية على يد أتاتورك . والدولة العثمانية بشكل عام لم تكن على مايرام فى كل تاريخها ولكنها مرت بمرحلة صعود ثم مرحلة هبوط كأى دولة عظمى .

منذ السقوط الرسمى للدولة العثمانية حدث إنفصال وإنفصام كلى بين السياسة والدين وبين الدولة والدين .

وعبر عن هذه اللحظة التاريخية المأسوية أمير الشعراء أحمد شوقى وهو لم يكن أصوليا أو شديد التدين بالمعنى التقليدى فقال ما أبكى جموع المسلمين :

ضَجَّتْ عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنَابِرٌ
وَبَكَتْ عَلَيْكَ مَمَالِكٌ وَنَواحِ
الهِنْدُ وَالِهَةٌ وَمِصْرُ حَزِينَةٌ
تَبْكِي عَلَيْكِ بِمَدْمَعٍ سَحَّاحِ
وَالشَّامُ تَسْأَلُ وَالعِرَاقُ وَفَارِسٌ
أَمَحَا مِنَ الأَرْضِ الخِلافَةَ مَاحِ
وَأَتَتْ لَكَ الجُمَعُ الجَلائِلُ مَأتَمًا
فَقَعَدْنَ فِيهِ مَقَاعِدَ الأَنْوَاحِ
يَا لَلرِّجَالِ لَحُرَّةٍ مَوْءُودَةٍ
قُتِلَتْ بِغَيْرِ جَريرَةٍ وَجُنَاحِ

كان الدين مجدولا بالسياسة والعكس بالعكس دون أن يكون التكفير هو المسألة الأساسية الطافية على السطح إلا حركات الخوارج التى كانت على هامش الحياة السياسية الاسلامية والتى كانت تظهر وتختفى دون أن تصل إلى الحكم أو تستقر فيه إن وصلت و أحيانا حدث ذلك فى بلاد المغرب .

ما يهمنا الآن أن الحركات الاسلامية التى بدأت تظهر فى العشرينيات من القرن العشرين وحتى الآن اتسمت بالضحالة السياسية ، فقد نشأت بعيدة عن السياسة وتصورت أن عليها أن تعيد العمل بالدعوة للاسلام وكأنها تدعو إلى دين جديد أو إلى الدين من جديد . ويكفى من السذاجة أن تتصور مجموعة من الشباب أنه يمكن إدارة الصراع وحل مشكلات البلاد بالعودة إلى كتابات ابن تيمية وابن القيم وغيرهما دون أن يدرسوا أحوال البلاد والعالم من حولهم . كما قال أحد العلماء إن اثنين دخلا للسباحة فى البحر وكان أحدهما يحفظ القرآن والآخر لايحفظه وكان الأول لايجيد السباحة والثانى يجيدها فعندما قامت عاصفة نجا الذى تعلم السباحة ولم ينجو حافظ القرآن . هذا المثال البسيط يقول إن التفقه فى الدين لا يغنى عن التفقه فى الواقع . والحقيقة فإن العملية واحدة فالفقه هو إنزال النص على الواقع ، فإذا لم تكن تفهم الواقع فكيف ستستطيع الاستفادة بالنص . بل لقد وصل الأمر بتيار داخل الاخوان المسلمين وتحول إلى تيار منشق أن يدعو للتفقه فى الدين وعدم قراءة أى كتب أخرى لأنها من قبيل العلم الذى لاينفع . وتكاد بعض الجماعات تحرم قراءة الكتب العمومية غير المتخصصة فى العلوم الشرعية لأنها على الأقل مضيعة للوقت . وقد سمعت بنفسى بعض خطب جمعة فى مساجد بأحياء راقية مستواها الثقافى عاليا والخطيب يحث الناس على عدم قراءة الصحف ، وقرأت للشيخ سعيد الحوى وهو من أبرز رموز الاخوان يدعو لمقاطعة التلفزيون .

وعلى الجبهة الأخرى كان المتعلمون فى المدارس العامة الحكومية والأجنبية أكثر انفتاحا على الدنيا وما فيها وأصبحوا هم مصدر قيادات وحكام البلاد , وأصبحت الطبقة السياسية ذات ثقافة عصرية منفتحة على كل العلوم وأصبحت أقرب للثقافة الغربية . وفى المقابل أصبح التعليم الدينى والأزهرى أكثر بعدا عن العلوم الطبيعية والاجتماعية ، قبل تطوير الأزهر فى عهد عبد الناصر ، والطريف ان بعض الاسلاميين يهاجمون هذا التطوير باعتباره أخرج الأزهر عن رسالته الدينية !

أقصد أن الحياة السياسية أصبحت حكرا على المثقفين مدنيا وغربيا إن جاز التعبير بينما كان قادة الأمة عادة من الأزهر : أحمد عرابى – سعد زغلول .

بالتوازى وبغض النظر عن الأساس التعليمى فإن الحركات الاسلامية ركزت على الثقافة الاسلامية التقليدية ولم تكد تدرى الكثير عما يجرى فى عالم السياسة والاقتصاد فى البلاد أو الاقليم أو العالم . والميل إلى التكفير نشأ بسبب غياب الرؤية الكلية والشاملة للمجتمع . فالابتعاد عن التطبيق الشامل للشريعة الاسلامية يرتبط بالاستعمار الأجنبى ، فالاحتلال البريطانى هو الذى ألغى الالتزام بالقوانين الاسلامية فى نفس عام الاحتلال 1882 عدا الأحوال الشخصية . فنشأت ثقافة سياسية لا تعرف ولا تعلم إلا تطبيق القوانين الغربية رغم أن بعض هذه القوانين أصلها إسلامى ، فهى بضاعتنا ردت إلينا . فالمعروف أن كود نابليون أو قانون نابليون هو ترجمة لقوانين على المذهب المالكى ترجمت للغة الفرنسية عبر الأندلس ، ولذلك لاحظ القانونيون المصريون أن القانون المدنى المصرى قريب من التشريع الاسلامى . ولكن يظل أن النظام القانونى العام وأسس الممارسة السياسية كانت مجرد تقليد للنظم الغربية . وكان خريجو الكلية الحربية امتدادا لنفس النظام التعليمى الغربى . ولذلك فإن الثقافة العامة للطبقة السياسية فى الحكم وخارج الحكم لم تتعلم ربط الدين بالسياسة ولا تعرف كيف يتم ذلك ، لأن ذلك مرتبط بحد أدنى من الثقافة الاسلامية . والتعليم الأزهرى لايعوض ذلك لأنه يميل إلى الناحية الأخرى : العلوم الشرعية بدون متابعة للتطورات العالمية الجديدة . تطوير التعليم بالأزهر تم بشكل متواز فهو ضم ثقافة اسلامية للكليات النظرية والعملية ولكن لم يقم بعملية دمج ، وهذه مسألة تحتاج لثورة تعليمية ، كتطوير الطب استفادة بما ورد فى القرآن والسنة النبوية المؤكدة وأيضا الاستفادة من الطب الشرقى الذى تقدم على الطب الغربى ، وعدم الاكتفاء بالأخير . وأضرب مثالا واحدا ، فى البلاد الغربية توجد معاهد متخصصة فى النحل وعسل النحل .. وأعلنت منظمة الصحة العالمية عن 500 دواء وعلاج مشتقة من العسل والنحل . ولكن لم نسمع عن معهد واحد مماثل فى البلاد الاسلامية .

خلاصة الأمر أن المجتمع المصرى والعربى وفى كل بلاد المسلمين ابتعد عن الاسلام نظريا وعمليا ، وانخفض منسوب الثقافة الاسلامية الحقة . وإذا دخلنا فى مسألة التنابز بالألقاب ، أى تبادل الاتهامات فسننتهى إلى تكفير بعضنا بعضا جميعا ، وهى حماقة لن تؤد إلى شىء إلا البلاء والفوضى والكراهية المتبادلة . والأحسن أن نعود إلى مائدة الاسلام بهدوء واحترام ونتعلم جميعا ، وأن نتعلم آداب الحوار ونصبر على بعضنا بعضا .

إن الكتابات التى كفرت نظام السادات يمكن أن تستخدم بسهولة لتكفير الأمويين والعباسيين وكل العصور الاسلامية . الاتهام بالتكفير تبسيط للمشكلات وتحفيز لمجرد الصراع على السلطة ، وهو أمر لايبرىء من يتهم الآخرين بالجرم المشهود .

سنلحظ وهو أمر ملفت للنظر أن القرآن والسنة المشرفة ليس فيهما موضوع اسمه التكفير أى الاتهام بالكفر . فالكافر أو المشرك كان يعلن عن نفسه صراحة ولا يحتاج لإتهامه بالكفر أى تكفيره ، بينما علمنا القرآن الكريم و الرسول صلى الله عليه وسلم أن نقبل أى إعلان بالاسلام دون أن نفتش فى النوايا . أما غير المسلم من أهل الكتاب فهو حر ومحاط بكل الضمانات كى يمارس عقائده . وفى البلاد التى تفتح فقد كان يكفى أن يدفع غير المسلم جنيها ليبقى حرا على دينه أى دينارا وحدا فى السنة مع إعفاء الأطفال والنساء والمرضى والشيوخ والعابدين فى الصوامع والفقراء ، وهى ضريبة رمزية ، بدل جندية وتسقط فى حالة المشاركة فى القتال .

لم تكن هناك تهمة سياسية أو دينية اسمها التكفير ، حتى الخوارج اعتبروا دوما مسلمين كما وضع القاعدة على بن أبى طالب رضى الله عنه ورغم أن الخوارج كانوا يكفرونه . أى أن الخوارج هم أصحاب هذه التهمة التى لم يعترف بها المجتمع ، وورثتها بعض الجماعات الاسلامية المعاصرة، وأصبحت موضة العصر داخل تيار واسع فى مقدمته الآن داعش والقاعدة .

فى الاسلام يكفى ما أشار إليه ابن تيمية فى الاقتباس السابق ، يكفى أن ينفى المسلم اتهامه بالردة لتسقط هذه التهمة.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) النساء

وفى رياض الصالحين نجد الحديث المتفق عليه

عن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: بعثَنَا رسولُ اللَّه ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا الْقَوْمَ عَلى مِياهِهمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنهُمْ، فَلَمَّا غَشيناهُ قَالَ: لا إِلهَ إلَّا اللَّه، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدينَةَ بلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أُسامةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ. متفقٌ عَلَيهِ.
وفي روايةٍ: فَقالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أَقَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ! إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَومَئذٍ.

وهناك رواية مماثلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد بنفس الوقائع وبنفس الألفاظ لرسول الله .

وقصة تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المنافقين طوال فترة وجوده فى المدينة تؤكد نفس القاعدة حيث أنه لم ينفذ حد الردة على أى واحد منهم ، أى اعتبرهم مسلمين أو مواطنين بالدولة الاسلامية . ويمكن مراجعة ذلك فى كتب السيرة وكذلك فى دراستى حول حد الردة المنشورة على النت فى مدونتى الخاصة

magdyhussein.id

وحتى الخروج على الحاكم لعلة الكفر يرتبط بصراحته فى إعلان الكفر :

حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأوزاعي عن يزيد بن يزيد بن جابر عن رزيق بن حيان عن مسلم بن قرظة عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة). رواه مسلم .

وحتى إذا تأكد الكفر بالإعلان المباشر وهذا نحسبه واضحا فى حالة كمال أتاتورك حاكم تركيا الذى ألغى الخلافة الاسلامية وألغى الآذان وألغى الحرف العربى الذى كانت تكتب به اللغة التركية

وحارب الاسلام علنا وصراحة إلى حد التضييق على المساجد و وعلى الصلاة والدعاة والتعليم الدينى . ولكن الخروج عليه ، والمقصود فى الفقه الخروج المسلح ، لا يجوز إلا فى حالة القدرة ، والشيخ الألبانى وصف هذه الحالة بأنها الحالة المكية ، حيث تتم الدعوة إلى الاسلام سرا ثم علنا ولكن بدون خروج مسلح على الحاكم ، وجاء ذلك فى إطار إعتراضه على الخروج المسلح على النظام السورى. وتتفق المذاهب السنية على أن الخروج على الحاكم لا يجوز إذا كان سيؤدى إلى فتنة أكبر . وهذا تعبير سياسى دقيق . أى حتى فى حالة الكفر الصريح للحاكم أو الظلم البين فإن الخروج عليه بدون قدرة أو استطاعة على حسم الأمر سريعا سيؤدى إلى استنزاف دموى للشعب بدون جدوى بل ستكون الأحوال هكذا أشد سوءا . ومن الأمثلة المعاصرة الجيدة فى هذا المجال تراجع جبهة الانقاذ الاسلامية الجزائرية عن حمل السلاح عندما تبين لها أن الصراع مع نظام الانقلاب العسكرى لايحقق سوى تفجر شلال من الدماء ، وحرمة الدم فى الاسلام فى مقدمة الحرمات . فأعلنوا حل الجناح العسكرى للجبهة بعد قرابة عام على انفجار الصراع مع الجيش الجزائرى فى أوائل التسعينيات من القرن العشرين . ونتحدث هنا عن القدرة مع افتراض صحة تكفير الحكام ، وإن كنت أرفض مصطلح التكفير فى حد ذاته كما أسلفت فى الحديث .

والمثال الآخر ، وهو عبثى ، هو إصرار بعض الاسلاميين فى سوريا والمشرق العربى على مواصلة ما يسمى الثورة السورية . فإذا افترضنا أن ما جرى فى سوريا على مدار أكثر من 10 سنوات ثورة اسلامية وأن النظام السورى نظام كافر فإن الاستمرار فى الدعوة لاستكمال هذه الثورة من إدلب بعد موت قرابة نصف مليون سورى إذا أخذنا بأكثر الاحصاءات تشاؤما وإن كانت تكفينا أقل التقديرات وهى ثلث مليون ، وهجرة نصف الشعب السورى للخارج ، فهذه رغبة سادية فى استنزاف الشعب السورى بينما لايبدو النظام السورى مهددا حتى الآن بل هو أقوى وأكثر سيطرة وانتشارا بالمقارنة مع سنوات مضت . نقول إن قاعدة القدرة أو الاستطاعة تكفى للتوقف عن هذا العبث فى إدلب وأماكن متفرقة فى درعا والبادية وواضح أن هذه البؤرة تعيش تحت الرعاية الأمريكية والتركية والقطرية والسعودية والأردنية ولايمكن أن تمثل علامات على استمرار ثورة اسلامية .

ومن ناحية أخرى فإن النظام السورى ليس اسلاميا بالتأكيد ، ولكن إذا كان المشروع الاسلامى الحق يؤمن بالاستقلال وبمحاربة النفوذ الصهيونى الأمريكى فما كان له أن يضع النظام السورى على رأس أولويات الجهاد الاسلامى على مستوى العالم بأسره . فالنظام السورى على كثرة اعتراضاتنا عليه هو الذى يقوم بحكم موقعه وتحالفاته بتوفير السلاح والمعونات المختلفة للمقاومة فى لبنان وفلسطين ومن قبل فى العراق ضد الاحتلال الأمريكى . أما القوى المعارضة له التى ترفع راية الاسلام فهى خاضعة لأمريكا والغرب وقطرو السعودية وتركيا واسرائيل .

راجع دراسة الثورة السورية المغدورة للكاتب فى نفس المدونة

magdyhussein.id

حكاية الفئة الممتنعة عن تطبيق الشريعة

ونعود لكتاب عبد السلام فرج ” الفريضة الغائبة ” ونحن لم نبتعد عنه فمسألة التكفير ظلت متوارثة ويحمل رايتها تنظيم وراء تنظيم فى مصر وغيرها من بلاد العرب والمسلمين . وهذا الكتاب بالمعايير الفقهية يعد من الوزن الخفيف ، ولكنه ساهم بشكل مباشر فى توجيه الجماعة الاسلامية إلى العنف وساهم بشكل مباشر فى إغتيال السادات بل هو شخصيا قام بدور أساسى فى الترتيب العملى للواقعة مع خالد الاسلامبولى قائد عملية الاغتيال والذى كانت تربطه به صلة شخصية وارتباط عقائدى وتنظيمى .

ذكرنا أنه صاحب مقولة أن الكافر أو العدو القريب أولى من البعيد . وبعد أن كفر حاكم مصر أصبح هو الأقرب الذى يتعين الجهاد ضده ، حتى بدون أى رؤية استرتيجية ، حتى وإن كانت خاطئة ، نحن أمام حالة من السطحية والسذاجة . ولكن هذه الفكرة لازالت قائمة عند البعض حتى الآن . بل قام المشروع الداعشى على أساسها . ولمصعب الزرقاوى مؤسس الدولة الاسلامية الأولى فى العراق كلام واضح فى هذا الشأن . فهو يقول بضرورة إسقاط كل النظم العربية بالكفاح المسلح باعتبارها هى العدو الأقرب وبعد تحرير كل المنطقة العربية خاصة فى المشرق يبدأ الجهاد ضد اسرائيل . وهكذا ترى اسرائيل ان هذه الحركات أكبر وأهم حاجز صد ، إذ تشغل العرب مع بعضهم بعضا وتترك اسرائيل تبنى قوتها وإنتشارها فى المنطقة ، ولولا وجود محور المقاومة لكانت مكاسب اسرائيل من هذه الحركات الداعشية أكبر من ذلك بكثير .

كما ذكرنا فإن إبتعاد الطبقات الحاكمة عن الالتزام التام بالشريعة الاسلامية مسألة تاريخية استمرت لأكثر من قرنين ، ولا تحل بتكييل الاتهامات بالتكفير ، ولا يسلم من يوجه هذه الاتهامات من نفس الأوزار .

جاء على الموقع الالكترونى لدار الافتاء :

ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال عبر الموقع الإلكتروني، نصه: «ما حكم قول المسلم لأخيه المسلم يا كافر؟».

وأجابت الإفتاء بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتهم أخاه المسلم بالكفر؛ لأن ذلك من أعظم الذنوب التي يرتكبها المسلم؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِر؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» رواه مسلم. ومعناه: فقد رجع عليه تكفيره؛ فليس الراجع حقيقةً الكفرُ، بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا؛ فكأنه كفر نفسه؛ لأنه كفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كفَّر مَن لا يُكفِّره إلا كافرُ يَعتقد بطلان دين الإسلام.

وانتهت إلى أنه على من قال لأخيه: «يا كافر» أن يسارع بالتوبة والندم والاستغفار حتى يغفر الله سبحانه وتعالى له.

وأضيف لهذا المعنى العام الصحيح ، عندما يتعلق الأمر بمخاطبة الحكام ، ضرورة فهم أن معظم هؤلاء الحكام فى البلاد العربية والاسلامية هم من خريجى المدارس الحكومية أو الأجنبية وبالتالى هناك مسألة استعصاء فى استيعاب وتطبيق الشريعة الاسلامية فالاجتهاد فى الاسلام مرتبط بالعلم . ورجال السياسة لايمكن أن يحولوا أنفسهم إلى مجرد أدوات لتنفيذ ما يقوله المجتهدون من العلماء . كما أن هناك أزمة فى هذه الجبهة الأخرى أزمة فى عملية الاجتهاد والتجديد الفقهى لمتابعة الوقائع الجديدة للعصر . فمجتمعاتنا العربية والاسلامية فى أشد الاحتياج لثورة فى الفقه والاجتهاد الجماعى من خلال مجالس متخصصة تشمل العلماء فى علوم الشرع والمتخصصين فى مختلف المجالات من العلماء وأيضا رجال الدولة والسياسة . وهذه مسألة تحتاجها الأمة ولابد أن تجرى أو تجرى فعلا كضرورة حياتية تفرض نفسها بدون أطر تنظيمية واضحة وبدون مجالس متخصصة ، ولكن لابد فى النهاية أن ننتهى إلى هذا النوع من المجالس المتخصصة ومجلس أعلى جامع للاجتهاد والتجديد برؤية شمولية غير متجزئة .

الحريص على عودة الاسلام لكى يكون مظلة للوطن لابد أن يسعى أولا إلى إعادة نشر الثقافة الاسلامية فى شتى المجالات .. ولكن الحركات الاسلامية تناولت جوانب من الاسلام دون الأخرى فهناك من ركز على العبادات والشعائر ، وهناك من ركز على الرقائق والروحانيات كالصوفية ومنها من ركز على النواحى الأخلاقية ، ومنها من طالب بالعودة الفورية والشاملة للمرجعية الاسلامية وباستخدام السلاح ! وعلى عكس الشائع المغلوط فإن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يقم الدولة الاسلامية بالقوة ، وظل يدعو للاسلام فى مكة أهل مكة وكل العرب القادمين لأداء العمرة أو الحج لمدة 13 عاما وما آمن معه إلا قليل ، وعندما هاجر إلى المدينة كان قد أرسل من قبله بعام تقريبا مصعب بن عمير ولحقه فى بعض الروايات ابن أم مكتوم لنشر الدعوة الاسلامية بعد إسلام ثلاثة وسبعين من أهل المدينة فى بيعة العقبة الثانية أثناء وجودهم فى مكة . وانتشر الاسلام بالفعل حتى أن محمدا عليه الصلاة والسلام عندما هاجر إلى المدينة كان أغلب سكانها قد دخلوا الاسلام ولذلك استقبل استقبال الفاتحين وكان وحده مع أبى بكر ولم يأت بقوة مسلحة ولم يفرض نفسه حاكما بعد كونه نبيا بأى قوة مسلحة بل برضاء الناس واقتناعهم . وقد تكرر نفس المشهد فى فتح مكة فكان فتحا سلميا بعد الانتشار الواسع للاسلام فى مكة والجزيرة العربية عقب صلح الحديبية عدا حادثة واحدة معزولة تم تطويقها سريعا . وبين الفتحين السلميين للمدينة ومكة حدثت العديد من الغزوات والسرايا لدوافع شرحها كتاب السيرة وكتبت عنها فى كتاب سنن التغيير فى السيرة النبوية الشريفة ، منها ضرورة استرداد بعض الأموال المنهوبة للمهاجرين ، ومنها تحقيق الردع مع سلطات مكة ..

الأصل هو نشر أو إعادة تجديد نشر الدعوة الاسلامية وتطبيقها على كل مناحى الحياة وهو ما يستدعى اجتهادا جديدا خاصة فى أمور السياسة والاقتصاد . ولن تجد فى كتاب الفريضة الغائبة ولا فى أى كتاب آخر لهذه الحركة أى تصور عن تطبيق الشريعة والرؤية الاسلامية فى القرن العشرين . بل حتى المفكر سيد قطب الذى

اعتبر أن المجتمع المصرى غير مسلم لم يقدم تصورا لكيف تكون الدولة الاسلامية بل قال صراحة إن حلول مشكلات المجتمع لا يجوز الحديث فيها الآن وأن المسلمين الحقيقيين سيكونون قادرين على ذلك فى المستقبل – فى ظلال القرآن – تفسير سورة يوسف .

انتقال التصور العام الاسلامى إلى الواقع السياسى لا يتم بمجرد التركيز على أداء العبادات أو الدعوة إلى الحجاب والإلحاح على ذلك ثم النقاب ثم اللحية . والدعاة الذين اعتمد عليهم أبناء الجماعة الاسلامية لايملكون هذا التصور . فهذا الفريق من الدعاة وإن كان بعضه أزهريا إلا أنه سقط فى مسألة الفصل بين الدين والسياسة بالمقلوب ، فهم يجيدون الحديث والكتابة حول الدين بدون تطبيقه على الواقع الذى لايدرسونه بنفس العمق . وسنعود لتلك النقطة بالتفصيل فيما بعد لأن البعض يتصور أن السياسة مسألة سهلة وبسيطة ، والحقيقة أن السياسة تعنى الواقع كله ودراسة الواقع بأكمله فى مختلف المجالات وعلى المستويات الوطنية والقومية والاقليمية والدولية . وظن الناس جميعا بعد 25 يناير أنهم خبراء في السياسة فكيف لايشعر الاسلاميون بذلك . و النقطة التالية متصلة بهذه المسألة .. مسألة الوعى والادراك السياسى.

عدم ثقة تنظيم الجهاد بالشعب

من أسباب الاندفاع فى عملية إغتيال الرئيس السادات وربطها بإنتفاضة مسلحة رغم إدراك قادة الجماعة الاسلامية والذين اندمجوا فى تلك الفترة مع الجهاد – كان عبد السلام فرج من الجهاد – أن قواعدهم الجماهيرية ليست كافية ولكن تفكيرهم لا يتسع لفكرة إنضاج الجماهير والصبر عليها حتى تقتنع بمشروعهم ، ولذلك تعجلوا فى تلك المرة وكل مرة فى مصر وخارج مصر للقيام بإنتفاضة مسلحة بقواهم المحدودة بهدف الاستيلاء أو خطف السلطة فى غفلة من الزمن .

هم لا يدركون فكرة تثوير الجماهير أو توعية الجماهير ويكتفون بجذب مجموعات من المجاهدين بالعشرات أو المئات أو بضع آلاف ليفكروا فى الاستيلاء على السلطة . وهذا مرض شائع ومتكرر ويؤدى إلى العنف ويؤدى إلى الفشل المحتوم . فى أوائل الثمانينيات أجريت حوارا مع بعض قادة الجهاد أذكر منهم مجدى سالم الذين خرجوا من السجون ونشر هذا الحوار فى جريدة الشعب . ومن أهم ما أدركته فى هذا الحوار وربما لم أنشره أن محاورى قال لى صراحة عندما سألته عن سبب لجوئهم للعنف واستعجالهم فيه : إنهم لا يؤمنون بقدرة الشعب المصرى على القيام بثورة ولذلك لابد أن نقوم نحن بالثورة ونعيد بناء وتربية الشعب بعد ذلك ، ولأننا قلة فلابد من إستخدام السلاح . وقد لاحظت هذه النظرة المتعالية على الشعب المصرى لدى مختلف التنظيمات الاسلامية بدون استثناء ، وكأن الاسلاميين هؤلاء ليسوا بمصريين ، وقلت لهم مرارا إذا لم تكونوا تؤمنون بهذا الشعب ، فلابد إن كنتم جادين أن تهاجروا جميعا من هذا البلد وتسافروا إلى أفغانستان أو أى بلد آخر تؤمنون بشعبه . وفى حالة تنظيم الجهاد فقد كانت الفكرة شديدة التأصل لذلك فهم لا يؤمنون بالعمل الجماهيرى ويتحركون عندما يكون عددهم بالعشرات أو بضع مئات للاستيلاء على السلطة أو على الأقل البداية فى تحديها . ولكن الجماعة الاسلامية أكثر إيمانا بالعمل الدعوى الجماهيرى ولكنهم عندما تعترضهم المشكلات يندفعون للعمل المسلح ويتورطون فيه وأنا أتحدث عنهم حتى وقت مبادرة وقف العنف التى بدأت فى أواخر التسعينيات من القرن العشرين .

فى أحاديث قادة الجماعة عن أحداث الاغتيال وأسيوط ، يؤكدون أنهم كانوا مدركين عدم صحة عملية الاغتيال لأن الإعداد للثورة الشعبية لم يكتمل بعد ، وبالفعل كانت الأغلبية ضدهذه الخطوة ولكن حملة الاعتقالات والهجوم الذى شنه السادات فى خطابه على الاسلاميين يوم 5 سبتمبر 1981 أقنعهم بضرورة الاسراع بتنفيذ الفكرة على الأقل لحماية أنفسهم . وهى فكرة ساذجة ، فالأعمال الارهابية الفاشلة لا تحمى أحدا بل هى تساعد أى سلطة على أن تبطش بقوة والحجة معها . حقا هذا لم يحدث فى لحظة تسلم مبارك للحكم لأسباب سنأتى إليها . ولكن الصدام المسلح عاد ليتجدد فى أوائل التسعينيات من القرن العشرين . وهكذا لايمكن القول بإغتيال رئيس الدولة كعمل من عمليات الحماية أو التغيير . هذا التفكير غير وارد فى قاموس العمل السياسى عبر التاريخ . أقصد العمل السياسى الناجح وإلا فإن التاريخ مليىء بوقائع إغتيال الملوك بدون أى تغيير فى النظام ، كما حدث فى روسيا من تكرار محاولات إغتيال القياصرة وقد نجحت أحيانا دون تغيير النظام الملكى القيصرى والثورة الشعبية وحدها هى التى نجحت فى ذلك . ولاشك أن السادات شجع بتصرفاته وتصريحاته وهيأ المسرح للاغتيال ، وكأن البلد فى عقدة لن تحل إلا برحيله ، ولكن هذه مسألة يتناولها المؤرخون . ولست من أنصار هندسة التاريخ بمعنى القول لو كان هذا قد حدث يكون أفضل ، ففى التاريخ ما حدث قد حدث وانتهى والمهم أن تحلله وتفهم أبعاده والدروس المستفادة منه . وما يهمنا هنا المسألة الشرعية والمرتبطة بالعمل السياسى .. فلا شرعية لعملية الاغتيال لأنها ببساطة لم تحقق هدفا وطنيا ، ولا هدفا اسلاميا . ليس إغتيال الحاكم وسيلة شرعية للتغيير ، و عواقب ما حدث تؤكد ذلك .

الفتاوى السياسية المميتة

يقول قادة الجماعة الاسلامية فى أحاديثهم الكثيرة بعد تنفيذ مبادرة وقف العنف وأيضا بعد ثورة 25 يناير . أن الشيخ عمر عبد الرحمن هو الذى أفتى لهم بجواز الإعتداء على النصارى للاستيلاء على الذهب لتمويل النشاط الجهادى ذلك بأنهم محاريون . ولا أدرى لماذا نصارى مصر محاربون ؟ فالخلاف العقدى لا يضعهم فى خانة المحاربين . المهم لقد حدثت عدة حوادث سطو على محلات الذهب وأدت أحيانا إلى إصابة أو قتل عدد من النصارى . وهذا أمر مؤسف ، وتطبيق لشعار” العدو” الأقرب أخطر من العدو البعيد ، وقد ظهر هذا فى ممارسات عدائية أخرى ضد النصارى وأدى إلى تعميق الفتنة الطائفية . ما يهمنا أن التمويل توفر لشراء السلاح وأدوات القتال عموما والتجهيزات له . حتى قبل قرارات 3 سبتمبر عام 1981 .

وكانت خطة عبد السلام فرج تقوم على الاغتيال وفى نفس الوقت تحدث هبة فى الصعيد حيث تتركز قوة الجماعة ويصدر بيانا من التلفزيون بموت السادات وإعلان الدولة الاسلامية وتحريك مظاهرات فى القاهرة لإنجاح الثورة . ويقولون إن الخلل أصاب عملية التنفيذ ، وبطبيعة الحال فإن من يقوم بثورة لايمكن أن يصيبه الخلل فى أبسط الأمور، فيقال مثلا بحدوث خلل فى الاتصال بين بحرى وقبلى! وأن مجموعة الصعيد ظنوا ان عملية إغتيال السادات قد أجلت أو ألغيت . حتى علموا مساء 6 أكتوبر فى اعلام الحكومة أن السادات أصيب فى كتفه ، ثم فى وقت متأخر أعلنت وفاته . وهنا أدركت جماعة الصعيد ضرورة التحرك المتفق عليه ولكن لم يكن ممكنا فى نفس الليلة ولا فى اليوم التالى فتحركوا يوم 8 أكتوبر فى أسيوط . ولم تكن هذه هى المشكلة الوحيدة فالمظاهرات لم تقم بالقاهرة ولا ندرى من كان المكلف بذلك . وإقتحام مبنى التلفزيون لإذاعة البيان لم يحدث . كذلك كان فى الخطة السيطرة على بعض المناطق العسكرية الحساسة فى القاهرة وقصر عابدين ولم يحدث شىء من ذلك .

يكفى أن نشير لتقييم أيمن الظواهرى الرجل الثانى فى تنظيم القاعدة والذى كان مرتبطا بتنظيم الجهاد والذى قال عن أحداث الاغتيال وأسيوط بأنها” انتفاضة عاطفية ذات نصيب متواضع من التخطيط ، فقد جاءت متأخرة بعد قتل السادات بيومين وتستند لخطة غير واقعية” .

ربما يتحدث الظواهرى عن أحداث أسيوط ، ولكن خطة الانقلاب والسيطرة على السلطة لاتبدو أنها كانت موجودة أو واضحة . يقول الاعلامى المصرى خيرى حسن أنه كانت هناك خطة لإذاعة شريط فيديو عن إغتيال السادات وإعلان الدولة الاسلامية عن طريق فنى يعمل بالتلفزيون وأنه أرتبك بعد إعلان الدولة عن إصابة السادات فى كتفه . ثم تم إكتشافه والقبض عليه . ويتحدث أبو باشا مساعد وزير الداخلية فى ذلك الوقت عن خطة لاقتحام التلفزيون ولكنها لم تحدث ولم يوضح كيف ؟ وهذه التفاصيل لا تعنينا ولسنا بصدد تأريخ دقيق لحدث لايستحق التأريخ . ولكن إذاعة بيان عن طريق فنى يعمل بالتلفزيون أمر يصل إلى حد المزاح .

نحن أمام أمر إرتجالى من الألف للياء . ولايوجد فيه أى شىء منظم إلا عملية إغتيال السادات بسبب مشاركة خالد الاسلامبولى فى العرض بطريق الصدفة . فنحن أمام عمل فردى بكل معنى الكلمة تحول إلى استعانة ب 3 أفراد آخرين مع توفير السلاح المطلوب والذخيرة وإبر ضرب النار وهذا ما قام به تنظيم الصعيد وعبد السلام فرج .

ومن علامات الارتجالية أن خالد الاسلامبولى ألتقى مع عبد السلام فرج فى إطار علاقتهما ذات الطابع الاسلامى يوم 23 سبتمبر 1981 فلما كشف له خالد نبأ مشاركته فى العرض العسكرى واستعداده لتنفيذ الإغتيال بدءا فى رسم الخطة وعرضاها على مجموعة الصعيد يوم 28 سبتمبر أى قبل العرض ب 8 أيام وكانت المجموعة مترددة ومعارضة ولكن تصرفات السادات وتصريحاته وإعتقال المغربى واقتحام بيت عبود الزمر والحصول على أسلحة به ومطاردته جعلتهم يوافقون على عملية الاغتيال وباقى الخطة . والثورات التى هى بحق وحقيقة لا تتم هكذا فى أيام . وهذه ليست ثورة ولكن عملا إرهابيا .

وهذا ينقلنا إلى أحداث أسيوط

كانت الخطة المفترضة ، التى نبحث عنها فى الأوراق عبثا ، أن يتم بالتوافق مع الاغتيال ما ذكرناه : إذاعة بيان فى التلفزيون عن مقتل السادات وإقامة الدولة الاسلامية – السيطرة على مناطق عسكرية حساسة بالقاهرة – مظاهرات فى القاهرة وكل هذا لم يحدث على الإطلاق . وكانت هناك خطة لتحرك عسكرى فى أسيوط وهذا هو الأمر الوحيد الذى حدث ، وحدث متأخرا 48 ساعة عن حادث الاغتيال وهذا وقت طويل جدا فى عرف الثورات المسلحة . وأصبح الأمر غرائبيا فقد كانت أسيوط بعيدة جدا عن القاهرة بحوالى 500 كيلومتر فحتى إذا نجح التحرك بالسيطرة على أسيوط فكيف يمكن التحرك السريع للوصول إلى القاهرة إذا كان هناك تحرك مواز بالقاهرة عسكريا كان أم جماهيريا , ولذلك بدت انتفاضة أسيوط المسلحة عملية عبثية إنتحارية لا أفق لها أدت عمليا إلى إصابة واعتقال كل قيادات الجماعة فى الصعيد حيث لم يحققوا سوى السيطرة على مديرية الأمن والمحافظة وبعض المواقع الأخرى لبضع ساعات . وقد شاركت كل القيادات فى العملية وهذا أمر لاشك يحفز الشباب الأصغر ولكن يؤدى إلى فقدان القيادة والتوجيه أثناء العملية التى تجرى فى عدة مواقع ثم فقدان القيادة عموما بعد فشل العملية . وكل هذه ممارسات تفتقر لألف باء العمل العسكرى والاستراتيجى والسياسى ، فهى مجرد عمل من أعمال الهواة التى لا تؤدى إلا لإزهاق الأرواح .. أرواح رجال الشرطة وبعض الشباب المتهور المسكين . والمثير للعجب أن بعض هؤلاء القادة تحدثوا عن أهمية موقع أسيوط كموقع متوسط فى الصعيد يمكن الانطلاق منه جنوبا إلى سوهاج أو شمالا إلى القاهرة وكأنهم يتحركون فى الفراغ ، فراغ لاتوجد فيه دولة ولا شرطة ولاجيش . وقد كان إختيار أسيوط يعود لتركز أكبر عدد من القيادات والأعضاء والمتعاطفين بسبب وجود جامعة أسيوط التى عملوا قواعدهم منها . ولذلك حشدوا أعضاء وأنصار من محافظات أخرى فى الصعيد . و لكن حتى إذا تمكنوا من السيطرة على مدينة أسيوط فهل كانت ستتركهم جحافل الشرطة والجيش فى مختلف أنحاء البلاد ؟!

المهم لقد اجتمع مجلس شورى الوجه القبلى مساء 6 أكتوبر بعد التأكد من قتل السادات بقيادة كرم زهدى . وقرروا السيطرة على أسيوط يوم 8 أكتوبر ثم الزحف بعد ذلك فى إتجاه القاهرة والوجه البحرى .

ويصف محمد ياسين الديب أحد قيادات الجماعة بعد اعتزاله العمل العام يصف التحرك المزمع من أسيوط إلى المنيا وسوهاج بانه كان خطة بسيطة أقرب للسذاجة . ويفسر منتصر الزيات الذى كان عضوا فى التنظيم بأسوان ضعف التحرك حتى فى الصعيد بأن مجلس شورى أسوان كان رافضا للانقلاب وكذلك باقى محافظات الصعيد .

المهاجمون سيطروا فى بداية الأمر على مديرية الأمن بسبب المباغتة وارتكبوا مجزرة حقيقية رغم أنهم كانوا سبعة أشخاص فى هذا الهجوم .. ثم اضطروا للانسحاب ولم يتمكنوا من السيطرة على أى موقع أمنى آخر وكانوا فى حالة اشتباك متحرك وكانوا بالعشرات حوالى المائة شخص . وقد أدت هذه المباغتة إلى مقتل 181 من رجال الشرطة على رأسهم مساعد مدير الأمن ولم يقتل كثير من المهاجمين لأن الشرطة كانت تتعمد إطلاق النار على الأجزاء السفلية من أجسادهم حتى يتم القبض عليهم أحياء ومعرفة كل ما لديهم من معلومات . وأصيب مئات المدنيين بسبب سيرهم مصادفة فى الشوارع ومات بعضهم متأثرا بجراحه .

ما يهمنى أكثر من أى شىء آخر أن الجماعة الاسلامية لم تتعظ من هذا الفشل وظلت معجبة بهذه الموقعة وتعتبرها من مفاخرها على الأقل حتى عام 1990 . جاء فى العدد 6 أكتوبر 1990 من مجلة المرابطون الناطقة باسم الجماعة الاسلامية مايلى :

أثبتت الأحداث أن الحركة الاسلامية على الرغم من ضآلة امكاناتها وقلة عددها قادرة على إحداث الفعل المؤثر بل الموجع والقادر على التغيير !! كما دفعت الأحداث إلى طرح قضايا بعينها على رجل الشارع المسلم من قبيل الخروج على الحكام المبدلين للشرع وقتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الاسلام وأوجدت تجاوبا كبيرا مع الفهم الاسلامى الجهادى بين الشباب المسلم مما انعكس على استعدادهم النفسى والفكرى للمواجهة ، كما أدت الأحداث لخروج المعتقلين من السجن . انتهى الاقتباس

وقد أدت هذه القراءة للأحداث إلى تجدد أعمال العنف والارهاب ضد الشرطة فى أعوام التسعينيات من القرن العشرين بلا طائل حتى جاءت مبادرة وقف العنف التى دعوت إليها وأيدتها ، رغم عدم موافقتى على الكتب الأربعة التى تبرر وقف العنف ، لأنها لم تقدم التأصيل الشرعى الصحيح من وجهة نظرى وأدت إلى التفريط فى معانى أساسية للاسلام .

فى مجلة المرابطون نقرأ إيجابيات أحداث الاغتيال وأحداث أسيوط وقد تناولنا من قبل مسألة التكفير ولكن نضيف هنا أن الحركة الاسلامية فيها هذا العيب المخيف ، التعصب للتنظيم وبالتالى تحويل الأخطاء إلى جهاد مشروع وإبتلاءات تماثل ابتلاءات الأنبياء ، إنهم لا يخطئون أبدا . يقولون هذا عام 1990 بعد عشر سنوات ، فهل كان مبارك مختلفا عن السادات فى كل المسائل الرئيسية فى العلاقات مع اسرائيل وأمريكا أو تطبيق الشريعة الاسلامية ؟ . وهل اقتنع الناس بمسألة الخروج على الحاكم وأنها فكرة رائعة رغم كل هذا الفشل ؟ إن الخروج على الحاكم قضية عملية لها ضوابط شرعية فإذا مورست بصورة خاطئة تصبح كارثة ليس فقط من زاوية إراقة الدماء ولكن من زاوية إفساد المعنى الحقيقى الشرعى للخروج وأيضا إذا كان الوضع السياسى يستأهل التغيير فإن هذه المحاولات الفاشلة والعبثية تنشر اليأس من التغيير ولا تثير المفاهيم الاسلامية الصحيحة فى أذهان الجماهير كما تقول المجلة . وهل الأحداث التى أدت إلى قتل الناس من الشرطة والمدنيين ومن الجماعة نفسها بدون مسوغ وبدون نتيجة ضربت مثلا فى أسلوب التغيير!

أما أن هذه الأحداث قد أدت إلى خروج بعض الناس من السجن بعد حين فيبدو أن هذا هو الشىء الصحيح الوحيد فى هذا المقال . ولكن رغم أن هذا صحيح لأن حكم مبارك لم يستهل عهده بالبطش رغم كل هذا الإرهاب فقد كانت سياسة شديدة الذكاء من النظام وأجهزته وأدت بالفعل إلى أعوام من الاستقرار والهدوء ، لأن السادات كان مستفزا لكل الناس بتصرفاته وتصريحاته فى أيامه الأخيرة . ولكن أحسب أن ما حدث فى هذا المجال لا يجوز أن يعمم فإن العمليات الارهابية عادة ما تؤدى إلى ردود أفعال باطشة من أى نظام سياسى ، ولا تؤدى آليا للافراج عن المعتقلين السياسيين بل للمزيد من الاعتقالات .

إن هؤلاء القوم وكأنهم فى حالة خصام أزلى مع الفهم السياسى ، إن السياسة علم وفن ونظريات تدرس بالجامعات وخبرات وهؤلاء كأنهم جبلوا على عدم التعلم فى هذا المجال رغم أن السيرة النبوية مليئة بالدروس السياسية وكذلك مرحلة الدول الاسلامية الأولى .

فكرة المجموعة الصغيرة التى تسطو على السلطة

هذه الفكرة الساذجة .. أى تفكير مجموعة سياسية معارضة صغيرة فى الاستيلاء على السلطة فى غفلة من الزمن فكرة شائعة بين الحركات الاسلامية .. وتدفعهم لاستخدام العنف .. تدفعهم لمواجهة فاشلة مع النظام الحاكم ، ولكنهم لا يتعلمون ، ويصرون على تكرار الخطأ ألف مرة . وكل التجارب الداعشية التى ملأت قارتى افريقيا وآسيا وبلادنا العربية هى تكرار متنوع لمثل هذه التجربة . وقد عشت وعاصرت تجربتين مماثلتين : التجربة المشهورة باسم تنظيم الفنية العسكرية ، وتجربة جهيمان العتيبى بمكة المكرمة . الأولى وقعت فى مصر بقيادة صالح سرية الفلسطينى عام 1974 واستهدفت الاستيلاء على مخازن السلاح بالكلية الفنية العسكرية ، ثم التحرك منها لقتل السادات والاستيلاء على الحكم . ولا داعى للدخول فى التفاصيل فالبيان واضح من عنوانه : خطة ساذجة وغير واقعية . وجيهمان العتيبى قام بانتفاضة مسلحة مع عشرات ، حوالى مائتين من المناصرين له واستولى على الكعبة وتحصن بها ، مدعيا أنه المهدى المنتظر . وقد كان حادثا مزعجا لأنه فى الكعبة ولكنه انتهى كما انتهت وقائع الأمثلة السابقة . حصار واشتباكات بين قوتين غير متكافئتين ولابد لقوة الدولة أن تنتصر بغض النظر عن الخسائر البشرية بين الجانبين .

وفوق كل ذلك فدولة مصر هى أقدم دول العالم وهى نموذج يدرس للدولة المركزية وطبيعتها الجغرافية تساعد على ذلك ، فالحياة الحقيقية منحصرة فى 4 % من ترابها ربما توسعت قليلا إلى 6 أو 7 % ببعض التعمير للصحراء ومدن القناة الجديدة . . وهى محصورة فى شريط ضيق ومروحة الدلتا حتى وصفها جمال حمدان بأنها كائن صغير من رأس – الدلتا – له ذيل رفيع – الصعيد . ومع وجود النيل وخطوط السكك الحديدية حديثا فإن السيطرة على المناطق المأهولة مسألة أسهل من أى بلد آخر . كذلك فهى بلد سهلية ، الجبال فيها خالية من السكان لأنها جرداء فلاتصلح للعمل المسلح ولاتوجد بالبلاد غابات أو هضاب أو مناطق وعرة أو مستنقعات كأهوار العراق أو مستنقعات وغابات جنوب السودان .

وقد شرحت ذلك فى دراستى : فقه التغيير السياسى فى الإسلام – المركز العربى للدراسات – القاهرة – الطبعة الخامسة – 2011 .

مصر تاريخيا ليست بلدا مؤهلا للعمل المسلح فى الصراع الداخلى ، ولكن وجود محتل أجنبى يجعل العمل المسلح إجباريا و يغطى على غياب التضاريس المواتية عمق الجماهير المؤمنة بضرورة التحرير ، فالجماهير تحتضن وتخفى المقاتلين . ومع ذلك فقد كان الوجه الجماهيرى السياسى لمقاومة الاحتلال البريطانى هو الوجه الرئيسى وتم تتويجه بانقلاب عسكرى أبيض فى 23 يوليو 1952 .

ولكن معارضتى للمعارضة المسلحة تتجاوز ذلك فهناك أمور شرعية عديدة تضبط وتقيد هذه الفكرة وتمنع هذه الفكرة عموما وفى مصر خصوصا .

الطبعة الأولى لهذه الدراسة ظهرت فى عام 1993 وكانت الجماعة الاسلامية فى ذروة قوتها فى العمليات العسكرية وظن البعض أنها يمكن أن تصل للحكم . ولكننى تنبأت بأن الأسلوب الوحيد الممكن للتغيير فى مصر هو عبر ثورة شعبية سلمية وليس عبر العمل المسلح أو الانقلاب العسكرى أو الانتخابات . وهذا ما حدث فى 2011 ولكن الثورة فشلت لأسباب عديدة والمسئولية تقع على النخبة كلها وفى مقدمتها الإخوان المسلمين .

وبعد صدور هذه الطبعة الأولى كنت فى زيارة للسودان لحضور أحد المؤتمرات وأثناء وجودى فى فندق هيلتون فوجئت بصديقى عبيد – ليس هذا هو الاسم الحقيقى ولكننى حقا نسيت اسمه لأننى لم أره منذ ربع قرن – يزورنى وقد علم بوجودى بالخرطوم . وهو ماكنت أعتبره من القيادات المعتدلة بالجماعة وأجرى معه حوارات متقطعة سيأتى الحديث عنها ولكننى أتحدث الآن عن هذا الحوار لأنه متصل بهذه الدراسة وبموضوع العنف الذى نتحدث فيه . طلب منى عقد جلسة مع قيادات الجماعة المتواجدة بالخرطوم ولم أسأله عنهم ورفضت اللقاء ، لأننى كنت مدركا عدم فائدة اللقاء وهم مصرون على العمل المسلح ففى أى شىء نتعاون ، ولن يعود على اللقاء إلا بأضرار أمنية . وقلت له أنا أتحدث معك لأنك صديق قديم من ماقبل العمل المسلح ، ويكفى الحوار معك لتصل آرائى إلى زملائك . وأعطيته نسخة من دراستى فقه التغيير السياسى فى الاسلام . وعاد فى اليوم التالى وقد قرأه بدقة وعلم على بعض السطور ، وشكر فى الكتاب ولكن قال لماذا تستخدم التقية فى مسألة الكفاح المسلح ؟ قلت له أنا لا أستخدم التقية بل أقول بصراحة إن العنف المسلح لا يصلح فى حالات كثيرة ومنها مصر لأسباب شرعية وعملية من وجهة نظرى ، وقلت ان القوة المسلحة كانت صحيحة ونجحت فى أفغانستان ، أقصد وصول طالبان للحكم بقوة السلاح ، فلايمكن الوصول للحكم فى افغانستان وفى الأوضاع الحالية إلا بالسلاح . ولكن الوضع فى مصر يختلف كلية . وتحاورنا لساعات ولكننى كنت حزينا ، فقد شعرت أننى فقدت صديقا أقصد صديقا فى الهم الفكرى والجهادى ، لأن علاقتنا كانت قائمة على رفض الكفاح المسلح كوسيلة للتغيير فى مصر وهو كان من ضمن ما يسمى جماعة بنى سويف القريبة لنفس هذا التصور وإن كانت داخل الجماعة . أثناء الحديث قال لى : لقد أصبحت مدربا بصورة جيدة على استخدام بعض الأسلحة ؟ قلت له : لم تكن هذه اهتماماتك ؟ قال : لقد كنت فى افغانستان ومش معقول أضيع فرصة التدريب العسكرى هناك وضرب الرشاشات !!

لقد تغير عبيد إذا وانتهى السجال بينى وبينه لصالح العنف وخسرت صديقا .. وسأعود إليه وفق التسلسل الزمنى .

بداية العلاقة مع الاخوان المسلمين 3

فى عام 1983 كنت لا أزال صحفيا فى جريدة الشعب الناطقة بلسان حزب العمل الاشتراكى وكنت أنخرط ببطء فى حزب العمل خاصة بعد أن أعلن رفضه لكامب ديفيد وكان من قبل يتحفظ على كامب ديفيد والمعاهدة مع اسرائيل فى عدة نقاط فحسب وعلى رأسها إغفال القضية الفلسطينية وضرورة قيام دولة فلسطينية . وفى إطار عملى الصحفى بدأت أخرج عن نطاق الشئون العربية إلى بعض القضايا الداخلية وعرض على أحد الزملاء إجراء حوار مطول مع بعض الجماعات الاسلامية للنشر فى الجريدة وأخذت موافقة رئيس التحرير ونظمنا الحوار بالفعل .

كنت فى ذلك الوقت منفتحا على الاسلام بل مندفعا ونهما فى القراءة الاسلامية لتعويض مافاتنى من إنقطاع استمر قرابة 10 أعوام كما بدأت الانتظام فى العبادة ، وقد رحبت بشدة بهذا الحوار ليس لأغراض صحفية ولكن لرغبتى وتشوقى للانفتاح على التيار الاسلامى رغم إدراكى عن بعد للخلافات معه باعتبارهم منغلقين عن مشكلات العصر وأحوال الدنيا والسياسة . بعد فترة غير طويلة اكتشفت ان هؤلاء الشباب من الاخوان المسلمين وليسوا من أى جماعات أخرى وهم لم يرغبوا فى نشر الحوار كإخوان مسلمين بصورة صريحة ، وهذا الأمر لايهمنى . كنت فى تلك المرحلة أكن احتراما كبيرا وتقديرا عاليا لكل الاسلاميين باعتبارهم هم السابقون بالنسبة لى ولهم الفضل فى ذلك .. ولكن فى نفس الوقت لم أكن مستسلما لتقبل كل ما يقولون . كان أهم الحاضرين وفقا لذاكرتى د. عصام العريان ود. ابراهيم الزعفرانى . وقد استغرق الحوار جلستين أو ثلاثة. ويهمنى التوقف عند نقطتين فى إطار إكتشافاتى كيف يفكر هؤلاء الجماعة .

الأولى : عندما أثرت القضية الوطنية وكيف أن الوطنية تجمع جميع الفرقاء ، فوجئت بعصام العريان يتحدث عن إيمانهم بالوطنية الربانية أى الوطنية المرتبطة بالإيمان بالله ، وحاولت أن أوضح أن الوطنية وإن تداخلت مع الإيمان ولكنها مفهوم مستقل يمكن أن يشير إلى كل المصريين مهما كان دينهم ومهما كانت عقيدتهم بما فى ذلك التيار اليسارى . ظل عصام العريان يؤكد مرارا إن الوطنية عندهم هى الوطنية الربانية فحسب . وقد انزعجت جدا من هذه الفكرة لأننى كنت أصبو للتعلم من هؤلاء الشباب وهم أصغر منى قليلا ولكنهم شباب بالنسبة لكبار وقدامى الاخوان المسلمين ، و بدأت أشعر بالعسر فى إمكانية التفاهم والتقارب مع مثل هذا الأسلوب فى التفكير . ولا أعلم من أين حصل عصام العريان على هذا المصطلح ؟ فبعد 40 سنة من هذا اللقاء لم أسمع هذا المصطلح من أى اسلامى ولم أقرأه فى أى كتاب اسلامى على كثرة ما قرأت وأقرأ ، ولم أسمعه بعد ذلك من عصام العريان نفسه على كثرة لقاءاتنا حتى أننى تصورت خطأ أننا أصبحنا صديقين على أساس المحبة فى الله . وسأضطر للعودة كثيرا فى هذه الدراسة لأحاديثى مع العريان رحمة الله عليه على أساس التوثيق باعتباره شخصية غير عادية فى الاخوان المسلمين من وجهة نظرى بغض النظر عن المواقع التى تقلب فيها وأيضا بسبب صلتى الدائمة به. وأؤكد مرة أخرى ما قلته له من 40 سنة إن مفهوم الوطنية يتداخل بالتأكيد مع الايمان بالله والشخص المؤمن بالله يدخل هذا الايمان بالوطن فى حياته وتصوراته . ولكن الوطنية مفهوم مستقل يشمل المسلم والمسيحى ، المتدين وغير المتدين أو قليل الايمان أو عدم الملتزم عمليا بضوابط دينه وشعائره ، ويمكن أن يدافع عن الوطن بإخلاص فى ساحة الوغى أو يشارك فى البناء الاقتصادى وعملية التنمية بمنتهى الاخلاص . باختصار الوطنية تشمل كل المواطنين فى بلد ما إلا من أبى ! بأن يتعاون مع الأعداء أو يقرر الهجرة والحصول على جنسية أخرى ويطلب إسقاط جنسية بلده عنه . وقد نستحث المواطنين أحيانا فى بعض المواقف ببذل المزيد من الجهد من أجل الوطن ولكن بدون التشكيك فى وطنيتهم . ولقد عشت بنفسى مرحلة الصراع مع اسرائيل ولمست كيف أن كل المصريين كانوا وطنيين وعلى قلب رجل واحد فى حروب 1956 و1967 و1973 إلا من أبى وقد كانوا قلة قليلة من الجواسيس أو بعض بقايا نظام ماقبل 23 يوليو .

النقطة الثانية التى استرعت انتباهى فى هذا الحوار وبقيت فى ذاكرتى رغم مرور حوالى 40 عاما عليه ، وهو مايؤكد مدى اهتمامى بهذا الحوار وأننى كنت أعتبره حدثا مهما فى حياتى . النقطة الثانية جاءت على لسان الصديق العزيز د. ابراهيم الزعفرانى عندما دار الحديث حول بحث أمور الدُّنْيَا والسياسة بإنفتاح وعدم الاستغراق الدائم فى أى حوار بالنصوص الدينية ليس بغرض استبعادها ولكن لأن وقائع الدنيا فى مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع لانهائية بينما نصوص الدين محدودة ، المهم ألا نصل فى النهاية لموقف يخالف أى نص دينى صريح فى القرآن والسنة ، كان رد الكتور الزعفرانى : كل شىء من الدين وفى الدين ولايوجد شىء خارج الدين ثم خلع نظارته ببعض العصبية وقال : إن خلع النظارة هكذا من الدين ، ووضعها مرة أخرى على الوجه من الدين . وضحك عصام العريان مقدرا حالة الذهول التى اصابتنا نحن صحفيى جريدة الشعب ، وواصل الزعفرانى توضيح ما يقصده : إن كل مانفعله فى الدنيا لايخرج عن الدين لأننا أمام عدة احتمالات حصرية : إما ان يكون الفعل حلالا أو حراما أو مكروها أو مستحبا أو مباحا . وهكذا فإن خلعى للنظارة وإعادة وضعها مرة أخرى على عينى من الأمور المباحة !

فى هذه اللحظة أيضا لاحظت أن الحوار وصل إلى طريق مسدود ، فرغم أننى أعرف هذه الاحتمالات الخمسة للفعل من وجهة نظر الدين ‘ إلا أن هذا لايصلح أن يكون ردا على مناقشة ما يسمى الأمور المباحة وهى بالمناسبة هى المساحة الأكبر التى شغلت الفقهاء واختلفوا حولها . وهى المساحة الأكبر فى حياتنا وفى قراراتنا الشخصية والعامة . وهو أسلوب فى الحوار يريد التأكيد على التمسك بالدين بينما المحاور لايطالب بالتخلى عن الدين .

تجربة حزب العمل فى التحول إلى الاسلام 4

فى عام 1984 اقترب موعد انتخابات مجلس الشعب وكان الحديث متواترا عن احتمال تحالف الاخوان المسلمين مع حزب الوفد فى هذه الانتخابات التى كانت محصورة فى القوائم الحزبية ولم يكن للاخوان حزب سياسى معترف به .

كان حزب العمل يتحرك ببطء ليتحول إلى حزب اسلامى ومن المهم أن نعرض فى هذه الدراسة لتجربة حزب العمل كتجربة اسلامية مختلفة عن الاخوان المسلمين وغيرها من التنظيمات الاسلامية ، رغم أن الحركة الاسلامية فى مصر جمعاء لا تعترف به كحزب اسلامى وهذا من ضمن أخطاء هذه الحركات وإتخاذها الطابع الكهنوتى فهى التى تحدد من يكون اسلاميا ومن لايكون . وهم يرون أن هذا الحزب مجرد حزب سياسى تقليدى وقد يذكره البعض بالخير كحزب مكافح ولم يقصر فى الدفاع عن الحركة الاسلامية عندما تتعرض لأى تضييق أو انتهاك لحقوق الانسان . أو يذكره البعض كحزب قومى كما قال بمنتهى الجرأة فى الاعلام د. البلتاجى : نحن منفتحين ونضم فى تحالفنا حزبا قوميا هو حزب العمل ، يقصد التحالف المشئوم الذى تم بيننا فى انتخابات 2011 – 2012 لمجلس الشعب . أما تيار العنف المتشدد كداعش وأخواتها فهو يطلق علينا إذا أحسن الظن بنا سياسيين وطنيين ، والوطنية عندهم نوع من الذم والقدح ! ولا أقول ذلك على أساس أننى اشعر بمرارة أو خيبة أمل من هذا التعالى ، فنحن كنا نعمل لوجه الله ، ولاننتظر جزاءا ولا شكورا من أى أحد حتى وإن كان تقديرا أدبيا ، ولكننى أسرد هذه الوقائع لأوضح كيف يفكر هؤلاء وكيف يجرمون السياسة والوطنية أو يضعون ما يعتبرونه حزبا قوميا أو وطنيا فى مستوى أدنى منهم ، وأن طريقة التفكير هذه لا تساعد أبدا على فهم الاسلام كما أنزل من عند الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية المؤكدة كما سأوضح بالتفصيل طوال هذا النقاش الطويل المفتوح ، ولا أحتاج أن أؤكد دوما أنها وجهة نظر واجتهاد . والحكم لجمهور الناس فى نهاية المطاف .

نعود إلى تجربة حزب العمل . فى عام 1984 كان هناك شىء يدبر لحزب العمل الاشتراكى من خارجه وفى الخفاء بين شخصين اثنين لا ثالث لهما إلا الله سبحانه وتعالى المطلع على كل شىء . كانا شخصين يدبران لعمل الخير وليس للإضرار بحزب العمل ويستهدفان وجه الله والوطن من خلال إصلاح حزب العمل وإعادته إلى سيرته الأولى حزب اسلامى وفق توجهات وقناعات محددة . كان بينهما حوار طويل وعسير لم ينقطع منذ 1968 أى منذ قرابة 16 عاما . وما يهمنا هذه المرحلة الأخيرة بين 1980 و1984 . كان حوار بين أستاذ وتلميذه بين الأستاذ عادل حسين وبينى . ورغم أن عادل حسين كان قد قرر منذ خرج من السجن عام 1964 إعتزال العمل السياسى ، وكان معتقلا على ذمة القضايا الشيوعية ، والتفرغ للعمل الصحفى والفكرى ثم التفرغ التام للفكر بعد أن منع من الكتابة فى أخبار اليوم فى عهد الرئيس السادات . مر الأستاذ عادل حسين بالتحول الفكرى عبر مسار الهندسة العكسية الذى أشرت إليه من قبل . فمنذ خرج من السجن كان يتحول بصورة متسارعة من المواقع الماركسية إلى المواقع الوطنية والقومية العربية ثم إلى الاسلام بصورة حاسمة ولكن بإجتهاد خاص ، وقد كان أمينا ومخلصا ومدققا حتى أن هذا التحول أخذ منه قرابة عشر سنوات. وعرض فكر عادل حسين بصورة مكثفة ومختصرة ضرورى لفهم تجربة حزب العمل ، فقد أصبح فكره هو تقريبا فكر حزب العمل فى مرحلته الاسلامية . ولكن من الصعب الحديث عن فكر عادل حسين وحده لأنه كان منفتحا على كوكبة من العلماء والمفكرين الأحياء والراحلين . وكان هو بالأساس تلميذا لوالدى أحمد حسين زعيم حركة مصر الفتاة والذى مد المكتبة الاسلامية بدراسات وكتب بالغة الأهمية كانت إضافة حقيقية فى عالم الفكر الاسلامى حتى ان الأزهر اعترف به ككاتب اسلامى ونشر له مباشرة فى مجلته ومن خلال المجلس الأعلى للشئون الاسلامية التابع لوزارة الأوقاف كتبا عديدة على رأسها تفسير القرآن الكريم والسيرة النبوية والعديد من الكتب الأخرى . وعلى خلاف الشائع فلأحمد حسين كتب ودراسات اسلامية عديدة فى مرحلته الأولى وهو زعيم لحركة مصر الفتاة فى موضوعات شتى : الاسلام محرر المرأة – الحرب على ضوء القرآن والسنة – العلم والمال فى الاسلام – مناسك الحج – فى الايمان والاسلام الذى ترجم للغة الانجليزية – وفى مرحلة لاحقة قدم دراسات مهمة عديدة حول الطاقة الانسانية والأمة الانسانية . وكان عادل حسين مستوعبا ومتبنيا لهذا التراث العريض .

كان اجتهاد عادل حسين فى مجال تجديد توجهات الحركة الاسلامية بادئا بحزب العمل كتالى:

بعد الثوابت العقدية التى لايختلف حولها وهى عريضة فإنه كان يركز على

1 الاستقلال والتنمية المستقلة باعتبار هذه هى القضية الأولى لمصر والأمة العربية . وقد أوضح ذلك فى كتابه العمدة : الاقتصاد المصرى من الاستقلال للتبعية 1975 – 1979

2 التأكيد على نظام سياسى قائم على التعددية الحزبية وكل ضمانات التعبير الحر وحرية العقيدة .

3 العدالة الاجتماعية

4 الحفاظ على الدور القيادى للقطاع العام فى التنمية ودور الدولة فى الاقتصاد

5 موقف مناهض للحلف الصهيونى الأمريكى باعتباره الخطر الرئيسى على الأمة .

6 تحرير فلسطين

7 إقامة علاقات قوية مع البلاد العربية وصولا للوحدة العربية

8 الايمان بالوحدة الاسلامية الأوسع وإن تكن تتسم بطابع لامركزى

9 إقامة علاقة تعاون وصداقة مع الاتحاد السوفيتى والمعسكر الاشتراكى ومختلف دول عالم الجنوب.

10 الايمان بالمرجعية الاسلامية فى إطار إجتهاد عصرى جديد .

لم يكن عادل حسين قرر العودة للعمل السياسى وكانت خطته أن يعتمد على جهودى الخاصة للقيام بعملية تطوير الحزب فى اتجاه اسلامى .

وكنت قد أبلغته خلال حواراتنا أننى انفصلت فكريا عن الحركة الشيوعية وإننى أفكر فى تأسيس تنظيم وطنى اسلامى غير رسمى لأن تأسيس الأحزاب الجديدة كان مستحيلا فى أواخر عهد السادات فقد كان قد أغلق حزب الوفد وجمد حزب التجمع وأوقف صحيفته الأهالى ثم اتجه لمحاربة حزب العمل حتى قرارات سبتمبر 1981 والتى أدت إلى إغلاق صحيفة الشعب وحتى إغتيال السادات فى 6 أكتوبر ولم تعد الصحف الحزبية للصدور إلا فى مايو 1982 بعد إتمام الانسحاب الاسرائيلى من سيناء فى عهد الرئيس مبارك .

رأى عادل حسين إن اللجوء للعمل السرى غير مطلوب وغير صحيح ولابد من العمل فى العلن وفى إطار المشروعية القانونية فنحن أصحاب فكر ورسالة وبرنامج ، وليس أمامنا إلا العمل بين الجماهير وليس لدينا ما نخفيه . وإذا كان ذلك كذلك فليس أمامنا سوى الاختيار بين حزبين هما الأقرب لنا : حزب التجمع وحزب العمل . كان عادل حسين يتحدث بصفة الجمع رغم أنه كان يتحدث عنى أنا وحدى بينما سيكون هو معى كمرشد فكرى وموجه وخبير . وقد كان ذلك عبئا كبيرا على شخص مثلى خاصة وأننى لازلت وحيدا فمعظم أصدقائى فى عالم اليسار لم يوافقوا بالطبع على هذا الانقلاب ب 180 درجة من الماركسية للاسلام مرة واحدة وقد تحولت فى مدة تقل عن عامين . ولكن كان معى قلة قليلة خرجت من الاطار الماركسى إلى الإطار الوطنى العام دون أن تصل إلى درجة تبنى الاسلام كدين وكمرجعية سياسية . ومع ذلك لم أرفض أبدا أفكار عادل حسين الطموحة وواصلت الحوار معه والتفكير .

وكانت لعادل حسين تجربته مع حزب التجمع التقدمى الوحدوى اليسارى ، وقال لى : لقد كانت الصيغة النظرية لحزب التجمع رائعة ، وكان البلد فى أمس الاحتياج لها ، بإنشاء تنظيم يضم التيارات الأساسية للأمة : اليسار الشيوعى – القومى العربى – الناصرى – التيار الدينى المستنير ، ولكن الصيغة قامت ليس على أساس جبهوى بين هذه التيارات بحيث يحتفظ كل طرف باستقلاله الفكرى والتنظيمى ، ولكن على طريقة الخلاط الذى يخلط كل هذه التيارات مع بعضها للخروج بصيغة وطنية واحدة متآلفة وبحيث تخرج سبيكة واحدة تضم عناصر القوة والصحة والصواب فى كل هذه التيارات . ولكن هذه الصيغة سرعان ما فشلت لأن الحزب الشيوعى المصرى السرى سيطر على العمود الفقرى للحزب ثم سيطر على الحزب كله ، وهمش كل التيارات الأخرى بما فى ذلك اليساريين من خارجه . وبالتالى أصبح هذا الائتلاف شكليا ولم يرتق حتى إلى مستوى الجبهة بين أطراف متعددة . وبالتالى أصبحنا إزاء حزب علنى كغطاء للحزب الشيوعى السرى . وبالتالى لا أرجح إحتمال أن تعمل أنت من خلال حزب التجمع .

قلت له : إن حزب العمل تجربة بالغة السوء لأسباب مختلفة بطبيعة الحال رغم أننا متفقان على أن ابراهيم شكرى رئيس الحزب رجل محترم ونعرفه جيدا ومتدينا ووطنيا وقد كان الرجل الثانى فى حركة مصر الفتاة إلا أن الحزب يعانى من تشوهات بنيوية . فقد أسسه ابراهيم شكرى من أعضاء مصر الفتاة القدامى وهؤلاء اعتزلوا السياسة منذ ثلاثين عاما وبالتالى عادوا تنقصهم اللياقة السياسية والسياسة تقوم على الممارسة . وقد احتفظ ابراهيم شكرى بلياقته لأنه لم يعتزل السياسة وخاض معارك انتخابية فى مجلس الأمة والاتحاد الاشتراكى ومجلس الشعب وتولى منصبى وزير الزراعة و محافظ الوادى الجديد . و كل أبناء مصر الفتاة مخلصون ولكن المشكلة أن الحزب استكمل صفوفه من سواقط الحزب الوطنى ، فكل من لم يجد لنفسه مكانا داخل الحزب الوطنى جاء وانضم لحزب العمل وهؤلاء يشكلون أكثر من نصف قيادات الحزب وكوادره . وهؤلاء لا أفكار واضحة لهم ولا عقيدة ولا ايديولوجية ولايحلمون إلا بمقعد فى مجلس الشعب أو الحصول على مركز قيادى فى الحزب يؤهله للحصول على مكاسب من الحكم المحلى أو الوزارات . وقلت له : إننى لا أستطيع أن أجد نفسى فى هذا الحزب ، إلا كمجرد صحفى بجريدة الشعب أستطيع أن أكتب فيها ما أعتقد فى الشئون العربية .

كان الأمر محيرا فعلا ، قال عادل حسين رغم أننى أرى أن حزب العمل هو الاختيار الأسلم لأن جذوره اسلامية . فمصر الفتاة كان حزبا وطنيا اسلاميا وثقافته وفكره نابعة من الاسلام . لماذا لا نقوم بمحاولة اختبار أخيرة لحزب التجمع وأحواله ؟ لماذا لا تذهب لمقابلة خالد محيى الدين رئيس الحزب وتجس نبضه وتتلمس آخر أخبار الحزب وإمكانية العمل من خلاله ، فأنا منقطع منذ فترة عن متابعة أخباره . ووافقت وذهبت لمقابلة خالد محيى الدين فى موعد الندوة الأسبوعية للحزب يوم الأربعاء .

ذهبت مبكرا قبل موعد الندوة حتى يتسنى لى الحديث معه وقد استقبلنى استقبالا جيدا ودافئا فهو يعرف والدى جيدا ، ولكننى لم أتمكن من الحديث معه قبل الندوة نظرا لدخول أعضاء الحزب إلى مكتبه للسلام عليه وتحيته خاصة وهو عائد لتوه من موسكو حيث حضر مؤتمر الحزب الشيوعى السوفيتى ، وأخذوا يسألونه عن صحة ليونيد بريجينيف زعيم الحزب الشيوعى السوفيتى ورئيس الدولة الذى تولى الحكم عام 1964 وبلغ من العمر 76 عاما . وكانت الأخبار والتقارير الصحفية تتوالى عن تدهور صحته ، وكان يتعثر وهو يسير وسقط مرة على السلالم أمام الكاميرات . طمأن الأستاذ خالد محيى الدين الأعضاء على صحته وقال لهم أطمئنوا كل هذه شائعات لقد وجدت صحته جيدة واشترك فى أعمال المؤتمر بصورة طبيعية تماما . ثم جاء موعد الندوة فرأيت أن أتحدث معه بعد الندوة أو فى موعد آخر . وحضرت الندوة حيث تكرر نفس الحديث حيث تحدث طويلا لطمأنة الحضور على صحة بريجنيف ، ولا أذكر أنه قدم تحليلا مفيدا لما جرى فى مؤتمر الحزب أو مقرراته . شعرت أننى فى إجتماع للحزب الشيوعى المصرى والمرتبط عضويا بالاتحاد السوفيتى ، ورأيت بوضوح عدم جدوى الحديث مع خالد محيى الدين فيما أتيت له فالصورة التى كانت عند عادل حسين صحيحة تماما ، فالحزب لم يعد إئتلافيا ولا حتى جبهويا إنه الحزب الشيوعى المصرى الموالى للاتحاد السوفيتى وانصرفت بعد الندوة ولم ألتق بخالد محيى بعد ذلك أبدا .

عندما ألتقيت بعادل حسين بعد ذلك ونقلت له الصورة لم يعد هناك مجال للحديث عن حزب التجمع وعدنا للتركيز على حزب العمل ، ونحن الاثنان بطبيعة نشأتنا من أبناء مدرسة مصر الفتاة وأحمد حسين . وكانت خطة عادل حسين التى اقترح على تنفيذها هى التركيز على الشباب والشباب وحده ببناء جناح شبابى يحمل الرؤية الاسلامية القديمة لمصرة الفتاة ، ويمكن الرجوع لدراستى – فقه التغيير السياسى فى الاسلام – المركز العربى للدراسات – الطبعة الخامسة – 2011 .

كان مجرد تسمية الحزب بمصرالفتاة كافيا عند الاسلاميين لاستبعاد الحزب من الحركة الاسلامية سواء فى الدراسات المتعلقة بتاريخ الحركة الاسلامية أو فى المارسة الواقعية الراهنة لما يسمى الاسلام السياسى . وهذا فى حدذاته أحد إنعكاسات ضيق الأفق ، الذى لازم ما يسمى الصحوة الاسلامية فإذا لم تضع الاسلام فى العنوان فلست إسلاميا ، حتى المحلات والمطاعم والشركات أصبحت بأسماء إسلامية صريحة كالبقالة الاسلامية أو التوحيد . ولكن الأهم من ذلك التقليل من شأن الوطنية وبالتالى من شعار مصر وهو أمر تراوح بين الكراهية والتحريم ، فكيف يكون حزب اسمه مصر .. وفتاة وهو أمر يشير إلى المرأة وهم كانوا فى البداية يرفضون مشاركة المرأة فى العمل السياسى ولا يزال بعضهم حتى الآن . وكان أحمد حسين قد اختار هذا الاسم تيمنا بقول مصطفى كامل ” وأريد أن أوقظ فى مصر الهرمة مصر الفتاة ” أى إحياء شباب مصر وفتوتها . والمصرية أو الوطنية من الفطرة خاصة فى زمن الاحتلال الأجنبى . الوطنية تعنى تحرير مصر من التسلط الأجنبى وبالتالى فإن الوطنية جزء لا يتجزأ من الاسلام لأن مصر جزء لايتجزأ من دار الاسلام . وشعبها جزء لا يتجزأ من الأمة الاسلامية .

البرنامج الأساسى لحركة مصرالفتاة رفع شعار الايمان كشعار أساسى للحزب بوضع لفظ الجلالة وهذا ما أثار حفيظة مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد وقال لأحمد حسين إن وضع لفظ الجلالة على برنامج سياسى شعوذة .ودعا حزب مصر الفتاة إلى التمسك بفضائل الدين والأخلاق كالصدق والشرف والواجب والتقليل من اللهو والمزاح وضرورة إلتزام الفنون بقيم البعث والإحياء لا أن تكون وسيلة للهو والفجور وطالب بتعزيز الأسرة . لاتتكلم إلا بالعربية ولاترد على من لايخاطبك بها ولاتدخل محلا لايكتب اسمه بالعربية . لاتشتر إلا من من مصرى ولا تلبس إلا ما صنع فى مصر ولا تأكل إلا طعاما مصريا فإن لم تجد فعربيا . قاطع الخمور ودور اللهو الحرام والسينمات الأجنبية . تطهر فصل لربك . وكان إلتزام العضو بالصلاة شرطا وأن يذهب إلى المسجد كل يوم جمعة ، وأن يذهب المسيحى إلى الكنيسة يوم الأحد. والعجيب ان حركة مصر الفتاة كانت أول من أحيا سنة صلاة العيد فى الخلاء . وأكثر من حارب الخمور ودور الدعارة التى كانت مرخصة قانونا فى الثلاثينيات من القرن العشرين ، وإن تورطوا فى استخدام العنف فى تحطيم الحانات ولكن توقفوا سريعا عن ذلك . كما كانت الحركة تدعو لإقرار التجنيد الإجبارى فى الجيش . وهكذا فقد كانت الدينية والجهادية متأصلة فى برنامج وحركة الحزب كذلك الدمج بين القضية الوطنية والدين .

ونعود للحوار مع عادل حسين .. تم الاتفاق أن أتولى تأسيس جناح شبابى فى الحزب ، وبدأت بعقد ندوات خاصة للشباب من أبناء الحزب ومن خارج الحزب ممن نتوسم فيهم الخير لكن كان لابد من إيجاد إطار تنظيمى ، بتطوير أمانة الشباب ، وتحويلها إلى اتحاد شباب العمل ، وتخصيص صفحة فى جريدة الحزب لشباب العمل . وأثناء هذا العمل الذى بدأ يشتد بإشراف عادل حسين من بعيد بتوجيهات عامة دون الدخول فى التفاصيل ، اعترضت طريقنا الانتخابات العامة لمجلس الشعب حيث لايمكن تجاهل الاهتمام بها . و هذا ينقلنا إلى تطور جديد .

5تحالف الاخوان المسلمين مع حزب الوفد

فى عام 1984 لم أكن من قيادات الحزب ، وقمت بمبادرة فردية . كانت الأنباء تتوارد مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية ان الاخوان المسلمين يتجهون للتحالف مع حزب الوفد حيث صدر قانون يقصر الترشيح على قوائم الأحزاب ، ولم يكن للاخوان حزب شرعى . وتصورت ومعى بعض الزملاء أن الأوفق للاخوان أن يتحالفوا مع حزب العمل ، فقد كنا نتصور أننا أقرب إليهم ، وأن التوجه الاسلامى للحزب بدأ يظهر أكثر فأكثر فى مادة جريدة الشعب ، ونحن الحزب الوحيد الذى دعا فى السابق لتطبيق الشريعة الاسلامية قبل أن يجرى الرئيس السادات استفتاء حول إقرار الشريعة الاسلامية باعتبارها المصدر الأساسى للتشريع بوضع ألف لام التعريف . وكان الأستاذ ابراهيم شكرى قد أثار فى مجلس الشعب مسألة تقديم الخمور فى رحلات مصر للطيران طالبا إلغاء ذلك .

وخلال عام 1983 نشر الأستاذ عمر التلمسانى مرشد الاخوان المسلمين عدة مقالات فى جريدة الشعب ، كما حضر وتحدث فى احتفال حزب العمل برأس السنة الهجرية يوم 11 أكتوبر 1983 بمقر الحزب الرئيسى بحدائق القبة .

اتصلت بعصام العريان باعتبار المعرفة التى جرت بيننا وطلبت لقاءه فأتى ومعه ربما زملاء آخرون فى مقر الجريدة بشارع ابراهيم اللقانى بمصر الجديدة ، وطرحت قضية انتخابات مجلس الشعب ، وأبديت استغرابى ودهشتى من توجه الاخوان للتحالف مع الوفد فى الانتخابات ، رغم أن حزب الوفد علمانى ولايخفى ذلك وحريص على علمانيته ، وعلى خريطة الأحزاب لا يوجد حزب ذو توجه إسلامى سوى حزب العمل . وقلت له صراحة إننا لانطمع فى الثقل الانتخابى المعروف للاخوان ، ولكنها مسألة مبدأ وإننا نريد الانتصار لديننا والله أمرنا بأن نكون يدا واحدة ، دون أن أقول له صراحة الآية الكريمة ” ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيانات وأولئك لهم عذاب عظيم ” آل عمران 105

واكتشفت أن الاخوان قد اتخذوا قرارا بالفعل بالتحالف مع الوفد وقال لى عصام العريان : إننا نتفق مع الوفد فى مسألة أساسية وهى رفض 23 يوليو بينما أنتم لا تزالوا تؤيدونها . أصابنى الذهول من هذا المنطق وناقشته بدون حماس عندما علمت أنهم اتخذوا قرارا نهائيا بالفعل بالتحالف مع الوفد . ولكننى أردت أن أوضح وجهة نظرى ولا أتذكر الآن ماذا قلت له بالضبط ولكن يمكن أن أقول الآن أن الاخوان حولوا العداء لثورة 23 يوليو إلى ثابث من ثوابت الدين والعقيدة بل أهم من مبدأ تطبيق الشريعة الاسلامية ففضلوا حزبا لأنه معاد ل 23 يوليو على حزب يطالب بجدية ومنذ تأسيسه بتطبيق الشريعة الاسلامية . أيضا فضلوا حزبا مواليا للغرب والأمريكان على حزب يعارض بشدة الحلف الصهيونى الأمريكى وسياسات أمريكا فى مصر والمنطقة العربية . فيما بعد علمت أن الاخوان يرون أن حقبة 23 يوليو حقبة سوداء بصورة كاملة ولا يرون فيها أى ايجابيات بسبب الصراع على السلطة الذى كان بينهما . وبالتالى هم بصورة آلية ضد الاصلاح الزراعى وضد حركة التصنيع وضد أى مكاسب للعمال والفلاحين وضد الوحدة العربية . دخلت فيما بعد فى حوارات عقيمة مع قيادات وكوادر الاخوان حول 23 يوليو دون جدوى . ثم لأنهم أى الاخوان براجماتيون . البراجماتية مصطلح لاتينى وعنوان لأهم فلسفة فى أمريكا ،لكن باختصار تعنى أنهم يبحثون عن مصالحهم بدون التمسك بأى حقائق ثابتة ، أى عمليون أى نفعيون أى مكيافيلليون نسبة إلى ميكيافيللى الشهير الذى رفع شعار الغاية تبرر الوسيلة . وكل هذه المعانى تتعارض مع المنهج الاسلامى القويم . ولأنهم براجماتيون ولم يحققوا مصالحهم مع الوفد عادوا وجاءوا هم بأنفسهم وطلبوا التحالف مع حزب العمل عام 1987 ثم ركلوا حزب العمل تماما فى انتخابى 2005 2011 ثم تحالفوا بصورة وثيقة فى الانتخاب الأخير مع حزب الكرامة الناصرى وهو حزب 23 يوليو بصورة كاملة ، أما حزب العمل فله رؤية نقدية لثورة يوليو ولكن لا يشطب على إنجازاتها وما قدمته للوطن ، كما لم يدعو أبدا للعودة للنموذج الناصرى كنظام للحكم أو كإطار فكرى . فى انتخابات 2011 أعطوا فى قوائمهم مقعدا واحد لحزب العمل و6 مقاعد للكرامة ، ونحن لا نلوم إلا أنفسنا ، ونستحق ما جرى لنا ، ولم يكن التسامح من قبلنا مع هذه التصرفات من الاخوان من الاسلام فى شىء وكان لابد أن نكون أكثر حسما ، بل أكثر إدراكا واكتشافا بأن هذه الجماعة لا تعمل إلا لنفسها وأنه ليس لها عهد ولا ذمة .

: الغريب ان ابراهيم الزعفرانى يكتب على الفيس بوك ويقول

وبدا الاخوان يبحثون عن احد الاحزاب للترشح على قوائمه حينها لم يجرئ اى حزب تحدى ارادة الحكومة ووضع الاخوان على قوائمه الا حزب الوفد الجديد – الأخطاء المطبعية له !

أى أنه يقول إن حزب العمل خاف أن يتحالف مع الاخوان أو أنه عرض عليه التحالف ورفض . وهذا غير صحيح كما ذكرنا .

ولكن الزعفرانى يكشف عسر التحالف مع الوفد منذ لحظة الترشيح فقد تم الاتفاق أولا على ترشيح 22 إخوانيا فى صدر القوائم ولكن تم خفض العدد إلى 6 فى النهاية وهم الذين تمكنوا من دخول المجلس . تذكروا هذا الرقم جيدا عندما نتحدث لاحقا عن تحالف الاخوان مع حزب العام بعد 3 سنوات فقط .

وقد كان الاتفاق بين عمر التلمسانى مرشد الاخوان وفؤاد سراج الدين أن يلتزم كل نائب من الاخوان بمواقف الوفد تحت القبة ولكنهم لم يلتزموا بهذا الاتفاق وتصرفوا بشكل مستقل وشكلوا مجموعة مستقلة من 6 بالاضافة لعادل عيد والشيخ صلاح أبو اسماعيل كما يقول المستشار مصطفى الطويل الذى شارك فى هذه المفاوضات وأصبح رئيسا شرفيا للوفد عام 2011 – المصرى اليوم 9 – 10 2011 – . وإذا صحت هذه الرواية فإن أهم مافيها أن الاخوان اتفقوا على الالتزام بعدم إثارة أى حديث اسلامى تحت المجلس ، فهذا اتفاق باطل من أساسه ودليل على عدم مبدئية هذا التحالف .

فى تلك الانتخابات كانت الصورة سريالية الاخوان يلصقون دعايتهم الانتخابية مع دعايات الوفد العلمانى فى الدوائر التى يوجد بها مرشحون للاخوان ولكنهم كانوا مضطرين للدعاية للوفد فى كل الدوائر من أجل ضمان الحصول على نسبة 8 % التى كانت حاجزا من الضرورى تخطيه لدخول مجلس الشعب لأى قائمة .

تجربة حزب العمل فى انتخابات 61984

بالنسبة لحزب العمل حدث تطور مهم خلال هذه الانتخابات فمن ناحية بدأت اتصالات بين ابراهيم شكرى وعادل حسين بصورة مباشرة وبدأ شكرى يستشير عادل حسين فى أمور الانتخابات والسياسة ونشأ عن ذلك أن عادل حسين كتب 4 مقالات بناء على طلب شكرى لشرح برنامج الحزب وراجعها ابراهيم شكرى ونشرها باسمه وكانت إنقلابا فى الحياة السياسة وفى حياة الحزب . كانت الانتخابات بين 4 أحزاب حصريا : الوطنى – التجمع – الوفد – العمل وكان حزب الأحرار خارج المنافسة حيث لايمكن أن يحصل على 8 % من الأصوات على مستوى الجمهورية . فكتب ابراهيم شكرى مقالا عن أفكار ومبادىء وبرنامج حزب العمل ومقالا عن خلافات الحزب مع الحزب الوطنى الحاكم ومقالا عن الخلافات مع حزب الوفد العلمانى المعادى لثورة يوليو والموالى للفكر الليبرالى الغربى وكان هذا محرجا للاخوان بشدة وأبرز الخلافات بين العمل والاخوان ،وجاء فى المقال الذى نشر فى منتصف إبريل 1984 : نحن نعلم أن للاخوان المسلمين كيانا ذاتيا صلبا . ونعلم أننا بصدد اندماج بين حزب الوفد وحزب الاخوان . ونعلم فوق ذلك أن من حق الاخوان أن يقيموا ائتلافا ما مع قائمة من القوائم المتاحة مادامت الشرعية الحالية ضاقت عن إمكانية تقدمهم إلى الانتخابات بقائمة مستقلة . رغم علمى بكل ذلك يظل سؤالى المحدد قائما وهو لماذا التحالف مع الوفد بالذات ؟ إن حالة التحالف لا تعنى أن يتعاون أى حزب مع أى حزب .. ولكنها تعنى أن يتحالف حزب مع حزب آخر يرى أنه الأقرب إلى توجهاته . فهل يعتبر الوفد فى الساحة السياسية الحالية أقرب القوى السياسية للاخوان ؟

إذا كان المعيار هو السمعة التاريخية فهل يفيد الاخوان سياسيا أن يبدو أمام الأجيال الجديدة أن أقرب القوى السياسية إليهم هو الحزب الذى مثل زعامة النظام القديم ؟

وإذا كان دوركم التاريخى والذى من حقكم أن تباهوا به هو مقارعة هذا النظام القديم فلماذا تسهمون فى تجميل دور الوفد وفى أحداث مزيد من البلبة فى فهم التاريخ والحاضر والمستقبل ؟

وإذا كان المعيار هو شدة العداء للاستعمار الغربى والصهيونية ، فهل ترون أن الوفد بمواقفه المعتدلة التقليدية وبأشخاص قيادته الحالية هو أقرب الحلفاء فى الساحة السياسية المعاصرة ؟

وإذا كان المعيار هو الموقف من الشريعة فهل ترون عن صدق أن الوفد هو أقرب الحلفاء ؟ وإذا كان يعلن اليوم فى هذا المجال غير ما مارسه تقليديا وبدون نقد لهذه الممارسة يؤكد إخلاصه فى الاعلان الجديد فلمصلحة من تسهمون فى خداع الجماهير وتدفعونها إلى تصديقه ؟

ولست هنا بصدد تقديم مقترحات محددة للاخوان المسلمين وقد لا تكون الصيغة التى اتخذناها اجتهادا سائغا من وجهة نظرهم . ولكننى أعتقد بكل إخلاص أن من واجبهم أن يقكوا اجتهادا مقابلا يراعى كل الاعتبارات الأصولية واعتبارت الزمان والمكان .

ولا أعتقد أنه من صالح الأمة بل ولا أعتقد أنه من صالخ الاخوان أن يشيع هذا القلق الشديد بين صفوف اخواننا الأقباط كلما جاء ذكر الاخوان المسلمين . جريدة الشعب

و كتب ابراهيم شكرى مقالا عن الخلاف مع حزب التجمع حيث أبرز الخلاف مع الفكر والتوجه الماركسى واستشاط حزب التجمع غضبا وقد كان يريد إخفاء طابعه الشيوعى رغم أن الحزب الشيوعى يسيطر عليه تماما. المهم أن هذه المقالات أوضحت بشكل كبير التوجه الاسلامى لحزب العمل والمختلف عن توجه الاخوان الذى أصبح مائعا فى ظل التحالف مع الوفد ، حتى وإن رفع شعار ” عودى يا مصر اسلامية ” فى الدوائر الست التى يوجد فيها مرشحوه ، فهذا شعار عاطفى لا يفصح عن أى توجه سياسى .

التطور الآخر هو إصدار ابراهيم شكرى قرارا بتعيينى مسئولا عن الدعاية الانتخابية المركزية . وهكذا بدأنا نتحول إلى التنسيق الثلاثى أى بين 3 أشخاص : شكرى – عادل – والعبد لله .

وقد ساهمت المادة الاعلامية التى قمت بصياغتها فى إبراز الخط الاسلامى للحزب وإبراز العداء الشديد للهيمنة الأمريكية على البلاد . وكانت تظهر الشعارات فى بوسترات مطبوعة وفى لافتات من القماش وبعض المطبوعات . وكان التوجه الاسلامى والاستقلالى لحزب العمل أقوى موقف بين الأحزاب الأربعة . وبدا موقف الاخوان محيرا وهو ملتصق بشعارات الوفد العلمانية .

وهنا لابد أن نسجل أن موقف الأمن كان متسامحا فى مجال السماح بالدعاية وعقد المؤتمرات فى هذه الانتخابات . المهم لقد قررت القيام بغزوة لوسط القاهرة وقمت طوال إحدى الليالى باستغلال حوائط الكوبرى الدائرى الذى كان موجودا فى ميدان التحرير ولصقت بوسترات تطالب بالشريعة الاسلامية وإنهاء الوجود الأمريكى بمصر .. وعندما استيقظت القاهرة صباحا وذهب الجميع للعمل رأى هذا المهرجان فى ميدان التحرير ، فكان له صدى جماهيرى كبير . وهذا ما لم يفعله تنظيم الاخوان بكل حجمه . ولكن الحكومة لم تحتمل استمرار هذا المعرض الثورى الاسلامى فى ميدان التحرير بعد 24 ساعة تمت إزالته ولكن بعد أن قرأه كل سكان القاهرة الذين يمرون بميدان التحرير .

وبعد ذلك ارتكبت السلطات حماقتها المعروفة إذ هبطت عمدا بنسبة أصوات حزب العمل إلى أقل من 8 % بنسبة ضئيلة حتى تحرمه من دخول مجلس الشعب وهكذا لم يعد بالبرلمان سوى حزب معارض واحد هو الوفد ومن معه من الاخوان ، وأصبحت صورة الديموقراطية المزعومة مفضوحة ، وكتب البعض فى الصحف القومية وعلى رأسهم الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين الذى قال : إننا مدينون بالاعتذار لابراهيم شكرى . ولتحسين الصورة عرض النظام على ابراهيم شكرى تعيين أربعة نواب لحزب العمل من الذين نجحوا بالفعل وحالت نسبة ال8 % دون دخولهم وكان قد نجح حوالى ثلاثين نائبا للحزب . وحدثت فى الحزب معارضة شديدة لهذه الخطوة لأنها بدت وكأن السلطة تمن علينا بعد أن زورت الانتخابات ، واضطر الحزب لعقد مؤتمر عام طارىء لحسم هذا الموضوع . ويحسب دائما لحزب العمل فى كل مراحله أنه كان الحزب الديموقراطى الوحيد فى حياته الداخلية وكل شىء لديه بالتصويت والأغلبية وكل موقع فيه بالانتخاب . وقد انتصر الرأى القائل بالموافقة على تعيين أربعة نواب يختارهم الحزب بنفسه من الناجحين بالفعل ، باعتبار أن هذه المقاعد الأربعة جزء من حق الحزب وليس منة من أحد، انتصر هذا الرأى بنسبة 55 % أى جاء القرار بالكاد وقد وقفت بشدة معه رغم ماهو معروف عنى أننى أميل إلى التشدد والتطرف . وأذكر أن عادل حسين الذى لم يكن قد انضم للحزب بعد قد أثنى على موقفى لأننى اتخذت موقفا عقلانية صعبا وكان يتطلب شجاعة كبيرة فى لحظة يبدو فيها الطرف الآخر أكثر ثورية . وكنا نرى أن غياب الحزب عن البرلمان لمدة خمس سنوات أمر سلبى يحجبه عن الجماهير وعن المسرح السياسى . كما أن هذه المقاعد الأربعة جزء من حقنا المسلوب وهؤلاء النواب من الناجحين فى دوائرهم بالفعل ولم يحل دون دخولهم إلا نسبة ال 8 % على مستوى الجمهورية .

لا أستطيع أن أقيم تجربة الاخوان المسلمين فى برلمان 1984 – 1978 بصراحة لأننى لم أتابعها ، ولم يكن لهذه الدورة عموما أصداء فى الحياة السياسية .

تجربتى فى بناء اتحاد شباب العمل 7

نجحت أخيرا فى التوصل إلى موقع أمين اتحاد الشباب وقد كان العمل فى أمانة الشباب عسيرا للغاية . كانت معظم العناصر فى الأمانة بالغة السوء ، بمعنى أنها لا تمارس العمل الوطنى بجدية ، وتسعى للمصالح الشخصية وحب الظهور وغير ذلك من المثالب المعروفة فى الأحزاب السياسية . وفى لقاءاتى التى أصبحت متباعدة مع عادل حسين كنت أشكو له كثيرا وأكرر إن إصلاح الحزب يكاد يكون مهمة مستحيلة ، وكان هو الذى يثبتنى وهو أمر يعكس إخلاصه للوطن ، فقد كان فى غنى عن وجع الرأس هذا ومكانته كمفكر محفوظة وهو تعرض عليه عروض كثيرة للتدريس فى جامعات الغرب وأمريكا اللاتينية وحصل كتابه عن الاقتصاد المصرى بجائزة الكويت لأحسن كتاب . وكانت الدعوات لا تنقطع عنه لحضور المؤتمرات العلمية فى مجال العلوم الاجتماعية ، ولم يكن يعانى من أى تضييقات فى عهد مبارك ولم تكن لديه أى رغبة فى العودة للكتابة فى صحيفة الأخبار . وكان يستعد لمشروعات فكرية جديدة . وهذا كلام مهم لمعرفة قيمة هذا الرجل وإخلاصه فالأغلبية الساحقة لأصحاب الفكر يتمترسون فى الأبراج العاجية ولا يشغلون أنفسهم بأوجاع الوطن إلا من خلال الأبحاث والدراسات .

قلت له يوما لماذا لا تنضم لحزب العمل وتريحنى لأننى غير قادر وحدى على التقدم فى كل هذا الركام إنه حزب ولا حزب ، ولوكان فارغا لكان أفضل ولكن فيه عناصرتدافع عن مواقعها ولا تقدم شيئا حقيقيا . فضحك وقال لى : لما تستطيع أن تتمكن أنت من دخول الحزب ، أفكر أنا فى دخول الحزب ! وكان محقا أشعر فعلا أننى خارج الحزب وهناك حوائط أسمنتية تحول بينى وبين الدخول . ولكن الأقدار فعلت ذلك بعد قليل . أى إنضمام عادل حسين لحزب العمل

وأنا أقوم بتشريح حزب العمل والتحدث عن مشكلاته بمنتهى الصراحة ولا أكتفى بانتقاد الاخوان ومجمل الحركة الاسلامية والوطنية ، فالاعجاب بالنفس أو الدفاع عنها بالحق والباطل أخطر الأمراض التى شخصها القرآن الكريم ” كل حزب بما لديهم فرحون ” الروم 32 ، وهذا ينطبق على الاسلاميين وغير الاسلاميين من أبناء الحركة الوطنية . لقد فشلنا جميعا وراجعوا موقع مصر الذى بدأت به هذه الدراسة فى مؤشرات التنمية البشرية فى العالم . وسيكون فشلنا أكبر إذا لم نقدم العظات والدروس للأجيال الصاعدة كى يتخطوا عثراتنا .

لماذا كان حزب العمل أضعف تنظيميا من التنظيمات الاسلامية الكبرى وعلى رأسها الاخوان المسلمين ؟

حزب العمل نشأ متأخرا من الناحية الاسلامية فقد بدأ البناء فى عام 1983 واندفع فى البناء عام 1986 . فبينما توقف حزب مصر الفتاة عن العمل السياسى عام 1953 مع قرار حل الأحزاب لم يلتزم الاخوان بقرار حلهم عام 1954 وعملوا سرا وعندما كانوا يتعرضون للاعتقال كان التنظيم يعمل بانتظام داخل السجن ، بل يكون السجن فرصة للبناء والتربية وحفظ القرآن والتثقيف بعد انتهاء فترة التعذيب !! بينما تظل فئات أخرى تعمل فى خارج السجون أو حتى خارج مصر . والجماعات الأخرى لم تحصل على أى ترخيصات وعملت من أواخر السبعينيات من القرن العشرين بلا إنقطاع. وكانت لديها مناهج وكتب تدرس وتتوارث وبعضها كتب قديمة لاتحتاج لأى تأليف كابن تيمية وابن القيم وابن كثير ثم جاء بعد ذلك سيد قطب . وقد قامت هذه التنظيمات الكبيرة وأعنى على وجه الخصوص : الاخوان ، و الجماعة الاسلامية ، والتيار السلفى على العمل فى المساجد والمثير للانتباه أن النظام تسامح معها وتركها عامدا متعمدا . فى البداية فى عهد السادات كان ذلك ضروريا لمواجهة التيار اليسارى الصاعد خاصة فى الجامعات فى السبعينيات من القرن العشرين . ثم تحول الأمر إلى أمر واقع يتم السماح به ومراقبته ، أقصد العمل فى المساجد . ورأى النظام أن المشكلة هى فى العمل السياسى المباشر أما الدروشة وإطالة اللحى والجلابيب وكثرة التردد على المساجد لأداء الفروض والسنن وأخذ دروس فى حفظ القرآن وتفسيره فلا ضرر من كل ذلك . دائما النظم السياسية حساسة لمن يهاجمها مباشرة ومتسامحة مع من ينشغل عنها بأى شىء : ممارسات دينية – رياضة – لهو – جلسات مثقفين . على أى حال هذا ما حدث منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين وحتى عام 2014 ، أى قرابة 34 عاما . فكانت المساجد مصنفة فى أغلب الأحيان والأحوال : هذا مسجد للاخوان وهذا مسجد للجماعة الاسلامية وهذا مسجد للسلفيين بأنواعهم المختلفة ولفرق أخرى صوفية أو غيره مع وجود مساجد للأوقاف . وكان الأمن دائم الاتصال مع المسئولين عن هذه المساجد خاصة خطباء الجمعة لضبط مستوى النشاط ونوعه . والعمل فى المساجد يشمل أنشطة شديدة التنوع ، فلا يقتصر على خطبة الجمعة فهناك دروس متنوعة للكبار والصغار والنساء وهناك احتفالات فى المناسبات الدينية وهناك إفطارات جماعية خاصة فى رمضان ومسابقات للأطفال ورحلات الخ . ما يهمنا فى هذه القصة أن التنظيمات الاسلامية كانت تربى النشىء الجديد من الصغر أى من مرحلة الطفولة ، وبالتالى ينشأ عضو التنظيم وقد تمت تربيته فى حضن التنظيم فيكون شديد الارتباط به . وكانت هذه الممارسة ترتبط بالبناء بين العائلات عن طريق تنظيم الزوجات والأبناء والبنات ولكن كل هؤلاء كانوا يعملون أيضا فى رحاب المسجد. وكانت صناديق الزكاة فى المساجد تقدم مصدرا خطيرا ودائما لتمويل النشاط ، حتى وإن استخدم بعضها فعلا فى دعم الفقراء . ثم تمددت المساجد بجمعياتهم إلى الخدمات التعليمية والطبية ، ثم انفصلت العيادات لتصبح مستشفيات وفصول التقوية إلى مدارس . وكل هذه مؤسسات تفرعت من المسجد أولا ، دون أن ننكر مصادر تمويل خارجية خاصة من دول الخليج كثير منها كان تحت علم وبصر السلطات وبالأخص فيما يتعلق بالتيار السلفى . أما حزب العمل فلم يتمكن من العمل المنتظم فى أى مسجد فى كل جمهورية مصر العربية ، عدا حالات قليلة ونادرة وفى مساجد صغيرة . وقد يكون هذا تقصير من الحزب ، ولكن كلما حاول أن يفعل نشاطه فى مسجد يتم منعه فورا . وقد أدى هذا إلى أن الحزب يجند أعضاء من السن الكبير المتكون فعلا والذى ليس له ولاء خاص للحزب كما هو حال عضو الاخوان أو الجماعة أو السلفيين . ولكن هذا تضافر مع أمر آخر ، فقد كان التجنيد من طلاب الجامعات متيسرا وسهلا مع وجود جريدة الشعب ، ولكن الأمن كان لنا بالمرصاد . وأنا أتحدث الآن كدروس مستفادة إذا أراد الأمن أن يستفيد منها . فأى وطنى وفاهم وعاقل يدرك أن الأمن جزء لا يتجزأ من أى دولة وهو ضرورى لحماية أمن المجتمع من أخطار داخلية وخارجية عديدة ، ولكن من المهم ألا يؤدى دوره إلى خنق الطاقات الخلاقة فى الأمة . يمكن أن يراقب الأحزاب من بعيد ولكن لا يؤسس أحزابا بنفسه وكنا نسميها أحزاب الأنابيب أو يخترق الأحزاب بصورة مبالغ فيها ليحصل على الأغلبية فى اتخاذ القرار . هذه الممارسات تؤدى إلى قتل الأحزاب الشرعية بينما النشاط اللاشرعى ينمو أمام عيون الأمن وتسامحه . وهذا ما ينطبق على النشاط الارهابى أو النشاط الجنائى التقليدى .

من المهم أن أعرض تجربتى الشخصية المباشرة فى هذا المجال وفى وقت كانت المساجد مقسمة ومعروفة بين مختلف التنظيمات الاسلامية غير المرخص لها قانونا.

كنت مقيما فى شبرا فى الثمانينات من القرن العشرين وترشحت فى شبرا ودخلت مجلس الشعب وأصبحت معروفا بالدائرة وانتهت عضويتى بعد 3 سنوات لحل مجلس الشعب 1987 – 1990 بعدها زارنى بمكتبى رئيس إحدى الجمعيات الاسلامية بالساحل وعرض على أن أخطب الجمعة فى المسجد التابع للجمعية ، مرة كل أسبوعين على أساس أن يخطب شيخ الأوقاف مرة وأنا مرة ، فوافقت بطبيعة الحال لا يمكن أن أفوت هذه الفرصة وقد كنت أحلم دوما بأن أنشر رؤيتى للاسلام ، رغم أننى تهيبت من الموقف ، من الصعود على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غير مدرب على هذا النوع من الخطب . ولكننى استفدت من هذه التجربة لأننى كنت أقوم بإعداد الخطبة وأقرأ لها وأعيد التأكد من حفظ الآيات والأحاديث المرتبطة بموضوع الخطبة . ونجحت فى التجربة وبدأ أعضاء الحزب فى شبرا يصلون فى المسجد الذى أخطب فيه وقد كان مسجدا صغيرا ولكن المصلين يفترشون خارجه فى الشوارع المحيطة . ولكنها كانت فترة قصيرة ، فبعد ثلاث أو أربعة خطب وأثناء صعودى للمنبر وقف خطيب الأوقاف وأشار بيده ليمنعنى من الصعود بطريقة آمرة ، ولم أر رئيس الجمعية قريبا ، وبطبيعة الحال لم أثر أى مشكلة وجلست مع المصلين وصليت . وفى نهاية الصلاة جاء لى رئيس الجمعية واعتذر وقال : إن الأمن اعترض على استمرارى . ولم أثر أى مشكلة فقد كان الأمر متوقعا.

بعد ذلك وبمناسبة ما ألتقيت مع مسئول أمن الدولة عن حزب العمل والأحزاب ، وقد كان كثير الاتصال بنا بسبب دعواتنا إلى التظاهر من أجل فلسطين ، وكان يقف أمام سرادقات أى مؤتمر نعقده . لا أدرى كيف تطرقنا فى الحديث عندما قلت له أنت تضيقون على حزب العمل وهو حزب شرعى بينما تتركون الحبل على الغارب لكل التنظيمات الاسلامية ، وحدثته عن الواقعة التى حدثت معى وهو لاشك على معرفة بها بل هو الذى وراءها . فأبدى تعاطفه معى وبدا أنه يسمع عن الواقعة لأول مرة . وقال لى بمنتهى الحزم : اختر أى مسجد لتخطب فيه وقل لى وأنا أرتب لك الأمر . وقلت له : إن شاء الله . ولكن ما كان لا أن أمارس الخطابة بهذا الشكل ، فهذا يعنى أن أمارسها تحت إشرافه . علما بأننى فى كل الخطب التى خطبتها لم أتطرق لموضوعات سياسية عامدا وكنت أنوى الاستمرار على ذلك ، ولست مضطرا فأنا أعبر عن آرائى بمنتهى الحرية فى جريدة الشعب . كنت بدأت بسلسلة من الخطب فى العقيدة والعلم والايمان وتحدثت مرة عن موقف الاسلام من غير المسلمين وقد كان ذلك أمرا حساسا فى شبرا . وركزت على ضمانات الاسلام للنصارى . والغريب ان خطيب الأوقاف كان معترضا على هذه الخطبة وبدا متعصبا ضد المسيحيين . ودافع رئيس الجمعية عن موقفى حيث لم أكن فى وارد أن أدخل فى سجال مع هذا الشيخ لأنه كان متبرما من مشاركتى إياه خطبة الجمعة .

وهكذا لم نوفق أبدا فى العمل بشكل مستقر فى أى مسجد من المساجد . ومن المثير للانتباه أن الاخوان المسلمين أو غيرهم لم

. يدعوننى أبدا للخطابة أو الحديث فى مساجدهم

ومع عدم تمكننا من تربية النشأ فى المساجد فإن الأمن لم يترك لنا الفرصة فى مجال استقطاب وتجنيد وضم الشباب الكبير نسبيا من المدارس الثانوية أو الجامعات . فكلما عقدنا دورات تثقيفية للطلاب والشباب أو معسكرات صيفية كان يكفى أن يدس واحدا من المتعاونين معه ، ليكتب له كل أسماء المشاركين فى الدورة أو المعسكر حيث يتم استدعاؤهم جميعا وتعريضهم لمختلف أشكال الترهيب حتى يتعهدوا بعدم العمل مع الحزب . وكانت المحاولات تنجح كثيرا لأن هؤلاء كانوا بالكاد قد تعرفوا على الحزب ، ولكنهم يدركون هكذا أنه لا توجد شرعية ولا يحزنون ، فينسحبون مبكرا من الحزب قبل أن يتمكن الحزب من قطع شوط معهم فى البناء الفكرى والعقائدى . وهذا الأسلوب يقنع شرائح واسعة من الشباب الجاد أن طريق العمل العام الحقيقى ليس فى هذه الأحزاب السياسية ولكن فى التنظيمات السرية وغير الشرعية .

طبعا كل هذه الأوضاع بدأت فى الثمانينيات من القرن العشرين واستمرت حتى قيام ثورة 2011 ولكن عبر منعرجات شتى سنأتى لها فى حينها .

الاخوان.. و معركة الجناح الاسرائيلى 8

لقد انقطعت علاقتى بالاخوان تماما بعد تحالفهم مع الوفد ولم يكن هناك أى مبرر للالتقاء ولم يكن هناك أى تعاون مشترك فى أى شىء . وأخيرا كنت قد توليت موقع أمانة الشباب بالحزب . نفر قليل من الشباب المخلص فى الأمانة خطط لنجاحى فى الانتخابات كأمين للشباب وكان الاجتماع بمركز الفشن فى بنى سويف ، حيث تعودنا أن نعقد الاجتماع كل شهر فى محافظة مختلفة . وإذا سألنى أحد ساعتئذ أو الآن كيف تم ذلك ؟ سأرد بلا تردد : لا أعلم ، فقد كان شيئا أقرب إلى السحر ولم أخطط له ولا أدرى كيف تم ؟ ولكننى أنتخبت فى الاجتماع . وكنت قد نجحت فى تطهير لا بأس به فى تكوين الأمانة من عناصر الفساد أو التابعين للأمن .

وكنت أشرف على صفحة شباب العمل بجريدة الشعب وكان عادل حسين وهو صاحب فكرة هذه الصفحة يشكو كثيرا من أنها ليست صفحة شباب بل هى وقورة أكثر مما ينبغى ولا تكتب بلغة إثارية أو حماسية .. لقد كان يعول أساسا على الشباب لإعادة بناء الحزب ، وكان ابراهيم شكرى مؤيدا ومتحمسا لنفس هذه الفكرة ولا يضع أى قيود على الشباب للصعود فى مواقع الحزب عموما وليس فى أمانة الشباب فحسب والتى كان بها فى البداية عدد من كبار السن على طريقة الحزب الوطنى ! وكنت أقول لعادل حسين لا تنسى أننى لم أعد شابا فقد بدأت أتجاوز الثلاثين !!

ولكن الذى دشن قيادتى للشباب أساسا هو معركة معرض الكتاب عام 1985 ، حيث وجدنا أن اسرائيل فى إطار التطبيع ومعاهدة السلام سيكون لها جناح . واجتمعنا فى اتحاد الشباب وقررنا : إن هذا الأمر لن يمر . وبدأنا التحضير بطباعة الملصقات التى تحمل علم فلسطين وشراء أعلام فلسطين ومواد دعائية أخرى . وبدأنا الاتصال بالقوى الوطنية للتنسيق ، وكان الاتصال أساسا بحزب التجمع و مجموعات اليسار داخله وخارجه والناصريين وبعض الشخصيات العامة المعارضة للتطبيع وكامب ديفيد والعلاقات الخاصة مع أمريكا . وكانت الخطة أن نقوم بمظاهرة كبرى خاصة يوم الجمعة حيث يكون الجمهور فى أعلى عدد ممكن وأن نحاصر الجناح الاسرائيلى وأن نمنع الناس من دخوله ليس بالقوة ولكن من خلال الحوار والنقاش وتوزيع البيانات ، ولكننا عمليا كنا نسد الباب المؤدى للجناح فلم يدخل أحد تقريبا فى هذه الأيام وكانت ثلاثة أيام جمعة .

كنت حزينا أن عددنا ليس كبيرا وكان بالعشرات ارتفع إلى المئات فى اليوم الأخير ولكننا نجحنا فى النهاية فى استقطاب أعداد كبيرة من الجمهور و فى اليوم الأخير أصبحنا ألفا أو ألفين ونحن نجوب المعرض قبل أن نتمركز أمام الجناح الاسرائيلى . ولاحظت مشاركة محمد عبد القدوس معنا وقد بدأت علاقة صداقة تتوطد معه وأيضا بداية التعاون فى العمل مع جريدة الشعب وكنت أعلم أنه عضو بالاخوان المسلمين . بعد الجمعة الأولى قلت له : لماذا لا يشاركنا الاخوان فى هذه المظاهرة السلمية ؟ أليسوا هم ضد كامب ديفيد والتطبيع ؟ قال : سأبحث ذلك وأعرض عليهم المشاركة . كنت مشغولا بأن يكون احتجاجنا على اسرائيل قويا وكبيرا فهذه رسالة مهمة فى صراعنا معهم ونحن لا نريد لهم هذا الاستقرار فى العلاقات ولا هذا التطبيع بالذات لأنه يتصل بالجمهور مباشرة . وفى يوم الجمعة الثانى حضر محمد عبد القدوس وحده كالمعتاد وسألته فى نهاية اليوم ما الذى حدث هل رفض الاخوان المشاركة ؟ قل لهم لابد أن يشاركوا ولو بأعداد رمزية ، لابد من زيادة عدد المحتجين ولابد أن تبدو الجبهة الوطنية متكاملة ضد اسرائيل . قال لى : لماذا لا تأتى بنفسك لتقنع عمر التلمسانى المرشد العام للاخوان المسلمين ، حديثك معه سيكون مؤثرا بالتأكيد ؟ قلت له : ليس لدى أى مانع . وقد رتب عبد القدوس اللقاء بالفعل وحضرت للقاء عمر التلمسانى فى مكتب الاخوان بالتوفيقية . وهو رجل طيب ورحب بى وتحدثت معه عن ضرورة مشاركة الاخوان . وقلت له إننى أعلم حساسية وضع الاخوان وتحسب السلطات منهم ، فلماذا لا تشاركون بأعداد رمزية 10 أو 20 وإن كنت أطمح أن يرتفع الرقم إلى مائة ! لم يجادلنى الأستاذ التلمسانى وقال : سنبحث فى الأمر ونرد عليك . ولكن فى الجمعة الثالثة والأخيرة حضر عبد القدوس لوحده ولم أسأله عن أى شىء فقد أصبح الأمر مفهوما ، وقلت لنفسى : لا بأس أنهم يتركونه يأتى وحده ولم يمنعوه هو أيضا . فقد كانوا وظلوا يتعاملون مع عبد القدوس معاملة خاصة ويتركون له هامشا من الحرية فى الحركة كصحفى معروف وكإبن لإحسان عبد القدوس . أو لعله لم يقم بالبيعة ! لم أسأله أبدا .

فى اليوم الأخير قرر اليساريون والناصريون ختام اليوم وقد زاد عددنا بإسقاط العلم الاسرائيلى عند البوابة المطلة على شارع صلاح سالم ، وهم لم ينسقوا معنا فى هذا الأمر ووجدتنى فى أتون معركة ولكننى لم أعترض على مجريات الاشتباكات وشاركت فى الجانب السلمى وهو الهتاف بسقوط اسرائيل مع الهاتفين . وقد طالت المعركة لأن الشاب الذى حاول تسلق العمود الذى يحمل العلم لم يتمكن من الوصول لأنه مرتفع وأملس . فقرر الشباب إسقاط العمود كله وكان مغروسا فى الأسمنت فاحتاج الأمر لبعض الوقت . ورغم أن الأمن كان مراقبا طوال الأيام الثلاثة إلا أنه تدخل بالقوة لأول مرة لمنع إسقاط العلم باعتباره عملا مخلا للأمن . واشتبك بعض رجال الأمن بالزى المدنى معنا بالحجارة . ولم أشارك طبعا فى هذه المعركة فليست هذه من طبيعتى . ونجوت من الاصابة لأن الحجارة كانت حادة وأصابت بعضنا وكنت واقفا فى وسط المعممة . وعندما اعتقلنا كنت راضيا أن ثلث المعتقلين من شباب الحزب وكانت هذه نسبة مشاركتنا الفعالة وهذا أمر جيد لحركة ناشئة ، وكنت معهم ومعنا عبد القدوس ولكننا خرجنا سريعا بعد قرابة أسبوع أمضيناه فى سجن الاستئناف .

وأذكر هذا الموقف بالتقدير للتيارين اليسارى والناصرى وأذكره باللوم على الاخوان المسلمين ، ليس لأن هذه كانت معركة فاصلة ، بل لأن هكذا كان مسلك الاخوان المسلمين حتى قيام ثورة 25 يناير ، بل حتى يوم الجمعة 28 يناير 2011 .

موقف الاخوان يرجع إلى سببين لا ثالث لهما : الأول أنهم لا يريدون أن يثيروا حفيظة الأمن ، وربما هم يأخذون إذنا قبل أى تحرك جماهيرى ، وهذا حدث كثيرا بعد ذلك . ولكن عندما تكون لهم مصلحة تنظيمية لا يهتمون بموافقة الأمن . والحقيقة ان موقف الأمن والحكومة كان جيدا فى هذا الموقف فهم تركوننا نفعل ما نريد سلميا ولم يتدخلوا إلا فى واقعة إسقاط العلم بالقوة .

السبب المحتمل الثانى هو تعالى الاخوان فهم لا يحترمون القوى الأخرى لأنهم قبيلة كبرى وهؤلاء مجرد مجموعات صغيرة علما بأن ديننا لا يعطى أى أهمية للأكثرية عندما تكون على خطأ . كما أنهم يرون أنهم يمثلون الاسلام ولا يتحركون مع أمثال هؤلاء من الشيوعيين والناصريين وحزب العمل ، لايليق بهم أن يتعاملوا مع أمثال هؤلاء وينزلوا معهم فى عمل مشترك أو مظاهرة موحدة . وقد عبر عن هذا المعنى صراحة أحد قادة الاخوان بالأسكندرية عند الدعوة لمظاهرات 25 يناير 2011 إذ صرح لصحيفة المصرى اليوم قائلا : نحن لا نوافق على هذا التحرك ولا نستجيب له لأننا لم ندعو له . فكيف يمكن للفيل أن يستجيب لنملة . هذا الغرور هو الذى أضاع الاخوان حتى ذاقوا طعم أن يكونوا أقلية من جديد .

وهكذا كنت أفهم كيف يفكر الاخوان مع مرور الزمن والسنين معهم .

ولكن إذا عدنا لواقعة المعرض سنجد أن الاخوان خسروا شرف المشاركة فى المقاومة السلمية للتطبيع مع اسرائيل ، وشرف المشاركة فى توعية الملايين الذين يزورون المعرض بضرورة مقاطعة العدو الصهيونى . وكذلك خسروا شرف الانتصار . فنحن المئات القليلة من حزب العمل واليسار والناصريين انتصرنا فى هذه المعركة لأن اسرائيل لا تحضر منذ ذلك العام 1985 معرض الكتاب حتى الآن . وهذا يؤكد مرة أخرى أن الحكومة كانت متعاطفة مع موقفنا وهى ترى أنها مضطرة للتعامل مع اسرائيل وفقا للمعاهدة ولكنها ليست متحمسة دوما لتعميق العلاقات مع اسرائيل . ولذلك لقد عوملنا فى السجن أحسن معاملة وكانت الزيارات لنا لا تنقطع وخرجنا بعد أقل من أسبوع بدون العرض على النيابة التى كانت قد حبستنا .

كما ذكرت رغم كل ذلك لا أقول أنها كانت معركة فاصلة ، ولكنها مسألة تراكمات . فانعزال الاخوان عن الحركة الوطنية سنوات طويلة من عمرها خلق حالة من عدم الثقة المتبادلة . ولو كان الاخوان يشاركون الآخرين المعارك المشتركة لدخلوا فى قلوب الجميع ، ولكن لم يكن هذا يعنيهم . لايعنيهم إلا حساباتهم التنظيمية الضيقة . وسنعود مرارا إلى هذه المسألة فهى من الصفات الأصيلة لهم ومن طبائعم التى لا تفارقهم ، وكلما بدا أنهم ينفتحون على الآخرين ، ينقلبون عليهم بلا رحمة ، حتى وإن كانوا أعضاء مغضوب عليهم فى التنظيم أو مختلفين انشقوا عنهم . وهو ماسميته فيما بعد عبادة التنظيم .

9من حزب وطنى تقليدى إلى حزب اسلامى

خلال أعوام1983 و 1984 و1985 و1986 تواصل كفاحنا لتحويل حزب العمل إلى حزب عقائدى ومنضبط وساعدنا بشدة أن رئيس الحزب وهو شخص بوزن إبراهيم شكرى يدعمنا ويفتح لنا الطريق ، وكنت قد نجحت فى توسيع القلب الداخلى للمشروع الجديد ، من الشباب والكبار على حد سواء . ولم يكن تحولنا إلى المرجعية الاسلامية انقلابا كاملا بل كان أشبه بالتصحيح ، والعودة إلى الجذور، فلم تكن حركة مصرالفتاة والحزب الاشتراكى إلا حركة اسلامية لها تصور سياسى محدد نابع من رؤية اسلامية أى اجتهاد خاص ، ولم تكن كثرة انشغالها بالمعارك السياسية ضد الانجليز وضد الفساد ثم ضد الملك يبعدها عن الاسلام إلا فى نظر التيار الاسلامى التقليدى وعلى رأسه الاخوان المسلمين الذين كانوا يرون إن الانغماس فى السياسة الوطنية يبعد عن الدين! وكان تكريس أحمد حسين سنوات عمره الأخيرة للبحوث الاسلامية إلا نهاية منطقية وطبيعية لحياته ولم يكن انقلابا . ولم يكن مع ابراهيم شكرى من يعاونه فى بداية تأسيس الحزب لبناء حزب اسلامى حقيقى كتطوير منطقى لحركة مصر الفتاة والتى كان برنامجها مشغولا بالاحتلال البريطانى ، وهو أمر لم يعد موجودا ، والظروف اختلفت فى أمور كثيرة . وكنت قد أجريت حديثا صحفيا مع أحمد حسين قبل وفاته فى 26 سبتمبر 1982 لمجلة الشراع اللبنانية التى كنت مراسلا لها وسألته عن رأيه فى حزب العمل وهل هو امتداد لحركة مصر الفتاة ؟ قال نعم هو امتداد لها فى ظروف جديدة ولكن تنقصه التربية .

اسم حزب العمل

كان الرئيس أنور السادات قد ألقى خطابا سياسيا مهما أعلن فيه فساد الحياة السياسية وأنه مضطر لينزل الحياة السياسية بنفسه ويؤسس الحزب الوطنى من جديد وأنه سيتخذ من ضريح مصطفى كامل مقرا للحزب . وأشار فى خطابه إلى استفتاء أجرته سلطة يوليو فى مقتبل حياتها والذى أقر فساد كل الأحزاب السياسية قبل ثورة 23 يوليو عدا الحزب الوطنى وحزب مصر الفتاة . بدأ ابراهيم شكرى فى التفكير فى تأسيس حزب مصر الفتاة استفادة من هذا الخطاب ، ولم يكن السادات هو الذى أوعز إليه بذلك كما يصور كثيرون بدليل أن الرئيس السادات عرض على شكرى تولى أمانة الحزب الوطنى الجديد الحاكم واعتذر شكرى وقال له إنه يسعى لتأسيس حزب مصر الفتاة من جديد بناء على ما قرره الرئيس فى خطابه واستنادا لاستفتاء شعبى قديم . ويجب أن يذكر للتاريخ أن ابراهيم شكرى ضحى بموقعه الوزارى من أجل هذه المهمة الوطنية ، فقد كان وزيرا للزراعة واستصلاح الأراضى ، كما استقال من قبل من موقع محافظ الوادى الجديد ليشترك فى انتخابات مجلس الشعب عام 1976 . ومن ناحية أخرى انهالت المكالمات الهاتفية من أعضاء الحزب القدامى مطالبين بالإعلان عن إعادة تأسيس الحزب . وعندما عرض ابراهيم شكرى الموضوع على أستاذه أحمد حسين وكان قد اعتزل العمل السياسى منذ 1956 وأصيب بالشلل الرباعى عام 1969 طلب منه ألا يستخدم اسم مصر الفتاة . ولم أسمع منه التفسير لذلك ولكن أرى أنه كان محقا فاسم مصر الفتاة كان كما ذكرت دعوة للبعث الجديد فى ظل الاحتلال الأجنبى . وبالتالى فهناك ظروف مختلفة الآن تتعلق بالبناء والتنمية وليس بمقاومة الاحتلال والملك . ولابد للحزب الجديد أن يجدد نفسه . وقد كان صاحب عقلية وفكر راجح عندما فكر هكذا على خلاف باقى الأحزاب والتيارات التى تمسكت بأسمائها القديمة وأفكارها القديمة كما هى بدون أى تطوير أو تجديد ، مع الحفاظ بالطبع على ثوابت الفكر ، كحزب الوفد والاخوان المسلمين والحزب الشيوعى والحزب الناصرى وإن كان عبد الناصر لم يستخدم هذا المصطلح ، ولكن الحركة الناصرية لاتزال تعيش على تمجيد كل شىء فى عصر عبد الناصر وكأن الهدف هو أن نعود إليه كما كان بالضبط .

ويروى الأستاذ عبد الحميد بركات أحد ابرز قيادات حزب العمل هذه اللحظة بالقول : إن أحمد حسين قال لشكرى إن حركة مصر الفتاة قد انتهى دورها التاريخى بقيام ثورة 23 يوليو وتنفيذها لكثير من أهداف مصر الفتاة : الاصلاح الزراعى – إعلان الجمهورية ، خروج الانجليز – تأمينات العمال – تأميم قناة السويس الخ بغض النظر عن الأخطاء التى حدثت والخلافات معها . لقد انتهى التحرير وجاء وقت العمل . وهنا جاء اسم حزب العمل أثناء تداول المؤسسين فى اختيار اسم الحزب ، وتوصلوا فى النهاية إلى وصفه بالاشتراكى لأن مصر الفتاة فى مرحلتها الأخيرة كان اسمهما الحزب اشتراكى وأيضا لتمييز اسم الحزب عن حزب العمل الاسرائيلى وسائر أحزاب العمل الأوروبية .

عملية تطوير الحزب

كانت المعركة بدأت تتبلور داخل حزب العمل على محورين : تطوير البناء الداخلى للتنظيم خاصة اتحاد شباب العمل فى اتجاه الانضباط والرؤية الاسلامية .. ومحور تطوير جريدة الشعب التى لم تكن معبرة عن التوجه الاسلامى المستهدف فقد كانت قيادتها تتمسك بأفكار الحزب الاشتراكى ، أى المرحلة الأخيرة لحركة مصر الفتاة ، بدون أى نوع من التطوير وكذلك التمسك الكامل بالتجربة الناصرية والدفاع عنها ، مع إنخفاض الأداء المهنى .وقد كان بالحزب تجمع أو اتجاه ناصرى فى مختلف مواقع التنظيم ولم يكن التيار الاسلامى الصاعد الذى أصبح الآن بقيادة ابراهيم شكرى رافضا أو معارضا لهذا التيار الناصرى ، وهو لم يكن مرتبطا بالحزب الناصرى الذى لم يكن قد حصل على الرخصة القانونية . بل بالعكس وفى إطار رؤيتنا الايجابية لثورة يوليو كنا نرى إن دمج هذا التيار فى الحزب أمر مطلوب وإيجابى مع انفتاحهم على الفكر الاسلامى والتخلص من التعصبات وإدراك أخطاء نظام عبد الناصر . لايوجد أى تعارض بين الاسلام وبين تقدير كل ما هو إيجابى فى عهد عبد الناصر كالعداء للاستعمار واسرائيل والاصلاح الزراعى وإقامة قلعة صناعية وتحقيق درجات لا بأس به من العدالة الاجتماعية . بل أكثر من ذلك رأينا أن نفتح حوارا علنيا مع مجمل التيار الناصرى وندعوه للإنخراط فى حزب العمل طالما أنهم لايستطيعون تأسيس حزب مستقل ، ولايجدوا مجالا لهم فى حزب التجمع الذى تأكد أنه أصبح حكرا على الحزب الشيوعى على الأقل من حيث السيطرة والقيادة والمطبوعات . ونحن لم نكن نريد استغلال غياب وجود حزب ناصرى شرعى لزيادة العضوية فى حزبنا كما تصور بعضهم . بل كنا نرى إن توجه الحزب الفكرى يسمح بذلك فنحن أمام جماعة من المتدينين ، ولم يكن بالإمكان أو من المبدئى أن نطرح ذلك على التيار الشيوعى مثلا . وكنا نرى بعض الناصريين بدأ بالفعل ينفتح على الأفكار الاسلامية من خلال تفاعلهم مع كتابات عادل حسين ومحمد عمارة وطارق البشرى وعبد الوهاب المسيرى وغيرهم . وفتحت صفحة الشباب بجريدة الشعب حوارا مع الشباب الناصرى ، ونشرت كل ما يريدون نشره ، ولكنهم كانوا مستفزين ويردون بحساسية بالغة ويرفضون فكرة التقارب مع حزب العمل برؤيته الاسلامية ، ويرون أنها محاولة لإحداث فتنة بينهم واستيعابه داخل حزب العمل والقضاء على التيار الناصرى رغم ما عبرنا عنه من مواطن تأييدنا للتجربة الناصرية ، وكنا نرى أنها لابد أن تتجاوز ماضيها فى اتجاه مفاهيم الاسلام .

وهذه التجربة توضح أحد مظاهر أزمة الحركة الوطنية فى مصر وربما الأمر متكرر فى بلاد عربية أخرى ، فكل تيار يظل متمسكا بكل مكوناته الفكرية والتنظيمية مهما تغيرت الظروف والأحوال ، ومهما تعرضت تجربته للفشل ، ولا يطرح على نفسه أبدا فكرة المراجعة أو تغيير موقفه من الآخرين . وليس فقط كل تيار بل كل تنظيم داخل كل تيار يكون هكذا حاله ، وهو أمر يؤدى بالحياة السياسية لتتحول إلى بركة آسنة وفاشلة .

وقد كنت متعجبا حين تعاملوا معى بحساسية واسترابة وأننى لا اريد إلا إحداث الفتنة بين الشباب الناصرى لاقتناص بعضهم لحزب العمل ، فى حين كانت علاقتى توثقت معهم من خلال عملى مراسلا لمجلة الشراع الناصرية وكان بها ملحق خاص عن مصر ، وكانت المجلة منفتحة على الاسلام وإمكانية التزاوج بين القومية العربية والاسلام ولذلك كان تعاملى معها سلسا حتى أغلقت بحصار بيروت 1982 . وخلال فترة عملى ألتقيت بكثير من الناصريين واجريت معهم مقابلات صحفية ونشرتها مثل فريد عبد الكريم وحمدين صباحى وأمين اسكندر ، وتعاون معى الصحفى الناصرى الكبير عبد الله إمام وغيرهم .

ولكننا نجحنا فى اجتذاب عدد من الشباب والشيوخ من الحركة الناصرية من غير المنتمين للحزب الناصرى وأصبح بعضهم من أهم قيادات الحزب أذكر منهم اللواء كمال حافظ ضابط الشرطة المتقاعد ومحمد أبو الفتوح المذيع بصوت العرب فى مرحلتها الناصرية وقد مثلا نموذجا للناصرى المتطور للاسلام أقصد الاسلام كمرجعية سياسية مع الاحتفاظ بكل إيجابيات ثورة يوليو . وكانا يمثلان فكر حزب العمل الاسلامى الحق رحمة الله عليهما .

وكانت صحيفة الشعب مفتوحة للناصريين فى الثمانينيات من القرن العشرين حيث لم يكن لهم صحيفة فكتب على سبيل المثال حمدين صباحى عمودا ثابتا فى فترة من الفترات تحت عنوان إضاءة وكتب أحيانا الأستاذ ضياء الدين داود والذى أصبح فيما بعد رئيس للحزب الناصرى عندما تأسس وأخذ شرعيته .

وفى سياق هذا التحول من حزب تقليدى إلى حزب اسلامى بدأت تنشأ معارضة شديدة من داخل الحزب فقد رأى البعض أننا حزب اشتراكى له ميول ناصرية ولكن اتحاد الشباب يطرح خطا اسلاميا ويعبر عنه فى جريدة الشعب من خلال صفحة الشباب ، وأنه هكذا أصبح حزبا داخل الحزب وطرحت هذه الآراء من بعض القيادات داخل اجتماعات اللجنة العليا للحزب ، وكنت أنا المتهم الرئيسى ، ولكن الأستاذ ابراهيم شكرى كان يتصدى لهذه الآراء بالشرح والتوضيح وكفانى مؤونة التصدى لهذه الحملة ، ولم أكن راغبا فى تصعيد الخلافات ، وكنت مدركا لنقص المعلومات لدى هؤلاء عن جذور مصر الفتاة الاسلامية . وكثفت من عقد الندوات الثقافية التى يحاضر فيها : عادل حسين ومحمد عمارة وعبد الحليم ابراهيم وغيرهم من المفكرين الاسلاميين .

كذلك ساند هذا التحول نحو الاسلام ما كان قد حدث من إنضمام د. محمد حلمى مراد وزير التعليم الأسبق وكان من الأعضاء القدامى فى مصر الفتاة فى شبابه وأصبح الأمين العام للحزب . وقد كان شخصا يضرب به المثل فى الاستقامة والأخلاق ، ورغم أنه كان بتكوين أكاديمى كأستاذ جامعة فى الحقوق والاقتصاد إلا أنه كان داعما بقوة لتحويل الحزب إلى حزب حقيقى منضبط ، وقد كتب الصيغة الأولى لبرنامج حزب العمل الاشتراكى الذى نص على ضرورة أن تكون الشريعة الاسلامية المصدر الأساسى للتشريع ونص على بناء مجتمع النزاهة والفضيلة ، حتى قبل أن ينضم رسميا ، فقد كان معترضا على وجود أبى وافية عديل السادات داخل الحزب وكان مع مجموعته أشبه بحصان طروادة للسادات داخل الحزب فى مرحلته الأولى ، حيث كان الود والتفاهم متواصلا بين ابرهيم شكرى والسادات وكان السادات فى حاجة إليه ليتولى المعارضة بعد أن ضرب الوفد والتجمع وأصبحت البلاد بلا معارضة سياسية وأصبح النظام مكشوفا وهو يدعى الديموقراطية ورأى شكرى أن يستفيد من هذا المأزق ليعيد حركة مصر الفتاة إلى الشرعية . ولكن السادات فى إطار الود الأول طرح عليه هذه المساندة لحزبه بمجموعة أبى وافية وهو عديل السادات ، التى كانت فى الحزب الوطنى . وكان القانون يلزم الحزب كى ينشأ من وجود 20 نائبا له بالبرلمان فأعطى السادات 25 نائبا لشكرى فى ظاهرة فريدة من نوعها . والحقيقة لقد كانت خطوة ماكرة من السادات ليسيطر على حزب العمل . ولكن مع تصاعد الخلافات انسحب أبو وافية ومجموعته من الحزب . وعانى حزب العمل من بعض التلاعب فى انتخابات 1979 ، ثم سحب موافقته على كامب ديفيد التى كانت مقترنة بالتحفظات .

وفى هذه المرحلة لم يكن لثلاثتنا : عادل حسين وحلمى مراد وشخصى الضعيف أن ننضم للحزب . لوجود أبى وافيه مع الموافقة على كامب ديفيد . ومجموعة أبى وافية كانت هى السبب فى الموافقة على كامب ديفيد لأنهم كانوا الأغلبية فى اللجنة التنفيذية للحزب 25 ضد 9 من أصول حزب مصر الفتاة القديم وكان ابراهيم شكرى على رأس المعارضين ، وتم علاج المشكلة بإعلان الموافقة على كامب ديفيد مع تحديد عدد من التحفظات والشروط أهمها حول القضية الفلسطينية وإذا لم تتحقق خلال سنة يعلن الحزب سحب موافقته وهذا ما حدث بالفعل .

وقد أدى تصاعد الخلافات مع الرئيس السادات فى مسألة كامب ديفيد وغيرها إلى انسحاب معظم نواب الحزب وانضمامهم للحزب الوطنى فهبط عدد نواب حزب العمل من 34 إلى 8 نواب فقط . وكان على رأس المنسحبين مجموعة أبى وافية . ولكن هذا لم يؤثر على صلابة موقف ابراهيم شكرى ومن معه وأصبحت جريدة الشعب الناطقة بلسان كل المعارضة فكتب فيها اليساريون كإبراهيم صقر وفؤاد سراج الدين رئيس الوفد والناصريون ورموز الاخوان وعلى رأسهم المرشد عمر التلمسانى ومختلف الشخصيات المستقلة . حتى تم إغلاق الجريدة فى قرارات سبتمبر واعتقال 7 من قيادات الحزب .

وكان د. حلمى مراد عضوا مستقلا فى مجلس الشعب عام 1976 ورفض مع مجموعة من النواب – 16 نائبا – الموافقة على كامب ديفيد . المهم كان حلمى مراد ركن ركين فى قيادة الحزب نحو نمو مشروع التحول الاسلامى للحزب . ورغم أن القرابة العائلية تجمع بينى وبين عادل حسين وحلمى مراد ، ولطالما هوجم الحزب من خصومه ومن الاعلام الرسمى باعتباره حزبا عائليا ، إلا أن الله يعلم أنه لم يربط بين ثلاثتنا سوى المبادىء التى نعتنقها ، وكل منا له شخصية مستقلة وتطور فكريا بشكل منفرد . وكنا نتفق ونختلف فى المواقف فى بعض الأحيان .

تولى عادل حسين رئاسة تحرير الشعب 10

كان محور كفاحنا الثانى هو تطوير جريدة الشعب وكانت القيادة المسيطرة عليها تقليدية ولا تتفهم موضوع التحول إلى الاسلام كمرجعية سياسية وفكرية للحزب ، وكان بعض هؤلاء علمانيا حتى النخاع من أعضاء الحزب أو صحفيين من خارج الحزب . وبذلت جهودا فى الحوار مع الأستاذ ابرهيم شكرى حول عدم ملائمة وضع الجريدة مع طموحاتنا لتطوير الحزب واقتنع الرجل وبدأنا نبحث معا الاتفاق مع صحفى كبير قريب من فكر الحزب ليأتى يتولى رئاسة التحرير . وقد رفضوا جميعا لإدراكهم عواقب رئاسة تحرير حزب معارض يتخذ أحيانا مواقف حادة من السلطات . وشعرت قيادة الجريدة بهذا التحرك فانسحبت ، وحدثت حالة من الفراغ . وأصبح هناك فريقان يتنازعان منصب رئاسة التحرير كنت أحد المرشحين دون سعى لذلك ، بل حثنى عادل حسين على عدم تفويت الفرصة لأهميتها فى تطوير الحزب ، وكان هناك صديق يسارى فى طاقم قيادة الجريدة مرشحا من فريق آخر ، وبدأت حملة توقيعات لتأييد ترشيحى من الصحفيين وتم رفعها لابراهيم شكرى .

ولم يصرح لى ابراهيم شكرى لحساسية الموقف بحقيقة موقفه ولكن أتصور أنه رجل محافظ ولم ير أن شابا مثلى فى مقتبل الثلاثينيات يمكن أن يكون مناسبا لرئاسة التحرير وكان كل رؤساء التحرير فى البلاد بين الخمسين والستين وبعضهم تجاوز الستين ! وربما كان هذا رأى بعض قيادات الحزب أو أكثرهم لا أعرف . فوجئت ذات صباح به يقول لى لقد حليت مشكلة رئاسة التحرير لقد اتفقت مع عادل حسين أن يتولى هذا المنصب . قلت له : غير معقول .. إنه يرفض بشدة الانضمام للحزب ولطالما حاولت إقناعه . قال لى : اذهب واسأله . وبطبيعة الحال كنت سعيدا بهذا التطور الذى كنت قد أخرجته من حساباتى . ولم أتأكد تماما ، رغم صدق ابراهيم شكرى المعروف ، إلا عندما التقيت بعادل حسين وأكد لى صحة النبأ . قلت له وأنا مرحب : ولكن لماذا هذا الانقلاب فى موقفك . قال لى : لقد ألح على ابراهيم شكرى بصورة لايمكن لى معها أن أرفض طلبه . وأرى أن قبول عادل حسين يعود إلى إخلاصه للوطن الذى أشرت إليه وإذا كتبت الأسماء التى رفضت قبول هذا العرض لاتضح الأمر . فرئاسة تحرير صحيفة حزب العمل ليس فيها مكاسب مادية وستعود على صاحبها بكثير من المتاعب والسجن نفسه لن يكون مستبعدا . كان فى تركيبة عادل حسين الحرقة على أحوال الوطن والأمة فهو يعانى من القضايا العامة وكأنها قضايا شخصية . ولا يسعد بالوجاهة الأكاديمية والوطن يحتاج إلى جهوده فى معترك العمل السياسى . كان عادل حسين منذ خرج من السجن عام 1964 بعد 9 سنوات متقطعتين إلى مرتين ، قد كتم هذه الرغبة الدفينة للعمل السياسى الوطنى ورأى أن يخدم البلد عن طريق العمل الفكرى . ولذلك فإن ضغط ابرهيم شكرى عليه فجر فى نفسه هذا الميل العميق ، فالمسألة لم تكن مجرد التعرض إلى الإحراج . وبالفعل فقد كان قبول رئاسة التحرير يعنى الانضمام لحزب العمل وإلى قيادته ، وقد كان انقلابا فى حياته ولكن الأهم أنه كان انقلابا فى الحياة السياسية.

قامت الحياة السياسية الحزبية على أساس استبعاد التنظيمات الاسلامية من الشرعية القانونية وهى مفارقة مع الدستور الذى نص فى تعديله الأخير على أن الشريعة الاسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع وهو ماورد فى برنامج حزب العمل قبل الاستفتاء الذى قرر ذلك والذى أضاف الألف واللام فأصبحت المصدر لا مصدر لأنها بدون الألف واللام التعريفية تصبح أحد المصادر بدون أى أفضيلة . ومن المفارقات أيضا أن برامج كل الأحزاب فى انتخابات 1984 تضمنت النص على الالتزام بالشريعة الاسلامية : الحزب الوطنى الحاكم – الوفد وتحالفه مع الاخوان – حزب العمل – حزب التجمع – حزب الأحرار .

ولكن لم يكن أى طرف يأخذ الموضوع بجدية – كما أتصور – إلا حزب العمل الاشتراكى .

تحالف الوفد مع الاخوان كان تحت السيطرة المطلقة للثعلب فؤاد سراج الدين ، فهو الذى حجم عدد نواب الاخوان ، ولم يكن يسمح بإندماج الاخوان بالحزب ولم يكن هذا ممكنا بسهولة فكيف يختلط الزيت بالماء . وظل حزب الوفد علمانيا بصورة نقية . ومع ذلك لم تكن السلطات راضية تماما . ثم جاءت تجربة حزب العمل وقبل تحالفه مع الاخوان وبدون أى تأثير للاخوان ، بتحوله لحزب اسلامى صريح مفاجأة للسلطة التى أخذت على حين غرة وإن كان حزبا اسلاميا بتصورات واجتهادات مختلفة عن الاخوان . وقد حدث هذا التحول بتولى عادل حسين لرئاسة تحرير جريدة الشعب ثم بعد ذلك فى وقت لاحق بمؤتمر عام الحزب الذى أعلن شعار تغيير شامل من منظور اسلامى.

كانت محاولاتى تحت تشجيع وحماية ابرهيم شكرى كرئيس للحزب وبإرشادات عادل حسين من خارج الحزب كانت قد بدأت تثير بعض القلق عند السلطات ولكن لم يكن يبدو الأمر خطيرا . ولكن بتولى عادل حسين لرئاسة تحرير جريدة الشعب وتحويلها سريعا إلى صحيفة اسلامية ينبىء بتحول الحزب نفسه إلى حزب اسلامى ، ومن هنا بدأت أجراس حمراء تضيىء فى غرف عمليات السلطة ولكن بشكل تحذيرى . وبدأ ما أطلق على نفسه التيار الاشتراكى داخل حزب العمل فى مناوأة هذا التحول وتوجيه دفة الهجوم إلى عادل حسين باعتباره هو قائد التحول . ولكن وقفة ابراهيم شكرى مع عادل حسين ومع هذا التوجه الصاعد كانت صلبة إلى أبعد حد . ولكن تركيبة الحزب كانت مناوئة بالفعل خاصة فى القيادة بنسبةقريبة من 50 % ، حيث كان التعديل فى بنية الحزب فى القطاع الشبابى أكثر من القطاعات الأخرى ، ولكن كانت الأغلبية الكبيرة فى الحزب مؤيدة للقيادة التاريخية : شكرى – مراد – عادل حسين .

أما فى جريدة الشعب فقد كان الانقلاب تاما وكبيرا وأصبحت صحيفة متميزة بشخصيتها فى كل المحيط الصحفى المحيط بها . وقد ظهر فيها البعد الثقافى والفكرى بوضوح بتأثير عادل حسين وبدأت تكتب فيها كوكبة من أهم المفكرين مثل : الشيخ محمد الغزالى – د. محمد عمارة – د. نعمات فؤاد . وبدأت تظهر لمسات توضح الخلاف مع توجه الاخوان المسلمين ، وقد تم نشر مقال للدكتور يوسف القرضاوى يخالف فيه نظرة حسن البنا فى تحريم التعدد الحزبى ، وقد كان من المهم استكتاب عالم اسلامى كان له علاقة بالاخوان لإنهاء هالة القداسة المحيطة بحسن البنا عند الاخوان ، ولكن بالحق ، فقد كان هذا رأى حزب العمل فى ضرورة ومشروعية التعدد الحزبى . وقد نشأت علاقة صداقة فكرية فى تلك المرحلة بيننا وبين الشيخ القرضاوى والشيخ محمد الغزالى . وعلى خلاف الشائع الآن ففى تلك الفترة وحتى قيام ثورة 25 يناير كان القرضاوى مبتعدا عن تنظيم الاخوان ، وكان يفكر بصورة متحررة عن المدرسة الاخوانية ووصل الأمر إلى حد الخلاف العلنى على شاشات الفضائيات بينه وبين مأمون الهضيبى مرشد الاخوان . كذلك كانت للقرضاوى انتقادات واضحة علنية فى برامج تلفزيونية لفكر سيد القطب . ولكن استقرار القرضاوى فى قطر لفترة طويلة وحصوله على الجنسية القطرية وأخذه لمكانة محترمة فى دولة قطر ، لعب دورا فى بعض مواقفه السياسية ، وعاد إلى الاخوان من جديد بمناسبة الثورات العربية من بوابة التنظيم الدولى ومن بوابة الموقف القطرى وسنأتى لذلك فى حينه . ولكن فى تلك الفترة كان الحواربين القرضاوى وعادل حسين حيا ومثمرا و فعالا فى الأمور الفقهية ، وكانت بينهما اتفاقات عديدة فى مجال انتقاد التجربة الاخوانية ، وقد شاركت فى بعض هذه الحوارات أحيانا . و أيضا نشأت بشكل متواز علاقات خاصة مع الشيخ الغزالى وكان يكتب أسبوعيا بجريدة الشعب تحت عنوان هذا ديننا . وللشيخ الغزالى خلافاته التاريخية القديمة مع الاخوان المسلمين وانفصل عنهم منذ عقود ، وكان رحمه الله ذو عقلية منفتحة راجحة ومستندا لثقافة عميقة فى العلوم الشرعية . كتاباته حية وتنبض بالحياة وليست كتابات مجففة بلا روح تصدر أحيانا من بعض المنتمين للاخوان المسلمين . وفى هذا التنظيم ظاهرة ملفتة للنظر ، فعلى كثرة إنجازاته فى المجال التنظيمى إلا أنه برع وكأنه يقصد فى قتل الروح الفكرية داخل صفوفه ، ولا تكاد تجد بين قادته مفكرا حقيقيا فرض نفسه على الحياة الثقافية الاسلامية أو العامة . فكل من يتسم بالذكاء فى المجال الفكرى ولديه حيوية فى المجال الفقهى يتعرض للطرد من صفوف الاخوان . هناك آلية طاردة ليس بالمعنى التآمرى ولكن بمعنى أن التنظيم يعلى من شأن السمع والطاعة ، وأنا بالمناسبة لست ضد السمع والطاعة على طول الخط ، أى لست ضد الانضباط الحزبى ، فالعمل الجماعى يقوم على الانضباط ولكن بدون تعارض أعمى مع الحوار والخلاف والتفاعل والحيوية ،المهم هو الانضباط بعد انتهاء الشورى فى موضوع معين ، الانضباط لرأى الجماعة أى رأى الأغلبية . ولكن تنظيم الاخوان قام على السمع والطاعة للتنظيم الخاص الذى كان يرأسه حسن البنا . وقد توارثوا دوما هذا التقليد ، حتى عندما لا يكون التنظيم مجهزا بأسلحة ، فإنه يظل هو صاحب الرأى النهائى والفورى سواء جرت مناقشة فى الموضوع أم لم تجر ، وسواء وافق مكتب الارشاد أم لم يوافق . وسنأتى لكل ذلك . ولكن الآن نقول إن شخصية مثل شخصية الشيخ الغزالى ما كان لها أن تبقى فى صفوف الاخوان سواء بالطرد أو بالإنسحاب . حيوية فكر الغزالى تتعارض مع حالة الجفاف والفكر المعلب للاخوان . وكان بعد انفصاله عن الاخوان اتهم بعض القيادات فى كتابه ” ملامح الحق ” بالماسونية . و سنجد أن شخصيات وفقهاء وكتاب اسلاميين آخرين لمعوا وأضافوا فى عالم الفكر والفقه الاسلامى بعد ترك الاخوان مثل عبد العزيز كامل والشيخ أحمد حسن الباقورى وسيد سابق.

فى تلك الفترة كانت كتب الشيخ الغزالى من أهم موارد تثقيف الشباب ، بالإضافة لكتب أحمد حسين ومحمد عبده والأفغانى .

معركة سليمان خاطر 11

ومن علامات عام 1986 فى تاريخ حزب العمل معركته للدفاع عن الجندى سليمان خاطر الذى قتل عددا من الاسرائيليين عندما عبروا الحدود بشكل غير قانونى . وكان قد تحول للمحاكمة وحصل على حكم بالمؤبد . ثم أعلن بعد فترة قصيرة أنه انتحر فى السجن . وكانت المعلومات متوفرة عن طريق الأهل ان الشاب كان فى معنويات عالية وأنه شديد الإيمان ولم يصدق الرأى العام قصة الانتحار . وتصدى الحزب عن طريق جريدة الشعب للدفاع عنه ، وطالب بالإفراج عنه . ثم نظم يوم النطق بالحكم اعتصاما بالجامع الأزهر بقيادة ابراهيم شكرى للاحتجاج على هذه المحاكمة باعتبار أن الجندى قام بواجبه ولم يخطىء ، خاصة وقد كان من المتوقع صدور حكم بالإعدام . وتعامل الأمن مع الاعتصام بمنتهى القسوة لفض الاعتصام . وتم الدفع بابراهيم شكرى بقوة لإخراجه من الجامع حتى أصيب ونزف دما . وبالنسبة لى فقد تم حملى بالقوة من قبل عدة مخبرين والقذف بى خارج المسجد ولكننى لم أصب . وتمزقت ملابس محمد عبد القدوس وفقد حذاءه .

وبعد أيام من صدور الحكم وحين أعلن عن انتحار سليمان خاطر داخل السجن الحربى . صدرت جريدة الشعب بعنوان : انتحر أم أنحروه ؟ وكان تقديرنا أن السلطات الاسرائيلية لم يعجبها الحكم الصادر ضد خاطر وكانت تريد إعدامه وضغطت حتى يتم الخلاص منه . كما طالبت بتعويضات بحوالى 10 ملايين دولار لأسر القتلى . وقد علمنا بعد سنوات أن الحكومة دفعت بالفعل هذه التعويضات رغم أن اسرائيل لم تدفع طول عمرها أى تعويض على جرائمها فى حق المصريين حتى بعد توقيع المعاهدة . والحقيقة لقد كان ابراهيم شكرى بطل هذه المعركة حيث أصر على حضور جنازة سليمان خاطر ودفنه فى بلده أكياد بالشرقية . ووضع الأمن كمائن على الطريق لمنع شكرى من الوصول إلى أكياد ، لكنه كعادته كمجاهد ومثابر تمكن من استخدام مهارات سائقه للوصول إلى البلدة من طرق ترابية شتى . وتمكن من حضور الجنازة والدفن والتى خرج فيها أهالى البلد جميعا ، وكان يوما مشهودا .

هذه الدراسة ليست تأريخا لحزب العمل أو غيره من التنظيمات الاسلامية والوطنية ولكنها محاولة للتقييم والتحليل وأخذ دروس وعظات من الماضى وإلقاء نظرة عامة على فكر وممارسات هذه الجماعات مع التركيز على الحركة الاسلامية التى يعتبرحزب العمل أنه جزء منها . وهذه الواقعة توضح شخصية حزب العمل والتى ورثها عن مصر الفتاة ، وهى الانفعال مع الأحداث الوطنية بدون أى حسابات للعواقب ، وتأثير ذلك على التنظيم وما قد يواجه من ردود فعل من السلطات . وقد كان حزب العمل فريدا فى موقفه ، فلم يشاركه أى طرف آخر من الحركة الوطنية . وجاء محمد عبد القدوس لوحده كالمعتاد دون أى اخوانى آخر وقد ارتبط معنويا بالحزب من خلال كتاباته وعمله فى جريدة الشعب وكانت شخصيته قريبة لمواقف وطبيعة حزب العمل . ولكنه ظل اخوانيا ولكن كحالة فردية خاصة .

وبعد أيام من هذه الوقائع وكنت فى الأهرام حيث نطبع جريدة الشعب التقيت مصادفة مع أحد كبار صحفيى الأهرام وهو شخصية ذات توجه يمينى ، بمعنى أنه معاد لثورة 23 يوليو ودعانى لمكتبه للتحاور ، وكان عاتبا على موقف الحزب من قضية سليمان خاطر وكيف تجاوز الخطوط الحمر لأنه هكذا بدا وكأنه اتهم السلطة بقتل سليمان خاطر . ومن أهم ما قاله لى رغم يمينيته المعروفة أنه أبدى إعجابه بالأستاذ خالد محيى الدين رئيس حزب التجمع اليسارى الذى يفهم قواعد اللعبة الديموقراطية الجارية فى البلاد ولا يخرج عن حدود معينة . وكيف أن ابراهيم شكرى يخطىء ويخرج عن الخطوط الحمر وأن هذا سيضر بالحزب . وأذكر أننى قلت له : قد تكون محقا فى كل ما تقول ولكن أحسب أن دور حزب العمل هو عدم الخضوع لقواعد اللعبة والسعى لتحويل التجربة السياسية إلى تجربة ديموقراطية حقيقية .

والحقيقة أن هذه هى سمة مصر الفتاة ثم حزب العمل ، وهى عدم الانشغال بأحوال التنظيم ووضعه فى الحياة السياسية بقدر إنشغاله بالتعبير عن نبض الشعب ، وأن يتفاعل مع الأحداث الوطنية بصدق وحرارة ، وأن يمارس ويعلن ما يؤمن به صراحة بغض النظر عن العواقب . وقد ظهر هذا فى أحداث أكبر وأخطر ، كما ظهر فى التحالف مع الاخوان المسلمين ، فقد كان الحزب لوحده يتحول إلى الاسلامية بشكل يثير قلق السلطات لأن فى ذلك كسرا لقواعد اللعبة بعزل التيار الاسلامى عن الحياة السياسية ثم إذا به بهذا التحالف يفتح المجال واسعا لإدخال أكبر تنظيم اسلامى فى الشرعية القانونية والدستورية وهو الاخوان ، لأن التحالف معه كان مختلفا عن تحالف الوفد الذى حاصر وقنن علاقته بالاخوان خلال التحالف .ويرى حزب العمل أنه لم يكن متمردا على الدستور الذى ينص على المساواة بين جميع المواطنين وحقهم فى ممارسة كافة الحقوق والواجبات . ويرى أيضا أنه لم يكن متمردا على قانون الأحزاب الذى كان يحرم تأسيس الأحزاب على أساس دينى أو فئوى ، فالحزب كان وسيظل مفتوحا لكل المصريين ، وضم دائما المسيحيين فى عضويته ، وهو يطرح برنامجا سياسيا لكل المصريين .

تحالف الاخوان مع حزب العمل 121987

، تم حل مجلس الشعب عام 1987 بسبب حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الانتخاب الذى حرم المستقلين من الترشح وتم إقرار حق المستقلين بالترشح على مقعد واحد فى كل دائرة . وبالتالى أزف موعد الانتخابات الجديدة .

عقدت المعارضة مؤتمرا جماهيريا حاشدا فى مركز شباب عابدين وكان من أنجح مؤتمرات المعارضة ودعا فيه ابراهيم شكرى لتوحيد صفوف المعارضة فى الانتخابات القادمة . كان ذلك فى 5 فبراير 1987 وفى اليوم التالى مباشرة ذهب ابراهيم شكرى وقابل فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد وعرض عليه خوض الانتخابات التشريعية على أساس قائمة موحدة باسم الوفد باعتباره هو الحزب المعارض الأكبر فى البرلمان وله 58 نائبا . ووافق الوفد ووافقت جميع الأحزاب وبدأت منذ يوم 7 فبراير الاجتماع يوميا فى مقر حزب الوفد بحضور مندوب من كل حزب : الوفد – العمل – التجمع – الأحرار – الأمة . وبدا الجميع متحمسا وقطعوا شوطا كبيرا إذ اتفقوا على أن تكون النسب فى القائمة الموحدة على أساس : 50 % للوفد والاخوان معهم فى إطار التحالف بينهما و25 % للعمل و12.5 للتجمع والباقى للأحرار والأمة .

ولكن بعد عدة أيام أجتمعت قيادة الوفد وقررت بالأغلبية رفض هذا الاقتراح والتوقف عن اجتماعات التنسيق .

وفى اليوم التالى كنا فى حزب العمل نعقد اجتماعا للجنة العليا لدراسة وبحث الاستعداد للمعركة الانتخابية الوشيكة . وبعد فترة قليلة من بداية الاجتماع حدث انقطاع فى الاجتماع وخرج د. حلمى مراد لملاقاة بعض الضيوف واتضح أنها زيارة على أعلى مستوى من الاخوان المسلمين ، وفد يضم مأمون الهضيبى وصلاح شادى . وقد جاءوا بلا موعد . وقالا لمراد إن مكتب الإرشاد قد اجتمع أمس عقب قرار الوفد بالانسحاب من التنسيق مع المعارضة وناقش مسألة استمرار التحالف مع الوفد أو التحالف مع العمل وكانت الأغلبية مع التحالف مع العمل . ثم التحق شكرى وعادل حسين بالاجتماع ، وكان لابد لاجتماع اللجنة العليا أن يتوقف . ولكنه كان توقفا سعيدا إذ استبشر الجميع بأن هذه الزيارة ليست إلا لعرض التحالف مع حزب العمل بعد أن ذاق الاخوان الأمرين من التحالف مع الوفد عام 1984 . وقلت لنفسى : لقد مرت ثلاث سنوات سريعا وجاءوا هم ليعرضوا التحالف الذى رفضوا مجرد التفكير فيه عندما عرضته عليهم عام 1984 . و كنا بلا شك نفكر فى المصلحة العامة أساسا وليس فى المكاسب الانتخابية ، وكما قلت لعصام العريان منذ ثلاث سنوات أنه من الطبيعى أن تتعاون وتتحالف الأحزاب الاسلامية معا لتحقيق الهدف المشترك وهو التطبيق الشامل والحقيقى للشريعة الاسلامية بصورة تجارى وتتفاعل مع العصر . والحقيقة فإن تصور حزب العمل أشمل من ذلك وكان يرى لم شمل كل الحركات الاسلامية وليس الاخوان فحسب تحت مظلة واحدة أو جبهة واحدة وليكن حزب العمل كحزب شرعى هو الاطار العام الذى يجمع الكل بدون أى رغبة فى السيطرة من جانبنا . ولكن ظل كل الفرقاء وعلى رأسهم الاخوان يقللون من شأن الحزب ، ويشككون فى اسلامه ، ويرون أنه كان من الصغار أن ينضووا تحت رايته . وقد كان واضحا لنا أن هناك خلافات فكرية وفقهية بيننا وأن المسألة تتجاوز اعتزاز كل تنظيم بذاته ولكننا كنا نعول على التقوى والإخلاص لله والمناقشة الجادة والبراهين الفقهية لتحقيق هذا التوحد مع الأيام . بل كما أسلفت كان التيار القومى العربى والناصرى ضمن هذا الطموح للتوحيد أو للتجبيه . وسنأتى لهذا التصور بالتفصيل فيما يلى .

كان اللقاء بين قيادتى حزب العمل والاخوان فى مقر الحزب بالسيدة زينب ناجحا للغاية ، وجاء الاخوان – كما تصورنا – يحدوهم الصدق والرغبة المخلصة فى التعاون والتحالف . ولكنهم لم يقولوا إن أفكارهم اختلفت . فعندما تحالفوا مع الوفد قالوا إن رفض 23 يوليو يجمعنا ، فهل غيروا رأيهم بعد 3 سنوات فى ثورة يوليو ، خاصة وأن حزب العمل رغم كل توجهاته الاسلامية لم يغير موقفه من ثورة يوليو وايجابياتها . وقد كان هذا واضحا فى وثائقه الرسمية الجديدة أى فى عهد التحول الاسلامى أى بدءا من عام1986 وعلى رأسها وثيقة : الاسلام دين وحضارة – مشروع للمستقبل . ولكن الأيام برهنت منذ 1987 وحتى كتابة هذه السطور فى 2022 أن الاخوان المسلمين تحدوهم البراجماتية ، فهم يسيرون وفقا لمصلحة التنظيم كما يرونها ، ثم يطابقون بين التنظيم والاسلام والدعوة فيقولون مصلحة الدعوة ، وهى طريقة فى التفكير تحلل المرء من كل ضوابط العقيدة والمبادىء الاسلامية وأى مبادىء أو أخلاق فى نهاية المطاف .

البراجماتية فلسفة غربية ترعرعت فى أمريكا وتناسبت معها . بدأت على يد تشارلز بيرس 1839 – 1914 ثم تولاها وليم جيمس وأخيرا جون ديوى . وسنحتاج للعودة إليها بين حين وآخر فى هذه الدراسة رغم أننى متأكد أن أحدا من قادة الاخوان لم يقرأ لهؤلاء . ولكنك يمكن أن تتبع فلسفة باتباع منطقها دون أن تقرأها أو حتى تسمع عنها . فليس كل مكيافيللى قرأ كتاب الأمير لمكيافيللى بل أكثرهم لم يقرأ . ولكن منهجهم فى الحياة كان على نفس نهج الأمير : الغاية تبرر الوسيلة .

يقول د. زكى نجيب محمود : إن البراجماتية تقول ب : “ ليس الحق شيئا قائما هناك ثم يجيىء الناس ليشخصوا إليه بأبصارهم وليقولوا فيه ما يقولون ، بل الحق هو طريقة سير نمشى فى الحياة على هداها ” البراجماتية – وليم جيمس – دار النهضة العربية – 1965 – القاهرة

و تقول (البراجماتية) إن الأفكار تكون (حقيقة) إذا كانت مُفيدة في حالة معينة، “و لكن ما ينفع اليوم في حالة واحدة، قد لا ينفع غداً في حالة أخرى”. و أنه، لا توجد حقيقة ثابتة أو مُطلَقة؛ و أن (الحقيقة) تحدث عندما يتفاعل الناس مع بيئتهم، و يقوموا بتشكيلها لتناسب إرادتهم. و أن الناس “أحرار في إختيار طريقتهم في التفكير و صناعة الواقع أو الحقيقة التي يريدونها، مهما كانت”.

مجتمع لازم تفهم – مدونةعربية مصرية

إن البراجماتية اسم مشتق من اللفظ اليوناني براجما (pragme) وتعني ”  العمل ”  .

وكل هذا الكلام يتعارض مع منهج التفكير الذى يهتدى بالاسلام الذى يقوم على ثوابت لاتتغير . ولكن كلما قرأت فى الفلسفة البراجماتية وجدت أنك تفهم كيف يفكر ويعمل الاخوان ، وعندما نقول الاخوان فنحن نعنى القيادات وهى التى تحدد كل شىء فى مجريات ممارسة التنظيم .

نعود إلى لقاء قيادتى العمل والاخوان

كانت فكرة حزب العمل أو بالأحرى فكرة ابراهيم شكرى التى وافقنا عليها بإقامة تحالف شامل لكل المعارضة تحت مظلة الوفد فكرة عبقرية من وجهة نظرى لو أخذت بها الأحزاب السياسية فلربما تغير وجه السياسة والتاريخ فى مصر .

قامت فكرة حزب العمل على أساس أن التحدى الأكبر للعمل السياسى الديموقراطى فى البلاد هو التصدى للمشكلة الرئيسية وهى احتكار الحزب الوطنى للعمل السياسى الحقيقى أى العمل السياسى المرتبط بالسلطة والمؤدى إلى الاستمرار فى احتكار السلطة بلا شريك وبلا أى إمكانية للهزيمة فى الانتخابات وأن مواجهة ذلك تكون بتكتل كل أحزاب المعارضة فى قائمة واحدة . وبما أن القانون لا يسمح بقائمة ائتلافية بين الأحزاب ، فيمكن التغلب على ذلك بالنزول فى قائمة واحدة تحت اسم حزب الوفد باعتباره هو الحزب المعارض الأكبر فى البرلمان الأخير . وهكذا ظهر أن حزب العمل لايبحث عن مكاسب حزبية ضيقة وأنانية وإنما يسعى لإصلاح النظام السياسى من أجل مزيد من الديموقراطية .

وبعد رفض الوفد رأى ابراهيم شكرى مواصلة الاقتراح بمن تبقى من أحزاب المعارضة رغم أن اللجنة العليا للحزب وافقت فورا وقد كانت مجتمعة فى نفس يوم حضور الاخوان على التحالف مع الاخوان ب 80 صوتا ومعارضة 4 أصوات . ، ولكنها لم تكن تمانع فى توسيع جبهة المعارضة .

وعندما أبلغ د.مراد الاخوان بقرار موافقة الحزب على التحالف معهم جاء وفد من الاخوان ضم صلاح شادى ومأمون الهضيبى وعبد المنعم أبو الفتوح لترتيب الأوضاع وجاء معهم بصورة مفاجئة حزب الأحرار ممثلا فى رئيسه مصطفى كامل مراد والغندور وغيرهما . ولم يكن عند حزب العمل حساسية من حزب الأحرار وهو صاحب فكرة الجبهة الموسعة . ولكن ابراهيم شكرى واصل اتصاله بحزب التجمع لضمه إلى هذا التحالف ولكن رفعت السعيد أبلغه رفض الحزب دخول الانتخابات مع الاخوان ، رغم أن الاخوان كانوا ضمن الوفد فى المفاوضات التى توقفت لتوها بسبب تراجع الوفد . واتصل ابراهيم شكرى بفريد عبد الكريم زعيم التيار الناصرى فقال له : نحن منشغلون الآن بتأسيس الحزب الناصرى وليست الانتخابات فى أولوياتنا الآن . ومن ثم تبلور بصورة إجبارية التحالف الثلاثى بين العمل والاخوان والأحرار .

حزب الوفد لاينظر إلى المصلحة العامة لذلك تراجع و رفض هذا الاقتراح رغم أنه يعطيه شرفا لا يدانيه شرف أن يكون الوفد ممثلا لكل الأمة . وأن يكون زعيم الأمة بحق . واعتقدت فى ذلك الوقت أن الوفد إما تشاور مع الحكومة أو قدر هو بنفسه أن هذا الاقتراح سيفتح عليه أبواب الجحيم مع السلطة ، لأن من شأن هذا التجمع للمعارضة أن يؤدى إلى حالة قصوى من الاستقطاب لن يكون فى مصلحة الحزب الوطنى حيث ستتجمع أحزاب المعارضة بطريقة تخفف من نقاط ضعفها كذلك سيسمح للاخوان المسلمين بالدخول من خلال حزب الوفد .

ويؤكد هذا المشروع المقترح أن حزب العمل لم يسع إلى شعار الاسلام هو الحل منذ البداية ، وكان يرى ان الاصلاح الديموقراطى هو الأمر الأكثر إلحاحا . ومما يؤكد حنكة و حكمة الثلاثى القيادى : شكرى – عادل – مراد أنهم فكروا بعدذلك أن يتجهوا لحزب التجمع اليسارى كى تكون القائمة الموحدة للمعارضة بدون الوفد باسم حزب العمل ، وكنت أتخيل أن يوافق حزب التجمع لأن هذا سيجعله فى بؤرة العمل السياسى الوطنى ولكنه رفض ربما لنفس أسباب الوفد . وربما رفض الاثنان لسبب آخر هو رفض التحالف مع تيار اسلامى كبير يضم الاخوان وحزب العمل . وكان حزب الأحرار قد فتح أبوابه وصحفه لجزء من التيار الاسلامى من خارج الاخوان . وبالتالى تبلورت فكرة التحالف الاسلامى .

فكرة حزب العمل الاصلية فى تجميع المعارضة فى قائمة واحدة كان له أهمية أكبر من مجرد كسر احتكار الحزب الوطنى للعمل السياسى والسلطة ، وهى فتح الباب لتفاعل كل تيارات المعارضة وتطوير نوع من الخليط أو التركيبة الجديدة على أساس اتفاقات مبدئية حقيقية وليس على أساس مساومات براجماتية نفعية . فالليبرالية التى يفترض أن يمثلها حزب الوفد ليست مرفوضة على الاطلاق إذا كانت تعنى الحريات السياسية وحرية التعبير والفكر والاعتقاد . واشتراكية التجمع ليست مرفوضة إذا استهدفت العدالة الاجتماعية وحزب العمل يمثل الانفتاح على التيار القومى وثورة يوليو برؤية اسلامية مجددة وهو يتفق مع التيار الناصرى فى قضية الوحدة العربية وتحرير فلسطين ، والاخوان يمثلون التيار الاسلامى التقليدى الذى يركز على القيم والأخلاق والشعائر الاسلامية . إن التفاعل معا فى معركة انتخابية ثم فى عمل برلمانى مشترك كان سيمثل فرصة للانصهار فى بوتقة واحدة وعملية فرز وتركيب فكرى على أساس الممارسة الواقعية . وهى نفس الفكرة التى كان من المفترض أن يمثلها حزب التجمع ولكنه فشل فيها على مستواه هو كتنظيم باحتكار الحزب الشيوعى المصرى للحزب. وهاهو يرفض شرف أن يكون مندمجا مع كل القوى الوطنية المعارضة . وهى نفس فكرة النفور من الآخر ، وأن كل حزب بما لديهم فرحون ، وفى النهاية فشل ويفشل الجميع ، دون أن يقدموا لقواعدهم سببا مقنعا لهذا الفشل المستمر . ومع هذا لا تفلح كل هذه التيارات حتى الآن إلا فى التمترس خلف تصوراتها الحزبية بدون أى انفتاح فكرى على الآخرين .

13التحالف الاسلامى

وهكذا لم يبق على وجه الحصر من الراغبين فى التحالف معا سوى حزب العمل والاخوان وحزب الأحرار وأدى هذا التكوين إلى التقدم لفكرة التحالف الاسلامى . يطلق فى حزب العمل على عادل حسين أنه كان مهندس هذا التحالف . ولكن أعترف أننى لثقتى فى القيادة العامة للحزب لم أكن فى المطبخ المركزى للحزب ولا المطبخ المركزى المشترك مع الاخوان ، فقد كنت فى ذلك الوقت أمينا للشباب ومنهمكا حتى النخاع فى المهام الخاصة الموكلة إلى . ولكن بالرجوع إلى الأستاذ عبد الحميد بركات آخر نائب لرئيس للحزب وكان وقتها أمينا للتنظيم أكد لى أن عادل حسين كان صاحب شعار الاسلام هو الحل وشعار التحالف الاسلامى وأنه هو الذى كتب برنامج التحالف الانتخابى ثم استخرج منه عشرة نقاط كنوع من الاختصار . وأن هذا البرنامج عرضه عادل حسين على مأمون الهضيبى القيادى الاخوانى ولم يكن مرشدا بعد وأقره وقد يكون أدخل عليه أى تعديلات . وبالفعل هذا يكفى لإطلاق وصف مهندس التحالف على عادل حسين : الشعار – البرنامج . وهذا يؤكد إخلاص حزب العمل للتوجه الاسلامى ، فلم يكن الاخوان هم أصحاب الفكرة لأنهم فى دخيلة أنفسهم لم يعترفوا بحزب العمل كحزب اسلامى . ولم يكن فى ذهنهم سوى تكرار تجربة تحالفهم مع الوفد بحيث يكون الطرفان ملتصقين بجوار بعضهما لا مندمجين . والدليل على عدم حماس الاخوان لفكرة البرنامج المشترك ، أنهم لم يهتموا بإعادة طباعة البرنامج وأكتفوا بما طبعه حزب العمل ، ومن خلال خبرتى معهم أثناء المعركة الانتخابية لم ألحظ مرة واحدة أن شبابهم قام بتوزيع البرنامج . وسنعود إلى هذه النقطة الجوهرية دوما خلال هذا الجزء من الدراسة وهو الخلاف بين حزب العمل والاخوان حول مفهوم التحالف الاسلامى وآفاقه .

مرحلة إعداد القوائم الانتخابية

تعامل حزب العمل مع الاخوان بمنتهى الأريحية بالمقارنة مع تعامل الوفد معهم . لم يكن الاخوان مجرد أداة لتقوية الموقف الانتخابى لحزب العمل ولكن باعتباره تحالفا حقيقيا من أجل الاسلام ومن أجل مصلحة الوطن . وكنا نتصور أن الاخوان يبادلوننا نفس التصور خاصة وأن حزب العمل تغير كثيرا

ولم يكن هو حزب العمل لعام 1984 ، فقد ظهر الوجه الاسلامى له فى جريدة الشعب التى تحولت لجريدة لكل الاسلاميين وهى مفتوحة أيضا لكل صوت حر وطنى ليس لديه منبر . منبر لكل من ليس له منبر. وبدأ يضم المزيد من الشخصيات الاسلامية المستقلة والرموز والعناصر القومية الناصرية . ولكن حافظت الجريدة على طابعها الاسلامى العام ، وظهر بوضوح اكثر دور اتحاد شباب العمل الذى يعتمد التربية الاسلامية فى بنائه ، مثل باقى الجماعات : دراسة الكتب الاسلامية وتحفيظ القرآن والأحاديث النبوية مع الثقافة السياسية المنضبطة بالاسلام ، ودورات تثقيفية ومعسكرات عمل و معسكرات صيفية الخ . كنا نتصور أن الاخوان يأخذوننا مأخذ الجد. وكان الاخوان فى هذه المرحلة فى أحسن أحوالهم فهم حريصون على إنجاح التجربة .

فى ظل كل هذه الاعتبارات كان الاتفاق ميسورا على تحديد نسبة توزيع المقاعد بين حزب العمل والاخوان فكانت بالتساوى 40 % لكل طرف و20 % لحزب الأحرار . حزب العمل تعامل بمنتهى المبدئية والاستقامة ولم يستغل نقطة القوة الحاسمة لديه أنه هو صاحب الرخصة لكل هذه القوائم وأن رئيس الحزب ابراهيم شكرى هو الذى يوقعها جميعا حتى تكون شرعية . وكان يمكن أن يدعى ضرورة الحفاظ على شخصية الحزب بإعطائه مقاعد أكثر أو غير ذلك من الحجج التى لابد أن الوفد استخدمها مع الاخوان . وبمقارنة بسيطة يمكن القول أن حزب العمل ساوى نفسه مع الاخوان بنسبة 40 % ووافق على إعطاء 20 % لحزب الأحرار وهو ، أى الأحرار ، ما كان بإمكانه أن يحصل وحده على نسبة 8 % الضرورية للدخول إلى المجلس . بينما أعطى الوفد الاخوان 6 مقاعد أى أقل من 2 % من عدد المقاعد فى القوائم وحصل الوفد على 58 مقعدا . لأن العبرة بالترتيب المتقدم الأول والثانى فى كل قائمة لأنها قائمة نسبية . أما مع حزب العمل فقد حصلوا على أكثر من حزب العمل وكان له26 نائبا بسبب تلاعب السلطات بالقوائم بين الفئات والعمال والفلاحين ، بينما حصل الاخوان على 31 مقعدا والأحرار على 7 مقاعد.

ثبت فيما بعد أن الاخوان لم تعط أى انتباه أو اهتمام بهذا الموقف ، ليس على طريقة تبادل المصالح ولكن على طريقة الإقرار بإخلاص حزب العمل للفكرة الاسلامية . ولكن براجماتية الاخوان وبحثهم عن مصالحهم جعلتهم يتعاملون مع حزب العمل وكأنهم ينتقمون منه ، مع أن الحزب ظل وفيا للتحالف معهم وفاءه للفكرة الاسلامية حتى تم حله مرتين وأغلقت صحيفته مرتين بسبب التحالف معهم . استمر حزب العمل وفيا للتحالف رغم توالى طعنات الاخوان فى ظهره وفى صدره . وقد يوصف موقفه بالسذاجة ربما . ولكننا ظللنا لا نصدق أنهم غير مخلصين للاسلام . وكنا نجد لهم الأعذار مرة فى عدم الإدراك السياسى ، ومرة فى خطأ الحسابات السياسية . حتى تأكدت أنا شخصيا أن الاخوان يعملون من أجل أنفسهم لا الاسلام . للتنظيم لا للوطن . وأنهم والعياذ بالله يعبدون صنما اسمه تنظيم الاخوان المسلمين . حتى لقد قال أحد قياداتهم عندما تم الاعتداء عليه ونقل إلى المستشفى قال : لقد عشت على الاخوان وسأموت على الاخوان . لم يقل عشت على الاسلام وأموت على الاسلام . ولذلك فقد أفتى بعضهم بعدم الزواج من غير إخوانية . أعلم إننى أسبق الأحداث ، ولكن لا أستطيع أن أعرض التجربة كما كنت أفهمها ساعة وقوع الأحداث عندما كنت مخدوعا . لا أستطيع أن أؤجل كيف أعطى العمل نصف مقاعد مجلس الشعب للاخوان ونصف المراكز الأولى ونصف المراكز الثانية . فأصبح لهم 31 نائبا ودخلوا الحياة السياسية من أوسع أبوابها . بينما رفضوا فى انتخابات 2011 إعطاء حزب العمل أكثر من مقعد واحد وجاء من المركز الثالث أو الرابع فى القائمة . ولكن بين هذين الموقفين حدثت سخائم كثيرة لا تقل بشاعة .

نواصل ما حدث فى غرفة العمليات لإعداد القوائم وقد كانت فى مقر الاخوان بالتوفيقية . وقد شاركت فى بعض هذه الجلسات فيما يتعلق بقوائم القاهرة الخمس . من السهل أن تتفق على النسب بين الأحزاب . ولكن من الصعب تحديد المرشحين المناسبين فى كل دائرة وقد كانت المناقشات عسيرة . وكان دائما حزب العمل هو الأكثر استعدادا للتنازل فى تسمية المرشحين لأن فكرة الصالح العام تغلب علينا وعلى شخصية ابراهيم شكرى وسائر قيادة الحزب .

وهنا أريد أن أقف عند قضيتين مبدئيتين : موقف الاخوان من ترشيح المسيحيين والمرأة . كان الاخوان فى ذلك الوقت متشددين ضد أى ترشيح للمرأة أو المسيحيين خاصة عندما يتعلق الأمر بالمراكز الأولى بالقائمة . لم يكن للاخوان أى مرشح مسيحى ولا أى مرشحة مسلمة أو مسيحية بطبيعة الحال! وكانوا فى ذلك الوقت يرفضون أى عمل سياسى للمرأة ، ويرفضون أن يشركوا معهم أى مسيحى فى أى عمل مشترك ولا حتى فى الشركات الاستثمارية التى كانوا يؤسسونها ، ولا أقول فى تنظيم الاخوان المسلمين !

أذكر أن مسئولا كبيرا فى شركة الشريف الاخوانية قال لى إن من سياسة الشركة عدم تعيين أى مسيحى فى أى عمل . ولكن ظل عندهم موظف مسيحى واحد كان معهم فى لحظات التأسيس قبل إصدار هذا القرار ، فقرروا الاحتفاظ به على سبيل الوفاء !

فى المقابل لم يكن لدى حزب العمل مرشحون مسيحيون كثر بسبب الإحجام العام للمسيحيين عن العمل السياسى وبسبب شعار الاسلام الذى زاد من هذا الإحجام . كان عددهم حوالى 5 أو ستة ولذلك انصب الاهتمام على ترشيح الرمز المسيحى جمال أسعد فى المركز الأول فى قائمة أسيوط لأنه قيادة وطنية سياسية وليس مجرد مسيحى عادى . ورفض الاخوان الاقتراح بشدة كمبدأ عام أن يوضع مسيحى فى المركز الأول للقائمة ، ثم أضافوا ان أسيوط لا تحتمل ذلك فالاستقطاب الطائفى فيها عاليا إلى حد أن المسلمين قد لا يعطوا أصواتهم للقائمة بسبب ذلك . ولكن حزب العمل أصر على أن يكون جمال أسعد هو رأس القائمة وفى بلده أسيوط . قال الاخوان إن محمد حبيب هو مسئول الاخوان فى أسيوط ولايمكن أن يكون رقم 2 . رفض الحزب أيضا هذه الحجة . وتأزم الموقف وكان لابد لطرف أن يتنازل للآخر . ورأى حزب العمل أنه أصبح للأمر أهمية مبدئية ورمزية بالغة الدلالة . وكنا قد أصبحنا على أبواب الانتخابات ولم يتبق سوى أيام قليلة . وأضطر الاخوان للتراجع . ولكنه كان تراجعا ظاهريا إذ قال المستشار مأمون الهضيبى إن المشكلة مع اخوان أسيوط وليس مع مكتب الإرشاد وانتهى اخوان أسيوط إلى إقتراح أن يترشح محمد حبيب على المقعد الفردى حتى لايكون رقم 2 فى القائمة !! وكأنها إهانة له وللاخوان . ووافق حزب العمل فلم يكن هذا الأمر ليهمه . وقد كان موقفا تاريخيا لأن حزب العمل فى هذه الانتخابات هو الوحيد الذى وضع مسيحيا على رأس قائمة ، بينما لم يضع الحزب الوطنى الوزير بطرس غالى إلا فى المركز الرابع . ونجح جمال أسعد عبد الملاك ودخل المجلس وكذلك دخل د. محمد حبيب .

وتشير أرقام نتائج الانتخابات إلى أن الاخوان فى أسيوط لم ينتخبوا قائمة حزب العمل ، حيث أن عدد الأصوات الحاصلة عليها تزيد قليلا عن عدد الأصوات فى انتخابات 1984 عندما كان حزب العمل مرشحا بمفرده . ففى انتخابات 1984 حصلت قائمة حزب العمل على 15 ألف صوت بينما حصلت قائمة الحزب عام 1987 على 16 ألف صوت بزيادة طفيفة للغاية ، وهذا يعنى أن الاخوان قاطعوا قائمة حزب العمل فى هذه الدائرة وهذه خيانة للأمانة أو تحريم لانتخاب مسيحى ويؤكد ذلك ان محمد حبيب حصل على 80 ألف صوت فى المقعد الفردى فى نفس الدائرة وهى أصوات اخوانية أو موالية لهم !!

ولكن حزب العمل تقدم فى قائمة شمال القاهرة بإقتراح أطار كل أبراج العقل عند الاخوان إذ رشح السيدة بهجة الراهب لتكون أول قائمة شمال القاهرة التى تضم شبرا ! وقد كنت حاضرا هذه المناقشة لأننى كنت مختصا بالقاهرة . فقد جمع هذا الاقتراح بين اثنين من محرمات الاخوان المرأة والمسيحيين ، وأيضا كما يقولون أن جماهير شبرا تتسم بالتعصب الطائفى ، وبالتالى فإن هذه القائمة لن تجد أى أصوات من المسيحيين أو المسلمين ! حزب العمل لم يفكر كعادته فى الانتخابات كعملية مستقلة إن الانتخابات فرصة لترويج الأفكار والمبادىء التى يؤمن بها . ولا ينشغل بجمع الأصوات فحسب ، بل يؤمن بالسير عكس التيار طالما أنه فى الاتجاه الصحيح ، ولابد من إقناع الجماهير بما يؤمن به ، لا أن يخضع للمزاج الجماهيرى . والحقيقة ان التيار الاسلامى ككل شريك فى هذه الأزمة الطائفية المتصاعدة مع التيار المسيحى المتعصب ومع المعالجات الخاطئة للحكومة .

ومن المفترض أن أشكر الظروف وأشكر الاخوان على موقفهم لأنه أدى إلى ترشيحى على رأس قائمة شمال القاهرة للنجاة من اقتراح بهجة الراهب ، وهو ما أدى إلى نجاحى ودخول مجلس الشعب ، فلم أكن مرشحا ولم أطلب الترشيح ، ولم أكن أفكر فى هذا الموضوع فقد كنت مهتما ببناء الحزب وتعزيز الجناح الشبابى الاسلامى به ، بالإضافة لعملى بجريدة الشعب . وكانت السيدة بهجة الراهب قد حضرت إلى مقر الاخوان بالتوفيقية عندما علمت بهذا النقاش ، وربما حضرت لإحراج الاخوان . و فى النهاية وافق ابرهيم شكرى الذى كان يحضر فى مثل هذه الأزمات ،أن أكون أنا الأول على أن تكون بهجة الراهب رقم 3 باعتبار أننا نحن الاثنين فئات ولابد فى القائمة عدم تتابع اثنين من الفئات لضمان حصول العمال والفلاحين على 50 % . وشعرت بالمفاجأة وكأنها معجزة إذ اضطر الاخوان للموافقة على أساس أن رقم 2 سيكون عمال من الاخوان ، ورأوا أن وجود إمرأة ومسيحية رقم 3 أهون الشرين !! أى أهون من أن تكون رقم 1 . ولكن المفاجأة المعاكسة كانت من بهجة الراهب نفسها إذ رفضت رقم 3 واعتبرت ذلك لايليق بها ، وانسحبت من الاجتماع . وبهجة الراهب لم تكن شخصية عادية فقد كانت قيادية نشيطة فى الكنيسة وقريبة من البطرك كما كانت تطلق عليه ولكنها كانت أقرب للنشاط الاجتماعي منها إلى النشاط السياسى . وكانت متحدثة لبقة وشخصية قيادية . أى أن حزب العمل لم يكن يرشح للمراكز الأولى أى مسيحى أو مسيحية . وقد كانت عضوة قديمة ونشيطة فى حزب العمل ومن قيادات لجنة مصر الجديدة .

وهكذا علمنا موقف الاخوان من ترشيح المرأة وقد ظهر ذلك أيضا فى ترشيح حزب العمل للسيدة الفاضلة هناء شوقى فى قائمة مصر الجديدة ، على المركز الثالث ، فقاوم الاخوان بضرواة هذه الاقتراح . ولكن تحت ضغوط حزب العمل كادوا أن يوافقوا خاصة وهى مسلمة أى أهون من بهجة الراهب ، وأعتذر فأنا أتحدث بضمير الاخوان أو كان هذا لسان حالهم . ومع ذلك وللأسف فقد كنت أنا سبب التراجع عن الاقتراح وهى من ضمن القرارات التى أندم عليها لأنها حرمت التحالف من تمثيل المرأة تحت القبة . فقد وجدت أن الثلاثة فى مقدمة قائمة شرق القاهرة من قسم واحد والدائرة من خمس أقسام ، فرأيت التنازل عن الاقتراح لمصلحة التوازن الجغرافى وقد أرتكبت خطأ مماثلا عند ترتيب قائمة شبرا . فقد تبين لى فيما بعد أن التوازن الجغرافى لم يكن حاسما فالدعاية للتحالف الاسلامى وشعار الاسلام هو الحل كانت تكتسح فى كل مكان ، وكان تواجد التيار الاسلامى قويا فى كل مكان ولم يكن الناخب يفكر كثيرا فى شخصية المرشح بقدر تفكيره فى الانحياز البرنامجى والمبدئى . وعندما عرضت ذلك على شكرى وافق . ولكن يحسب للحزب أنه كان يفكر بموضوعية وفى المصلحة العامة للتحالف ، ولم يكن متهافتا على تحقيق مكاسب حزبية ضيقة .

نخلص مما سبق إلى أن موقف الاخوان المسلمين فى عام 1987 كان ضد مشاركة المرأة فى العمل السياسى وضد التعاون مع المسيحيين فى العمل السياسى ، بل عدم التعاون أو التعامل معهم على الإطلاق كما ظهر فى الحملة الانتخابية .

تجربة العملية الانتخابية

تجربتى مع الاخوان فى العملية الانتخابية فى دائرة شمال القاهرة التى تضم شبرا كانت مزيجا من الايجابيات والسلبيات ، الايجابيات مفهومة فهم يقاتلون فى الدعاية الانتخابية لتحقيق النصر وقدكان لهم فى القائمة رقم 3 و4 ، ولكنها كانت فرصة لى للتقارب مع الاخوان فى الممارسة واكتشاف سلبياتهم التى هى من خصائص تكوين الجماعة .

1 هم لايؤمنون بغرفة عمليات مشتركة ورغم أننى كنت رأس القائمة ومن المفترض أنهم يعتبروننى اسلاميا ، أو هكذا كنت أظن ، ولكنهم استبعدونى تماما من غرفة العمليات وكانوا يبلغوننى ببعض قراراتهم . كان وقت المعركة أياما معدودة ولم يكن بإمكانى أن أغير طبيعة الاخوان خلالها ، ولم يكن من المناسب الدخول فى خلافات ومشاحنات ونحن فى معركة حامية الوطيس ، حيث بدأنا نتعرض لعمليات تمزيق لافتات الدعاية والملصقات على الحائط واحتجاز الشباب بأقسام الشرطة . وكنت أرى أن لديهم خبرات جيدة فى الانتخابات ، ولكن كان لى خبرة طويلة أيضا فى الانتخابات منذ أيام اتحاد الطلاب وانتخابات مجلس الشعب فى 1976 و1984 ، بالإضافة لخبرتى السياسية العامة فالانتخابات ليست مجرد عمليات فنية . اعتقد إذا كنت مشاركا معهم فى غرفة العمليات لكان بالإمكان تجنب كثير من الأخطاء التى أدت إلى حصول القائمة على مقعدين اثنين فقط وعدم دخول الاخوان من هذه الدائرة للمجلس . أيضا فكرة استبعادى وحزب العمل من غرفة العمليات التى لم أكن أعرف أين تجتمع ؟ ليس من تقاليد العمل الجبهوى التحالفى ، ليس من شيم الحلفاء المتعاونين فى معركة كانت أشبه بمعركة المصير بالنسبة للتيار الاسلامى . ولكنهم يشعرون وبعمق بالاستغناء ، فهم ليسوا فى حاجة إلى معاونة أحد ولا إلى خبرات وآراء أحد من خارج التنظيم . وقد ثبت فيما بعد أن هذه من الصفات الأصيلة للتنظيم . ولا تشغلنى هذه المسألة من زاوية قلة الذوق أو انعدام اللياقة فهذا آخر مايشغلنى ، ولكن أقول من زاوية كفاءة القيادة وتبادل الخبرات وتوزيع القوى على مساحة كبرى تضم 5 أقسام . كانت قواعد حزب العمل لا تقارن بعدد قواعد الاخوان فى شمال القاهرة ، ولكن كان من المهم التنسيق بين الطرفين وربما يتولى حزب العمل النشاط فى موقع أو اثنين أو أكثر .

رأيت أن طبيعة المعركة الانتخابية على أساس القائمة تجعل أى مجهود يبذله أى طرف حتى بدون تنسيق سيصب فى النهاية فى مصلحة القائمة أى فى مصلحة الطرفين . وقد أدى هذا الموقف أننى خضت المعركة الانتخابية بشكل متواز مع نشاط الاخوان . كانوا هم يعملون بطريقتهم وحزب العمل يعمل بطريقته ، ونلتقى معا فى بعض المناسبات : المؤتمرات الانتخابية العامة . رغم أنهم لم يهتموا بالمؤتمر الذى عقدته فى المنطقة القريبة من سكنى وهى تقع بين قسمى روض الفرج وشبرا ، ومع ذلك فقد كان مؤتمرا جماهيريا ناجحا. كذلك كنا نلتقى فى بعض المسيرات المجمعة أو ما يسمى مرور المرشحين على المحال والمقاهى والسلام على الناس فى الشوارع . قام حزب العمل بشكل منفرد بالمرور على المدارس والمكاتب الحكومية المحلية والبيوت واهتم بالاتصال بالمسيحيين وترك أثرا جيدا فيهم. وعقد ندوات فى المقاهى وبعض المحلات وعلى قارعة الطريق .

حتى فى الدعاية لاحظت أن الاخوان لا يوزعون برنامج التحالف الاسلامى . ولم يتفقوا على توحيد الدعاية وهذا طبيعى طالما نحن مستبعدين من غرفة العمليات ، فكنا نعد لافتات مختلفة عن لافتاتهم . ومن ناحيتنا كنا نلتزم بشعار الاسلام هو الحل ولكن كنا نرفقه بشعارات سياسية مختلفة من البرنامج ، مع توجيه لافتات عديدة خاصة لطمأنة الأقباط من شعار الاسلام هو الحل ، وأنه ليس موجها ضدهم بل موجها للغرب . ومنها لافتات تقول نحن والأقباط لهم ما لنا وعليهم ما علينا . وأذكر أن قيادى ومرشح مسيحى على قائمة الحزب الوطنى التقى بى مصادفة بالطريق وقال : إن لافتاتك تحمل لمسات طيبة للمسيحيين . وهكذا ظهر خلاف بين دعاية حزب العمل ودعاية الاخوان ليس فى هذا الموضوع وحده بل بشكل عام . أما الاخوان فكانوا يميلون دائما إلى لافتات وملصقات عامة لا توضح أى شىء سوى الاسلام هو الحل ، كونوا مع الصادقين الخ.وحتى فى المؤتمرات كانت كلماتهم أشبه بخطب الجمعة ولا تحدد طريقا محددا للبلاد ، وكانت إثارة الروح الدينية تسعد الناس وتجمعهم ، ولكنها لا تقوم بالتوعية الوطنية والسياسية . لكن فى انتخابات أخرى فيما بعد فى الأقاليم وجدت متحدثين من الاخوان يتحدثون جيدا فى أمور سياسية واقتصادية ولكنها لم تكن القاعدة .

الدعاية الاسلامية العامة بدون الدخول فى أى تفاصيل ومحددات من الخصائص الأصيلة فى حركة الاخوان . لذلك لا تجد لدى الاخوان برنامجا سياسيا ، و البرامج من بديهيات العمل السياسى . هم يرون أن الدخول فى التفاصيل سيؤدى إلى الخلاف مع هذا الرأى أو ذاك وهم لايريدون أن يفقدوا أحدا خاصة من المتدينين ، وهذا يؤدى فى النهاية إلى التميع الفكرى والفقهى والسياسى ، كما يؤدى إلى احتواء التنظيم على اتجاهات متباينة بين الصوفية والسلفية والتقليدية والقطبية . تجد التنظيم يضم من يؤمن بأفكار سيد قطب ومن يرفضها . من يقبل كتاب دعاة أم قضاة لحسن الهضيبى ومن يرفضه ؟

كما ترون فهى ليست مسألة انتخابية ، ما الانتخابات إلا فرصة لتتضح الاتجاهات الحقيقية لمختلف التنظيمات والتيارات . العمومية التى تغلب على الخطاب الاخوانى هى معضلة جوهرية فى تجربة التنظيم . إلى حد أنك لا تعلم ماذا يريدون بالضبط ؟ وكثيرون منهم لا يعلمون ماذا يريدون بالضبط فى الواقع العملى للمجتمع ؟ وحتى لايصاب الناس بالحيرة يتم التغلب على ذلك بالترياق الدينى المنزوع من الواقع ، أو ما نسميه الدروشة . فى الأزمة الأخيرة للاخوان سأل الشباب القيادات عن الحل لهذه الأزمة ؟ ألا توجد نهاية لهذا البقاء المستديم فى السجون ؟ ألا يوجد حل ؟ فردت القيادات : أى حل تريدون ؟ نحن سنخرج من هذه السجون إلى الجنة!

2 الكذب : لايمكن علاج المرض بدون التشخيص الصريح له وباسمه . لقد انتهى عهد الدبلوماسية والخجل ولابد من تسمية الأشياء بأسمائها . فى بداية الحملة الانتخابية بشمال القاهرة دعيت لاجتماع مع قادة شمال بالاخوان واستبشرت خيرا وظننت أن هذا هو بداية تشكل غرفة عمليات مشتركة . ولكن وجدت أنه أشبه بالتعارف مع قائد شمال بالاخوان ولا أعرف من هو حتى الآن وربما ليس هو قائد شمال ، وقد كانت الغرفة ممتلئة بالشباب ولم أتصور أنه اجتماع قيادى . المسألة الجوهرية التى طرحت كانت حول مرشح حزب العمل على المقعد المستقل ، وقلت لهم هذا اتفاق مركزى وأرى أنكم لابد أن تلتزموا به . فصاح أحد الشباب الموجودين : لا لن نقف معه إنه شيوعى . ولكن قائد شمال المفترض نهره وقال لى : طبعا ياسيدى نحن ملتزمون باتفاقنا وسنقف معه . ولم ألتق بهذا القائد بعد ذلك ولا حضرت أى اجتماع منظم مع اخوان شمال حتى انتهاء

الانتخابات . ما يهمنى هنا هو الكذب ، فقد قاطعوا مرشح الحزب فعلا

حتى انسحب من المعركة . وقرروا تأييد عبد الحليم مندور المحامى الاسلامى وهو شخص محترم ولوعرضوا على هذا الاقتراح كنت وافقت عليه ولكننى لم أكن متنبها لترشحه فقد كان المستقلون بالدائرة أكثر من سبعين . وكان لابد أن يبلغونى بموقفهم ، ويصححوا ماقيل لى فى الاجتماع الرسمى عن الالتزام . وهذا موقف لا يوصف إلا بالكذب . فقد كان المسئول يضمر هذا الموقف ولكن لايريد أن يحرج نفسه معى فأمر الشاب بالصمت . والحقيقة فإن مرشحنا كانت لديه ميول يسارية بالفعل . وكان بالحزب نفر قليل من اليساريين ولكننا كنا نراهن على تغيير مواقفهم الايديولوجية بالتدريج ، طالما أن هناك اتفاقا على البرنامج السياسى للحزب . وقد كان هذا المرشح مقبلا على التعاون مع الاخوان ، وإذا وجد احتضان وترحيب ومساعدة له ، فإن هذا من قبيل تأليف القلوب .

وهذه ليست مشكلة الاخوان وحدهم ولكننا نتحدث عنهم الآن . فهذا مرض شائع فى النخبة وهو عدم تقبل التعاون مع شخص من تنظيم آخر أو فكر آخر . ولكننا نتحدث هنا عن عدم احترام الاتفاق مع الحلفاء وهى جريمة أخرى . وقيل هذا ما حدث فى اتفاق فيرمونت مع مرسى مرشح الاخوان للرئاسة، وسنأتى إليه ولكننى وحزبى كنا مستبعدين من فيرمونت ومن كل اجتماعات المعارضة.

ماذا فعل الاخوان مع مسيحيى الساحل ؟

الساحل قسم كبير داخل منطقة شبرا وبه أكبر عدد من السكان وبالتالى من الناخبين . فى إحدى الأمسيات نظم الاخوان جولة انتخابية فى حى الساحل لابد أن يتقدمها المرشحون خاصة الأوائل فى القائمة ووفقا للتقاليد الانتخابية تتحول الجولة إلى مسيرة تهتف للمرشحين بينما يسلم المرشحون على أصحاب المحلات والجالسين على المقاهى فى الشارع الرئيسى . وكانت مسيرة مشرفة من حيث العدد والهتافات واستقبال الناس لها . ولكننى فوجئت بالشباب المسئولين عن المسيرة يهمسون لى لا تقترب من المحل القادم لن نسلم على صاحبه لأنه مسيحى ، وصدمت وكانت مفاجأة لى ، وأسقط فى يدى فالمناسبة والوقت لا يسمح بالاعتراض أو إحداث أى اضطراب . ثم تكرر الأمر بعد ذلك عدة مرات . وكنت فى شدة الخجل . ولكن الموضوع أكبر من الخجل إنها مسألة خلافية جوهرية ، فهم بذلك لا يعترفون بالمسيحيين كمواطنيين مصريين ويقولون لهم نحن فى غنى عن أصواتكم ولا تلزموننا فى شىء، وهذا أمر لا علاقة له بالاسلام . فهم كأهل ذمة فى المجتمع المسلم لهم كل حقوق وواجبات المواطنة ، ونحن إذا دخلنا مجلس الشعب نشرع بشكل يراعى مصالحهم كمسيحيين وكمصريين وكذلك نهتم بشئونهم ومشكلاتهم الخاصة . وفيما بعد أبديت اعتراضى لبعض قادة الاخوان فى شمال . ولا أذكر أننى شاركتهم بعد ذلك فى أى مسيرة أخرى . وكانوا هم يتجنبون المرور المماثل فى أى مناطق بها تركز مسيحى .

لا أدرى إذا وصلوا السلطة وهم بهذا الموقف كيف كانوا سيتعاملون مع المواطنين المسيحيين . طبعا عندما وصلوا للسلطة لمدة عام كان موقفهم قد تغير ولكن بشكل براجماتى عملى وليس على أساس اجتهاد فقهى .

إن صحيفة المدينة التى صدرت فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطت لليهود ولكل سكان المدينة حقوق وواجبات المواطنة . وأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا . كما وضع الماوردى قاعدة تؤكد أن

أهل الكتاب لهم كل الحقوق السياسية ويمكن أن يتولوا فى السلطة التنفيذية وزارات ومسئوليات التنفيذ أى التى لا تستدعى اجتهاد فقهى ، وهذا من العدل فأنت لن تلزم مسيحى بتطبيق الشريعة الاسلامية أو الاجتهاد فيها .وفرق بين وزارات التنفيذ ووزارات التفويض فهذه الأخيرة تكون للمسلمين فحسب لارتباطها بتطبيق المبادىء الاسلامية .

وثيقتان للمرأة والشورى

بعد سنوات ظهرت وثيقتان عند الاخوان حول الشورى وحول دور المرأة فى العمل السياسى تبنيا فيهما موقف حزب العمل . وكما قال لى أحد قيادات حزب العمل : إن الاخوان عندهم كبر شديد ، ولايمكن أن يعترفوا أنهم كانوا مخطئين ولا يمكن أن يعترفوا بفضل فكر حزب العمل عليهم أو الاقرار بأنهم تحولوا إلى موقف حزب العمل . وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمسيحيين وتغير موقفهم بعد ذلك وإن لم يصدر فى وثيقة مكتوبة . ولكن بالنسبة لوثيقتى الشورى والمرأة فقد اختفيتا بعد ذلك ، فالاخوان لا يحبون كما ذكرت البرامج أو الوثائق الحزبية ويريدون أن يطلقوا أيديهم حسب الظروف وليوسعوا العضوية بشكل أسهل . ويبدو أن هاتين الوثيقتين ظهرتا تحت ضغط التيار الشبابى الذى خرج بعد ذلك من الاخوان وشكل حزب الوسط .

وسنأتى بعد ذلك لتغير موقف الاخوان من المسيحيين وكيف كان على أسس براجماتية عملية وليس على أساس رؤية فقهية ، فليس لهم رؤية فقهية مكتوبة لا فى الموقف الأول ولا فى الموقف الجديد . والمعروف أن الموقف الفقهى لابد أن يكون مكتوبا حتى يكون الأمر دقيقا .

ونحن لا نريد أن يعود الفضل إلى أهله وهو هنا حزب العمل ، رغم ان هذا من أخلاق الاسلام . ولكن الأكثر أهمية هو الانتقال من موقف إلى موقف على أسس علمية اسلامية فقهية وليس بحثا عن ما يسمونه مصلحة الدعوة وهم يقصدون مصلحة التنظيم . وأن يكون الانتقال لموقف جديد على أساس نقد وتخطئة الموقف القديم ، وإلا انتفت فكرة الرؤية الاسلامية المستمدة من القرآن والسنة. فهذا الانتقال الهوائى ، من الهوى ، لايعلم العضو المنتمى للتنظيم المبدئية فى اتخاذ المواقف ، والتفرقة بين الخطأ والصواب . فيصبح ما يتخذه التنظيم صوابا دائما وإذا غير موقفه يظل التنظيم صائبا . وهكذا يتحول التنظيم أو قيادة التنظيم إلى صنم . وهذا المنهج المعوج إذا صح أن يسمى منهج ينطبق على كثير من مواقف تنظيم الاخوان ، فقد غيروا رأيهم العملى من الناصرية ومن التيار اليسارى الماركسى وأصبح هذان التياران أقرب إليهما من حزب العمل كما سنرى فى مقبل المراحل . أى افتقاد المنهج الاسلامى حتى وإن كان باجتهاد خاطىء ، بمعنى أنك تستهدف الموقف الصحيح الذى ينطبق مع الاسلام ولكن فى مرحلة لاحقة أو بعد مناقشات ما ، تغير موقفك ولكن على أساس الاستدلال بأدلة إسلامية فى الحالتين . فقد تنتبه إلى حديث أو آية كريمة فى الموضوع أو قياس فقهى راجح . أما أن تقول هو الأمر هكذا وأنا أرى هذا من المصلحة أو اعتبارات عملية تدفع لهذا ، فليس هذا هو الموقف الاسلامى . خاصة عندما نتحدث عن أمور أساسية لا تعد من الفروع كالموقف من عمل المرأة فى السياسة أو الموقف من أهل الكتاب أو من الفنون .

غياب التنسيق أدى إلى ضياع مقعد أو مقعدين

أشرت فى البداية إلى إصرار الاخوان على عدم إشراك حزب العمل فى الغرفة المركزية التى تدير المعركة الانتخابية استهزاء بحجمنا الصغير وربما حرصا على أسرار التنظيم ، بينما هو فى الحقيقة تحول إلى حزب علنى والأمن يعرف عنه كل شىء وكل أسمائه . وكلما كنت أطلب هذا التنسيق المركزى أو حضورى أنا أو أى زميل فى غرفة القيادة يرسلون شخصا قياديا لى يجلس معى قليلا ليسمع آرائى ويقول لى ها نحن ننسق معك ، وليس هذا هو التنسيق المقصود . فعندما تكون الصورة كلها أمامك تستطيع أن تفكر بصورة أفضل .

وكان لابد أن يحدث هذا الاجتماع على الأقل لتنظيم يوم الانتخاب ، وهذا لم يحدث وتسبب فى حدوث مشكلات كبيرة ، حيث قالوا إنهم رتبوا كل شىء ، ولكننى اكتشفت فى لحظة متأخرة أن اللجان غير مغطاة بشكل كامل والأخطر من كل ذلك أن ثغرات كبرى حدثت فى الفرز حيث تركوا على الأقل قسما من الأقسام الخمسة وهو قسم شبرا بدون حضور للفرز إطلاقا . واكتشفت ذلك فى اللحظة الأخيرة واضطررت أن أقوم بذلك وحدى ولم أستطع لضيق الوقت الاتصال بأعضاء حزب العمل ولم تكن التليفونات المحمولة قد وجدت بعد . وكنت أمر على الفرز على سبيل الاطمئنان فلم أجد أحدا . وفى الفرز لابد من أكثر من شخص ليتبادلوا المتابعة . وصمدت أطول فترة ممكنة وكان الفرز يسير على ما يرام ولكنهم فجأة فتحوا عدة صناديق وأصبحت المتابعة أصعب .

وأعتقد أننا خسرنا مقعدا أو مقعدين بسبب عدم إحكام عملية متابعة الفرز , وعدم استكمال المندوبين أثناء عمليات التصويت . وحصلنا على مقعدين الأول والثانى وكانا لحزب العمل .

14موقف الجماعة الاسلامية من الانتخابات

لم تكن الجماعة الاسلامية منخرطة فى العنف فى ذلك الوقت ، وقد رأيت أن أفتح حوارا معها عن طريق من تعرفت عليهم فى شبرا وكان على رأسهم الأخ عبيد الذى أشرت إليه سابقا . كنت قد حولت غرفة مكتبى بشقتى السكنية بشبرا إلى مقر حزبى لعقد اللقاءات الحزبية والفكرية ومقابلة النشطاء فى الحى من مختلف الاتجاهات وكان ذلك قبل الانتخابات . وكنت أركز مع نشطاء الجماعة الاسلامية على ضرورة العمل السلمى ونبذ الاتجاه للعنف لأن هذا التوجه كان معروفا أنهم حريصون عليه وإن توقفوا بعد موقعة اغتيال السادات .

كان مشروعنا الاسلامى يتضمن جمع كل الاسلاميين من مختلف التيارات فى تنظيم واحد كخط عام ، ونظرا لعدم إطمئناننا إلى إمكانية تطوير مواقف الاخوان المسلمين ، فقد تصورت أن استيعاب تيار الجماعة والجهاد فى الحزب بعد نبذ العنف بطبيعة الحال سيكون أمرا إيجابيا . وكانت الساحة هادئة فى ذلك الوقت من أى أعمال إرهابية ، ونظام مبارك يترك الحبل على الغارب للجميع ، حتى لقد انتشرت الجماعة الاسلامية بشكل واسع فى الصعيد وكانت لها مساجد كثيرة تابعة لها . وقد برهن ذلك على أن النظام إذا ترك المجال للنشاط السلمى فإن الإرهاب يتلاشى ويتراجع أو يختفى . ولكن هذا يتطلب تطور فكرى من الجانب الآخر ، وهذا مالم يحدث .

من خلال مناقشاتى مع عبيد كنت أقول له إن تضخم حجم الاخوان المسلمين يجعلهم أكثر استعلاءا ، و أكثر سيطرة على الساحة الاسلامية وهم يتسمون بعدم الثورية ، وعدم اتخاذ مواقف واضحة من أمريكا ، ولايمارسون السياسة بصورة واعية ، وإن انخراط تيار الجماعة الاسلامية فى الحزب سيؤدى إلى حدوث توازن فى الساحة الاسلامية من الناحية العددية ومن ناحية التأثير . فنحن أشبه بهيئة أركان من قيادة سياسية وجريدة ناجحة ولكن بدون جنود ، لأسباب تاريخية شرحتها من قبل . نعم يوجد جنود ولكن بأعداد قليلة . عبيد كان من الكوادر الوسيطة ولم يكن مؤثرا فى القرار . وكان من ضمن مايسميه هو مجموعة بنى سويف المعتدلة داخل الجماعة كما علمت فيما بعد . وبالفعل كنت قد دعوت بعض الشباب الصغير من الجماعة لحضور بعض الدورات الصيفية فى المدن الساحلية داخل مقرات الحزب بهدف استقطابهم ، وهو الأمر الذى أثار مشكلات داخل الحزب من التيار العلمانى الذى يسمى نفسه التيار الاشتراكى . ولم تكن هذه هى المحاولة الوحيدة فقد قمت بحوار مع عناصر قيادية فى شبرا للتبليغ والدعوة للتفاعل مع الحزب على الأقل ولكن بدون جدوى ، فقد كانوا ينفرون تماما من العمل السياسى . وقمت فى مراحل متعددة بالحوار مع التيار السلفى بكل تلاوينه ، وكانوا يرفضون التعاون فى أى نشاط مشترك ولا أقول الانخراط فى الحزب . وكان بالحزب أعداد قليلة من هذا الاتجاه . وكان هدفنا تحويل الحزب إلى خلاط لكل هذه التيارات يخرج منه تيار جديد اسلامى سياسى عصرى مستنير ثورى ولكن بالوسائل السلمية . كان مثلا – فى مرحلة لاحقة – أحد المعجبين بالشيخ الحوينى عضوا بالحزب واقترح على أن ألتقى به ، ورحبت بذلك وقلت لما لا ؟ ولكنه أبلغنى فيما بعد أن الشيخ رفض مبدأ اللقاء بدون إبداء أسباب . وقيادى آخر فى التيار السلفى وافق على لقائى لمرة واحدة ، وكان متعاليا ، فقد رأى أنهم متخصصون فى الدين ونحن متخصصون فى السياسة . وسأعود إليه مرة أخرى بدون ذكر أسماء لأننى لست فى وارد أى معارك شخصية .

بمناسبة الانتخابات فقد وافق الاخوان كما ذكرنا بل سعوا إلى التحالف معنا . ولقد ظللت أرى ضرورة الاستمرار فى محاولاتى لجذب باقى التيارات الاسلامية لمشروعنا الاسلامى الحضارى . أصدر الشيخ عمر عبد الرحمن فتوى بتحريم المشاركة فى انتخابات مجلس الشعب . وقد تحاورت مع عبيد طويلا ومع غيره ممن يؤمنون بهذا الموقف المستمر حتى الآن فى أوساط الاسلاميين . كانت الفتوى تستند إلى أن هذا المجلس التشريعى يستند إلى الدستور وهو ليس دستورا اسلاميا ، وبالتالى فإن كل أعماله باطلة وغير شرعية . وتحدثت عن المادة التى تقول أن الشريعة الاسلامية هى المصدر الأساسى للدستور ، وحتى إن كانت السلطات غير جادة فى ذلك ، فإن مجلس الشعب هو منبر لطرح ما نراه صحيحا ويصل إلى الجمهور ، ولسنا مسئولين إلا على الأشياء التى نوافق عليها . وقلت لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى فى الكعبة والمسلمون يحاولون الاجتماع فيها حيث يوجد حولهم قرابة 360 صنم قبل الهجرة إلى المدينة وهكذا فعل الصحابة وتعرضوا لأذى شديد بسبب ذلك . قلت ذلك على سبيل التوضيح وضرب المثل دون أن أتبنى مفهوم تكفير الحكام .

أبلغنى عبيد اعتذاره عن أى شكل من أشكال المساعدة ولا حتى بتقديم مندوبين لحماية ومراقبة عملية التصويت . ولم أره بالفعل ولا أى عنصر آخر من الجماعة طوال الحملة الانتخابية .

ولكن علمت فيما بعد من أحد زملاء الحزب ولم أتأكد من عبيد أو غيره من الجماعة لأن علاقتنا انقطعت بعد ذلك لسنوات ، علمت أن الشيخ عمر عبد الرحمن قد وافق على استثنائىء من مقاطعة الانتخابات ومساعدتى فى موضوع المندوبين فحسب . وأن الأخ الذى كان قادما إلى لتسليمى البطاقات الانتخابية للمندوبين قد تم إعتقاله وهو فى الطريق إلى ومصادرة ما معه من بطاقات بطبيعة الحال . لست متأكدا من هذه الرواية لأن عبيدا لم يقل لى ذلك عندما التقينا بعد عدة سنوات وقد نسيت الأمر بطبيعة الحال . ولكننى تصورت أن ذلك أمر محتمل ، فقد كانت علاقتى مع الجماعة قد تطورت من خلال عناصرهم بشبرا ، حتى ان نشرة شباب حزب العمل وأسمها صوت الشعب كانت تنشر فصولا من أحد كتب الشيخ عمر عبد الرحمن فى أمور كنت أتفق معها ، حول المرجعية الاسلامية للنظام السياسى كقواعد عامة . ولكننى لم ألتق أبدا بالشيخ وقد كان محدد الإقامة فى الفيوم كما علمت ولكن شباب الجماعة كان يسافر للقائه . وكان د. محمد حلمى مراد نائب رئيس حزب العمل قد ترافع عنه فى قضية تنظيم الجهاد عام 1981 – 1982 ضمن من ترافع عنه وقد حصل على البراءة فى هذه المحاكمة . وقد تعرضت للتحقيق فى نيابة أمن الدولة بسبب أعداد مجلة صوت الشعب التى نشرت أحيانا لعمر عبد الرحمن . أبلغت بالتحقيق معى ، ولكننى لم أستدع أبدا لذلك . وهذا يوضح كيف كنا نقدم تضحيات وندفع ثمن التفاعل والتعاون مع الحركة الاسلامية دون أى مكاسب حزبية . ولم نتلق فى المقابل المعاملة الحسنة التى تقر بإسلامنا . ونحن لا نريد اعترافا أو نيشانا من أحد فنحن نظن أننا نتعامل مع الله سبحانه وتعالى ومع ما نؤمن به . ولكن يذكر للجماعة الاسلامية إنها لاتنسى مثل هذه المواقف ، ولكن دون أن ينعكس ذلك على أى تطوير للعلاقات الثنائية . وهذا فى كل المراحل . ورغم كل هذه العلاقات المتطورة مع عبيدالذى كان يقول لى : أنتم تفهمون فى السياسة بشكل جيد وهذا رائع . ولكننى فوجئت به يوما وهو يشيد بموقفنا المساند لهم فى أى انتهاكات يتعرضون لها فيقول بالنص : إن الله سخركم لخدمة الجماعة . وهذا ذم فى صورة المدح . فالله قد يسخر كافرا لخدمة الاسلام فى ظروف ما ولحكمة ما ، كما قام البدوى الذى رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم بدور المرشد فى رحلته للهجرة . لم يشر فى هذه المرة ولا فى أى مرة أخرى للتعاون بيننا على أنه تعاون بين اسلاميين ، نحن مجرد سياسيين سخرهم الله لخدمة الجماعة . ولم أرد عليه ولم تغير هذه الجليطة من مواقفى . ولكننى وقفت ضد جنوحهم مرة أخرى للعنف والاغتيالات بعدذلك .

تجربتنا مع الاخوان تحت قبة البرلمان 15

حصل التحالف الاسلامى على أكبر عدد من المقاعد لحزب معارض منذ بدأت التعددية الحزبية الأخيرة وقد كان 64 مقعدا : 26 مقعدا لحزب العمل و 31 مقعدا للاخوان و7 لحزب الأحرار . وكان ما جرى فى الحملة الانتخابية صحوة سياسية اسلامية كبيرة لم تعشها حركة الاخوان من قبل ولا تقارن بتحالفها الهزيل مع الوفد . وتاريخ الاخوان قبل ذلك لا يوجد فيه أى تجربة انتخابية للبرلمان ولا أى ممارسة برلمانية . والحقيقة لقد كان التحالف مع حزب العمل نقطة تحول كبرى وفاصلة فى حياة الاخوان المسلمين ، وأتصور أن انتخابات وبرلمان 1987 كانت نقطة تحول فى مجال انتعاش الحياة السياسية الديموقراطية فى البلاد وكان لمصلحة الجميع . وأتصور أن مكاسب التحالف الاسلامى من المقاعد كان أكثر من ذلك بكثير . ولكن لا شك أن المعركة الانتخابية كانت معقولة بالمعايير المصرية : من حيث قدر الحرية فى ممارسة الدعاية الانتخابية ، وأيضا من حيث نزاهة التصويت والفرز . ولكن خطورة الأمر أن النتيجة كانت معلقة بما أصبح يعرف بكمبيوتر وزارة الداخلية ، لأن النتيجة كان يجب أن تعلن مركزيا بسبب موضوع حساب نسبة ال8 % الضرورية لكل حزب حتى يمثل فى البرلمان . وصحيفة المساء والتى لها تاريخ فى إظهار بعض الحقائق بسبب طباعتها المبكرة ذكرت فى المساء أن الوفد لم يحصل على 8% بل على 7 % وبعض الكسور ، وقد كان هذا يعنى أن تنحصر المعارضة فى حزب العمل والتحالف الاسلامى وهذا ما سوف يسلط الأضواء عليه أكثر ويبروزه بصورة غير مطلوبة . ولذلك ظهر فى صحف الصباح أن الوفد حصل على 8 % ! وبالتالى على 40 مقعدا وهذا جعل للمعارضة أكثر من 100 مقعد وهذا أيضا كان أمرا غير مسبوق فى تاريخ التعددية الأخيرة أى بعد 1976 وكل هذا أعطى المزيد من الحيوية للممارسة البرلمانية والحياة السياسية فى البلاد . وذلك بعد أن شهدت البلاد أوسع حركة جماهيرية فى المعركة الانتخابية من حيث المسيرات والمؤتمرات وكل أشكال الدعاية . وكنت أتصور أن يظل الاخوان يضعون هذا الدور التاريخى لحزب العمل فى حياتهم فى عين الاعتبار . ولكن الاخوان لم يعرفوا معانى الوفاء ولا التقدير ولم ينظروا إلى حزب العمل إلا أنه كان مجرد ركوبة أو قطار سكة حديد ركبوه للوصول إلى مجلس الشعب وانتهى دوره . وأنا استخدم هنا تعبير الدكتور الملط عضو مكتب الارشاد الذى قال ذلك فى حديث لصحيفة السياسى الصادرة عن دار التعاون ، أثناء وجود الاخوان فى المجلس وأثناء استمرار التحالف ، دون حتى مراعاة لمشاعر بنى آدميين فى حزب العمل . كان لدينا قدرة فائقة على تخطى هذه الصغائر ، كنا نحلم بمشروع اسلامى كبير وناجح اسمه التحالف الاسلامى يتجاوز العمل والاخوان ، ويعمل مع باقى الاسلاميين وكل الوطنيين ، ويمارس النضال السلمى من أجل تحقيق ما نؤمن به . ولكنهم لم يتصورونا إلا أصحاب مصالح نسعى لاستغلال القوة العددية للاخوان للوصول إلى البرلمان وإلى النجاح السياسى . لم يتصوروا أبدا فى أى يوم أننا مسلمون أو اسلاميون يعملون لوجه الله والوطن . بل مجرد مطية للوصول إلى البرلمان لأنهم لا يملكون رخصة حزب . هم أصحاب الاسلام الصحيح وحدهم ، وحتى عندما احتاجوا للتحالف مع القوى الاسلامية الأخرى بعد ثورة يناير , اعترفوا بالكل ما عدا حزب العمل ، واعتبروه حزبا قوميا لا يستحق أكثر من مقعد واحد فى البرلمان . وهم دائما يتحدثون صراحة أو ضمنا عن عددنا الهزيل بالنسبة لجيوشهم ، وقد شرحت الأسباب التاريخية لذلك ، ومع ذلك فإن الاسلام لايعرف الكثرة العددية كمعيار لصحة الموقف ، بل إن الكثرة ذكرت فى القرآن بالذم على سبيل الحصر فى عشرات الآيات . ولم تذكر بالمدح إلا مرة واحدة بدون استخدام لفظ الكثرة : “ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ” . هذه لحظة الذروة .. لحظة النصر .

لا أذكر المناسبة التى من أجلها زرت د. عصام العريان فى بيته بالطالبية بالهرم ، وأنا اعتذر أننى أكتب عنه مرارا فى هذه الدراسة وقد توفاه الله ، فقد كانت علاقتى به وثيقة ، وكنت أحمل له تقديرا كبيرا ، ولكنه لم يبادلنى عمليا نفس الشعور كما تبين لى فى النهاية ، وهذه مسألة تخص منهج الاخوان فى التعامل مع الآخرين ، وليس لعيب شخصى لديه ، فهو رغم أنه من الجيل الجديد الذى دخل الاخوان مع شباب الجماعات الاسلامية ، إلا أنه من أكثر من تشرب روح الاخوان فى جوانبها السلبية : التعالى وعدم تقدير الآخر وعدم احترام التجارب الأخرى الخ . المهم أذكر عندما جلسنا فى شرفة منزله بسبب حرارة الصيف وبعد أن أنهينا حديثنا ، إذا به يقول لى : لماذا لا تنشطون كحزب العمل .. نحن لا نرى أى وجود لكم فى قرى كثيرة نزورها . شدوا حيلكم شوية واظهروا . ولا أذكر أننى عقبت عليه من شدة المفاجأة وروح التعالى واعتباره أننا طرفان وليس طرفا واحدا. كنا فى حزب العمل نتصور أننا تخطينا مسألة حزب العمل والاخوان وأننا أصبحنا فريقا واحدا مصيره أن يتوحد تماما تحت راية الاسلام بلا أى خلاف على من تكون له القيادة . هكذا على الأقل كنا نفكر فى القيادة وعلى رأسنا : ابرهيم شكرى وحلمى ومراد وعادل حسين وعبد الحميد بركات . بينما كان الاخوان يحرصون على وضع الحدود والفواصل . هم مستأجرون لشقة مفروشة وسيغادرونها يوما ما . لم يكن عصام العريان يحتاج ليبرهن أن الامكانيات العددية للاخوان تفوق إمكانيات حزب العمل بدون مقارنة . بل كنت أقول أحيانا بمناسبة إثارة هذه الموضوعات : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله فى مكة أن يعز الاسلام بأحد العمرين : أبو جهل أو عمر بن الخطاب ، وقد أعزه الله بالأخير .

سعى عادل حسين وكان هو صاحب فكرة الدمج بين حزب العمل والاخوان فى تنظيم واحد بل وضم باقى الفصائل الاسلامية ولكن على أساس الاتفاق المبدئى الصريح وليس على طريقة القص واللصق كما حدث فى جبهة الانقاذ الجزائرية . وكانت هذه الفكرة متبلورة فى ذهنه بصورة كبيرة وسعى لتنفيذها فى البرلمان وجريدة الشعب . فى جريدة الشعب سعى الاخوان لكى يكون لهم ملحق منفصل داخل الجريدة يسيطرون عليه ويكتبون فيه ما يريدون ، ويصبح جريدة داخل الجريدة , وكان رأى عادل حسين أن تكون الجريدة مفتوحة للتفاعل من الطرفين وغيرهما لبلورة اتجاه اسلامى موحد وإن كان به بعض التنوع أو التمايز ، ولكن لتكن الجريدة كجهاز خلاط يقرب بين الجميع نحو مشروع حضارى واحد . وكان الاخوان كما هم دائما مكتفين بأنفسهم ولا يشعرون بالإحتياج لأى أحد . وصفحات جريدة الشعب تشهد على ذلك ، وقد فتحها عادل حسين لكل الوطنيين و الاسلاميين ، وكان يعقب عند الضرورة . ومن ذلك أنه نشر لعلاء محيى الدين المتحدث باسم الجماعة الاسلامية عدة مقالات وكان منها الموقف من المسيحيين وكان موقفا متشددا فنشرها عادل حسين وعلق عليها . وكان يلتقى به فى مكان آمن جدا فى صحيفة الأهرام!! حيث كانت تطبع جريدة الشعب . ولم تكن الجماعة متورطة فى أعمال العنف فى تلك الآونة حتى اغتيل علاء محيى الدين فى سبتمبر 1990 .

ومع رفض فكرة ملحق منفصل للاخوان فقد كنا نعتبر إن مقال المرشد العام مصطفى مشهور الثابت كل أسبوع ، هو نافذة الاخوان التى تقول فيها ما تشاء . ولكننا كنا نتابع طبعا قبل النشر لأننا مسئولون عن كل ما ينشر فى الجريدة سياسيا وقانونيا ، ولم تكن هناك أى مشكلة فى هذه المقالات وقد كان حريصا فيها .

أما على صعيد البرلمان فقد رأى عادل حسين أن تعمل الهيئة البرلمانية للحزب كهيئة موحدة وتنعقد بانتظام لتنسيق المواقف . ونظم فى البداية سلسلة من اللقاءات مع نواب الاخوان كنوع من الدورة التثقيفية حول أبرز القضايا السياسية والاقتصادية ، وقد حرصوا على الانتظام فيها ولكنهم كانوا يجاملون ، وحتى إن استفادوا من ثقافة وفكر عادل حسين ولكنهم ظلوا يلتزمون بتعليمات وتوجيهات وأوامر الاخوان فى المواقف داخل المجلس . لم أحضر هذه اللقاءات ربما لأنه المقصود هو تقريب الاخوان لفكر حزب العمل . ولم أكن فى احتياج لذلك بطبيعة الحال . ولكن علمت مثلا أن عادل حسين ناقشهم فى قضية القطاع العام . وتصور أنه أقنعهم بالإقلاع عن معارضة القطاع العام على طول الخط .. وأن اقتصاد التنمية بل وأى اقتصاد فى العالم يحتاج للمزاوجة بين القطاعين العام والخاص وفقا لواقع الحال ، وبنسب تختلف وفقا للظروف ومتطلبات الواقع . وأن الاسلام لا يحرم القطاع العام من حيث المبدأ ، بينما سيظل القطاع الخاص مصانا ولا غنى عنه ويتسع ويضيق حسب التطور الاقتصادى ، مع التأكيد على احترام الاسلام للملكية الخاصة وأنها مصانة ولا تجوز أن تتعرض للتأميم أو المصادرة ، ولكن الدولة هى التى تنشىء القطاع العام فى بعض المجالات لسد النقص الضرورى ، ولإحجام القطاع الخاص عن الولوج فى هذا المجال أو ذاك ، على سبيل المثال : الصناعات الثقيلة ، الصناعات الحربية ، والمرافق العامة كالمطارات والكهرباء ومختلف مصادر الطاقة . كذلك فإن دور الدولة أساسى فى تقديم الخدمات الضرورية للمواطن كالصحة والتعليم ، والمسئولية عن الضمان الاجتماعى .

ولكن بعد شهور فوجئت بأن الاخوان فى المجلس ، وخلال اشتباك بين رئيس المجلس رفعت المحجوب ووزير السياحة فؤاد سلطان بسبب توسع الأخير فى بيع مرافق السياحة للقطاع الخاص ، فوجئت بهم يصفقون بحرارة لوزير السياحة أثناء حديثه عن أولوية القطاع الخاص . وقد كنت مؤيدا لرفعت المحجوب ،ولكنه لم يعطنى الكلمة لأنه وجد أن وقوفى معه يضر بعلاقته بالنظام لأننى كنت الأشد معارضة للنظام فى المجلس وخارجه . ولكنه طلب منى أن أقابله فى مكتبه للحديث فى الأمر . وقد كانت لدى وقائع من تقارير مركز المحاسبات تدين عمليات البيع فى وزارة السياحة لما ينتابها من فساد . وقد ذهبت فعلا بعد الجلسة لمكتبه فى حادثة استثنائية .. ورويت له ما لدى من وقائع وكان شغوفا بسماعها ، وهى واقعة استثنائية لأنها المرة الوحيدة التى وجدتنى فيها متفقا مع رفعت المحجوب . واستكمالا للقصة ، وأهميتها توضح أن حزب العمل الذى كنت أمثله فى هذا الموقف ليس معارضا للنظام عمال على بطال ، وأنه يعارض ما يختلف معه ، وقد يتفق أحيانا معه ولايخفى هذا الاتفاق . وجريدة الشعب شاهدة على ذلك . استكمالا للقصة فوجئت بدخول د. زكريا عزمى رئيس الديوان الجمهورى وكان عضوا بالمجلس ، بل هو الذى فوجىء بى لأنه ليس من المعتاد أن أكون فى هذا المكتب ، وشرح له رفعت المحجوب سبب وجودى . ولدهشتى الشديدة فوجئت مرة أخرى بقوله : يا أخى أنت مفيش قضية وطنية إلا وتتصدى لها ! اندهشت أن أسمع بأذنى من أهل الحكم أننى أعارض لدوافع وطنية ، أننى لا أترك أى قضية وطنية بدون التصدى لها . إذا كان هذا تقييم أقرب شخص لرئيس الجمهورية لمواقف حزب العمل فلماذا هذه الفجوة الكبيرة بيننا ؟

إذا عدنا لموقف الاخوان من تأييد الخصخصة بحماس لحد تأييد الوزير بالتصفيق الحاد مع صمت نواب الحزب الوطنى ، وبدون طلب الكلمة لشرح موقفهم ، فلم نر أهمية لمراجعة موقفهم وما قيل عن اتفاقهم معنا فى موضوع رفض التوسع فى خصخصة القطاع العام . فالحقيقة فقد توقفت الاجتماعات المشتركة بين نواب العمل والاخوان ، بل هى اقتصرت على لقاءات عادل حسين ولم يكن نائبا بالمجلس مع نواب الاخوان وكانت لقاءات فكرية وليس لتنسيق العمل . وعمليا اقتصر التنسيق العملى على اللقاءات بين ابراهيم شكرى ومأمون الهضيبى . وتحولنا عمليا إلى هيئتين برلمانيتين شبه مستقلتين .

وعموما فإن ممارسات الاخوان خلال 3 سنوات فى المجلس ، بل خلال كل معرفتنا بهم ، أنهم يميلون إلى الرأسمالية ، وحتى بدون أى تنظير أو رؤية فقهية . ولا يتحدثون عن الاقتصاد الاسلامى أو من خلال رؤية اقتصادية اسلامية أو أى اجتهاد اسلامى اقتصادى حتى وإن كان خاطئا .

على مدار 3 سنوات هى فترة وجودنا فى مجلس الشعب ،حيث تم ، حل المجلس بسبب حكم قضائى عام 1990 تم عرض العديد من اتفاقيات القروض والمنح مع الدول الغربية ، ولم يشارك الاخوان فى مناقشة هذه الاتفاقيات أو الاعتراض عليها . وقد كنت أتولى ذلك بصورة فردية وممثلا عن حزب العمل ، فقد كان موقفى هو رفض هذه الاتفاقيات بشكل عام ، فى إطار رفض الاعتماد على الخارج لحل مشكلاتنا الاقتصادية ، أو على الأقل التقليل قدر الإمكان من هذه الاتفاقات . كذلك فعل الأستاذ جمال أسعد الزميل فى الحزب ، أذكر أنه أبدى ملاحظات انتقادية لاتفاق الاعتماد على أمريكا فى بناء المدارس . وكان رد رئيس المجلس د. رفعت المحجوب أنها منحة لبناء المبانى دون التدخل فى العملية التعليمية . وكان تقديرنا ان من يبنى المدارس قادر فى مرحلة لاحقة على التدخل فى المناهج الدراسية ، وهذا ما حدث بالفعل وأثبتته الأيام ، حيث تم تأسيس لجنة لتطوير المناهج برئاسة كوثر كوجك وكان يشارك فيها خبراء أمريكيون ، وحدث بالفعل تحوير وتعديل ولا نقول تطوير أو إصلاح المناهج ، فقد تم ذلك على حساب بعض القيم الوطنية والدينية .

معركة البترول

كان د. محمد حلمى مراد أمين عام الحزب يشن حملة من ضمن حملاته المشهودة على الفساد ولكن هذه المرة فى قطاع البترول ، وذلك من خلال مقالات متوالية فى جريدة الشعب واقترح على الأستاذ عادل حسين القيام باستجواب فى المجلس لوزير البترول وقال : أمامك من خلال مقالات د. مراد ملف متكامل وبالوثائق . وافقت بطبيعة الحال رغم أننى كنت متهيبا فى داخلى فهذه أول تجربة لى فى استجواب بالبرلمان . وكان الأستاذ الكبير فتحى رضوان قد نصحنى بعد نجاحى فى الانتخابات ألا أتعجل الحديث تحت القبة . وقال لى : استمر فى الفترة الأول فى الاستماع للآخرين والتعلم . وكانت نصيحة غالية وقد فعلت بها إلى حد كبير ولكن الآن مرت شهور ، ولا مانع إذا من دخول هذه المعركة . ولم أكتف بمقالات د. مراد بل ألتقيت بعدد من أهم خبراء البترول فى مصر على رأسهم د. حسن عبدالله . كانت أوراقى متكاملة وكانت هناك كارثة فعلية فى ذات الوقت فى معمل تكرير أسيوط حيث أكتمل بناؤه بدون أى حاجة لإنتاجه فكان متوقفا عن العمل ، وكان هذا من ضمن موضوعات الاستجواب ولهذا السبب أو لغيره رأت الحكومة تأجيل الاستجواب بما تملكه من أغلبية كبيرة فى مجلس الشعب للحزب الوطنى الحاكم . وتم تأجيله 6 شهور . ولكن تصادف بعد عدة أسابيع أن أوردت وزارة البترول عدة اتفاقات مع شركات أجنبية للتنقيب والانتاج . فكانت فرصة لعرض مواقفنا واعتراضاتنا على مثل هذه الاتفاقات .

لم يكن الاخوان المسلمون مهتمين بهذا الموضوع ، ولم يشارك أحد منهم فى الكتابة بجريدة الشعب ، والمسألة ليست مسألة فساد فحسب بل الأهم أن الموضوع يمس واحدا من أهم مصادر الثروة الاقتصادية الوطنية ، المصدر الأساسى للطاقة والوقود والذى يتعرض لقدر من التفريط لحساب الأجانب . ولماذا لا تنهض القطاعات الوطنية للتصدى لهذه المهمة ؟ ولماذا كل استثمار مهم نرهنه بالشركات الأجنبية خاصة الغربية ؟ وفى مجال البترول فإن شركة مصر للبترول شركة عتيقة وتعتبر من أوائل الشركات فى العالم فى مجال التنقيب فقد بدأت فى أوائل الخمسينيات من القرن العشرين ، ومارست التنقيب عن البترول بالفعل وراكمت خبرات لا بأس بها وقادرة على تطويرها . وفى المجال الخارجى هناك شركات صينية وروسية وعلى المستوى الاسلامى هناك شركة بتروناج الماليزية والتى عملت فى السودان . لماذا الاقتصار دوما على الشركات الغربية ؟ أقصد أننا كنا أمام قضية وطنية اقتصادية ولسنا أمام مجرد قضية فساد وشبوهات العمولات ، وقد كنا متأكدين منها ولكن هذه الأمور لا توجد لها مستندات ولكنها تكتشف من خلال التساهل فى الشروط . وعرض ما دار فى المجلس حول هذه الاتفاقات خارج موضوع هذه الدراسة ويمكن الرجوع لمضابط مجلس الشعب وجريدة الشعب و كتاب د . محمد حلمى مراد : الفساد فى قطاع البترول . ما يهمنا هنا هو عدم اهتمام الاخوان بالموضوع ذاته وبدون إبداء أى وجهة نظر فيه حتى وإن كان مخالفا لرأينا . الاقتصاد الوطنى بين الاستقلال والتبعية – قضايا الطاقة والبترول ، هذه أمور لا تشغلهم . ولكن قبل الجلسة جاءنى الصديق عصام العريان وطلب منى التحدث حول موضوع اتفاقات البترول حتى يكون متابعا للمناقشة المتوقعة فى الجلسة بينى وبين وزير البترول عبد الهادى قنديل ، فرحبت بطلبه فقد كنت أتمنى أن يشاركنى الاخوان فى المعركة خاصة وأن أغلبية المجلس من الحزب الوطنى وعلى رأسهم رئيس المجلس الذى لايلتزم الحياد كما هو واجب رئيس المجلس ، وهو الذى يتحكم فى إعطاء الكلمات ومدة كل كلمة . وإن كان طلب العريان أن أعرض له الموضوع يعنى أنه لم يهتم أن يقرأ مقالات الدكتور حلمى المنشورة فى جريدة الشعب . ولكن ليس مهما ، المهم أن يتجاوب ويتعاون معى وعرضت له الموضوع بصورة مركزة فى قرابة ثلث ساعة وبدا متفهما على الأقل . ولكنه عندما بدأ السجال لم ينبس ببنت شفة . وكان يهمس لى وقد كان يجلس قريبا منى : إنها مباراة كرة قدم بينك وبين الوزير ، فقد كنت أرد عليه كلما تكلم وكان يرد على كلما تكلمت . ولاحظ رفعت المحجوب إحجام الاخوان عن المشاركة فى السجال وعدم مشاركتى فى الموقف ، وهو يتسم بالذكاء الشديد ، ومن أساليبه المعتادة إحداث الوقيعة بين العمل والاخوان . فنظر إلى عصام العريان وقال له : مارأيك يا د. عصام فى هذا السجال – بينى وبين الوزير – ما الرأى الذى تؤيده ؟ فقال عصام العريان : والله ياريس أنا محتار ولم أحدد موقفا . فحياه المحجوب وقاله له : أحييك على صراحتك !

لم أكن مفاجأ بموقف الاخوان ولا حتى موقف عصام ، أنا اعلم جيدا إنهم لا يهتمون بهذه القضايا : أمور الاقتصاد الوطنى ، قضايا الاستقلال والتبعية ، قضايا الفساد . بل لاحظت طوال هذه الدورة انهم يحرصون على تقديم أنفسهم فى صورة معتدلة وغير مشاكسة للحكومة حتى وإن تخلوا عن حزب العمل فى بعض المواقف . فهم كانوا سعداء لوجودهم فى المجلس بكل هذا العدد ويريدون أن يطمئنوا الحكومة على اعتدالهم .

ولكن المفاجأة جاءت من حيث لم أحتسب ، حين طلب الدكتور محمد حبيب الكلمة ، وفاجأ الحضور جميعا عندما قال إنه أستاذ جيولوجيا وأن الحديث الذى يجرى هو حول تخصصه ، واستبشرت خيرا لقد انضم إلى من يؤازرنى من الاخوان ، فإذا به ينحاز إلى الوزير وبدون وجه حق من وجهة نظرى ، ومن وجهة نظر العلم . فقد قال إن اكتشافات المعادن والبترول تعتمد أساسا على الحظ وأن الوزير معذور لأن تكاليف التنقيب قد تكون كبيرة جدا ، مبررا بذلك لجوء الوزير للشركات الأجنبية . وقد كانت كلمته إنحيازا لموقف الوزير .

والمفارقة أن جناحا محسوبا على النظام خاصة الأمن القومى كان معى فى هذه المعركة وقد تابعت موقفه بذهول .

1 أثناء مرورى فى ممرات المجلس قبل بداية الجلسة أو بين الجلستين لأن المناقشة انقسمت إلى جلستين بينهما استراحة التقى بى عن عمد رئيس لجنة الأمن القومى بالمجلس وهو ضابط جيش متقاعد وأبلغنى بأهمية أن أركز حديثى على بترول البحر الأحمر وضرورة أن يتولى التنقيب فيه الشركة المصرية للبترول لأن البحر الأحمر عبارة عن حوض بترول واحتمالات العثور على آبار فيه كبيرة جدا ولا يحتاج لمصاريف كبيرة فى التنقيب . بينما يمكن قصر الاستثمار الأجنبى على الصحراء الغربية والبحر المتوسط . وكانت ملاحظة فنية سديدة .

2

أثناء المناقشة طلب الكلمة نائب من الوفد ولكنه ضابط جيش متقاعد وكان محافظا لبنى سويف قبل أن ينضم للوفد ، وأبرز ملاحظة انتقادية على إحدى الاتفاقيات المعروضة على المجلس .

3 أثناء المناقشة أيضا طلب الكلمة حمدى السيد نقيب الأطباء وأبرز ملاحظات انتقادية على إحدى الاتفاقات المعروضة . وهو عضو بالحزب الوطنى !

وقف إلى جانب موقفنا فى مجال الاستقلال الوطنى الاقتصادى وتحرير ثروتنا القومية عناصر وأجنحة من الحزب الوطنى والوفد والأمن القومى ، بينما وقف ضدنا الاخوان حين تحدثوا ، وكانوا بالأساس هاربين من الموقف .

وقد بدا لى أن د. محمد حبيب كأستاذ جامعى من ناحية وكمشغول بالعمل الاسلامى والسياسى لا يتابع بما يكفى التطورات العلمية فى مجال تخصصه . فقد أصبح التنقيب يستخدم ما يسمى الأبحاث السيزمية والقائمة على إحداث موجات صوتية فى التربة وإكتشاف شكل إنعكاسها بما يساعد على إكتشاف البترول أو غيره من المواد الأخرى . بل وأكثر من ذلك فإن الأقمار الصناعية أصبح لها دور فى اكتشاف الطبقات السفلية للأرض . وأجهزة الاستشعار عن بعد . ولهذا كنا نطالب بإقتحام هذه المجالات ، بل وتطوير ما وصلنا إليه فى مجال الاستشعار عن بعد . وقد كتبت مقالا مطالبا بذلك وتطوير أبحاثنا العلمية فى مجال تصنيع القمر الصناعى ، وهو الأمر الذى تلقيت عليه التحية من كبار العاملين فى مجال الاستشعار عن بعد . كما أننا يمكن أن نستفيد من صور الأقمار الصناعية من روسيا أو الصين لأن أمريكا تخفى عنا الكثير من الأمور خاصة فى مجال البترول كمادة استراتيجية .

انتهى الجزء الأول من 1981 – 1988

1 فكرة عن “تجربتى مع الحركة الوطنية والاسلامية – 1981 – 1988 – كتاب لمجدى حسين”

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading