تجربتى مع الحركة الوطنية والاسلامية – الجزء الثانى
1989 – 2001
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
نواصل رحلتنا فى هذا الجزء الثانى من تجربتى مع الحركة الوطنية و الاسلامية وأكرر هنا ما ذكرته فى مقدمة الجزء الأول :
هذه الدراسة تستهدف عرض تجربتى مع الحركة الوطنية والاسلامية بغرض الفهم والتقييم والتحليل من وجهة نظرى وبهدف تسليح الأجيال الصاعدة بخبرة من سبقوهم فالمعول الأساسى الآن على هذه الأجيال . وأعتقد أن الأجيال القديمة ، أقصد التى تستعد لمغادرة العالم ، مطالبة بتقييم تجربتها والقيام بمراجعة نقدية لتاريخها ، فأحسب أن مختلف التيارات الوطنية والاسلامية قد فشلت فى استنهاض الأمة ووضع مصر فى المكانة اللائقة بها ، كأول دولة وأول مجتمع منظم وأول حضارة فى العالم .
وأضيف : إن هذه الدراسة كتبت لوجه الله والوطن ولا تستهدف القدح فى شخص أو تنظيم أو حركة وإن كان تركيزى على الحركة الاسلامية لأننى اعتبرت نفسى دوما جزءا منها وإن لم يعترف كثير منها بذلك ، ولكننا فى الاسلام نتعامل مع الله ، الذى يعرف السرائر ، وهو سبحانه وتعالى من نقدم أوراقنا إليه ونيتنا معروفة لديه . وتركيزى على الاخوان لأننى أرى أنهم أكبر تنظيم اسلامى وأكبر تنظيم سياسى فى البلاد ولذلك يتحملون المسئولية الكبرى والأولى عما حل بوضع الحركة الاسلامية فى مصر وأغلب الدول العربية والاسلامية وما حل بثورة 25 يناير 2011. وقد رأيت فى وقت مبكر أن حماس هى الفرع الناجح الوحيد لحركة الاخوان المسلمين ففى كتابى ” سنن التغيير فى السيرة النبوية ” الصادر عام 2009 كتبت :
بعد نقد الحركة الاسلامية بأنها لا تطرح قضيتها بالمنازعة مع النظام الحاكم باعتباره غير شرعى من وجهة نظرها ولا تواجهه صراحة بالكلمة ولا بكل الوسائل السلمية المعروفة وأنها ارتضت بالتساكن معه أى التجاور والتوازى وهذا ينطبق على الاخوان المسلمين والحركة السلفية . والجماعة الاسلامية انضمت لهذا المنهج بعد موقفها الصائب بمبادرة وقف العنف . قلت إن قانون المواجهة الصريحة بالكلمة من أهم وسائل التغيير فى السيرة النبوية الشريفة طوال 13 عاما خلال المرحلة المكية ، وسميته قانون الجهر بالدعوة والنزاع حول المشروعية – راجع بين ص 75 و 135 ولكن استدركت فقلت :
تجربة حماس وحزب الله اللبنانى خارجة بطبيعة الحال عن هذا النقد ، لأنهما حركتان تعملان ضد الكيان الصهيونى وليس ضد أنظمة محلية ولكنهما يلتزمان بالدروس الأساسية للسيرة النبوية ، ولكن فى المجال القتالى : فقه الجهاد المسلح ، وإن كان الجهاد المسلح لا تنفصل قوانينه ودروسه عن الجهاد المدنى . فعندما أعلن الشيخ أحمد ياسين الجهاد المسلح لم يكن معه 10 بنادق ، ولم يكن قد أسس الجناح العسكرى بعد ، ولكن إعلان الجهاد هو الذى استدعى وعبأ المجاهدين والامكانات القتالية بالتدريج . انتهى الاقتباس .
كنت أقصد أن هاتين الحركتين أعلنتا موقفا صريحا من عدوها أو خصمها ولم تساوم معه وإن قامت أعمالها بالتدريج ولكن موقفها ليس فيه تدريج : انهاء الاحتلال .
فى البلاد غير المحتلة عسكريا من بلاد أجنبية لابد أن يقوم مشروعنا على الربط بين تدافعنا السلمى مع النظام الحاكم وبين قضية التبعية للولايات المتحدة والغرب . وتبين لى مع السنين أن قضية العداء للغرب والولايات المتحدة كقوى استكبار وهيمنة ليس فى بؤرة اهتمام وفكر وعمل الاخوان المسلمين عدا حماس بطبيعة الحال. بل اكتشفت تدريجيا و بصورة مروعة مدى العلاقات الخاصة بين الاخوان المسلمين وأمريكا والغرب وهو ما سيبدأ يتضح أكثر فى هذا الجزء الثانى .
توقفنا فى الجزء الأول عند عام 1988 فى أواسط هذا العام ولم نكمل بعد تجربة حزب العمل فى تحالفه مع الاخوان المسلمين تحت قبة البرلمان والتى استمرت بين عامى 1987 و1990 . ولكن سنعود للخلف قليلا فى أواخر 1987 لعرض نقطة مهمة وهى ترشيح الرئيس حسنى مبارك . والتسلسل الزمنى ليس أساسيا فى هذه الدراسة التحليلية ، فالموضوع يفرض نفسه وليست مسألة سرد تاريخى.
المؤلف – القاهرة – 2023
– 1 –
استجواب مشترك واستجواب اخوانى
كان موقف الاخوان المسلمين يقوم على أساس أن يقدموا أنفسهم للسلطات باعتبار أنهم قوة معتدلة ورغم أنهم ممثلون فى مجلس الشعب بأكثر من ثلاثين عضوا وهو أكبر عدد لهم فى البرلمان منذ تأسيس الجماعة ورغم أنهم مشتركون مع حزب العمل فى زعامة المعارضة ب 34 نائبا إلا أنهم لا يمثلون أى تهديد أو إزعاج للنظام . وهذا الأمر قد لا يكون مرفوضا فى حد ذاته ، ولكنه قد يكون مزعجا إذا كان مجرد مكر يدور حول ما يسمونه دائما مصلحة الجماعة ، فالاعتدال ليس مرفوضا فى حد ذاته ، ولكن المواقف الوطنية والسياسية والعقائدية ترتبط بالقضايا والمعضلات المطروحة بغض النظر عن مصلحة الجماعة ، بمعنى أن الموقف منها لا يقاس بالمصلحة الضيقة للجماعة ولا بقوتها أو ضعفها فى لحظة محددة . وحزب العمل لم يكن يريد أن يلهب الأوضاع والمناقشات فى مجلس الشعب ، ولكنه ينبرى للدفاع عن قضايا الوطن الملحة التى تطرح نفسها على الساحة السياسية أو داخل المجلس . وقد انعكس هذا الموقف الاخوانى على تجنب القيام بأى استجوابات أساسية للحكومة أو لوزرائها ، لأن الاستجواب يكون أقوى أشكال المواجهة البرلمانية مع الحكومة وقد ينتهى بطرح الثقة بالحكومة أو أحد وزرائها . ولكن كان الاستثناء فى الاستجوابات التى تقدم بها النائب مختارنوح وهم 3 استجوابات إثنان ضد وزير الداخلية وواحد ضد وزير التعليم د. فتحى سرور . وقد طرحت هذه الرؤية على مختار نوح فيما بعد ، أى بعد إنتهاء التجربة وقلت له كيف تمكنت من القيام بهذه الاستجوابات ؟ أى كيف حصلت على موافقة الاخوان بذلك وكنت أرى إحجامهم عن هذه الممارسة ؟ قال : الحقيقة إنهم يكن لديهم أعضاء يمتلكون القدرة على الحديث أمام المجلس بشكل مؤثر ومقنع وبالتالى كانت استجواباتى فرصة لتقديم نموذج على حيوية وفاعلية الممارسة الاخوانية تحت القبة .
كان الاستجواب الذى قمنا به بشكل مشترك مختار نو ح والشيخ صلاح أبو اسماعيل وهو مستقل وعلى سلامة من الوفد وأنا معهم عن حزب العمل ضد وزير الداخلية زكى بدر وممارسات وزارته ضد الحريات واستغلالا لقانون الطوارىء . كان الاستجواب ذروة الاثارة فى العمل البرلمانى أو قنبلة هذه الدورة وقد عرض التلفزيون الحكومى ملخصا معقولا له وكان له صدى جماهيرى كبير وقد أخذ الاستجواب الرباعى مدى أوسع بسبب واقعة اعتداء النائب الوفدى رسلان على زكى بدر تحت القبة بسبب اساءة الأخير لرئيس الوفد فؤاد سراج الدين ويمكن الرجوع إلى المضابط . ما يهمنى هنا دور مختار نوح الذى كان حديثه موثقا دوما بالمستندات يمتلكها بسبب عمله فى المحاماة وشجاعته المعهودة . كان الرباعى متكاملا وقيل لى فى أوساط الحزب أننى كنت موفقا . ما يهمنى أنها كانت ممارسة تعكس التناغم والقدرة على التكامل ليس بين العمل والاخوان فحسب بل أيضا مع الوفد ، وهى لحظة لم تتكرر كثيرا . كان ملف الحريات ووزارة الداخلية هو الذى يشغل الاخوان لأنه متصل باهتمامات وعمل التنظيم ، وهذه هى طريقة الاخوان فى تحديد الأولويات ، ولعل هذا من أسباب موافقةالاخوان على استجواب مختار نوح والذى تكرر مرة أخرى بالمشاركة مع محمد محفوظ حلمى نائب الاخوان عن المحلة . ثم قام مختار نوح باستجواب آخر لوزير التعليم د. فتحى سرور ولكنه تركز على وجود خريطة متداولة فى فصول المدارس تحمل اسم اسرائيل بدلا من فلسطين . وهنا قلب الوزير الموقف وقال إنه لا توجد هذه الخرائط وإنه لا علم له بها وإن وجدت فلتحرق هذه الخرائط ، وهنا انفجر نواب الاخوان بالتصفيق .
يمكن مراجعة كتاب الاخوان فى البرلمان – محمد الطويل – المكتب المصرى الحديث – الطبعة الأولى – 1992
وقد قدم الكتاب عرض وافيا لبعض ما جرى فى البرلمان وإن كان تعامل معى وكأننى عضو فى الاخوان . ولكن النصوص التى أوردها التزمت بمضابط المجلس .
– 2 –
ترشيح حسنى مبارك للرئاسة
من المواقف الفارقة التى اعترضت طريق التحالف بين حزب العمل والاخوان كان موعد انتخابات الرئاسة ، حيث يتعين على المجلس أن يرشح شخصا واحدا للاستفتاء عليه من الشعب ، ويجب أن يحصل على ثلثى عدد أعضاء مجلس الشعب . وبالتالى لم تكن أصوات المعارضة كلها وإن اجتمعت كافية لتعطيل ترشيح الرئيس مبارك ، ولكن المسألة تتعلق بالمواقف أمام الجماهير ، ومسألة تتعلق بالمبادىء . قررت قيادة حزب العمل عدم الموافقة على ترشيح الرئيس حسنى مبارك بسبب الخلافات حول السياسة العامة فى مختلف المجالات الأساسية الداخلية والخارجية ولكن قيادة الاخوان المسلمين اجتمعت وقررت الموافقة على ترشيح حسنى مبارك فى إطار سياسة التهدئة مع النظام وعدم إثارة حفيظته ضد حركة الاخوان . وقد حدث هذا فى أواخر العام الأول لوجودنا فى المجلس عام 1987 وهدد بفصل الكتلتين عمليا داخل المجلس لأن هذا موقف فى مسألة جوهرية ، ولحرص الأستاذ ابراهيم شكرى على وحدة التحالف أصر على اتخاذ موقف موحد مع الاخوان وتنازل حزب العمل عن موقفه ، وكانت قيادة حزب العمل كلها ضد ذلك عدا ابراهيم شكرى ولكنهم وافقوا فى النهاية ربما لنفس السبب : الحفاظ على وحدة التحالف . بالنسبة لى لا أفهم السياسة هكذا ، وربما كما يعتبرنى البعض لست سياسيا ، لم أستطع أن أتقبل هذا الموقف ، ولكننى لم أفجر الموقف ولم أتحدث علنا ، ولكن يدى لم يكن بإمكانها أن تكتب حسنى مبارك أو موافق على ورقة التصويت السرى داخل القاعة ، وكتبت غير موافق ، وكان لمختار نوح نفس الموقف ، وربما تشاورنا معا قبل التصويت لا أتذكر بدقة . وعند الفرز وجدت 4 أصوات غير موافقة وكان الوفد قد أعلن الامتناع عن التصويت وكان موقفه أفضل من وجهة نظرى ، ووفقا للائحة من حق الممتنع عن التصويت أن يطلب الكلمة ليوضح موقفه . وهكذا حصل مبارك على 97.1 % من أصوات المجلس . ولم ينزعج من هذا الموقف سوى قيادة الاخوان فقد شعروا بعدم التزام بعض نوابهم بالقرار الذى اتخذته الجماعة . وأطلقت الجماعة تحقيقا دقيقا فى الأمر للكشف عن هؤلاء الأربعة المارقين لمحاسبتهم وتحويلهم إلى التحقيق . وقد استنتجوا أننى واحد من الأربعة ، وربما لم أكن حريصا على إخفاء موقفى بين الزملاء ولكن بدون إعلان عام أو محاولة لإقناع الآخرين. بعد عدة أيام جاءنى أحمد سيف الاسلام حسن البنا فى أروقة المجلس وسألنى فى حديث خاص : هل كنت ضمن الأربعة الذين قالوا : لا ؟ قلت له ببساطة : نعم . قال : وهل تعرف من الثلاثة الآخرين ؟ قلت له : لا أعرف . شعرت بالاستياء فقد لاحظت أننى خضعت لتحقيق وسين وجيم ودفع للابلاغ عن آخرين . لقد كان مكلفا من القيادة لجمع المعلومات. وهذا لم يحدث فى حزب العمل ليس لأنه يؤيد التسيب التنظيمى ولكنه حزب ديموقراطى فى أعماقه لا ينزعج من الخلاف فى الرأى ، ويرى أن قرار ترشيح مبارك ليس قرارا سهلا ويحتمل وقوع مثل هذه الحالات . لم يسألنى أحد ولم يراجعنى أحد فى حزب العمل ، كما إننى لم أعلن عن موقفى إلا فى أضيق الحدود . كنت أعتبر أن هذا بلاء وسيمر وسنتجاوزه مع الأيام وأننا لن نبيع مواقفنا . وعلمت دور الاخوان فى الوقوع فى هذا المطب أى تأييد ترشيح حسنى مبارك .
وواصل الاخوان التحقيق وتبينوا أن مختار نوح من الأربعة وتمت إحالته للتحقيق . ولم يخف الرجل موقفه وقال إنه استفتى الشيخ عبد المعز عبد الستار من شيوخ الاخوان وأنه أفتى له بالحرمة الشرعية لترشيح مبارك . فتم فصله من الجماعة . ولكن لم يكن من الممكن فصل مختارنوح لأنه نائب فى البرلمان ولكن هذا الموقف سجل فى صحيفة سوابقه وقد أحيل بعد ذلك للتحقيق ثلاث مرات حتى ترك الجماعة ، وهى جماعة لا تتحمل النفوس الحرة والعقول المفكرة . وأعتقد أن النائب محيى الدين عيسى من المنيا كان هو الثالث وهو من شباب الاخوان المعارضين لكثير من توجهات التنظيم كما قال لى فيما بعد . ولا أعرف الرابع حتى الآن !! وقد علمت أن قيادة الاخوان قد تمكنت من معرفة الأسماء الأربعة التى قالت لا لمبارك . ولا أدرى ماذا فعلت بالاثنين الآخرين. لأنهم لا يملكون التحقيق معى ! وهذه صفحة مشينة فى تاريخ تنظيم الاخوان . وقد علمت من مصدر إخوانى كبير أن رفعت المحجوب أبلغ مأمون الهضيبى بالأسماء الأربعة ، ولا أدرى كيف تأكد المحجوب رئيس المجلس من ذلك ، وقال لى نفس المصدر القيادى إن علاقة قيادة الاخوان بحسنى مبارك كانت جيدة جدا وكانت هناك خطوط مفتوحة بين الطرفين . ولكن ما شاهدته بنفسى أن رفعت المحجوب كان يدلل الاخوان فى المجلس ويضطهد أعضاء حزب العمل ، كان يعطى لهم الكلمة كلما طلبوها وكان لا يقاطعهم ويتركهم يسترسلون فى الحديث خاصة مأمون الهضيبى الذى تحول فعليا لقائد مستقل لمجموعة الإخوان بالتوازى مع ابراهيم شكرى كزعيم لمجموعة حزب العمل . كان المقصود إحداث فرقة بين حزب العمل والاخوان ، و كانت خطوط التفاهم موجودة دائما بين الاخوان والنظام . كانت ممارسات الاخوان مع الوزراء تتسم بالميوعة خاصة فى الأروقة . ومن أمثلة ذلك أننا كنا مجموعة من النواب من العمل والاخوان ألتقينا بالصدفة مع الدكتور فتحى سرور وزير التعليم فى أروقة المجلس وطلبنا منه الجلوس للتحدث فى بعض المشكلات والشكاوى ، ووافق الرجل وكان يتسم بالدبلوماسية الشديدة ولكننى لاحظت أن الجلسة تحولت إلى دردشة ودية بلا هدف وعندما قال لهم أنه متدين مثلهم رد أحدهم : ونحن نعتبرك من الاخوان وضحكوا جميعا ، ولم أتحمل هذه الأجواء وانسحبت من المجلس ولم أحدث الوزير فيما كنت أريد .
– 3 –
استجواب وزارة الثقافة
بعد معركتى مع وزير البترول عبد الهادى قنديل الواردة فى الجزء الأول كانت معركتى الثانية مع وزير الثقافة فاروق حسنى . كنت أعانى معاناة شخصية من أن يكون وزير ثقافة مصر هو هذا الشخص لأسباب معروفة . ولكن القضية المباشرة للاستجواب الذى تقدمت به كانت حول المشروع الجديد لهضبة الأهرام . وكان المشروع الأول لتحويل هضبة الأهرام إلى منتجع سياحى قد نجحت الحركة الوطنية بقيادة د. نعمات فؤاد فى إحباطه . ثم عاد فاروق حسنى بمشروع جديد . كنت أود الحديث فى كل مجالات وزارة الثقافة حيث أعلن الوزير حربه على الميتافزيقا أى الغيب أى الدين ، وقال إن الثقافة تجارة ومزاج وصهللة وطبق هذه المفاهيم فعلا فى أنشطة الوزارة . ويمكن الرجوع إلى التفاصيل فى مضبطة المجلس ونص الاستجواب مسجل على اليوتيوب وفى المدونة الخاصة بى
magdyhussein.id
رأيت التركيز على مشروع هضبة الأهرام لتحقيق إنجاز محدد خاصة وأن المشروع قد بدأ يدخل فى طور التنفيذ . الاستجواب يقوم على أساس رفض تحويل هذه المنطقة الأثرية الأهم فى العالم إلى منتجع أو ملاهى ليلية أو مركز للحفلات الموسيقية والغنائية وأن هذه الأمر يقضى على الطابع الأثرى التاريخى ويهدد الآثار نفسها بصورة مادية . وهذه رؤية منظمة اليونسكو لكل الآثار فى العالم .
كما حدث فى معركة البترول وقف الاخوان متفرجين . ولم أفكر أن أسألهم لماذا انتم هكذا ؟ فلعلهم يرون أن الآثار أصنام لا تستحق هذا الاهتمام . وهم لم يتحدثوا عنها أبدا ولم تشغلهم أحوالها فى كل مكان فى مصر وليس فى الأهرام فحسب . ولم يلتفتوا يوما إلى أن القرآن يحضنا على دراسة أخبار الأولين . مثلا : “ أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها … الروم9
أثناء تعقيبى الأخير هاجمت الوزير لأنه أحضر معه ماكيت كبير للمشروع ملأ به قاعة المجلس الوسطى ، وهو مايعكس أنه بدأ فى التنفيذ بدون موافقة مجلس الوزراء ولا مجلس الشعب ولا أى جهة أخرى فى الدولة ، أنبرى رفعت المحجوب للدفاع عن الوزير وقال : لقد جاء بماكيت المشروع من أجلك أنت لأنك طالبت مناقشته فى المشروع ؟ وهنا لاحظت عصام العريان ينظر لى ويشير لرئيس المجلس بمعنى أن كلامه هو الصح وأن ما قلته أنا خطأ . وحتى إذا كان هذا رايه وهو حر فى رأيه فلم يكن من المناسب وأنا فى حالة اشتباك مع الوزير ورئيس المجلس وأغلبية الحزب الوطنى أن يبدى تعاطفه مع الخصم ، والمفترض أننا فى فريق واحد .
لم أعاتب يوما الاخوان ولا الصديق عصام العريان أو الذى كنت أتصور أنه صديق و علاقتى به ستستمر متقطعة حتى اللقاء العرضى فى سجن العقرب عام 2014 ، لم أعاتبهم يوما لأننى كنت أفكر دائما فى الواجب الملقى علينا ، ولا أنتظر منهم شيئا . ما كان يشغلنى هو تأثير الاستجواب . وقد تلقيت ما أثلج صدرى بعد فترة إذ اتصلت بى الدكتورة نعمات فؤاد وقالت لى : أهلا بصاحب الاستجواب الناجح الوحيد فى مجلس الشعب ، لقد أبليت بلاء حسنا فى عرض القضية ولقد انتصرنا ، لقد تم إيقاف المشروع !
ولكن ليس للاخوان فى الطيب نصيب !
– 4 –
الزكاة .. و عتاب من مأمون الهضيبى
علاقتى مع الأستاذ مأمون الهضيبى لم تكن قوية أو عميقة أو متواترة ولكنها كانت متقطعة بسبب أنه يتعامل أساسا مع القيادات : ابراهيم شكرى – عادل حسين – حلمى مراد . ولكن تعددت المواقف القصيرة بيننا بسبب تواجدنا معا فى مجلس الشعب وبعد ذلك أضطررت للتعامل معه بعد وفاة د. حلمى مراد وعادل حسين وتراجع الحالة الصحية للأستاذ ابراهيم شكرى .
فى إحدى جلسات مناقشة بيان الحكومة أشرت فى كلمتى حول الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إلى ضرورة التفكير الجدى فى تطبيق فريضة الزكاة وأنها ستقدم موردا مهما للمجتمع ولتحقيق العدالة الاجتماعية ونوهت إلى أن المجالس القومية المتخصصة طرحت نفس الفكرة وهى مجالس حكومية تحت إشراف مجلس الشورى .
وعندما عدت إلى مقعدى وجدت المستشار مأمون الهصيبى يتحرك ليجلس جانبى فى الصفوف الخلفية تاركا مقعده فى الصف الأول ليتحدث معى بصورة ودية ويقول لا داعى للحديث فى موضوع الزكاة فهذه نقوم بها نحن فى المساجد ، وليس من المصلحة أن يأخذوها منا ابتسمت وكأننى متفهما . ليس صمتى فى هذا الموقف ولا غيره يعنى بالضرورة الاقتناع فكثيرا لا أرد على الآراء المخالفة لأسباب عديدة ربما لمراعاة السن والمقام أو لأن المناقشة لا جدوى منها . مرة أخرى ترى محور تفكير الاخوان فى مصلحة التنظيم وليس فى مصلحة الأمة . كنت أرى ولا زلت أن الحكومة المصرية مهما كانت طبيعتها واتجاهاتها السياسية إذا قررت جمع الزكاة بصورة شرعية حقيقية تحت إشراف الأزهر فإننا يجب أن نشجع ذلك ، ونراقب عملية التنفيذ. وحتى إذا حدثت أخطاء فإن العائد على الدولة والمجتمع سيكون كبيرا ، وسيقترب المجتمع من الحل الاسلامى فى أمور الاقتصاد والمال . كما دعوت فى مناقشة قضية البترول أن تتعاون الدولة مع شركات توظيف الأموال الاسلامية التى كانت قائمة فى ذلك الوقت لتوفير التمويل اللازم لعمليات البحث و التنقيب وهى الحجة التى تقال : نحن نلجأ للشركات الأجنبية من أجل توفير نفقات التنقيب العالية . الاسلام ليس حكرا على أحد والله من فوق سبع سموات يراقبنا جميعا ” ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ” يونس 14
وعندما حكم الاخوان المسلمين لمدة عام ويقولون هذه مدة قصيرة ، والواقع إن عاما واحدا فى زمن الثورات ليس قصيرا أبدا . نعم إن عاما واحدا لا يكفى لنقل البلد من حال إلى حال ، ولكنه يكفى لتوضيح التوجهات الأساسية السليمة والسير فى طريقها والاعلان عن هذه التوجهات . لم يعلن حكم الاخوان عن قرار واحد يمكن أن يوصف بأنه يتعلق بالتوجه الاسلامى الذى دعوا له طول عمرهم . إن اتخاذ قرار بجمع الزكاة لا يحتاج إلا لدقيقة واحدة ، وتشكيل هيئة لمتابعة ذلك لا يحتاج إلا لأيام قليلة أو أسابيع ، والمهم أن الناس ستطمئن وتتشجع ويمكن أن تنتظر . وسنأتى لهذه الحقبة القصيرة الطويلة . ولكن لابد من الربط بين الماضى والحاضر والمستقبل لمعرفة حقيقة موقف الاخوان الحقيقى من الحل الاسلامى . وهذا هو منهجنا فى التحليل لا مجرد السرد أو النقد . وسنوضح لاحقا لماذا تجاهل حكم الاخوان لمدة سنة تطبيق الركن الخامس من أركان الاسلام ، ومصر لا تفتقر لقيادات ودعاة وأزهريين يعرفون كيف يجمعون الزكاة وقد تعلم الاخوان أنفسهم كيف يجمعون الزكاة فى المساجد كما قال لى المستشار مأمون الهضيبى وكما كنت ألاحظ بنفسى . أكتفى الآن بذكر حقيقة أن د. مجدى قرقر أمين عام حزب الاستقلال أى العمل بعد تغيير اسمه وكان عضوا فى مجلس الشعب بذل جهدا كبيرا لإقناع الاخوان بوضع تنظيم أداء فريضة الزكاة فى الدستور الذى كان يصاغ فى مجلس صياغة الدستور ، ولكنهم رفضوا بحزم . هل كانوا يفكرون بعقلية مأمون الهضيبى عندما قال لى : اتركوا لنا الزكاة نجمعها من المساجد ، بدون النظر لأهمية إلتزام المجتمع بأسره بهذه الفريضة حتى لاتفلت من أيديهم ، بينما هى هكذا ستتحول إلى أداة مالية لتمويل التنظيم أو بالحد الأدنى وسيلة لكسب قلوب الفقراء . أم كان هذا الموقف بسبب تخوفهم من الرافضين للحل الاسلامى داخل مصر وخارجها ، وهم يريدون تجنب المشكلات قدر الامكان لتثبيت وجودهم فى السلطة .
أكتفى بهذه العينة من الممارسة تحت القبة ، وأنطلق إلى وقائع حدثت أثناء تلك الفترة من 1988 – 1990 فى العلاقات والحوارات والمناقشات مع الاخوان …
– 5 –
حركة البشير والترابى و التنظيم الدولى للاخوان
فى فترات الاستراحة فى جلسات مجلس الشعب تكون هناك فرصة لإجراء حوارات ثنائية عديدة فى البهو الفرعونى أو حتى داخل قاعة المجلس وفى إحدى المرات جرى حديث بينى وبين الدكتور عصام العريان حول التطورات فى السودان عندما وقع انقلاب البشير عام 1989 .. وهاجم العريان د. حسن الترابى بضراوة ووصفه بأنه متعطش للسلطة وسيدفع ثمن ذلك وسيورط حركته وبلاده فى مشكلات عديدة . لم أوافقه على ذلك فقد كنا فى حزب العمل نتعاطف مع الجبهة الاسلامية القومية بقيادة حسن الترابى ونتمنى لها الخير ونتفهم ظروف الانقلاب العسكرى حيث كان نظام الصادق المهدى ينهار ، وكانت عدة فرق سياسية مختلفة داخل الجيش تفكر وتعد للانقلاب عليه ، وكانت قوات المتمردين الجنوبيين بقيادة جون قرنق تتقدم وتقترب من الخرطوم . كان سقوط نظام الصادق المهدى زعيم حزب الأمة وشيكا بانقلاب عسكرى ، فرأت الجبهة الاسلامية القومية أن تكون هى المبادرة فحركت جناحها العسكرى بالجيش بقيادة البشير وكان ما كان . ولا أريد الخوض فى تجربة السودان التى انتهت إلى الفشل ، وتغير موقفى منها قبل سقوطها بعشر سنوات فعارضت حزب الترابى ثم عارضت البشير ، فهذا له مكان آخر . ما يشغلنى فى فهم وتقييم طريقة الاخوان المسلمين المصريين فى التفكير وهو مرض شائع فى معظم فروع التنظيم فى العالم الاسلامى ، أن يكون النظر إلى الأحداث من وجهة نظر التنظيم وما يسمى مصلحة التنظيم التى تساوى مصلحة الدعوة ثم تساوى مصلحة الاسلام ثم تصبح هى الاسلام !! كان الاخوان المصريون ضد حسن الترابى وضد الجبهة القومية الاسلامية التى تأسست علنا عقب الاطاحة بنظام جعفر نميرى فى 6 إبريل 1985 . وقد سافرت إلى الخرطوم لمتابعة أحداث الثورة وتوثقت علاقتنا بالدكتور حسن الترابى والتقيت به عدة مرات فى هذه المرة وفى زيارات عدة لاحقة ، ولكننى كنت حريصا على مقابلة جميع الفرقاء والأحزاب وأحترم الجميع ، وأرى أن مصر يجب أن تتعامل وتتعاون مع كل السودان.
فيما يتعلق بموضوعنا فقد علمت بالتفصيل قصة إنشقاق الجبهة الاسلامية القومية عن تنظيم الاخوان السودانى . والشائع فى إعلامنا خطأ أن جماعة الترابى هى جماعة الاخوان فى السودان . ولابد من تصحيح هذه الوقائع حتى نفهم السودان بشكل جيد وحقيقى . كان انشقاق الجبهة الاسلامية القومية عن الاخوان انشقاقا فريدا فقد كان إنشقاقا للأغلبية على الأقلية بل والأغلبية الكاسحة التى تزيد عن 80% ، ولذلك بدا أنه انشقاق عن التنظيم الدولى للاخوان . ولكن أقلية صغيرة رأت الاستمرار باسم الاخوان المسلمين – فرع السودان و أن تظل تابعة للتنظيم الدولى للاخوان . كانت أقلية ضئيلة إلى حد أنه لم يكن لهم أى وجود يذكر فى الانتخابات التشريعية للبرلمان ولا فى البرلمان عام 1986 . حديثى مع الدكتورحسن الترابى فى عام 1985 مهم للغاية لأنه يكشف طبيعة تنظيم الاخوان على المستوى العام العالمى ، وهو ينعكس بشكل قطرى داخل كل بلد على حدة ، فهى مدرسة واحدة . روى لى الترابى كيف ” أن التنظيم الدولى كان يتدخل فى كل صغيرة وكبيرة فى عملنا ويقول لنا ماذا نفعل ولا نفعل فى السودان ، وقلنا لهم إنكم لا تفهمون شيئا فى أمور وشئون السودان فكيف تصدرون توجيهات لنا . وقلنا لهم إننا نرفض هذه العضوية ، ولسنا أعضاء فى تنظيم الاخوان “.
وتعليقى على ذلك انها نقطة فى منتهى الأهمية وقد كتبت عنها فى كتابى ” سنن التغيير فى السيرة النبوية” – المركز العربى للدراسات – القاهرة 2009
فكرة التنظيم الدولى كتنظيم قيادى مركزى فكرة فاشلة فى تاريخ الحركة الاسلامية والتاريخ الاسلامى عموما . ولكن إذا ركزنا على تجاربنا المعاصرة فهى فاشلة بالتأكيد . إذا كان الهدف الأول للحركة الاسلامية هو إقامة النظام الاسلامى فقد فشل التنظيم الدولى للاخوان فى إقامة دولة اسلامية واحدة فى كل ربوع العالم الاسلامى من المغرب حتى ماليزيا واندونيسيا على مدار 95 عاما . رغم تواجد تنظيم .
الاخوان فى معظم البلاد الاسلامية .
تجربة السودان فى عهد البشير- الترابى لم تكن اخوانية وكان الاخوان معارضين لها ، ولكنها بعد أن استقرت رأى الاخوان فى السودان أن يشاركوا فيها وأصبح لهم وزير أو اثنان . الجبهة الاسلامية القومية لم تكن مجرد إنشقاق تنظيمى عن التنظيم الدولى بل كانت إنشقاقا فكريا أسس لخط مغاير وكنا فى حزب العمل نراه مماثلا أو قريبا للخط الذى نتبناه .
الاخوان المسلمون كانوا معارضين للتجربة الماليزية الناجحة بقيادة مهاتير محمد .. كما ذكرت ليس لهم فى الطيب نصيب.
التواجد الإخوانى فى حركة المجاهدين ضد الاحتلال السوفيتى تمثل فى برهان الدين ربانى قائد الجمعية الاسلامية و عبد رب الرسول سياف زعيم الاتحاد الاسلامى وقد فشلا خاصة ربانى فى علاج الموقف بعد رحيل السوفيت وساهما فى ضياع وتدمير أفغانستان حتى جاءت حركة طالبان من خارج هذه الحركة الاخوانية وحكمت أفغانستان وأطاح بها الغزو الأمريكى عام 2001 ثم هزمت الاحتلال الأمريكى عام 2020 وعادت مرة أخرى للسلطة.
بالنسبة لتركيا فإن الاعلام الرسمى يقوم بدعاية للاخوان عندما يروج لأن حزب العدالة والتنمية حزب الاخوان التركى ، لأن التجربة التركية مع اختلافى معها لها جوانبها الايجابية فى المجال الاقتصادى والصناعى خاصة ، وتتسم بسعة الأفق وسعة الحيلة ، وإن كانت تجنح إلى البراجماتية خلال ذلك ولكنهم على الأقل يفهمون فى السياسة على خلاف إخوان مصر . كذلك فإن الحقائق التاريخية الدقيقة تقول إن تنظيم الاخوان التركى التابع للتنظيم الدولى كان محدودا وصغيرا وقد علمت بذلك خلال ترددى على تركيا وذكر لى إخوان مصر أسماء قياداتهم ولكننى لم ألتق بهم .وكان ذلك خلال حكم نجم الدين أربكان ، وأعتبر تجربة أربكان وحزب الرفاه ناجحة رغم ما تعرضت له من الجيش الأتاتوركى الذى حل الحزب فى النهاية . وحزب الرفاه لم يكن جزءا من تنظيم الاخوان وكان صاحب فكر راجح ، وكنا نعول عليه كثيرا ، وربما سنعود إلى هذه التجربة فى هذه الدراسة أو خارجها لتقييم الحركة الاسلامية فى تركيا . ولكن ما يهمنا الآن أن حزب العدالة والتنمية خرج أو انشق بشكل واسع من الرفاه و قام بتجربته المستمرة حتى الآن , بينما ظل حزب السعادة الحالى حزبا صغيرا استمرارا لفكر أربكان الذى لم يقبل المناوررة الواسعة التى يقوم بها حزب أردوجان فى إطار العلمانية . والتنظيم الاخوانى القح الذى سمعت عنه لعله اندثر تماما فى إطار هذه التجربة العريضة للرفاه ثم العدالة والتنمية .
وفى النهاية لايوجد اسلامى فى المراحل السابقة لم يتأثر بفكر وتجربة حسن البنا وسيد قطب ، ولكن تسمية كل الاسلاميين اخوان غير صحيح وغير دقيق ، ويعطى للاخوان حجما تنظيميا أكبر من الحقيقة . بالتأكيد فإن حزب العدالة والتنمية ليس فى التنظيم الدولى للاخوان المسلمين ، ولكنه راهن على إخوان مصر بشكل خاص فى إطار تصوره للتمدد داخل مصر كقطر محورى ومهم وأساسى فى المنطقة . أرى أن التجربة التركية ليست مبهرة عموما ولكنها مبهرة فى بعض جوانبها التنموية الاقتصادية والتصنيعية خاصة مع التوجه للصناعات الحربية . ولكنها فى رأيى ليست تجربة اسلامية رائدة ، بل هى معرضة للاندثار سواء نجح أردوجان فى الانتخابات القادمة أم لا . وإن كان هو أفضل من المعارضة الأكثر تغربا وتوجها للغرب وأمريكا .
( كتبت هذه السطور قبل الانتخابات التركية الأخيرة وقد فاز فيها أردوجان ولكنه تراجع فى الانتخابات المحلية )
لن تنجح تجربة أردوجان إلا إذا توقفت عن اللعب على الحبال وأن تنسحب من الناتو وأن تنضم لمحور المقاومة وتتوقف عن الإيغال فى التطبيع مع اسرائيل وأن تعود لموقفها السابق : صفر مشاكل مع سوريا والعراق واليونان وأرمينيا ومصر وكل الجيران وكل دول المنطقة العربية .
كذلك لم يتمكن الاخوان المسلمون من حكم مصر وفشلوا فشلا ذريعا هم المسئولون عنه فى المقام الأول . وتجربة حكمهم لمصر خلال عام لا تمت للمشروع الاسلامى بأى صلة ولايمكن اعتبارها تجربة اسلامية ، وهذا من أسباب سقوطها السريع لأنها أرادت أن ترضى الجميع وتخدع الجميع فخسرت الجميع وخرجت بدون قرار واحد صغير يمت للاسلام بصلة ، حتى وإن كان منع الخمور أو تقييدها ومنع الملاهى الليلية بل قدموا لها تسهيلات بجعل الترخيص كل 3سنوات بدلا من كل سنة .
كل هذه الاشارات من أجل تأكيد معلومة أن الاخوان لم ينجحوا فى إقامة نظام سياسى ولم يحكموا فى أى بلد اسلامى بصورة مستقرة . رغم أنهم شاركوا فى بعض الحكومات الائتلافية فى فترات مختلفة فى الجزائر بالتعاون مع الانقلاب الدموى ضد جبهة الانقاذ الاسلامية الذى أفضى إلى مقتل 200 ألف جزائرى . وفى اليمن فى عهد على عبد الله صالح وفى الأردن فى عهد الملك حسين وفى المغرب مؤخرا كانت لهم تجربة مخزية أضاعت سمعتهم وشعبيتهم ، حيث تم التطبيع مع اسرائيل وهم يشكلون الحكومة . وفى تونس فشلوا ويجددون فشلهم كل يوم ، وفى ليبيا يشاركون فى الحكم بالتعاون مع أمريكا والغرب الذى يعترف بحكومة طرابلس كحكومة شرعية . وفى اليمن الآن يقاتلون الحوثيين تحت إمرة السعودية التى تعادى إخوان مصر ! وفى العراق شاركوا فى حكومة بريمر الحاكم العسكرى الأمريكى .
تجربة الاخوان فى كل بلد عربى تحتاج إلى مبحث مستقل ولكننى لن أتعرض فى هذه الدراسة إلا لتجاربى المباشرة ولذلك سيكون تركيزى على مصر ، ولكن سأعود للملفات العربية وفقا لتجاربى المباشرة مع اخوان العرب . وأنا أشير فحسب الآن إلى فشلهم فى إقامة نظام سياسى أو حكم أى بلد إسلامى .
ولكن كما ذكرت فى كتابى سنن التغيير فإن حماس الفلسطينية هى الفصيل الوحيد الذى نجح فى جماعة الاخوان المسلمين بسبب تفاعله مع القضية الفلسطينية بشكل صحيح ، وبسبب تولى جيل جديد للقيادة وعزل القيادة التقليدية للاخوان بشكل سلس وبدون مشكلات ، ويبدو أن الواقع الفلسطينى والوقوع تحت الاحتلال ساعد على إنضاج التجربة. ولكن نجاح حماس هو فى تحرير غزة وتطوير الجهاد الفلسطينى ضد الاحتلال وليس فى إقامة دولة اسلامية ، ولا أعتبر أن إدارتهم لغزة تمثل دولة اسلامية ، وهم حريصون على تأكيد بعد التحرر الوطنى لتجميع كل الفصائل حول قضية مواجهة الاحتلال وتطوير الآلة الحربية للمقاومة. ولا أستطيع أن أقيم تجربة الإدارة المحلية لقطاع غزة ، لأننى لم أركز على ذلك خلال زياراتى ولا خلال متابعتى لغزة فينصب اهتمامى على قضية المقاومة . ولكن أرى بشكل عام أنها نجحت فى الإدارة . ولكننا موضوعيا بالتأكيد لسنا إزاء دولة أو دويلة اسلامية . وربما تورطت حماس فى بعض الأخطاء تجاه مصر فى أواخر عهد مرسى وفى الصراع الداخلى المصرى ، ولكنها سرعان ما تراجعت وفقا لمعلوماتى . وفى هذا السياق فإن حماس أعلنت أنها منسحبة من التنظيم الدولى للاخوان ، وهذا جيد وإن تصور البعض أنه تكتيك ومناورة لتخفيض التوتر مع مصر وغيرها من الحكومات المعارضة بشدة للاخوان . ولكننى أتصور أن موقف حماس أقرب إلى الواقع والحقيقة منه إلى التكتيك والمناورة . فمن واقع معرفتى بحماس أتصور أنها كانت دوما مستقلة عمليا فى القرار عن التنظيم الدولى ، وترى أنها أعرف بشئونها الفلسطينية وكانت لها ملاحظات انتقادية على ممارسات الاخوان فى مصر خاصة فى مرحلة حكم مبارك . ولكن حماس ليست فى وارد أن تنتقد التنظيم الاخوانى علنا ولا حتى مجمل الأنظمة العربية لأنها تركز على القضية الفلسطينية ، وهذا صحيح من وجهة نظرى . وأتصور أن علاقة حماس كانت مع التنظيم الدولى ولا تزال فى إطار تلقى الدعم للقضية الفلسطينية وهذا ضرورى ومشروع ، وكذلك تفعل حماس مع مختلف الدول والتنظيمات فى البلاد العربية والاسلامية وهى محقة فى ذلك . وطالما سارت حماس فى طريق الجهاد والكفاح المسلح وعدم الاعتراف بالكيان الصهيونى وعدم التعامل مع الولايات المتحدة فهى ستظل تبعد بصورة متزايدة عن التجربة الاخوانية العامة فى المنطقة التى تتجه فى تقديرى للإنزواء ، وفشلها الذى حدث فى مختلف البلاد العربية والاسلامية كان حتميا لأسباب كثيرة على رأسها الارتباط الاستراتيجى بأمريكا والغرب .
عودة إلى الخلاف بين الاخوان والنظام الاسلامى للترابى
نواصل الحديث عن الوضع السياسى فى السودان ولكن لا أريد التوسع فى ذلك حتى لا أخرج عن موضوع الدراسة ولكن أشير سريعا إلى أن معرفة النخبة المصرية بحقيقة أوضاع السودان التاريخية والجغرافية والسياسية والقبلية جد محدودة وهذه من المثالب التى تقع فيها النخبة من الحكام والمحكومين ، و هذا من ضمن الاعوجاج الرئيسى فى حركة النخبة المصرية ثقافيا وسياسيا ، و أدعو دوما لتجاوزه لأن العلاقة بين مصر والسودان مصيرية على الأصعدة كافة وليس بسبب رباط نهرالنيل فحسب .
راجع كتابى : مصر والسودان : التمرد . الحصار . الإنقاذ – المركز العربى الاسلامى للدراسات – القاهرة – الطبعة الثانية – 1997
نتناول هنا من هذه القصة ما يهمنا لفهم جوهر تنظيم الاخوان وكيف يفكر ؟ ماهو الخلاف بين تجربة الجبهة الاسلامية القومية ثم نظام الانقاذ والتجربة الاخوانية ؟
نتبين أولا المسألة التى تبرز لنا فى كل موضوع وكل منحنى .. وهى تقديس التنظيم ، قداسة تنظيم الاخوان هى المحور الذى تبنى عليه سائر المواقف . وبالتالى فإن إخوان مصر عادوا تجربة السودان الاسلامية لأنها انشقت على التنظيم الدولى ، وهذه فى حدذاتها جريمة لا تغتفر . وهم يفضلون أن يبقى تنظيم صغير بقيادة الصادق عبد الماجد يرفع راية اسمها الاخوان المسلمون ولكنها راية لايراها أحد فى السودان . وربما هذا من أهم أسباب عدم مقابلتى للسيد الصادق عبد الماجد الذى توفاه الله منذ سنوات .. بينما قابلت كل رموز السودان : الترابى – البشير – الصادق المهدى – الميرغنى الذى أصبح رأس الدولة – سوار الذهب وقابلت كثيرين من مختلف الفرق حتى تجمع جنوب السودان الذى كان فى الخرطوم بعد ثورة 1985 المرتبط بجون فرنق . كنت حريصا على فهم السودان فى زياراتى المتعددة وكنت أذهب إلى أبعد مكان لمقابلة شخصية مستقلة ، ولم أتعمد عدم مقابلة الاخوان السودانيين ولكن المشغوليات فى الأمور المهمة جعلتهم خارج جدول الأعمال بدون قصد ، فهم فعلا خارج الصورة .
الخلاف الثانى بين الجبهة الاسلامية القومية واخوان مصر يتضح فى أن السودانيين أكثر ثقافة وأكثر دراية بالعمل السياسى ، ولديهم كوكبة من المثقفين والمفكرين على رأسهم حسن الترابى ، وبالتالى لم تكن حركتهم تقليدية ، ومنغلقة على ما يسمى أمور الدعوة . وهذا فارق جوهرى ينعكس على كثير من الأمور .
ثالثا : ان استهداف الوصول للسلطة ليس عيبا فى حد ذاته والمفترض أن كل قوة أو حركة سياسية تستهدف الوصول للسلطة ولا تخفى ذلك وهذه ليست جريمة أو منقصة , بالعكس فإن حركة الاخوان فى مصر ولطالما قالت أنها لا تسعى للوصول للحكم وأنها تريد أن يطبق الاسلام فى البلاد فحسب ، ولطالما قالوا لى إذا طبق مبارك الاسلام فنحن معه ومن خلفه . وكنت أرى دوما أن هذا نوع من المكر ، وإذا لم يكن مكرا فهو السذاجة فى أعلى صورها . فكيف يمكن لمبارك أن يطبق الاسلام هو ومن معه يمتلكون ثقافة اسلامية محدودة . وإذا كان الاخوان لا يستهدفون حقا الوصول للسلطة فلماذا يشاركون فى انتخابات تشريعية ؟
رابعا : كانت من نقاط الالتقاء بيننا وبين الجبهة الاسلامية القومية أنه ليس لديها حساسية من التيار القومى أو الأنظمة العربية القومية كنظامى سوريا والعراق فى ظل حكم البعث . وقد وقف نظام الانقاذ مع النظام العراقى ضد الغزو الأمريكى منذ أزمة 1991 وكان هذا موقفنا رغم اعتراضنا على غزو الكويت ، ولكن كنا نرفض أن يكون الحل فى يد أمريكا .
راجع موقفنا فى دراسة :أزمة الخليج وحرب الأفغان بين أحكام القرآن وفتاوى السلطان – مجدى أحمد حسين – الطبعة الثالثة – 2004 – لحساب المؤلف
وأذكر أننى سافرت للخرطوم عام 1991 وقابلت د. حسن الترابى وكان متفقا معنا تماما فى موقفنا من أحداث أزمة الكويت . وكانت تجربة الانقاذ فى النصف الأول من عمرها الذى امتد 30 عاما تقريبا مع كل الأنظمة العربية المعارضة للوجود الأمريكى والنفوذ الصهيونى . ومع ذلك فقد كانت منفتحة للعلاقات مع كافة الدول العربية ومن بينها مصر والأردن ودول الخليج .
خامسا : لم يكن حسن الترابى يحمل وجهة نظر إيجابية تجاه إيران ولم أستطع تبين أبعاد هذه العلاقات ، التى لم تزدهر إلا لفترة وجيزة خلال حكم الرئيس أحمدى نجاد وكان قد زار الخرطوم ومن قبله قام الرئيس رافسنجانى بزيارة السودان واستقبل استقبالا حافلا . ولكن ظلت العلاقات الثنائية متعثرة ربما على خلفية مذهبية .
سادسا : كان لحكم الانقاذ وهو اسم حكم البشير والترابى توجه نحو الاستقلال الوطنى فى السياسة والاقتصاد ولازلت أتحدث عن النصف الأول ،أو بالأحرى الثلث الأول إذا أردنا الدقة : 1989 – 1999. أوقف النظام التعاون مع شركة البترول الأمريكية شيفرون التى كانت متلكئة فى التنقيب عن البترول ، وتعاون مع الصين فى التنقيب والانتاج ومد خطوط أنابيب البترول وإنشاء معمل تكرير بإدارة فنية صينية . كان التعاون مع الصين مفتوحا ومتطورا وهذه ليست عقلية إخوانية تقليدية .
وسنعود للتجربة الاسلامية السودانية ولماذا فشلت فى النهاية رغم البداية الواعدة لأننى اعتبر السودان جزءا لا يتجزأ من مصر أو أن البلدين بلد واحد منذ فجر التاريخ . وليست كل تجربة اسلامية هى اخوانية ، ففى تقديرى أن تجربة الاخوان انتهت فى السودان فى أواسط الثمانينيات من القرن العشرين أى منذ انشقاق الجبهة الاسلامية القومية عن التنظيم الدولى للاخوان . أم وصف كل حركة اسلامية بأنها اخوانية فهذا يكبر من وزن الاخوان بدون داع.
فى تلك المرحلة الأولى خاصة فى السنوات العشر الأولى توثقت علاقة حزب العمل وعادل حسين بالانقاذ ، وكانوا يستمعون لنصائح عادل حسين فى المجال الاقتصادى وفى المجال الاستراتيجى وأهمية تحسين العلاقات مع مصر وتجاوز ما وقع من خلافات بين النظامين . وكان عادل حسين يحرص على توضيح رؤيته فى هذا المجال مع رموز النظام المصرى كعمرو موسى وزير الخارجية ، وأسامة الباز مستشار الرئيس مبارك ، وكذلك قمت بإجراء حوار مع أسامة الباز فى إحدى المرات بمقر وزارة الخارجية بميدان التحرير حول ذات الموضوع : أهمية تحسين العلاقات المصرية السودانية فى ظل الانقاذ . واستمع إلى مليا وباهتمام بدون أن يقاطعنى أو يعلق وكان هو الذى دعانى إلى اللقاء بعد اللقاء مصادفة فى إفطار رمضانى لدار الشروق فى فندق كبير قريب من ميدان التحرير . ركزت فى حديثى على أن حكم الانقاذ للبشير والترابى هو أقرب الأطراف لمصر والمصالح المصرية . أما الطرفان الرئيسيان الآخران فهما حزب الأمة وهو حزب سمعته التاريخية أنه انجليزى ، وغربى الهوى ، وضد الوحدة أو التقارب مع مصر . أما الحزب الاتحادى الذى تعتمد عليه مصر باعتباره كان مؤمنا تاريخيا بالوحدة أو التقارب مع مصر ، فهو فى حالة إضمحلال تنظيمى وجماهيرى شديد .
وسأتناول فيما بعد إتهام السودان بالضلوع فى حادث أديس ابابا عام 1995 . وإن كان موقفنا مسجل فى كتابى : مصر والسودان – مرجع سابق . مع إدانتنا الحاسمة للحادث لحظة وقوعه وقد أذاع التلفزيون المصرى بيان الحزب نقلا عن جريدة الشعب وكان التلفزيون لا يأتى أبدا فى ذلك الوقت على ذكر ” الشعب ” أو حزب العمل !!
– 7 –
مؤتمر حزب العمل والتحول الرسمى للاتجاه الاسلامى
من أهم الأحداث فى تاريخ التحالف بين حزب العمل والاخوان ما حدث عام 1989 عندما انعقد المؤتمر الخامس للحزب والذى تم فيه إعلان التحول الرسمى للتوجه الاسلامى وتحت عنوان : إصلاح شامل من منظور اسلامى . وقد شهد المؤتمر حالة من الاستقطاب الشديد بين التيار العلمانى الذى سمى نفسه التيار الاشتراكى والتيار الاسلامى وكان تيارا أصيلا داخل الحزب من خلال عملية التحول الاسلامى الذى بدأ كما ذكرنا منذ 1983 ، ولكن لا شك أنه كانت هناك نسبة من العضوية من أصل اخوانى ، وقد كنا نعول على استيعابها داخل الحزب بصورة حقيقية ، بل امتدت أحلامنا إلى أكثر من ذلك : استيعاب مجمل تنظيم الاخوان فى إطار الحزب أى فى إطار امتزاج التنظيمين معا وليس من خلال سيطرة أحد الطرفين على الآخر .
كما ذكرت فإن حزب العمل بدون مبالغة أو فخر هو الحزب الوحيد فى البلاد الذى كان يجرى انتخابات حقيقية على مواقع الحزب وعلى رأسها اللجنة التنفيذية للحزب ، وقد دفع ثمن ذلك كثيرا ، وهذا ثمن الديموقراطية ، ولم نكن نادمين على ذلك .
آلية الاستقطاب فى العملية الانتخابية أدت إلى تبلور قائمتين منفصلتين تماما وتحولت الانتخابات وكأنها انتخابات بالقائمة المطلقة ، إما أن تنجح هذه أو تلك ، ووقف ابراهيم شكرى صراحة مع التوجه الاسلامى . وبالتأكيد أيضا حلمى مراد وعادل حسين . وكانت القائمة من 45 عضو وهو عدد أعضاء اللجنة التنفيذية . وقد أدى هذا الاستقطاب إلى تفجير الحزب بعد أن فازت القائمة الاسلامية وكان من الواضح ان السلطات تحفز القائمة الأخرى التى سمت نفسها اشتراكية . فى حين لم تكن القائمة الاسلامية ضد الاشتراكية والخلاف كان حول المرجعية الاسلامية أم العلمانية . ووعدت السلطات القائمة العلمانية بأن تسلمها الحزب . فادعى العلمانيون – بعد أن أعلنوا فى البداية اعترافهم بنتائج الانتخابات وهنأوا الفائزين – أن الانتخابات مزورة بدون أى دليل ، وبدأت عملية الصراع حول المقرات ، وإن كان الصراع الأساسى حول مقر الحزب الرئيسى فى حدائق القبة . وقد ظهر تعاطف الأمن الصريح مع العلمانيين فى عملية اقتحام مقر حدائق القبة حيث تم استخدام البلطجية بينما وقفت عناصر أمن الدولة تشرف على العملية وهم ضباط معروفون لنا جميعا . وكانوا لا يخفون أنفسهم بل يقولون لأعضاء الحزب الذين أصيبوا فى هذه العملية ” علشان تبقوا تقولوا شاوشيسكو ” فى إشارة إلى مقال أخير للأستاذ عادل حسين وكان بعنوان : التغيير أو شاوشيسكو . فى إشارة إلى الإطاحة بشاوشيسكو رئيس رومانيا فى ثورة شعبية ثم إعدامه . وكان المنشقون قد سيطروا على المقر عدة أيام بقوة السلاح إلى حد استخدام مسدسات . ولكن شباب الحزب استعاد المقر بأسلوب هادىء مباغت وسلمى فى يوم جمعة . وكنت حينئذ لا أزال أمينا للشباب وقررنا إقامة دورة تثقيفية لحماية المقر فى ذات الوقت ، فجاءت هذه الغارة التى استعانت ببلطجية استخدموا أسياخ حديد وزجاجات بنزين ومولوتوف وأحرقوا المقر وأصابوا العديد من شباب الحزب بإصابات حادة احتاجت للعلاج بخياطة عدة غرز وكنت من بين المصابين . وتسجيل هذه الواقعة مهم لأنه يكشف خطورة تدخل الحكومة فى الحياة الداخلية للأحزاب تحت إشراف ما يسمى لجنة الأحزاب وهى لجنة حكومية تعطى الرخصة للحزب السياسى . وقد استخدمت هذه اللجنة فيما بعد لتجميد حزب العمل بدون إعطاء الرخصة للطرف الآخر . وقد تكرر هذا الأمر مع أحزاب صغيرة ولكن حزب العمل هو الحزب الكبير الوحيد الذى استخدمت معه هذه الوسيلة وكان ذلك عام 2000 . ولكن ظل مقر الحزب فى حدائق القبة فى يد المنشقين حتى نهاية عمر حزب العمل ، واستخدم الانشقاق كوسيلة لإبتزاز الحزب والضغط السياسى عليه
.
موقف الاخوان
كان من مصلحة الاخوان المسلمين الحفاظ على حزب العمل فى هذه المرحلة لأنه الوعاء الذى دخلوا من خلاله لمجلس الشعب ، فقدموا كل المعونة الممكنة . وكما قلنا دوما فإن التحول الاسلامى للحزب كان عملية من صميم الحزب نفسه وبدأت كما أوضحنا عام 1983 وبتشجيع من رئيس الحزب ابراهيم شكرى . ولكن مع التحالف مع الاخوان لم يكن لدينا مانع من استكمال بعض لجان الحزب فى المواقع الفارغة أصلا من أى عضوية للحزب من عناصر اخوانية . وكان تصورنا ليس تسليم الحزب للاخوان كما قيل فى الاعلام كثيرا ، ولكن القيام بعملية إمتزاج حقيقية ومخلصة وإعادة تأسيس حزب جديد فى واقع الأمر من عناصر الطرفين بغض النظر عن حجم كل طرف فى المواقع المختلفة . وهى ليست عملية امتزاج تنظيمى فحسب بل هى بالأساس عملية إمتزاج فكرى وسياسى وعقائدى . كنا نرى أن حزب العمل يقدم مكونات ثقافية سياسية والاخوان يقدمون عناصر مؤهلة أكثر فى مجال التربية الدينية . وكنا نرى أيضا أن عملية الفرز هذه قد تؤدى إلى تخصص تنظيم الاخوان فى التربية والدعوة وتحول حزب العمل إلى تنظيم يمثل الجناح السياسى للحركة الاسلامية . وكل هذه الأفكار لم تخطر على بال قيادة الاخوان المسلمين ، وإن علموا بها يرفضونها تماما . وقد كان للاخوان تجارب فاشلة فى هذا المجال لأن قيادة الاخوان جبلت على السيطرة المطلقة ولاتقبل بحزب سياسى مستقل لا يخضع لهيمنتها فى كل صغيرة وكبيرة . أشهر هذه التجارب الفاشلة تجربة حزب الجبهة الاسلامية فى الأردن الذى تم تأسيسه كجناح سياسى لحركة الاخوان المسلمين ، ولكن ظلت حركة الاخوان لا تسمح له بالممارسة الحرة وتسعى دوما للسيطرة عليه . وبالتالى تعرضت التجربة بجناحيها للتخبط والفشل . وتكرر هذا الفشل لهذه التجربة أى تجربة الفصل بين الدعوة والعمل السياسى فى مصر مرتين ، حيث رفض الاخوان تجربة حزب الوسط رغم أنه كان خارجا من صلب الاخوان وكانت هناك رؤية مؤيدة لذلك من داخل الاخوان بقيادة محمد مهدى عاكف . وهو ما أدى إلى انشقاق مجموعة حزب الوسط التى أسست حزبا مستقلا وعادى الاخوان لفترة طويلة ولكنه عاد للتقارب معها ومع منهجها فى النهاية حتى الآن . ويتصور البعض أنها كانت تمثيلية بين الاخوان والوسط ولكن لم يكن الأمر كذلك أبدا وقد كنا قريبين جدا من هذه التجربة وكنا نتابع الموقف يوما بيوم . وقد ظل حزب الوسط تنظيما مختلفا ولكنه لم يتجاوز جذور منهج الاخوان . وفى معترك الأحداث عاد الطرفان للتقارب خلال ما بين 2012 و2014 . والتجربة الفاشلة الثانية كانت حزب الحرية والعدالة الذى كان انفصاله عن الاخوان شكليا وكان يدار بالريموت كنترول من تنظيم الاخوان ، ففشل الاثنان معا . وهناك محاولة فاشلة رابعة فى المغرب وربما أكثر .
كانت فكرتنا أن يكون الانفصال بين تنظيم الدعوة والجناح السياسى للحركة الاسلامية حقيقيا وليس على سبيل المناورة والتكتيك بمعنى أن تنتهى العلاقة التنظيمية فعلا بين تنظيم الدعوة والحزب السياسى الاسلامى ، ليس لحماية الدعوة من الضربات السياسية فحسب ولكن أيضا ليقوم الحزب السياسى بدوره فعلا بناء على معرفة حقيقية بالعمل السياسى وما يتصل به من ثقافة سياسية وفقه سياسى وفقه اقتصادى . وإذا كانت الحركة الاسلامية ناضجة وقوية من الناحيتين الفكرية والفقهية فهى لا تخشى الخلافات التى يمكن أن تنشأ فى التصورات بين الطرفين ويمكن لمجلس شورى حقيقى أن يبلور المواقف الفقهية الصحيحة التى توجه الحركة السياسية , ولكن حركة الاخوان لا تعتمد على قوة الفكر وعمق ونضج التصورات ، ولكن على القبضة الحديدية التنظيمية أو ما يسمى زورا وبهتانا : السمع والطاعة . وكما ذكرت فى كتاب سنن التغيير فى السيرة النبوية ان حماس هى الفرع الوحيد الذى تجاوز هذه الأزمة لأن جيلا جديدا تولى قيادة التنظيم وكان جيلا متمرسا بالسياسة ، وخرج من عباءة التنظيم التقليدى للإخوان ، ولكن إلى حد زوال البنية القديمة للتنظيم ، وأصبحت القيادات القديمة مجرد دعاة أفراد مرتبطين بالحركة . وبالتالى لم يحتاجوا لإيجاد صيغة الفصل بين الدعوة والحركة السياسية ، ويرجع نضج هذه الحركة من وجهة نظرى إلى الواقع الفلسطينى الأكثر تطورا من باقى الساحات العربية ، وتبلور الرؤية حول العدو الرئيسى بل والوحيد وهو الكيان الصهيونى
.
موقف الاخوان من معركة المقر
إذا عدنا لمعركة مقر الحزب الرئيسى فى حدائق القبة وهى ليست معركة مهمة فى حد ذاتها ولكن أشرت إليها من زاوية تورط أمن الدولة فيها بشكل مباشر . وهو ما ننصح بعدم تكراره مستقبلا وضرورة وضع ضوابط قاطعة تحكم العلاقات بين الأمن والأحزاب السياسية . أيضا هناك نقطة أخرى تتعلق بالاخوان . حرصت وقد كنت مسئولا عن معركة استعادة مقر الحدائق كأمين شباب أن استبعد أى عناصر اخوانية من هذه العملية ، رغم أنها كانت عملية سلمية تماما ، فقد دخلنا المقر يوم الجمعة وكان به 3 أو أربعة من المنشقين وصرفناهم بهدوء . ثم أقمنا نوعا من المعسكر أو الدورة التثقيفية لنستمرفى المقر لعدة أيام . وأقمنا صلاة الجمعة به . وكان كل المشاركين أعضاء أصلاء فى حزب العمل . وعقب الهجوم المضاد الذى أشرت إليه آنفا قررنا عدم المحاولة من جديد ، لأن الأمن ظهر أنه متحيز تماما للمنشقين . ولا نريد أن نحول الأمر إلى عمليات عنف وعنف مضاد ، وشرعية الحزب لا ترتبط بهذا المقر أو ذاك . ولكن فوجئت بالمستشار مأمون الهضيبى يلتقى بى فى مقر حزب العمل بمجلس الشعب ويتحدث معى على إنفراد من الوضع واقفا ، وهو أسلوب يعكس أنه يلقى بتوجيهات لا تحتمل المناقشة ، وأعرب عن إمتعاضه الشديد من قيامى بعملية استرداد المقر فى حدائق القبة مما أدى إلى أعمال عنف حتى وإن كانت من طرف واحد بدليل أن الاصابات كانت من ناحيتنا وقلت له : لقد قررنا عدم القيام بأى محاولة أخرى لاسترداد المقر ، وهذا لن يكون أسلوبنا فى التعامل مع هذا الانشقاق . ولكن كان مبعث استيائى أن الهضيبى يوجه لى توجيهات آمرة وتأنيب تنظيمى رغم أن الأمر يخص حزب العمل ، بدعوى أن هذا الأمر قد يضر بالاخوان والتحالف . ورأيت أن أمرر الموقف . وهذا الأسلوب من الأستاذ الهضيبى تكرر أكثر من مرة . ففى إحدى مرات احتفال الاخوان السنوى بالإفطار الجماعى فى رمضان وكان فى فندق كبير تلقيت دعوة لحضور الافطار وكنت قد أصبحت رئيسا لتحرير صحيفة الشعب ، ومن الطبيعى أن أحضر ولكن تلقيت دعوة فى نفس اليوم لحفل إفطار آخر من دار الشروق ، ونحن نهتم بعلاقتنا بهذه الدار ، وأبلغت الحزب بأننى سأحضر إفطار دار الشروق ولم أر أى مشكلة فى ذلك لأن معظم قيادات حزب العمل ستلبى إفطار الإخوان ولم أر ضرورة للاعتذار . فى اليوم التالى تلقيت مكالمة هاتفية من الأستاذ مأمون الهضيبى يؤنبنى على عدم الحضور ولا أقول يعاتبنى وقد شرحت له سبب تغيبى وكان منطقيا ، لكنه واصل التأنيب بطريقة صاحب العمل الذى يؤنب مرؤسه وكأننى موظف أعمل عنده . واعتذرت له حتى يهدأ فالموضوع لا يستحق أكثر من ذلك .
وفى مرة أخرى زارنى ربما لأول وآخر مرة وكنت مريضا ولكنه جاء يعاتبنى هذه المرة على نشر أخبار حزب الوسط فى جريدة الشعب ، ولكن هذه المرة كان يعاتبنى بود ويطلب عدم تكرار ذلك . واستمعت إليه بالأدب الواجب مراعاة للسن . ولم أناقش معه موضوع حزب الوسط الذى كنا متعاطفين معه لأننى أعلم أننى لن أغير رأيه فيما سوف أقوله عن رفضنا لأسلوب التعامل مع حزب الوسط ، وكنا نتصور أن يحسن الاخوان التعاون مع هذا الحزب الخارج من صلب الاخوان ولفائدة الحركة الاسلامية ككل .
وأذكر اننى أبلغت عادل حسين الذى كان يتابع ملف حزب الوسط بهذا الحوار ولم يتغير أسلوبنا فى النشر عن حزب الوسط عند الضرورة ولكن دون أن نسعى لاستفزاز الاخوان .
– 5 –
موقف الاخوان من عضوية اللجنة العليا للحزب
وفقا للائحة الحزب كان يتعين على كل أعضاء مجلس الشعب أن يكونوا أعضاء فى اللجنة العليا للحزب والتى تمثل المؤتمر العام للحزب فى حالة عدم إنعقاده . وبالتالى طلب الحزب من الاخوان أن يحضر نوابهم اللجنة العليا . كنا نتصرف بشكل لائحى ، ولكن أيضا كنا منفتحى العقل والذهن كما أكرر دوما للاختلاط التام والمقصود بين عضوية الحزب والجماعة بهدف الانصهار الفكرى والتنظيمى والنفسى والعقائدى ، ولم تكن هذه الفكرة لتطرأ أبدا على ذهن قادة الاخوان كما أفهم الآن ، ولكن كنا دائما نتصور فيهم الاخلاص للفكرة الاسلامية بصورة مجردة بعيدا عن التنظيم الاخوانى . وجاء الرد عن طريق سيف الاسلام حسن البنا الذى أبلغ الحزب بأن الاخوان لا يريدون التدخل فى شئون الحزب وليكن قرار قيادة الحزب مستقلا عن الاخوان . وهذا الموقف يبدو نزيها ، ولكنه كان يستهدف رفض فكرة الاندماج المستقبلى ، رفض فكرة أن يجلس 34 نائبا من الاخوان على رأسهم مأمون الهضيبى فى اجتماع تنظيمى تحت رئاسة ابراهيم شكرى . ولا بأس إن كان هذا رأيهم ولكنهم لم يلتزموا بهذه النزاهة عند المستويات الأدنى من التنظيم حيث سيطروا على بعض اللجان وعلى بعض المقرات وأداروها لحساب الاخوان أو أغلقوها واحتفظوا بالمفاتيح فى جيوبهم ! كما حدث على سبيل المثال فى المنيا وبنى سويف .
– 8 –
مقاطعة الانتخابات عام 1990
فى عام 1990 وبعد حل مجلس الشعب بسبب حكم قضائى للمحكمة الدستورية العليا يؤكد أن قانون الانتخابات لم يكن دستوريا لأنه لم يترك للمستقلين إلا مقعدا واحدا فى كل دائرة وهو أمر يتنافى مع المساواة فى الفرص بين المواطنين فقد يتمكن المستقلون من الحصول على أكثر من مقعد إذا أتيحت لهم الفرصة . وهذا يبدو صحيحا وكان يتعين أن يكون قانون القوائم مفتوحا بين الحزبيين وغير الحزبيين وفى إطار التمثيل النسبى . لذلك يبدو لى أن هذا التعديل فى القانون كان مقصودا للتخلص من المجلس إذا لم يكن مرضيا للسلطات . لأن هذا التعديل كرر العوار السابق .. فبعد أن منع المستقلين تماما من الترشح سمح لهم بالترشح على مقعد واحد فى كل دائرة كبرى وهذا ما يتيح لهم أقلية ضئيلة فى المجلس بشكل تحكمى .
وهذا الأسلوب فى حل مجلس الشعب مرتين خلال سنوات قليلة يضر بالاستقرار السياسى والممارسة الديموقراطية ويهدر أصوات المواطنين الذين انتخبوا مجلسى 1984 و1987 . وليس من الضرورى أن يؤدى حكم المحكمة الدستورية إلى حل المجلس التشريعى ولكن يمكن الالتزام بهذا الحكم فى الانتخابات التالية . وهذا رأى فقهى نشرته الصحف القومية الرسمية مع الرأى الآخر الذى يميل إلى حل المجلس . ولكن حل المجلس للخلاص من التحالف الاسلامى كان أقرب لهوى الحكام وقد كان . وتم إقرار قانون الانتخابات بالدوائر الفردية الصغيرة كما كان الأمر قبل 1984 . ولاحظت المعارضة عدم حسن النوايا فى كل هذه الخطوات . وكانت قد مرت بتجربة انتخابات مجلس الشورى والتى انتهت إلى حصول المعارضة على صفر من المقاعد . رأت المعارضة أن الانتخابات لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الضمانات فقررت مقاطعة الانتخابات . ولكن حزب التجمع آثر كسر الإجماع ودخل الانتخابات وتمكن بذلك من الحصول على عدد محدود من المقاعد : 6 مقاعد منهم مقعد لخالد محيى الدين رئيس الحزب ولم يكن هذا موقفا مشرفا له فى نهاية حياته . فحزب التجمع رأى فرصة ليحصل على فتات كان لا يحصل عليه أبدا من خلال القوائم ونسبة ال 8 % كنسبة ضرورية لابد من تحقيقها لدخول المجلس وهو مالم يتسن للحزب أن يحققها فى انتخابى 1984 و 1987 وليصبح خالد محيى الدين زعيم المعارضة ! وهذه ممارسة حزبية تقليدية لحزب يبحث عن مكاسب تنظيمية ضيقة دون النظر للمصلحة العامة .
ونتوقف لنروى قصة وقائعها تافهة ولكنها مهمة لتوثيق مستوى تخلف الحركة الوطنية ممثلة فى قيادات حزب التجمع فى ذلك الوقت بعد أن تدهورت مواقفه وظلت هكذا حتى يكاد الآن فى عام 2023 يختفى من الواقع السياسى رغم امتلاكه صحيفة لاتزال منتظمة ومقر كبير فى أهم موقع بوسط القاهرة واعتراف رسمى وقانونى من السلطات . بينما كان أقوى وأكثر تأثيرا وصحيفته مجمدة ومصادرة فى أواخر عهد السادات ، فالأحزاب تكون بالمواقف لا بالمقرات ولا الصحف ولا الاعتراف الرسمى من الدولة .
عندما أجمعت أحزاب المعارضة على مقاطعة الانتخابات التشريعية عام 1990 عدا حزبى التجمع والأمة قرر حزب العمل أن يحاور الحزبين فى محاولة لإثنائهما عن هذا الموقف الانشقاقى ، وكان حزب التجمع هو الأهم بطبيعة الحال ، فتوجه عبد الحميد بركات مسئول التنظيم بالحزب لمقابلة خالد محيى الدين رئيس الحزب وناقشه فى أهمية تعزيز وتوحيد موقف المعارضة بهدف الضغط على السلطات لتحسين شروط وضمانات الانتخابات كأن تكون تحت إشراف قضائى كامل أو العودة لانتخابات القوائم ولكن على أن تكون غير مشروطة . استمع إليه خالد محيى الدين ولم ينبس ببنت شفة وقال له : ناقش هذا الأمر مع رفعت السعيد الأمين العام . وهذا أمر لايليق برئيس حزب كبير وبشخصية وطنية معروفة . فالمسألة المطروحة جديرة بالنقاش وقد يعرض أن يقابل ابراهيم شكرى ويبحث معه الأمر . ولكنه كان على ما يبدو فى حالة من الإحراج . وكان يتردد فى أوساط اليسار فى ذلك الوقت أن خالد محيى الدين قد ترك مختلف أمور الحزب لرفعت السعيد . وعندما توجه عبد الحميد بركات لرفعت السعيد وطرح معه رؤية أحزاب المعارضة قال له هذه الكلام : يا أستاذ عبد الحميد نحن لا نثق فى الاخوان المسلمين ويمكن أن نوافق جميعا على مقاطعة الانتخابات ثم يفاجئونا بالنزول فى آخر لحظة وينفردون بالمعارضة داخل المجلس. وهذا كلام لا يجوز ونوع من الحجج البالية حتى لايقول صراحة أننا نستغل الفرصة لنكون وحدنا نمثل المعارضة فى المجلس لأول مرة فى تاريخ الحزب وإننا عقدنا صفقة مع النظام على ذلك حتى لا يكون المجلس عاريا بدون معارضة . وأنهى رفعت السعيد اللقاء سريعا لأنه لا جدوى من الحديث وكذلك رأى بركات وانتهى الأمر .
وبعد ذلك اتجه عبد الحميد بركات لأحمد الصباحى رئيس حزب الأمة وهو حزب بدون أى وزن يذكر فى الحياة السياسية ، ولكن كانت المعارضة تريد وقف هذه التمثيلية بتشكيل معارضة من التجمع والأمة . وعندما عرض عليه بركات موقف أحزاب المعارضة رد عليه الصباحى بمنتهى السهولة واليسر : يا أستاذ بركات أنا فى احتياج للنقود ، ليس معى أموال لدفع إيجار مقر الحزب ولا لدفع أجرة السائق . والحكومة ستعطى المرشحين أموالا . وإذا كان لديكم 10 ملايين جنيها تدفعوها لى فأنا مستعد للإنسحاب من الانتخابات . وعندما نقل بركات هذا الحوار لفؤاد باشا سراج الدين رئيس الحزب انفجر فى الضحك !
ولحزب الأمة قصة تروى من زاوية النصيحة لأهل الحكم فى مستقبل الأيام . حزب الأمة ولا أعرف هل هو موجود الآن فى عام 2023 ؟ ومن يرأسه ؟ له قصة قد تكون طريفة ولكن بالنسبة لى هى مسألة مؤلمة أرويها تحت عنوان : إفساد الحياة السياسية . كان حزب الأمة باكورة ما يسمى أحزاب الأنابيب والتى انتشرت بعد ذلك . والمقصود هو تأسيس أحزاب معارضة بمعرفة أجهزة الأمن من الألف للياء بحيث يمكن توظيفها فى مواقف سياسية معينة بمجرد إصدار الأوامر لها وهى عادة تكون محدودة العدد وغير قابلة للتوسع بسبب كل ذلك وليس مطلوبا منها أن تتوسع أكثر مما ينبغى . وهذه ظاهرة عربية موجودة بشكل ملحوظ فى الأردن مثلا . وتسمى فى الأردن أحزاب المرسيدس بمعنى أن الحزب كله يمكن أن يركب فى عربية مرسيدس واحدة وربما فى ذلك إشارة إلى أنه حزب مكون من عائلة واحدة وأن الحكومة تموله حتى يركب سيارة فاخرة .
وقد كان لحزب العمل نصيب كبير من هذه الممارسة أى اصطناع أحزاب وهمية من بعض أعضائه ، وهو الأمر الذى يعكس فاعلية الحزب ، وانشغال الأمن بإضعافه وإثارة المشكلات حوله من كل شاكلة وطراز . ورغم أن تشكيل الأحزاب ظل لسنوات عسيرا بل و مستحيلا وظلت الحياة الحزبية محصورة فى عهد مبارك فى الحزب الوطنى والوفد والعمل والتجمع والأحرار ولكن بعد سنوات تمكن الحزب الناصرى من الظهور وبعد سنوات طويلة ظهر حزب الوسط . ولكن فى الأثناء اتسعت ظاهرة أحزاب الأنابيب . وكان فى بدايتها حزب الأمة والهدف الأول من ذلك هو التشويش على حزب العمل . فقد كان أحمد الصباحى من أعضاء حزب العمل ومسئولا عن لجنة السيدة زينب ، وكان له علاقة قديمة بمصر الفتاة بزعامة أحمد حسين . ولذلك تم تصوير تأسيس حزب الأمة باعتباره انشقاقا عن حزب العمل ، ولكن لضعف كفاءة الصباحى لم يستطع استقطاب أى أعضاء تقريبا من حزب العمل . ولكن أجهزة الأمن لم تتوقف ففى وقت لاحق تم تأسيس حزب مصر الفتاة من اثنين من أعضاء حزب العمل ليقول إنه هو الامتداد الحقيقى لحركة مصر الفتاة القديمة ، وقد سعيا جديا لجذبى أنا والدكتور حلمى مراد للانضمام إليهم ، ولكننا رفضنا بطبيعة الحال . ولم يفلح هذا الحزب بل تكاثر إلى اثنين وثلاثة وأربعة وكلهم اسمهم مصر الفتاة . وبعدما تم تجميد حزب العمل فى عام 2000 عرض على رئيس أحد هذه الأحزاب المسماة مصر الفتاة الانضمام إليه ، وقلت له المهم إحياء فكر أحمد حسين وإعادة طباعة كتبه فوافق بحماس ، واخترت له كتيبا صغيرا حتى لايكون مكلفا له . ولكنه لم يلتزم بطباعته وتهرب منى بشكل عام . ولم أفاجأ ولكننى كنت أريد اختباره والتأكد من صدق حدسى من أنه غير جاد ولا يعرف شيئا عن مصر الفتاة القديمة ولم يقرأ شيئا لأحمد حسين . ولا أعرف الآن مصير أحزاب مصر الفتاة الثلاثة أو الأربعة ، وقد اختفت لأن دورها كان مجرد التشويش على حزب العمل ولكنها لم تفلح فى جذب أى عضو من حزب العمل . كما تعرض حزب العمل لأحزاب عدة أخرى مناوئة له خصيصا عبارة عن انشقاقات يرعاها الأمن وتحمل اسم حزب العمل الاشتراكى وتم الاستيلاء بذلك على مقر الحزب الرئيسى بالسيدة زينب . وتوجد قصص طويلة فى هذا المجال يخلو الحديث عنها من أى فائدة وإنما استهدف شيئا واحدا نصيحة أهل الحكم فى المستقبل بعدم تكرار هذه الممارسات لأنها تفسد الحياة السياسية الشرعية القانونية ، وتجعل الشباب يكفرون بها فيلجأون إلى أحزاب سرية أو إرهابية أو ينحرفوا كلية عن الأخلاق القويمة ونحن نعانى من هذه الأمراض حتى الآن فى 2023 كظاهرة انتشار شتى أنواع المخدرات وتوسع أشكال الجريمة وظهور أنواع خطيرة لم يعتدها المجتمع . وإذا كان الحكام لا يؤمنون بالديموقراطية وتداول السلطة فمن الأفضل الاعلان عن ذلك صراحة وممارسة سياسة الحزب الواحد صراحة ، حتى لا يستنزف المجتمع فى عمل سياسى عقيم . أعتقد جادا أن الحياة السياسية فى عهد عبد الناصر كانت صريحة و صحية أكثر من مرحلة التعدد الحزبى الشكلى التى أوردت البلاد فى النهاية مورد التهلكة . أين هى الأحزاب السياسية الفاعلة والحيوية الآن ؟ وماهى أسماؤها ؟ وأين تقع على الخريطة الجغرافية قبل السياسية ؟
– 9 –
انتخابات التحالف من العمل والاخوان فى المحليات
كان إلغاء انتخابات مجلس الشعب بالقائمة الحزبية كافيا ليجعل الاخوان يخرجون من التحالف مع حزب العمل فقد انتفى السبب الذى دفعهم لذلك . وكان مأمون الهضيبى قد صرح ولكن بأسلوب أكثر دبلوماسية من الملط الذى وصف حزب العمل بقطار سكة حديد ركبوه ليصلوا إلى المجلس ، فقال : فى عام 1987 بالبحث عن قناة قانونية لخوض الانتخابات وجدنا أفضل الفرص المتاحة فى حزب العمل وبالطبع لا يوجد ما يرضى الجميع – يقصد فى الاخوان – وعلى أية حال لقد قبلت قيادات العمل هذا وذلك يخصهم .
الاخوان فى البرلمان – محمد الطويل – مرجع سابق ص 45
فالملط قال حزب العمل قطار والهضيبى سماه قناة قانونية ، حتى لا يضفى عليه أى سمة اسلامية وهذا التصريح يؤكد عدم إيمان الاخوان بمسالة التحالف الاسلامى مع حزب العمل لأنه أى الحزب لا يرتقى لمستوى الاسلام ، ولكنهم قبلوا اقتراح حزب العمل بشعار التحالف الاسلامى على سبيل المجاراة من ناحية ولأن وجودهم فى التحالف هو الذى يعطى لهذه الكلمة مصداقية ، ولكنهم لم يحبوا استخدام هذا المصطلح وكانت لا فتاتهم دوما تحمل اسم الاخوان المسلمين ويمكن أن تضع اسم حزب العمل حتى لا يرتبك الناخب لأن القائمة باسم حزب العمل . فيقولون مثلا الاخوان المسلمون على قوائم حزب العمل . عندما أراجع تصريحات الأستاذ مأمون الهضيبى الآن أشعر بحنق شديد لهذا التعالى والترفع على الناس وكأن الله قد اصطفاهم كالأنبياء للتبشير بالدين الاسلامى ، وهذا الكبر لايؤدى أبدا إلى الفلاح . حزب العمل لايعدو أن يكون قناة قانونية أى ماسورة أى مجرد أنبوب للتوصيل ربما يكون وصف الملط عضو مجلس الارشاد حزب العمل بقطار السكة الحديد أخف من ناحية الذوق لا أدرى ؟!
ومع ذلك فلم يخرج الاخوان من التحالف مع حزب العمل لسببين : ان الانتخابات المحلية القادمة عام 1992 ستكون بالقائمة الحزبية المطلقة فهذه لم يتم تغيير قانونها . وبالتال ظل الاخوان يحتاجون إلى قطار أو ماسورة حزب العمل لدخول المحليات . والسبب الثانى أن وجود بعض من أعضائهم فى حزب العمل يعطيهم الحماية لعملهم داخل حزب شرعى . وهذا السبب الثانى سينتهى عام 2000 عندما يتعرض حزب العمل للتجميد . بل بدأ قبل ذلك بسنوات عندما بدأ الأمن يعتقل بعض هؤلاء الأعضاء المنضمين لحزب العمل ويقول لهم : نحن نعلم أنكم إخوان فلا تحتموا بحزب العمل وسنظل نتعامل معكم كإخوان ، وسنظل نطاردكم ونعتقلكم إذا تصورتم أن وجودكم فى حزب العمل سيحميكم . وهكذا رأى الاخوان أن البقاء فى حزب العمل مكلف خاصة وهم لا يرون أن هناك أى مبادىء أو غايات اسلامية تجمعهم مع هذا الحزب السياسى ، فخلعوه كما يخلعون أى حذاء . ولكن حتى عام 1992 كان الحزب لا يزال يعمل بصورة شرعية ويصدر جريدته الورقية بانتظام وكان يستعد لخوض الانتخابات المحلية ، فظلوا حريصين على هذا التحالف حتى ذلك الوقت .
كان حزب العمل كعادته حريصا على التحالف ويتعامل مع الاخوان بمنتهى الاخلاص. وهو لم يكن يكابر وكان يسقط أى تحيزات تنظيمية ، وكان ابراهيم شكرى وكبار القيادات يتعاملون مع الاخوان وكأنهم أعضاء فى الحزب . كانوا لا يزالوا يتصورون رغم كل المتاعب التى بدأت تظهر أن المسيرة المشتركة لابد أن تستمر وأن تفضى فى النهاية إلى حركة اسلامية موحدة . وفى المواقع التى لم يكن للحزب وجود مؤثر فيها كان ابرهيم شكرى يعطيهم قوائم فارغة مختومة وموقعة منه لتشكيل قوائم الترشيح للمجالس المحلية ، أى حتى بدون الرجوع إليه . لا توجد ثقة أكثر من ذلك . ولم يكن الوفد ليتعامل معهم بهذا الأسلوب . الأحزاب التقليدية لديها أسلوب لجمع المرشحين بكل الوسائل الانتهازية لرفع اسم الحزب وزيادة عدد مقاعده ، ولكن حزب العمل لم يلجأ لهذا الأسلوب . ولم ير ضيرا أن يزيد عدد مرشحى الاخوان عن عدد مرشحيه . وهكذا بشكل عام غلب التكوين الاخوانى على حوالى 70 % من القوائم وتكوين حزب العمل على 30 % من القوائم . وهذا منطقى فانتشار الاخوان على رقعة الوطن أكبر بالتأكيد . ونجح للتحالف 146 قائمة على مستوى الجمهورية وكان للاخوان الأغلبية فى أكثر هذه المجالس .
ورغم هذه الأريحية فى تعاملات حزب العمل مع الاخوان رد الاخوان بمنتهى الصلف . فى المجالس التى تداخل أعضاء حزب العمل مع الاخوان رأى حزب العمل أن يكون وكيل المجلس المحلى من حزب العمل . ولكن الاخوان لم يوافقوا على ذلك فى عدد من المواقع ، وحدثت أزمة بين الحزب والاخوان . وتم تشكيل لجنة مشتركة من الأستاذين عبد الحميد بركات عن حزب العمل وحسن الجمل عن الاخوان لحل هذه المشكلات ، ويتذكر الأستاذ بركات أنهما سافرا إلى الاسكندرية ومطاى والمنوفية وتكللت جهودهما بالفشل وأصر الاخوان على موقفهم . فى الاسكندرية حدثت واقعة تجسد هذه المفارقة فحين أصر الاخوان على أن يكون وكيل المجلس منهم ، انتقل مرشح حزب العمل للحزب الوطنى وكان صوته كافيا للترجيح وفاز بموقع وكيل المجلس ! وكان هذا موقفا تأديبيا للطمع الاخوانى . وأنا شخصيا لا أوافق على هذا الأسلوب ، ولكننى لا أوافق من باب أولى على هذا التعنت الاخوانى الرهيب .. لماذا يريدون أن يحصلوا على كل شىء . وما أهمية وكيل مجلس محلى ؟ وهل هكذا يتعاملون مع “القناة” القانونية التى أدخلتهم المجالس المحلية ؟!
فى تجربة المجالس المحلية جمدت السلطات بعض المجالس التى فاز فيها تحالف العمل والاخوان ، ولكن بعض المجالس اشتغلت وهى وفقا للقانون لا تملك أى صلاحيات تنفيذية ولكنها قادرة على الاتصال بالمسئولين التنفيذيين المحليين ومحاولة حل بعض المشكلات الجماهيرية ، وقد استفاد الاخوان من هذا النشاط بتعميق علاقاتهم بالجماهير فى بعض الدوائر . وكذلك فعلت عناصر حزب العمل . أشير إلى فائدة إضافية قدمها التحالف مع حزب العمل للاخوان فى مجال المحليات بعد مجلس الشعب . ولكن حزب العمل – عندهم – ليس مكونا من البشر المؤمنين بأى نوع من المبادىء الاسلامية أو الوطنية أو الأخلاقية . هم مجرد ماسورة يمكن الإلقاء بها فى القمامة بعد الانتهاء من استخدامها .
– 10 –
أزمة احتلال الكويت والعدوان الأمريكى على العراق
كان لحزب العمل موقف متميز داخل الحركة الوطنية المصرية والعربية بالنسبة للقضية العراقية .. اعترض على غزو العراق للكويت ولكنه أصر على أن يكون حل المشكلة فى إطار عربى واسلامى ، ورفض بشدة الحشود الأمريكية والغربية والتابعة لها والتى وصلت إلى مليون جندى تحت شعار تحرير الكويت . وقال بشكل واضح إن هذه القوات جاءت لتبقى وستحتل الكويت وكل بلدان الخليج . حقا كان هناك من قبل وجود عسكرى محدود فى الخليج للجيش الأمريكى فى عدد من القواعد ، ولكن هذه القوات الكثيفة ستصبح ظاهرة ومؤثرة إلى حد الاحتلال المباشر وستصبح مؤثرة على كل مجريات السياسة وستستولى بالمعنى الحرفى والمباشر على الثروة البترولية وستبقى قوات كافية لحصار وتدمير العراق والاستعداد لمحاصرة ومهاجمة إيران بعد أن تفرغ من العراق . وقد برهنت الأيام على صحة هذا التحليل وهذه التوقعات .
راجع كتاب : أزمة الخليج وحرب الأفغان بين أحكام القرآن وفتاوى السلطان – مجدى أحمد حسين – الطبعة الثالثة – 2004 – لحساب المؤلف – القاهرة
كان الفصيل الأقرب لموقفنا الاخوان المسلمين والناصريين وبعض اليساريين . بالنسبة للاخوان ربما كانوا أكثر انتقادا لنظام صدام حسين ولكن فى إطار نفس الموقف . وقد رأينا أن ننتقل من موقف إصدار المقالات والبيانات إلى محاولة التدخل لحل الأزمة ونجح عادل حسين فى تشكيل وفد عربى اسلامى ضم ابراهيم شكرى وعادل حسين وحسن الترابى ممثلا للسودان وراشد الغنوشى ممثلا لتونس ومأمون الهضيبى ممثلا لاخوان مصر . وقد عزز هذا التحرك مسعى عادل حسين لتشكيل محور عربى اسلامى مواز ومخالف لمحور التنظيم الدولى للاخوان على أساس هذا القلب القيادى الثلاثى الثلاثى : الترابى – الغنوشى – حسين . وسنأتى لاحقا لهذه المسعى للحزب الذى كان يستهدف ضم حزب الله اللبنانى ، ولكنه فشل فى النهاية لتراجع مواقف الترابى بدءا من 1999 وتراجع مواقف الغنوشى بعد ذلك ووفاة عادل حسين عام 2001 وما تعرض له حزب العمل من تجميد عام 2000 .
وسافر الوفد الاسلامى العربى وزار السعودية حيث التقى بالملك فهد وبقيادات الكويت وسافر للعراق وقابل القيادة العراقية وكان يسعى لإقناع الأطراف بالتوصل إلى تفاهم سلمى يقوم على أساس الانسحاب العراقى من الكويت ويمنع التدخل الأجنبى ويوقف تعاظم الحشود العسكرية الغربية التى كانت تتوالى إلى السعودية على مدار 6 شهور حتى بلغت نصف مليون جندى غربى ونصف مليون أخرى من دول عربية واسلامية وافريقية وآسيوية . وكان من أهم إنجازات هذه المبادرة أنها توصلت إلى تصريح واضح من الملك فهد يتضمن تعهدا بعدم إطلاق طلقة واحدة من الأراضى السعودية على العراق . وهذا مالم يحدث مع الأسف بعد ذلك . ولكن هذه المبادرة مثلت نموذجا جديدا لمحاولة الحركة الاسلامية العربية التدخل لحل الأزمات الكبرى بالمنطقة رغم أن الحكام لا يأبهون كثيرا بالحركات الشعبية ، ويضعون فى اعتبارهم بصورة أساسية مواقف الدول الغربية الكبرى وعلى رأسها أمريكا .
ولكن على أرض الواقع فى مصر فإن الاخوان اكتفوا بإصدار البيانات والتصريحات الصحفية ، أما حزب العمل فقد أصر على العمل الجماهيرى الرافض للغزو الأجنبى للكويت والعراق خاصة بعد إندلاع الحرب فى 17 يناير 1992 . وكنا قد سافرنا فى إطار وفد شعبى مصرى وعربى تضامنا مع العراق وشاركت فيه تحت رئاسة ابراهيم شكرى رئيس الحزب ، وقد لاحظت متابعة العراقيين حكومة وشعبا الجهد الاعلامى الكبير الذى كان يقوم به الحزب من خلال جريدة الشعب وغيرها تضامنا مع العراق المعرض للحصار والعدوان المرتقب ، وقد التقينا- ابراهيم شكرى وكاتب هذه السطور – بطه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقى وكان ينقل لنا آخر أنباء المفاوضات العسيرة مع أمريكا قبيل العدوان الذى حددوا هم يومه ب 17 يناير ، وكان لقاؤنا يوم 15 يناير قبيل سفرنا للقاهرة ، وأذكر أنه كان لديه معلومات وتقديرات عن إمكانية تفادى العدوان ومواصلة التفاوض .
مع اندلاع القتال الذى أخذ شكل التدمير الشامل للعراق بالطائرات والصواريخ . بدأنا التحرك الجماهيرى فورا وعقدنا مؤتمرا جماهيريا فى الشارع أمام مقر الحزب بالسيدة زينب ، وكانت الجماهير متفاعلة وغاضبة . ولكن وجدنا أن الحالة الجماهيرية العامة فى البلاد مرتبكة ومتحيرة بسبب التأييد الاعلامى الكاسح للغزو الأمريكى وحملات الهجوم الضارية على العراق التى أخذت شكل الهجوم الشخصى على صدام حسين . وقد كنا فى مصر أكثر القوى السياسية عداءا وخلافا مع النظام العراقى بسبب علمانيته الشديدة وقيامه على الدكتاتورية الفردية وأساسا بسبب عدوانه على إيران الثورة والذى استمر 8 سنوات من 1980 – 1988 . وكنا نطالب دوما بوقف الحرب بين البلدين وحقن الدماء وحل الخلافات بالتفاوض . وخلال هذه السنوات كانت السفريات والوفود لا تنقطع إلى العراق من السياسيين والصحفيين للتضامن والتأييد وكان صدام حسين زعيم القومية العربية فى الاعلام المصرى وحارس البوابة الشرقية للأمة العربية وكأن إيران هى العدو الأساسى للأمة العربية . فى هذه الفترة كنا نطبع صحيفة الشعب فى العراق ، وكنت فى زيارة لمكتب الصديق جمال الغيطانى للحوار والدردشة ودخل علينا بالمصادفة الملحق الصحفى للسفارة العراقية ، و أثناء الحديث بادر الغيطانى إلى اقتراح للدبلوماسى العراقى : لماذا لا تدعون مجدى حسين لزيارة العراق هذا سيكون أمر مفيد ومهم ؟ وكأنه يقول له : حتى يغير مواقفه . وقال الملحق الصحفى طبعا ولم لا ؟ وقد خشيت أن يقوم بهذه الدعوة لأننى كنت سأرفضها على الأغلب ، وقد كنت شديد الغضب من إشعال نيران هذه الحرب المشئومة مع إيران . وكان هذا هو موقف الحزب ، ولكنه لم يفعل والحمد لله ، لأنه يعز على أن أرفض زيارة بلد عربى . ولكن بعد توقف الحرب ، وبداية التحرش الاعلامى الغربى بالعراق وإثارة قضايا التسليح العراقى كالمدفع العملاق وغير ذلك ، وقفنا كعادتنا مع أى بلد عربى أو غير عربى يتعرض للتحرش والعدوان الغربى ، وقفنا إلى جانبه بالكلمة والموقف وهذا ما نملكه . وفى تلك الفترة حدثت واقعة عودة الجثث المصرية من العراق ، ربما كانت من قتلى الحرب مع إيران حيث شارك كثير من المصريين فى هذه الحرب أو من الحوادث العادية وبالعراق 4 ملايين مصرى فى ذلك الوقت . وحدث نوع من التحريض فى الاعلام المصرى على العراق والنظام العراقى خاصة بعد واقعة الاعتداء على مصرى خلال شغب أعقب مباراة لكرة القدم بين البلدين والذى أدى إلى وفاة هذا المصرى .
وهنا يوجد موقف للأستاذ ابراهيم شكرى رئيس الحزب لابد من تسجيله ، فقد استدعانى لمناقشة هذه التطورات كصحفى بالجريدة ، وكنت مبرمجا على انتقاد النظام العراقى وشرعت أتحدث ضده ، ولكن ابرهيم شكرى فاجأنى بالقول إن تصعيد الخلاف مع بلد عربى أمر مرفوض ، والعراق بلد مهم وبدأ يتعرض لحملات إعلامية غربية ظالمة ، وأقترح عليك أن تسافر للعراق وتبحث ما يتعرض له المصريون من مشكلات وتناقش ذلك مع المسئولين العراقيين وتروى الصورة الحقيقية لمشكلات المصريين بدون مبالغة أو تهوين . وبالفعل وقبل سفرى كانت صحيفة الشعب برئاسة عادل حسين كانت تسير فى هذا الاتجاه وهذا ما سهل مهمتى فى العراق وألتقيت مع الدبلوماسيين المصريين فى السفارة المصرية ، وهذه عادتى على الأغلب فى سفرياتى خارج مصر ، ولكن هذه المرة كان ضروريا لمعرفة حقيقة مشكلات المصريين . وقد كان أهمها إنخفاض مرتبات المصريين بالنسبة لجنسيات أجنبية غير عربية من نفس مستوى الكفاءة ، وصعوبات فى التحويلات النقيدية . والتقيت مع طه ياسين رمضان نائب الرئيس للمرة الأولى وفوجئت به يقول لى بما يعكس متابعة دقيقة لموقف حزب العمل : أحيانا يظن المرء أن شخصا ما يعاديه ثم يكتشف بعد ذلك أنه هو أقرب الناس إليه . وبالفعل فقد كانت جريدة الشعب الجريدة المصرية الوحيدة التى رفضت الانسياق لحملة التصعيد والتحريض ضد العراق بل واعترضت على ذلك . ولكن يبدو أن السفارة العراقية أرسلت تقريرا دقيقا بذلك لبغداد . وشعرت بالارتياح بأن ثمان سنوات من الخلاف قد طويت ، وهذا ما نريده ، فقد طوينا صفحة الحرب العراقية الايرانية وظللنا ندعو الطرفين للوئام والتعاون وتجاوز آلام الماضى . كنت فى هذا اللقاء سياسيا أكثر منى صحفيا وعرضت على سيادته بمنتهى الصراحة أهم شكاوى العاملين المصريين كما علمتها منهم . وأبدى تفهما لها وقال من حقهم أن يشعروا بالغبن ويطالبوا بحقوق عادلة . وكنت قد استغليت عقيدة حزب البعث المطالبة بالعروبة عندما قلت له إن أجانب غير عرب يحصلون على مرتبات أعلى من المصريين فى نفس الوظائف ، وأنتم تؤمنون بالعروبة ! وقد عرضت ما جرى على أحد الدبلوماسيين المصريين وتركت للسفارة المصرية مهمة المتابعة فلا أملك أكثر من ذلك ، ولكننى نشرت فى جريدة ملخصا لوقائع جولاتى فى بغداد ولفحوى لقائى مع نائب رئيس الجمهورية لتثبيت مطالب المصريين .
أتعرض لهذه التفاصيل لتوضيح موقف الحزب من القضايا العربية وكيف كان يتعامل معها .
كما ذكرت وأكرر أن حزب العمل يتميز بأنه يندفع بإنفعالية وعاطفية عندما تتفجر القضايا الوطنية أو العربية أو الاسلامية ولا يتوقف كثيرا عند الحسابات الحزبية الضيقة . فى تلك الشهور ومنذ أغسطس 1991 ولمدة عام تقريبا وخاصة بعد اندلاع الحرب فى 17 يناير 1992 كرست جريدة الشعب صفحاتها لحرب العراق وازداد التوزيع بصورة غير مسبوقة وأصبح حوالى 200 ألف نسخة ، وتقدمنا بطلب لجريدة يومية وهذا من حق الحزب ولكن السلطات رفضت . فأصبحنا نصدر جريدة الشعب مرتين فى الأسبوع : الثلاثاء والجمعة وهذه دورية غير معهودة فى مصر ولا فى غيرها ! ولكن احتياج الجماهير لهذا الصوت وفر لها الإقبال الجماهيرى وعوض نقص الاعلانات ، حتى إن الميزان المحاسبى الأهرام أو الأخبار حسب وقت الطباعة والتوزيع كان ايجابيا لصالح الجريدة فى كثير من الأوقات ، خاصة مع زيادة سعرالجريدة إلى 35 قرشا بنما كانت الصحف كلها ب 25 قرشا . وأصبح جمهور الناس يطلقون علينا وعلى جريدة الشعب : بتوع العراق . كنا ندرك وأعتقد أن الأيام برهنت على ذلك أن هذا الحدث كان مفصليا فى واقع الأمة العربية ، ولم يكن يشغلنا أن صدام حسين أخطأ المهم هو النتيجة النهائية والحساب النهائى الذى ستدفعه الأمة ، فالعراق بلد محورى وكبير وجيشه من أكبر الجيوش العربية ، العراق من الأضلاع الأساسية للأمة العربية . ويتعين عدم السماح بتدميره تحت حجة أخطاء أو حتى خطايا صدام حسين .
وكان الخلاف مع الاخوان المسلمين هذه المرة رغم استمرار التحالف هو فى المجال العملى ، فقد رفض الاخوان القيام بأى نشاط جماهيرى ضد الولايات المتحدة الأمريكية واكتفوا كما ذكرت بالتصريحات الصحفية . وقررنا نتيجة حالة الانقسام فى الرأى العام وحالة السلبية التى رانت على كل قوى المعارضة : التجمع وأغلب فصائل اليسار والوفد وبعض الناصريين + الاخوان أن نتحرك منفردين ورأينا أن نبدأ من المساجد ففى الجمعة الأولى من الحرب التى استمرت أكثر من شهر قررنا أن نخطب فى المساجد الكبيرة لشرح موقفنا ومهاجمة هذا الغزو الأمريكى . نسقت مع الأستاذ ابراهيم شكرى فقرر هو أن يخطب بعد انتهاء صلاة الجمعة فى مسجد الشيخ كشك بحدائق القبة . وقررت أنا الخطبة بعد الصلاة فى مسجد عمر بن عبد العزيز فى الساحل بشبرا وقد كان أحد إرتكازات الحملة الانتخابية فى مجلس الشعب ، حيث كنت مرشحا كما سلف الحديث على رأس قائمة التحالف الاسلامى وكان الشيخ طبل رحمه الله فى المركز الثالث لإنه فئات مثلى ، ونشأت بيننا صداقة وعلاقة ذات طابع فكرى فيما بعد ، وكان خطيب هذا المسجد الكبير ولكننا لم نستخدم المسجد فى الدعاية الانتخابية المباشرة ، وكان يكفى أن يواصل الشيخ طبل خطاباته المعتادة . الجمعية التى تدير المسجد تحت إمرة وإشراف وسيطرة الاخوان المسلمين ، وكان قيادات هذه الجمعية يلجأون إلى كثيرا عندما كنت فى مجلس الشعب لحل مشكلاتهم الفردية ، وقد كنت أقوم بذلك مع أى انسان حتى وإن كان خارج الدائرة طالما أن مطلبه أو شكوته قانونية وعادلة ، وإن لم أكن أدرى أسأل الوزير أو المحافظ وأقول له : هذا الطلب أرجو أن توافق عليه إذا كان قانونيا وفقا للوائح والقوانين المرعية . وقد اخترت الخطبة فى هذا المسجد لأنه أكبر المساجد التى أعرفها فى شبرا وهى دائرتى السابقة ولأن المصلين يعرفوننى شخصيا وإن لم أخطب أو أتحدث داخل هذا المسجد من قبل ، وكنت أرى أننا أمام حدث جلل يهز الأمة والعراق يضرب بقوة ويسوى بالأرض ، كما أننى لن أدعو للخروج إلى الشارع أو التظاهر ، هى مجردكلمة للتوعية . وتحدثت بعد انتهاء الصلاة بدون أن أستأذن من أحد ولم أجد ضرورة لذلك . وخطبت متحدثا ضد هذا الهجوم الأمريكى الاجرامى على دولة عربية اسلامية ، ولكن بعد مرور دقائق وجدت الجمهور منقسما ، واختلط المعارضون لى مع مسئولى المسجد من الاخوان ليشوشوا على ويرفضوا حديثى وصرخ أحد مسئولى المسجد من الاخوان فى وجهى : أنت تضر المسجد بهذا الكلام . فتأثرت من هذا الموقف وانتقلت فى حديثى إلى فلسطين والأقصى السليب وقلت نحن نترك الجهاد فى فلسطين ونؤيد عدوانا أمريكيا على العراق ، وشعرت بأن المناخ لا يسمح بالاستمرار لأن التشويش على زاد من مسئولى المسجد ولم أكن أتوقع هذا ولم آتى لإحداث مثل هذه المشكلات . ومن سوء الحظ أن الشيخ طبل لم يكن موجودا فهو لا يخطب كل جمعة فى هذا المسجد ولا شك أنه كان سيتصرف أفضل من ذلك . وقررت أن أخرج من المسجد وأنهى كلمتى بعد أن ترقرقت الدموع فى عينى من هذا المشهد المؤسف . ولكن الجمهور الذى تأثر بكلمتى إما تأييدا له أو فضولا وتطلعا لسماع وجهة نظر أخرى بديلة للاعلام الرسمى الكاسح الذى أثر على الناس بشدة وكنا فى الأسبوع الأول من العدوان ، هذا الجمهور وكان كبيرا ظل يلتف حولى وأنا أسير إلى خارج المسجد بهدف الانصراف النهائىوعلى اعتبار أن مهمتى قد انتهت ، ولكن بمجرد خروجى إلى سلالم المسجد وكان يقع داخل ميدان به العديد من المساكن ، وجدت جمهورا كبيرا فى الميدان والشرفات وكأنه يستحثنى على مواصلة الحديث فأكملت حديثى على سلالم المسجد ، ليس بهدف تنظيم مظاهرة ولكن كما ذكرت للشرح والتوعية وهنا غيرت مجرى الحديث إلى قيام العراق بضرب صواريخ على تل أبيب ، وقلت للناس : ألا تفرحوا أن بلدا عربيا تمكن أخيرا من ضرب تل أبيب وإذلال الصهاينة . أليست هذه الأعمال جديرة بالتأييد بدلا من التصفيق لقصف بغداد بالطيران والصواريخ ، وأثناء الحديث تحول الميدان إلى كتلة بشرية فالذين خرجوا من المسجد معظمهم يريد الاستماع والناس فى الشارع تجمعوا والشرفات كانت مزدحمة بصورة لم أعهدها . ولكن قبل أن أنهى كلمتى وجدت مأمور قسم الساحل يأتى إلى ويطلب منى المجيىء معه ، فلم أتردد فى الذهاب معه فقد كنت أنتهيت من مهمتى تقريبا . وركبت فى سيارته الجيب إلى القسم . وانتهى الأمر بعرضى على النيابة وحبسى 15 يوما بتهمة التظاهر . ما يهم من هذه الواقعة أنها توثق أننى كنت الوحيد فى مصر سجين العراق ، وهذا يعكس الموقف المتفرد لحزب العمل قولا وعملا . وبعد أسبوع ألحقوا بى أحد شباب الحزب بتهمة طباعة ملصقات ضد أمريكا وقد تم وضعنا فى أسوأ سجون وفى أسوأ أوضاع لمدة شهر عدا الأيام الأخيرة بسبب تدخل نقابة الصحفيين والذى أدى إلى الافراج عنا . وقد اشترط على رئيس نيابة أمن الدولة عدم تنظيم مظاهرات فى الشوارع والاقتصار على النشاط داخل نقابة الصحفيين ، وقلت له أنا أصلا كنت محبوسا بسبب إلقاء كلمة داخل مسجد ثم على باب المسجد ولم أدعو للتظاهر ولم أحشد معى شباب الحزب بصورة خاصة للتظاهر . وهذه ليست مهمتى ، وأنا الآن مرشح لعضوية نقابة الصحفيين ويهمنى التركيز على نجاحى فى الانتخابات .
ونستشف من هذه التفاصيل كيف كانت السلطات تتوخى الحذر من أى حركة فى الشارع . ولكن فى فترة تالية أصبح التظاهر متسامحا معه وكذلك الوقفات الاحتجاجية المطلبية . وهذا فضل لحزب العمل الذى أراد تكريس العمل الجماهيرى خارج مقرات الحزب وظل يدفع ثمن ذلك ولكنه أسهم فى نضج الممارسة الديموقراطية .
بعد الإفراج عنا من السجن كانت أحوال الرأى العام تغيرت وأصبحت الناس أكثر ميلا لرؤيتنا . وتحرك الناصريون ونجحوا فى قيادة طلاب جامعة القاهرة للخروج والتظاهر ضد العدوان الأمريكى ونجحوا فى الخروج إلى الشارع ونصحنا طلابنا بالجامعة أن يشاركوا معهم . وتصدى لهم الأمن وسقط شهيدا واحدا من الطلاب . ولم تتوقف المظاهرات إلا بعد وقف إطلاق النار . وتم اعتقال القيادى الناصرى حمدين صباحى لأنه دخل جامعة القاهرة وخطب فى الطلاب الثائرين . وأيدنا إعلاميا من خلال جريدة الشعب هذا التحرك الطلابى .
وهكذا أصبح حزب العمل والمجموعة الناصرية تحت قيادة حمدين والتى اصبحت فيما بعد حزب الكرامة ، الطرفين الوحيدين الذين اتخذا أفضل المواقف السياسية والعملية . ولكن هذا لم يكن موقف مجموعات أخرى من الناصريين ولا حزب التجمع الذى أعطى مساحات أكبر لانتقاد النظام العراقى ولا المجموعات اليسارية عدا مجموعة واحدة اتصلت بنا ونسقت معنا المواقف . ولا حزب الوفد وجريدته بطبيعة الحال . وكان معنا فى موقفنا أيضا بعض الصحف الخاصة المحسوبة فى ذلك الوقت على أجهزة الأمن القومى ، كمصر الفتاة . وحتى الصحف القومية كان فيها عدد من الكتاب يحاولون الكتابة بشكل مغاير للتوجه الرسمى ويركزون على انتقاد الموقف الأمريكى . أما الاخوان المسلمون فظلوا متمسكين بمجرد التصريحات وقليل من المقالات أما كوادرهم فقد تعاملت معى بكل هذه الفظاظة رغم أن علاقاتى بهم كانت وثيقة على مدار سنوات ، وقد عبروا عن الموقف الاخوانى العام وهو أن المهم هو مصلحة التنظيم لا المصالح العامة للبلاد والأمة . فهم حريصون على سلامة عمل المسجد ولا علاقة لهم بالحديث عن تخريب العراق . وظل هذا موقف الاخوان الرافض للعمل الجماهيرى بالشارع ضد العدوان الأمريكى على العراق حتى عدوان 2003 .
وقد شهدت هذه المرحلة إقبال أعداد من الناصريين والقوميين على الانضمام أو التعاون مع حزب العمل عندما لاحظوا إخلاصنا للقومية العربية والوقوف مع العراق القومى البعثى رغم اتجاهنا الاسلامى . ولم يكن موقفنا بدوافع سياسية عملية بل استند لموقف فكرى أصيل يربط بين العروبة والاسلام ويدرك الارتباط بينهما وأنهما دائرتان متداخلتان لا متعاديتان . وكان لنا موقفنا الايجابى من النظم القومية المعادية للاستعمار الأمريكى فى سوريا وليبيا والجزائر واليمن . كذلك كنا نمد يد التعاون مع مختلف التنظيمات القومية العربية خارج مصر وقد تبلور ذلك بصورة أكبر فيما بعد من خلال عدة هيئات : المؤتمر القومى العربى – المؤتمر القومى الاسلامى – الأمانة العامة للأحزاب العربية . وكان عادل حسين يدعو إلى هذا التعاون بصورة مبكرة من خلال مقالاته بجريدة الشعب وتم تكليفى بإعداد وثيقة فكرية أصبحت من وثائق الحزب حول هذا الموضوع : الاسلام والعروبة ومشروعنا الحضارى 1991 والذى صدرت له طبعة ثانية مزيدة عام 2004 .
– 11 –
تفجر الخلافات بين حزب العمل والاخوان
بمناسبة عقد المؤتمر العام لحزب العمل 1993 وبمناسبة أن تقاليد الحزب تعنى أن عقد المؤتمر العام يعنى إعادة انتخاب كافة تشكيلاته بالانتخاب من القاعدة إلى القمة رأى حزب العمل ضرورة مراجعة العلاقة التنظيمية مع الاخوان . فقد أدت ممارسات الاخوان داخل الحزب إلى تعطيل نموه وعرقلة نشاطه الخاص . فكل التشكيلات الحزبية التى غلب عليه التكوين الاخوانى كانت تعمل وتتحرك فى إطار توجيهات وخطط عمل الاخوان وهم بذلك يتحولون إلى عازل يمنع الحزب من النمو ويتحول إلى مجرد مطية للاخوان فيتم استخدام مقراته فى نشاط إخوانى أو أحيانا كما رأيت بنفس عندما زرت المنيا أن الاخوان يغلقون المقر لأنه صغير ، ويمارسون نشاطهم فى المسجد المجاور التابع لهم ، وأذكر أن هذا تكرر بالضبط فى محافظة بنى سويف ، وأماكن أخرى .
وقرر الحزب استبعاد أعضاء الاخوان من انتخابات ومن ثم تشكيلات الحزب على مستوى الجمهورية . وتم تكليف الأستاذ عبد الحميد بركات باعتباره أمين التنظيم بتنفيذ ذلك . وحدثت مشادات فى عدة محافظات بين أعضاء الاخوان والحزب ، فهم يعتبرون أنفسهم أعضاء شرعيين بحكم التحالف بين القيادتين ، وكما ذكرت من قبل كانت قيادة حزب العمل تنظر إلى الأمور نظرة استراتيجية وتتوقع اندماج أعضاء الاخوان فى الحزب بصورة كاملة مع استمرار التحالف بين التنظيمين بل كان تصورنا أن يكون حزب العمل كحزب شرعى من الناحية القانونية بوتقة لصهر حزب اسلامى جديد يضم الاخوان ومختلف العاملين الاسلاميين فى الحقل السياسى كتنظيمات أخرى كالجماعة الاسلامية أو أى قيادات مستقلة . مثلا الشيخ عبد الرشيد صقر أصبح صديقا للحزب ويسافر معه فى وفود دعم العراق إلى بغداد وكان يلقى محاضرات فى الحزب . وقمت بدور حلقة الوصل بينه وبين الحزب وكان مقيما بجوارى فى شبرا . وكذلك قمت بعد سنوات بإقامة جسر مع الشيخ عبد الله السماوى وتوثقت علاقتنا بشكل كبير وكان مقبلا على مواقفنا السياسية باعتبارها تمثل الخط السليم حتى لقد انضم رسميا لحزب العمل فى آخر ايامه وأصبح عضوا باللجنة العليا . وفى هذه المرحلة من حياته كان أكثر اعتدالا من مراحل سابقة حيث كان أحد شيوخ ومنظرى التيارات المتشددة . وأوضحت من قبل بداية علاقتنا مع الجماعة الاسلامية . وسنواصل خلال رحلتنا توضيح وتحليل هذه الجهود التوحيدية التى قمنا بها وهى لا تهدف أى تجميع والسلام ، بل التجميع على أساس برنامج موحد : تحرير مصر من النفوذ الأمريكى والصهيونى وإلغاء كامب ديفيد ووقف التطبيع نهائيا مع العدو الصهيونى .. التنمية المستقلة .. استقلال سياسى واقتصادى بصورة كاملة .. الوحدة العربية .. التعاون الاسلامى .. تحرير فلسطين .. توثيق العلاقات مع الشرق الآسيوى وافريقا وأمريكا اللاتينية .. العدالة الاجتماعية .. التعددية السياسية وحرية الرأى والتعبير ونزاهة الانتخابات .. المواطنة الكاملة لكل المصريين والمسيحيين لهم مالنا وعليهم ما علينا . أى باختصار برنامج حزب العمل و ينضم إلينا من يقتنع به . وفى نفس الوقت كنا منفتحين على الحوار حول إجراء أى تعديلات أو تحويرات أو إضافات لهذا التصور ، ولكن الحركات الاسلامية كانت متعالية علينا ولا تأخذنا مأخذ الجد كجزء من التيار الاسلامى ، ولكن قيادات اسلامية مستقلة عديدة اقتنعت بنا ، وانضمت لنا أو تعاونت معنا .
كان قيادات الاخوان أبعد ما يكونون عن هذا التصور ، فهم لديهم شعور عميق بالاكتفاء الذاتى وهم لا يحتاجون أحدا لدعمهم فى المجال الاسلامى . وهم لا يقيمون وزنا بالذات لحزب العمل ويسمونه حزبا قوميا لا يرقى إلى مستوى الإسلامية !! وأن الاندماج فيه أو معه فكرة خرافية لا تطرأ على بالهم ، ولا يمكن أن يقبلوها ، وإذا طرحها أحد قادة حزب العمل خلال المناقشات يسمعونها ولا يردوا عليها إلا بالغمغمات أو الابتسامات . وكنا فى المقابل نتحصن بالصبر ، ونراهن على الممارسة وقادم الأيام فقد تعركنا المعارك المشتركة التى نخوضها معا وتصهرنا معا . كنا نعتصم بالصبر لأننا كنا نؤمن بمشروع كبير لنهضة البلاد وكل المنطقة العربية ، ولم تكن لنا أغراض حزبية أو شخصية . بل كنا على يقين أننا نزعج السلطات والقوى العالمية ذات النفوذ فى مصر .
نعود إلى الأزمة التى تفجرت بين حزب العمل والاخوان بدءا من عام 1992 وعقب تجربة المحليات التى ظهر فيها هذا التنافر الكبير بين الطرفين . واصل عبد الحميد بركات هذا العمل الثقيل والتقى مع مأمون الهضيبى وعصام العريان بعد أن اشتكى الأول لعادل حسين من سعى بركات لفصل عضوية الاخوان من الحزب . كان بركات يمثل وجهة نظر الحزب ولا يتصرف فى الأمر بشكل شخصى . وفى اللقاء كان بركات صريحا وبدون أى لف أو دوران قال لهما : إن الأمر لايمكن أن يستقيم هكذا ، نحن لا تستطيع أن ندير الحزب وعضوية الاخوان لا . تلتزم بنا ، فما فائدة وجودها وقال الهضيبى : طبعا لابد للاخوان الموجودين بالحزب أن يلتزموا بتعليماته . فقال بركات : لقد سألت أحد القيادات المحلية الاخوانية فى إحدى المحافظات ، وذكر اسمه ، هل إذا جاءتك تعليمات من ابراهيم شكرى أو مشهور فبأى التعليمات تلتزم وتنفذ : قال أنفذ تعليمات مشهور طبعا . وقال بركات لهما : لايمكن الأمور أن تسير هكذا ، فهذه الممارسة تقضى على وجود حزب العمل ويحوله لمجرد أداة للإخوان . ووعد الهضيبى بمعالجة الأمر . ولكن الأمر لم يحل واستدعى الأمر عقد اجتماع موسع حضره من الاخوان الهضيبى وعصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وسيف الاسلام حسن البنا ومن جانب حزب العمل ابراهيم شكرى وحلمى مراد وعادل حسين وبركات . وأكد قادة حزب العمل أن إزدواج العضوية والهوية يخلق مشكلة ، وهى ظاهرة غير صحية تضر بجوهر فكرة التحالف .
مالم يقال صراحة فى هذا الاجتماع وغيره أن حزب العمل كان يتصور درجة مختلفة من التحالف بمعنى أن تكون عضوية الاخوان أشبه بحالة الانتداب التى تجرى بين مؤسسات الدولة ، حيث يخضع المنتدب لتعليمات الجهة المنتدب إليها طوال فترة الانتداب وحتى انتهائه ، وعودته إلى مؤسسته الأصلية، ولكن الاخوان كانوا يتصورون أن حزب العمل هكذا سيستولى على رأسمالهم البشرى الذى تعبوا فى تكوينه ، وفى المقابل لا شك أن حزب العمل يرغب فى استيعاب هذه العضوية وتحويلها إلى عضوية أصيلة . ولكن كنا نظن والله يعلم سرائر النفوس أننا نسعى لمشروع اسلامى كبير وليس التكالب على مغنم حزبى ، ولذلك كنا منفتحين على إنضمام بعض قيادات الاخوان للقيادة العامة للحزب ، كما وافقنا فعلا على إنضمام 34 نائبا اخوانيا للجنة العليا للحزب ورفض الاخوان . كنا نؤمن كما أسلفت بمشروع يفصل تنظيميا بين تنظيم الدعوة والحزب الاسلامى وهى تجربة حدثت فعلا كما ذكرت فى الأردن والمغرب وفشلت بدون وجود طرف ثالث يماثل حزب العمل . أى حدثت تجربة الفصل بين الدعوى والسياسى من ذات التنظيم الاخوانى .
وإذا عدنا إلى الاجتماع الثمانى المشار إليه فلم يكن بالإمكان للطرف الاخوانى أن يوافق على إزدواج الهوية والعضوية لأنه أمر غير منطقى لا يمكن أن يهيىء المناخ لعمل سياسى حزبى سلس مخلص فقال مأمون الهضيبى : بطبيعة الحال لابد أن يلتزم العضو ذو الأصل الاخوانى بتعليمات وتوجيهات حزب العمل . ولكن لما تبين أن ذلك نوعا من المراوغة وأن أعضاء الاخوان لا يلتزمون عمليا بتوجيهات الحزب . عاد الأمر ليناقش من جديد بين القيادتين وأقر الهضيبى بحل جديد ، وهو أن يطلب حزب العمل من أعضاء الاخوان أن يختاروا بين حزب العمل والاخوان وعلى أساس الصدق والالتزام الحقيقى ، وبالتالى لا يبقى فى حزب العمل إلا من ينتوى الالتزام به ويخرج الآخرون . مع الأسف حدثت أكبر مراوغة يمكن أن تحدث فى التاريخ فبقيت أقلية من عضوية الاخوان فى حزب العمل ولكنها ظلت على ولائها للاخوان ، وتتصرف داخل حزب العمل بشكل ملتوى . وهذا نوع من الكذب الصريح وخيانة للأمانة . وكنا نتصور فى حزب العمل كلما واجهنا تصرفا غير مستقيم لأحد هؤلاء الأعضاء ذوى الأصل الاخوانى ، كنا نتصور بحسن نية أن هذه من مظاهر عدم التكيف وعلينا أن نصبر عليهم ليستقيم أمرهم ، ولكن مع السنين تبين أن كلهم جميعا ظلوا على ولائهم للاخوان وبعضهم ترك الحزب صراحة وعاد وانضم صراحة للاخوان ، وهذا أسلوب ردىء للعمل السياسى ، ولا يجوز إطلاقا أن يمارسه اسلاميون . ويذكرنى هذا بوقائع أصبحت ثابتة عن أن الاخوان المسلمين كان من سياستهم قبل 1952 اختراق الأحزاب السياسية لمعرفة ما يدور فيها . ولكن ما حدث معنا كان أسوأ من ذلك فليس الغرض من الاختراق هو معرفة معلومات عن حزب العمل من داخله ، ولكن التأثير فى مواقفه السياسية من خلال التواجد فى قيادة التنظيم وبعض اللجان . ووصل الأمر فى مرحلة تالية إلى التعاون مع بعض المنشقين عن الحزب . وفى مؤتمر الحزب عام 1993 لعبوا دورا صريحا فى إسقاط اثنين من أخلص القيادات الحزبية فى المجال التنظيمى فى انتخابات اللجنة التنفيذية بالمؤتمر ، وذلك انتقاما منهما لدورهما فى إخراج الاخوان من تشكيلات الحزب . وهكذا أصبح دورهم تخريبيا . لايبنون فى الحزب ويسعون لإسقاط أخلص من يبنى فى الحزب .
– 12 –
كتاب فقه التغيير السياسى فى الاسلام
ومن علامات التأزم فى العلاقات ما كان يحدث فى دورات التثقيف فقد كانت العضوية ذات الأصول الاخوانية لا تخفى معارضتها لأى أفكار تتعارض مع أفكار وتجربة الاخوان ، مثل معارضتهم لبعض ما ورد فى وثيقة ” فقه التغيير السياسى فى الاسلام ” التى كتبتها وتمت مراجعتها وإقرارها فى الحزب ولكن صدرت فى كتاب باسمى حتى يمكن تداولها فى الأسواق . وقد قامت الدراسة فى أحد محاورها على التمييز بين خطين أساسيين فى الحركة الاسلامية : الأول سميته مدرسة التربية ، وكنت أقصد الاخوان والتيارات السلفية بدون ذكر ، التى تقوم على أساس التربية الدينية ولفترة طويلة من العمل وتأجيل الانخراط فى العمل السياسى الوطنى ، حتى إذا قررت العمل السياسى تمارسه بدون خبرة . ولكن المسألة ليست مجرد اكتساب الخبرة ، فالعمل السياسى بالمفهوم الاسلامى يقوم أساسا على المبدأ القرآنى : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فهذا جزء لا يتجزأ من العقيدة ، وهو أمر لايمكن تأجيله .
الخط الثانى هو مدرسة العنف وكتبت رافضا لها جملة وتفصيلا . ثم تحدثت عن الخط الثالث الوسط الذى يمثله حزب العمل الذى يجمع بين التربية والعمل السياسى والسعى للتغيير السلمى وتنبأت به بأن التغيير القادم فى مصر لن يكون إلا عبر ثورة سلمية شعبية .
هذه الوثيقة صدرت فى عام 1993 أى فى ذروة الأزمة مع الاخوان ، ولم يكن لها علاقة بهذه الأزمة ، فقد كتبت فى إطار عملية البناء الفكرى لحزب العمل . ولكن الأعضاء ذوى الأصول الاخوانية كانوا يعترضون على ماورد فيها عن مدرسة التربية باعتبارها تقدم نقدا صريحا لمدرسة الاخوان .
فى تلك الأيام أبلغنى الأستاذ عادل حسين أنه أثناء لقاء له مع المستشار مأمون الهضيبى قال له عرضا : مش كتير قوى إن مجدى حسين يكتب فى الفقه !
هذه الكلمة العارضة تكشف الكثير عن كيف يفكر كبار الاخوان وكيف ينظرون إلى العالم ؟ فمن ناحية الفقه الاسلامى مسألة كهنوتية لايبدو أن شخصى الضعيف خريج مدارس الحكومة والممارس للسياسة والصحافة يمكن أن يقترب منها . وفى نفس الوقت لا نرى أى مواقف أو دراسات فقهية لحركة كبرى كالاخوان المسلمين والمفترض أن تقدم فقيها أو أكثر لمصر والعالم الاسلامى . وكل الفقهاء اللامعين الذين أشرت إليهم من قبل ليسوا على علاقة بالاخوان أو تركوا التنظيم أو طردوا منه . إذا كان المستشار مأمون قائدا أو فقيها إسلاميا لقرأ هذا الكتيب وطلب مقابلتى وناقشنى فيه ليصحح أفكارى إذا كانت خاطئة . وهذا هو دور الداعية الصبور . أما احتقار شأن الأصغر سنا أو مقاما أو احتقار التنظيم الأصغر والصادر عنه من اجتهادات ليس من شيم وأخلاق الاسلام والمسلمين . لا أعتقد انه قرأ الكتيب . وإذا كان قد قرأه فلماذا لم يناقش عادل حسين ؟ أو كاتب الدراسة فى أخطائه ؟ ولماذا لايعلمنا الاسلام الصحيح ؟ أعلم ان تغيير المواقف السياسية والفكرية من أصعب الأمور فى الحياة بالنسبة للعقائديين ، ولكن الواجب يحتم على المسلم أن يظل يحاول إقناع أخيه بالصواب . بل هذه الدراسة التى بين أيديكم ما هى إلا مواصلة السعى لإقناع الاخوان بالعدول عن عدد من مواقفهم الأساسية بدون أمل بإقناع الكبار ، بل بأمل إقناع الشباب منهم أو الأنصار . وفى الحد الأدنى لإقناع الشباب والكبار من المتدينين والوطنيين بعدم الوقوع فى هذه الأخطاء .
احتقار الآخرين هو من أهم الأخطاء التى أودت بالاخوان . وهذا مرض أصاب أغلب الاخوان ، الصغار والكبار ، القدامى والجدد . وأشير إلى واقعتين من اثنين من القادة الذين انشقوا على الاخوان دون ذكر اسميهما لأننى لا أستهدف أبدا التعرض للأشخاص عدا الرموز الأساسية .
1 أحد القادة من الجيل الوسيط الذىن انضموا للاخوان ضمن تيار طلاب الجامعة الذى كان يسمى الجماعات الاسلامية وكان لا يزال فى الاخوان ، وأثناء مناقشة فى إطار مجموعة ضيقة وجاء الحوار عن مواقف الجماعة الاسلامية فقال : لماذا ننشغل بما يقولون أو يفعلون ما هو حجمهم ؟ وما هو عددهم ؟
2 – وفى جلسة ضيقة أخرى قال زميل له من نفس الأصول أى من الجماعات الشابة التى انضمت إلى الاخوان ، قال فى الجلسة بدون ضرورة : إن الاخوان رقم صعب ولا يمكن أن يجرى شىء فى المجتمع بدونهم . ولم تكن الجلسة تناقش أهمية الاخوان ولا تقوم بأى عملية لتقييمهم .
مأمون الهضيبى والفقه
كما ذكرت فإن لقاءاتى مع المستشار مأمون الهضيبى كانت قليلة حيث كان يتولى الاتصال به ابراهيم شكرى أو عادل حسين ولكننى أتذكر بالتأكيد ما دار بيننا فى هذه المرات القليلة . فى هذه الفترة من أوائل التسعينيات من القرن العشرين ، تواصلت عملية حصار العراق بعد انتهاء الحرب فى عام 1992 ولم نتوقف نحن والقوى الوطنية خاصة الناصريين عن التظاهر فى الشوارع فى صورة وقفات أمام السفارة الأمريكية أو غير ذلك . كنت فى كل منعطف سياسى وكما فعلت وسأظل أفعل حتى إسقاط مبارك ، أحدث نفسى : لماذا لا نحاول إقناع الاخوان بهذا الموقف أو ذاك ؟ وقد فشلت فى كل المرات ، فلربما كانوا هم على صواب دائم وأنا والحزب على خطأ دائم . أذكر جيدا إننى طلبت لقاء الأستاذ مأمون الهضيبى ، والحقيقة فقد كان هو و كل قادة الاخوان يرحبون بى ويستقبلوننى أحسن الاستقبال وفى أى وقت . عدا مرة واحدة أو مرتين سيأتى الحديث عنهما .وهذه من الخصائص والسمات العامة للاخوان وهو التعامل الودى والأخلاقى البشوش بغض النظر عن نتيجة اللقاء . طلبت لقاء الهضيبى لمناقشته فى عزوف الاخوان عن المشاركة فى العمل الجماهيرى بالشارع ضد العدوان الأمريكى المستمر على العراق رغم أنتهاء مشكلة الكويت . وطلبت مشاركة الاخوان فى التضامن مع شعب عربى مسلم مظنة أن ذلك من واجبات المسلم ، وأن تعاظم العمل الجماهيرى فى مصر بالذات يخيف الأمريكان ويردعهم إلى هذا الحد أو ذاك . ورد على الأستاذ مأمون بعرض القاعدة الفقهية التى تقول : إن الخروج على الحاكم إذا كان سيؤدى إلى الفتنة فلا يجوز . وقلت له : إننا لا ندعو للخروج على الحاكم ولكن إلى مظاهرات ضد الاحتلال الأمريكى للخليج ومحاصرة العراق بأقسى عقوبات . قال لى : أعلم ولكننا بالتظاهر ضد أمريكا بدون موافقة الحكومة سيؤدى إلى صدام وهنا تكون الفتنة ويحدث الخروج على الحاكم فى وقت غير مناسب . لم أواصل الحوار لأنه كان يبلغنى موقفا رسميا ولم أتصور أننى يمكن أن أستميله لموقفنا . وهذا الحديث لا يلاحظ أن حديث الفقه عن الخروج على الحاكم المقصود به الخروج المسلح . وكان يمكن تطوير العمل الجماهيرى ضد أمريكا بدون الدخول فى مواجهة شاملة مع الحكومة . كنا نرى إن تدمير العراق من خلال هذا الحصار الجائر أمر خطير لا يمكن السكوت عنه وهو يضر بكل أمة العرب والمسلمين لا بالعراق وحده . وإن المظاهرات ضد أمريكا أمر مختلف عن مسألة الخروج على الحاكم .
وقد برهنت السنوات السابقة على ذلك والتالية أن هناك قانونا يحكم حركة الاخوان : إن الاخوان لا ينزلون إلى الشارع إلا بالتوافق والتفاهم مع الحكومة ، وهذا ما حدث عام 2003 عند غزو العراق . ولكن الاخوان يكسرون هذه القاعدة عندما يتعرض التنظيم للخطر أو الهجوم المباشر .
– 13 –
فوز الاسلاميين فى الجزائر
فازت الجبهة الاسلامية للانقاذ فى الجزائر بالمجالس البلدية عام 1991 ثم اكتسحت المرحلة الأولى للانتخابات التشريعية فى آخر 1992 بنسبة 80 % من المقاعد . هذا التطور يبدو بعيدا عن متابعة أحوال الحركة الوطنية والاسلامية فى مصر ، ولكنه يهمنا لفهم حركة الاخوان المسلمين . هذا فى المحل الأول والأساسى لأن الفروع المختلفة لحركة الاخوان يكمل بعضها بعضا فى فهم أزمة هذه الحركة وسنجد لها مواقف صارخة فى الانحراف بالمفاهيم الوطنية والاسلامية والانسانية فى الجزائر واليمن ولبنان والعراق . كما أن إلقاء نظرة سريعة على الأحوال العربية لا يخلو من فائدة مصرية ، فالهم مشترك والمعاناة واحدة رغم وجود كثير من الاختلافات الجوهرية فى تكوين كل مجتمع على حدة .
كان الأستاذ عادل حسين صاحب نظرة ثاقبة والتفت بشدة إلى تطورات الجزائر ، فعقب فوز الجبهة الاسلامية للانقاذ بانتخابات البلدية استدعانى للقاء وتحدث معى عن أهمية هذا الحدث وتأثيره على المنطقة العربية . ورغم بعد الجزائر جغرافيا عن مصر فإنه كان ينظر دائما إلى الوطن العربى ككل بل إلى كل العالم الاسلامى ، وكما اهتممنا بإيران وسافرت لها عام 1986 ، وسافرت بتوجيه منه إلى أذاربيجان وأجلت دعوة فى منتهى الأهمية لزيارة الهند بناء على دعوة من وزارة الخارجية الهندية . هكذا يجب أن تكون سعة أفق القائد .
طلب عادل حسين منى السفر للجزائر لفهم ما يدور هناك ومعرفة تفاصيل أحوال الحركة الاسلامية الجزائرية بكل فروعها . وبالفعل سافرت للجزائر عقب إعلان فوز الحركة بالبلديات . ثم سافرت مرة ثانية عقب اكتساح الجبهة الاسلامية للانتخابات التشريعية للمرحلة الأولى حيث عاصرت الانقلاب العسكرى الذى أطاح بالشاذلى بن جديد وألغى الانتخابات . ولكن سأركز حديثى فى هذه الدراسة على وضع الاخوان المسلمين فى الجزائر لأن هناك خصائص مشتركة لتنظيم الاخوان بين البلدان المختلفة وهذه الدراسة تركز على مصر وتسعى إلى تحليل تجربة الاخوان فى مصر أساسا .
بدون الدخول فى التفاصيل كانت حركة الاخوان بالجزائر تعمل كجماعة دعوية غير منغمسة فى السياسة ، وكانت الحياة السياسية عموما مصادرة فى ظل نظام الحكم الواحد : جبهة التحرير الوطنى . فى أواخرالثمانينيات اندلعت انتفاضة شعبية مهدت لمرحلة التعدد الحزبى وقام الاخوان بتأسيس حركة مجتمع السلم ومختصرها حمس بقيادة محفوظ نحناح . بينما تجمعت باقى الحركات الاسلامية ومعظمها ذات طابع سلفى فى الجبهة الاسلامية للانقاذ وهى التى اكتسحت انتخابات البلديات عام 1991 ، وهى انتخابات مهمة وليست كمصر لأن النظام الجزائرى يحاكى النظام الفرنسى والأوروبى حيث تكون للمحليات سلطة حقيقية وهى التى تحدد الميزانيات وأوجه الانفاق والمشروعات المحلية . ولم يحصل الاخوان على أى مكاسب تذكر . أما فى الانتخابات التشريعية فى مرحلتها الأولى حيث حسمت 80 % من المقاعد فقد اكتسحتها الجبهة الاسلامية للانقاذ ولم يحصل الاخوان على مقعد واحد . وفى ظل انتخابات حرة فإن لهذه النتيجة دلالة قاطعة على الفشل الجماهيرى لجماعة الاخوان . فى هاتين الزيارتين حيث التقيت بالعديد من القيادات من كل الأطراف الاسلامية وغير الاسلامية وممثلى النظام الحاكم يمكن أن أركز الآن على التالى :
رغم تعاطفى الشديد مع جبهة الانقاذ باعتبارهم هم قادة التغيير الثورى الاسلامى . لاحظت بانزعاج شديد ميل بعض قادة الجبهة إلى التشدد الفقهى مثل مجالات الفنون والآداب . والانغلاق عن التيارات الأخرى بما فى ذلك التيارات الاسلامية الأخرى وحتى بن بيلا الرئيس الجزائرى السابق الذى انتقل من مواقع القومية إلى الاسلام بفكر مستنير كانوا لا يقيمون له وزنا ولا يهتمون باحتضانه . وحتى إذا اكتسحت البرلمان بنسبة 80 % فإن هذا لايبرر الإعجاب بالنفس وتصور إمكانية الاستغناء عن الآخرين . وكانت صحيفتهم شديدة البؤس من الناحية المهنية والفنية والطباعية وكانت لا تزيد عن 4 أو 8 صفحات صغيرة أى تابلويد . ومع ذلك فقد كانت مهتمة بمهاجمة محفوظ نحناح زعيم الاخوان بالكلمة والكاريكاتير إلى حد وصفه ببابا نويل على أساس أن لحيته ليست إسلامية ولكنها تشبه لحية بابا نويل . وهذا أمر غريب . فإذا كنت قد اكتسحت الانتخابات فى مواجهة الجميع بما فى ذلك الاخوان ، فما أهمية أن تعطى اهتماما بالتشفى بالاخوان ومهاجمتهم ، بينما كانت المخاطر محدقة بهم من الانقلاب العسكرى . مع الأسف كانت جبهة الانقاذ تحمل فى طياتها الأمراض الشائعة فى أوساط الحركة الاسلامية ومنها الإعجاب بالنفس والتعالى على الآخرين . كانت أكثر فهما للسياسة من الاخوان وأكثر ثورية بالتأكيد إذ كانت أول من بادر بالمطالبة بتطبيق الشريعة الاسلامية قبل اندلاع انتفاضة 1989 . ولكنها لم تتخط أمراض الانغلاق كذلك التصريح الذى قاله أحد قادتهم بمهاجمة الديموقراطية والتصريح بأن على الشعب الجزائرى أن يستعد لتغيير أسلوب حياته وكأنهم سيفرضون عليه ذلك . وكانوا معجبين بكثرتهم . وكانت لهم بالتأكيد شعبية واضحة ولذلك اكتسحوا الانتخابات الحرة ، ولكن حتى وإن يكن معك 70 % من الشعب فهذا لايكفى لابد من التواضع ودعوة الجميع للالتفاف حول هدف واحد للوطن .
هذه مجرد انطباعات لمن تابع عن كثب الأوضاع فى الجزائر وليس تحليلا شاملا لأزمة الجزائر ، التى تخطاها الزمن الآن ، ولكن هل تعلمت الحركة الاسلامية منها ؟ لا أدرى ولا أظن !
ولكن ماذا عن اخوان الجزائر وقد التقيت بهم عدة مرات خلال هذه الأزمة فى الجزائر ، وفيما بعد . فى المقابل لم يكون الاخوان فى حالة أفضل من الانقاذ بل على العكس ، وكانوا شديدى العداء للانقاذ فى مقابل أن الانقاذ لم يقدم لهم يدا حتى وإن لم يحصلوا على مقعد واحد فى البرلمان . تأليف القلوب وتجميع الاسلاميين وغير الاسلاميين مهم جدا فى مثل هذه المنعطفات التاريخية بل وفى كل الأحوال . وعدم الحصول على مقعد واحد فى البرلمان لايعنى أنك معدوم التأثير فى الواقع . التقيت للمرة الأولى بمحفوظ نحناح رئيس حزب حركة مجتمع السلم – الاخوان فى المقر الرئيسى للحركة وكان شديد الاستياء والغضب من مسلك حركة الانقاذ تجاهه . والحقيقة لقد دفعوه دفعا لذلك بشدة الهجوم عليه ، كان يتعين عليه أن يضبط نفسه من أجل الصالح العام للبلاد والحركة الاسلامية . كنت قد التقيت به ليلة الانقلاب العسكرى واتضح لى أنه كان على علم به ، وقد قال لى على سبيل الجزم إن الأمور لن تسير هكذا وسيحدث تطور خطير فى القريب العاجل يوقف سيناريو جبهة الانقاذ . وأخذت كلامه على محمل الجد ، ولكننى لم أتصور وقوع انقلاب عسكرى فى صباح اليوم التالى يطيح بالرئيس الشاذلى بن جديد ولكننى تأكدت بعد حدوثه أن محفوظ نحناح كان على علم دقيق به .
مهما كان الخلاف بين الاخوان وحركة الانقاذ فما كان هذا يمكن أن يؤدى إلى انحياز الاخوان للانقلاب العسكرى . وستصاب بحالة من الهذيان إذا قارنت بين موقف الاخوان من الانقلاب العسكرى فى الجزائر وبين موقفهم من 30 يونيو فى مصر . المبدأ واحد لا يتغير : مصلحة التنظيم .. مصلحة الجماعة .. مصلحة الدعوة !! فإذا كان تدخل الجيش لإلغاء الانتخابات فى مصلحتهم يكون رائعا ، وإذا كان تدخل الجيش فى غير مصلحتهم فهم مع الشرعية والديموقراطية . والأمر لم يقتصر فى الجزائر على إصدار بيان تأييد للحكم العسكرى ولا الوقوف على الحياد أو الصمت ، بل أدى إلى إنخراط شديد فى التعاون بل وصل إلى حد المشاركة مع النظام العسكرى فى الحكم بأربعة وزراء فور نجاح واستقرار الأوضاع . وأذكر أنه كان من بينهم وزير الصناعة وهى وزارة مهمة . وظلوا يشاركون فى الحكم لسنوات . وفى تلك الفترة حدثت مجازر العشرية السوداء والنزيف الدموى بين الاسلاميين والنظام ، وبدون الغوص فى تحليل هذه الأزمة ، يمكن التأكيد على أن جبهة الانقاذ انسحبت من العمل المسلح وبقيت مجموعات اسلامية متطرفة تواصل العمل المسلح أشهرهم سمى نفسه الجماعة الاسلامية ولعبت المخابرات الجزائرية دورا خطيرا فى إشعال الأحداث بتكوين جماعات تقتل المدنيين باسم الجماعة الاسلامية ولم تكن أحداث قليلة . وقد صدرت عن المخابرات الفرنسية كتبا توثق هذه الحقيقة . ما يهمنا هنا أن نقول إن الاخوان فى الجزائر كانوا على اتصال بدوائر السلطة والجيش قبل الانقلاب العسكرى ثم أيدوا هذا الانقلاب الذى يستهدف التيار الاسلامى الناجح فى الانتخابات ، ثم اشتركوا فى الحكم لعدة سنوات بعدد من الوزراء وستجد هذه الحقيقة منزوعة من المواقع الاخوانية . استمروا فى الحكم مع نظام يمارس القتل الواسع النطاق فى مواجهة التيار الاسلامى وبعض المدنيين . الاخوان كانوا شركاء فى الحكم فى سنوات قتل فيها ما يقرب من 200 ألف جزائرى ويتحمل النظام المسئولية الأكبر عن هذا الشلال الدموى ، لانقلابه على الانتخابات أولا ثم لحملته القمعية التى تجاوزت الاعتقالات إلى حمامات دم لا مثيل لها . وتشارك المسئولية مع النظام المجموعات المسلحة التكفيرية . ويحسب لجبهة الانقاذ إنسحابها من العمل المسلح بعد أن أدركت حقيقة الفتنة التى لن تصل إلى أى شىء لصالح الجزائر أو لصالح الاسلام ، وكان يمثلها الجيش الاسلامى للانقاذ وإن كان عباسى مدنى زعيم جبهة الانقاذ ينفى مسئوليته عن تأسيس هذا الجيش لأن كل القيادة لم تقرر ذلك وكانت كلها فى السجن . ما يهمنا هنا هو مشاركة الاخوان فى هذه الجريمة من موقع الحكم المؤيد لنظام غير شرعى ، نظام انقلابى قال رئيس مخابراته العمارى
حرفيا: إني مُستعد لقتل ملايين الجزائريين إذا تطلّب الأمر للمحافظة على النظام الذي يُهدده الإسلاميون. وأنا أشهد أنه كان في غاية الجدية“!
(جزء من شهادة ضابط المخابرات الجزائري السابق محمد سمراوي)
– 14 –
من الجزائر إلى اليمن
بعد الضربة التى تلقتها الأمة فى العراق وأصابت الحركة الوطنية
والاسلامية بالإحباط الشديد . فقد تم تدمير العراق بشكل واسع
ووضعه تحت الحصار بعد حرب عاصفة الصحراء عام 1992 . ولكننا فى حزب العمل ورغم مشاعرنا الحزينة كنا نواصل رفع راية التفاؤل والأمل وأكدنا أن العراق صامد وسيظل صامدا أمام الحصار وبدأنا حملتنا لفك هذا الحصار وشاركتنا معظم القوى الوطنية ، كنا نشارك فى قوافل دعم العراق ، وأقمنا عدة أسواق خيرية تضامنا مع العراق وسلمنا حصيلة البيع للسفارة العراقية وتنظيم المسيرات والوقفات أمام السفارة الأمريكية ، وجمع التوقيعات لرفع العقوبات الدولية والأمريكية عن العراق ، وتغير الموقف الاعلامى الرسمى وأصبح أكثر تعاطفا مع العراق وشاركت مصر فى برنامج النفط مقابل الغذاء للعراق رغم سوء هذا الأسلوب .
عندما وقعت القارعة الجزائرية وانتصر الاسلاميون فى المحليات والمجلس التشريعى كتبت فى إطار البحث عن الأمل : إن الأمة ترد على غزو العراق بتحرير الجزائر من النفوذ الفرنسى والغربى . والمعنى العام صحيح ولكن الأعداء لا يستسلمون فيعودون ليردوا علينا فى الجزائر وقد كان لفرنسا دور خطير فى التحفيز على الانقلاب والاعداد له كما أوضح لى عبد القادر حشانى زعيم الجبهة الاسلامية للانقاذ عندما التقيته فى مقر الجبهة قبل الانقلاب بيومين ، حيث قال لى : إنه يتم حشد الجزائريين المقيمين فى فرنسا فى رحلات جوية مكثفة وغير عادية ولا بد أنهم يعدون شيئا .
الأمر لا يخلو من تدافع : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . ضربونا فى العراق وجاء الرد عليهم فى الجزائر فعادوا وضربونا فى الجزائر وجاء الرد فى اليمن ، وفى هذه المرة انتصرنا وأكدنا النصر وتم تثبيته . ولكن قبل أن أنتقل من الجزائر إلى اليمن لابد من الإشارة وهذه السطور تكتب فى عام 2023 إلى أن الجزائر قد عادت إلى نفسها بصفوف تالية من الجيش وجبهة التحرير الجزائرية وأن عهد الرئيس تبون حاليا يقود الجزائر فى صحوة غير مسبوقة ويعيد الجزائر إلى دورها القيادى فى الوطن العربى وافريقيا بل وعلى المسرح الدولى بأسره بعلاقات استراتيجية مع روسيا والصين والسعى لدخول البريكس ، وبموقف ملفت للنظر ضد اسرائيل ودعما للقضية الفلسطينية ، بالاضافة لنهضة اقتصادية حقيقية فى مجال الاستخراج والصناعة والزراعة وهو أمر يستحق المتابعة والتأمل والتحليل والتأييد . النظام بوضعه الحالى يعطى فرصة تاريخية لكافة القوى الوطنية والاسلامية للالتفاق حوله لتحقيق نهضة عظمى مستحقة للجزائر . وأرى أن التجربة الجزائرية يمكن أن تلهم البلاد العربية وتلهمنا فى مصر حكاما ومحكومين .
وهكذا نحن لم نخسر الجزائر بل استعدناها مرة أخرى فى إطار المشروع التحررى العربى بعد 3 عقود من الضياع .
ولكن ماذا حدث فى اليمن ؟
كنا فى حزب العمل كحزب مصرى عربى اسلامى نتعاطف مع نظام على عبد الله صالح وكانت معلوماتنا عنه أنه قومى عربى أو له جذور بعثية وكنا نرى أن الموقف من العدوان على العراق هو محك لتحديد الموقف من أى نظام أو حزب أو جماعة وقد كان موقف اليمن واضحا مع العراق . وكذلك أيدنا تقارب تنظيم الاخوان المسلمين وكان يسمى حزب الاصلاح مع النظام ، ومن ثم كنا نؤيد مشاركتهم عبر الانتخابات فى حكومة ائتلافية مع حزب المؤتمر الشعبى الحاكم فى اليمن الشمالى . كما تعاطفنا مع تجربة الاخوان فى المشاركة فى حكومة الأردن وقت أن كان النظام الأردنى متعاطفا مع العراق وأكثر انفتاحا على اسلاميى الأردن . فقد كنا نؤمن بضرورة إنخراط الاسلاميين فى العمل السياسى السلمى .
فى إبريل 1994 نشبت حرب بين شمال وجنوب اليمن ولم نحتج لتفكير طويل كى ندرك أهمية إعادة توحيد اليمن ، ورغم أننا لم نعلن الحرب على الشيوعية فى اليمن الجنوبى أو غيرها ، لم تكن هذه معركتنا يوما لأننا لم نر فى الشيوعية خطرا على الأمة بل بالعكس نرى ولا نزال أن الشيوعية قد انتهت كمنظومة فكرية على مستوى العالم ، ولكننا لا نعادى من لا يزال متمسكا بها طالما أنه لا يحارب الاسلام بل نتعاون معهم ضد الحلف الصهيونى الأمريكى . بل وأكثر من ذلك كنا نرى أن نظام اليمن الجنوبى قد عاد إلى جذوره الأصلية أى إلى حركة القوميين العرب ، ولكنه يعانى من مشكلات الفساد وفقدان الرؤية ، وهو نظام لم ينجح فى تقديم نموذج تنموى ، حتى وهو يتلقى كل الدعم من دولة عظمى هى الاتحاد السوفيتى ، و”نجح” فى الوقوع فى مستنقع الخلافات القبلية والصراع على السلطة بين المجموعات المختلفة .
اليمن كان قد أصبح موحدا عام 1990 باتفاق مشترك ، ولكن على سالم البيض نائب على عبد الله صالح وحاكم اليمن الجنوبى أعلن انفصاله عن الوحدة الاندماجية وبعد إقرار دستور لها وبعد تمثيل الحزب الاشتراكى اليمنى الجنوبى فى الحكم . ومن الطبيعى وكما أيدنا الوحدة السابقة فنحن مع إعادة توحيد اليمن ، كما نحن مع أى وحدة بين أى بلدين عربيين أو اسلاميين بغض النظر عن طبيعة الأنظمة السياسية . كان موقف شمال اليمن شرعى ودستورى وكان يحق لهم استخدام القوة لاستعادة الوحدة الدستورية .
فى هذه اللحظة استوقفنى أحد المتشائمين وقال لى : إنتم تندفعون لتأييد اليمن الشمالى ولقد هزمنا من قبل فى العراق والجزائر واحتمالات الهزيمة ليست قليلة فى هذه الموقعة فلا تندفعوا فى التأييد . قلت له أعتقد أن هذه المعركة لن تكون خاسرة بإذن الله . والأساس أن هذا واجبنا أن ننحاز للحق دائما بغض النظر عن النتائج .
فى هذه الدراسة انتقدت حزب العمل نقدا ذاتيا كما يقولون فى التنظيمات السياسية وسأواصل هذا النهج ولكن لابد من الإنصاف فى المواضع التى تستحق ذلك . مواقفنا المتتالية فى هذه الفترة تعكس إخلاصنا لأمتنا العربية والاسلامية فنحن لا ننحاز على طول الخط لتيار معين أو حزب معين أو دولة معينة . نحن مع المصالح العليا للأمة كما نراها . وبالتالى كنا ضد نظام صدام حسين عندما اعتدى على إيران وكنا مع العراق عندما اعتدى عليه الأمريكان وكنا مع طالبان فى جهادها ضد الاحتلال وكنا مع جبهة الانقاذ الجزائرية غير الاخوانية وكنا مع القومى على عبد الله صالح ثم مع تحالفه مع اخوان اليمن وهكذا لا يربط بين كل هذه المواقف إلا رفض الاعتداء على الأمة من أعداء الخارج ومع اختيار كل شعب لحكامه . ومع الوحدة العربية فى ظل أى أنظمة ، لأن الوحدة فى ذاتها هدف ومبدأ اسلامى .
أرسلت جريدة الشعب الزميل أحمد السيوفى لتغطية المعارك وتعرض لمخاطر شديدة وهو يغطى تقدم قوات الشمال فى اتجاه الجنوب . وكان يحكم الشمال حكومة ائتلافية تضم حزب التجمع اليمنى للاصلاح أى الاخوان وكان موقفه مبدئيا وممتازا حيث قاتل مع حزب المؤتمر من أجل إعادة توحيد اليمن . ونحن نؤمن بالوحدة العربية ومن الطبيعى أن نكون مع وحدة كل بلد عربى ، مع وحدة اليمن ثم مع وحدة السودان ، ونرى استقلال السودان فيما مضى عن مصر نوعا من التخريب وإلإضرار بالبلدين والأمة جمعاء ، وكذلك نرى انفصال جنوب السودان الذى حدث فيما بعد كارثة كبرى على السودان شماله وجنوبه وعلى مصر وعلى كل شرق افريقيا ، ونحن الآن نشاهد آثار ذلك فى أزمة 15 إبريل 2023 التى تهدد بتمزيق ما تبقى من السودان .
وبعد عودة أحمد السيوفى سافرت بعده وكنت أتولى رئاسة التحرير والأحداث تستأهل أن يغطيها رئيس تحرير وفى يوليو 1994 كنت فى اليمن وكانت الأمور قد تطورت وأصبحت قوات الشمال على أعتاب العاصمة الجنوبية عدن ، وسافرت بدون أن أعبأ بالمخاطر ولم تكن توجد هناك أى ترتيبات خاصة لحمايتى . وصلت إلى تعز وقد أصبحت تحت سيطرة الشمال وهى جد قريبة من عدن . المهم دخلت عدن فى لحظة تاريخية
مع نائب رئيس الوزراء عبد الوهاب الأنسى من حزب الاصلاح الاخوانى فى اليوم التالى لدخول قوات الشمال لها ودخلنا مكتب محافظ عدن والذى كان مفخخا قبل أن ندخل بساعات وتم تفكيك هذا التفخيخ . وكانت عدن أشبه بالمدينة المهجورة والفندق الأساسى الذى نزلنا فيه كانت فيه أدوار محطمة وأحضروا لنا وجبة طعام من تعز .
ما يهم هنا أن حكام الجنوب لم يكن لهم أى أهداف أو رؤية سوى السلطة ، ولجأوا لروسيا وريثة الاتحاد السوفيتى الصديق السابق وطلبوا منها طائرات سوخوى وأسلحة حديثة أخرى وحصلت على صور لهذه الشحنات . والسعودية دفعت ثمن هذه الشحنات . السعودية تدعم النظام الشيوعى السابق حتى لا تتوحد اليمن وتتعافى . دائما السعودية تعانى من عقدة اليمن . يمن الحضارة والثقافة واللغة العربية وأهم قبائل العرب .
ما يهمنا هنا أن نتوقف عند اخوان اليمن وكنت من خلال هذه المواقف أعلق عليهم آمالا كبارا وكانت لى بعض اللقاءات مع بعض قادتهم وكنت أتوسم فيهم الروح المسيسة الفاهمة الواعية المستنيرة والثورية وهى كل الصفات التى افتقدها فى اخوان مصر . ولكنهم أى اخوان اليمن لم يقصروا ، فقد اتخذوا أسوأ المواقف خلال ثورة 2011 وحتى الآن . ولا أعرف كيف حدث هذا الانقلاب فى حياتهم . ولعل انطباعاتى السابقة عنهم كانت سطحية أو خاطئة.
البذرة كانت موجودة فى هذه الأزمة ذاتها ، فقد وقف الأمريكان مع على عبد الله صالح فى موقفه فى توحيد اليمن ، وقالوا له نحن نؤيد موقفك ولن نعلن أى اعتراض عليك فى هذه الحرب شريطة أن تنهى الأمر سريعا ووعدهم صالح وكان هو نفسه صاحب المصلحة الأولى فى إنهاء هذه الأزمة سريعا . وفعلا فى غضون شهرين تمكن من دخول عدن وتوحيد البلاد فى 7 يوليو 1994 . وهذه معلومة أكيدة من مصدر مطلع . وهكذا فإن أمريكا كانت مع تسلم تحالف على عبد صالح وحزبه المؤتمر مع الاخوان حكم اليمن . ولا أعلم متى بدأ الاخوان الحوار مع السفارة الأمريكية ، ولكنه أمر متكرر فى كل البلاد العربية . ولكن المعلومة المؤكدة أن تسليم على عبد الله صالح الحكم لنائبه هادى تم الاتفاق عليه فى اجتماع حضره الاخوان أى حزب الاصلاح والسفير الأمريكى وهذه واقعة مروعة ومشينة للاخوان . وعندما اتجهت ثورة اليمن إلى الفشل كما حدث فى كل بلدان ما سماها الغرب الربيع العربى ، قام أنصار الله الحوثيين بالاستيلاء على السلطة بمزيج من العمل الجماهيرى والعسكرى ، وقد كتبت على الانترنت ساعتها مطالبا الاصلاح بالتعاون مع الحوثيين وبذلك تنتهى مشكلة اليمن ومشكلة التغيير الثورى فى آن معا ، ويتم وأد ما يسمى الفتنة الطائفية بين السنة الشوافع والزيدية والتى ينفخ الأعداء فى نارها . وبالتأكيد لم يقرأ الاخوان ما كتبت ولو قرأوا لما تأثروا وقد كنت أكتب بنية التحليل الصحيح للموقف وليس بوهم التأثير . ووقف الاخوان اليمنيون موقفا مترددا فى البداية ثم انتهى بهم الأمر للانحياز لبقايا النظام الفاسد الذى قامت الثورة عليه من خلال هادى وجناح حزب المؤتمر التابع له ، واتخذوا أسوأ موقف لجماعة الاخوان موقف لا مثيل له فى السوء من المحيط إلى الخليج ، لأنهم قاتلوا ولم يثرثوا بكلام انتهازى قاتلوا بالسلاح مع أسوأ عناصر فى اليمن وبتمويل سعودى وتحت إمرة السعودية وتغاضوا عن موقف السعودية من اخوان مصر . الحقيقة أنهم قاتلوا تحت الراية الأمريكية الغربية الاسرائيلية فكل هؤلاء كانوا ولا يزالوا ضد الحوثيين . لذلك ابحث عن أمريكا عندما تريد التفتيش عن الانتهازية والخيانة والانحراف التى يقع فيه الاخوان وسائر القوى السياسية . وهذا الموقف القتالى تحت راية السعودية لم يفاجئنى بعد متابعتى لتدهور مواقف الاخوان اليمنيين ، ولكن أصابنى العجب من الاخوان المصريين وكنت معهم فى سجن العقرب ، حيث كانوا يؤكدون لى ان هناك اتفاقا على إخراج اخوان مصر من السجون مقابل قتال اخوان اليمن مع السعودية ضد الحوثيين. وهذا إن صح يكون موقف انتهازيا من الطراز الأول ، فكيف تقايض الافراج عن زملاء لك فى مصر لتذبح اخوة لك فى الاسلام فى اليمن وتحت إمرة السعودية والامارات وإشراف غربى . ولكنها كانت أضغاث أحلام ، ولم يكن لدى أى معلومات مختلفة ، وأنا لى وأنا بالعقرب !! ولكن قلت لهم بالتحليل إن هذا الكلام لا يعقل فمن ناحية العلاقات بين مصر والسعودية لا تسمح بالتدخل السعودى فى أمور تمس الحكم والسياسة فى مصر إلى هذا الحد . وأن السعودية ليس لها مصلحة فى إخراج الاخوان من السجن خاصة ومظاهرات الاخوان كانت لا تزال مستمرة وإن كانت فى النزع الأخير ، والسعودية حريصة على استقرار النظام فى مصر . وقلت لهم إن الاخوان بدأوا الحرب فعلا فى مأرب وغيرها مع القوات الموالية للسعودية . وأنهم لا يربطون مصيرهم باخوان مصر وهذه براجماتية معروفة فى التنظيم الدولى للاخوان فكل ساحة لها مطلق الحرية فى التصرف داخل ساحتها كما ترى . وان التنظيم الدولى ليس تنظيما حديديا وهو أقرب للرابطة بين تنظيمات شقيقة تتعاون فيما يمكن الاتفاق عليه . اخوان اليمن قالوا إنهم مع الشرعية ولكن أى شرعية ، الشرعية تكون فى كل بلد كما يرون وكما تكون مصالحهم . فقد وقفوا فى الجزائر مع الانقلاب على الشرعية . وفى اليمن يسمون الشرعية رئاسة هادى التى اتفق عليها مع الأمريكان بدون أى انتخاب وفى خيانة صريحة للثورة بل إن هادى هو ممثل النظام الذى قامت الثورة لإسقاطه . الوضع يختلف فى مصر قد يكون رأيهم هنا مع الشرعية بجد ، ولكنهم معها لأنها لصالح التنظيم وإلا لماذا اختلف رأيهم فى اليمن والجزائر . اخوان مصر الذى تنص لائحة تنظيم الاخوان على أنهم هم العمود الفقرى لتنظيم الاخوان الدولى وأن المرشد لا بد أن يكون مصريا لم يصدر منهم أى موقف لما قام به اخوان الجزائر أو اليمن فى حق بلادهم وفى حق الاسلام . المبدأ الأعلى هو أن يكون الاخوان مع الاخوان ، والاخوان دائما على حق . وهذا ما حدث عندما اشترك الاخوان فى حكومة بريمر الأمريكية الاستعمارية فى العراق ، وعندما صوت نواب الاخوان فى لبنان لصالح سمير جعجع العميل الاسرائيلى وأحد أبطال مجزرة صابرا وشاتيلا التى ذبح فيها آلاف المدنيين الفلسطينيين ليكون رئيسا للبنان .
طبعا لم يصدر اخوان مصر ولا التنظيم الدولى للاخوان تأييدا لكل هذه الجرائم ، ولكن الساكت عن الحق شيطان أخرس . كذلك فقد تواصلت العلاقات الودية بين اخوان مصر واخوان العراق ولبنان والجزائر بدون إنقطاع ، ولا أعلم شىء عن علاقة اخوان مصر باخوان اليمن حاليا ، ولكن لا شك أنها مستمرة .
بعد مرور سنوات فى السجن وكنت قد انتقلت إلى سجن ليمان طرة كان كوادر الاخوان يقولون لى ساخرين : تصور أن البعض يروج أن الاخوان يحاربون مع السعودية فى اليمن . كان ذلك ربما فى عام 2017 وكنت أرد أنا من المروجين لذلك !! بل هذه حقائق دامغة ، وقلت لمحدثى : لقد قرأت عام 2014 فى المستشفى نصف صفحة فى صحيفة المصرى اليوم حديثا مع قادة الاخوان وكيف يقاتلون ضد الحوثيين فى مأرب ؟ وظهرت صورهم مع دبابات .
الآن نحن فى عام 2023 عند كتابة هذه السطور .. وواضح أن حزب التجمع من أجل الإصلاح هزم شر هزيمة ، وبعض أفراده عادوا والتحقوا بالحوثيين ، وأنهم محشورون فى العامين الأخيرين بين طعنات من السعودية التى يقيمون على أرضها ، وطعنات من حلفاء فيما يسمى الشرعية خاصة المتعاونين مع الامارات . وهم يعيشون أسوأ أوضاعهم . وأنا حزين من أجلهم ، ولكن المسألة بالأساس أننا أمام منهج لا يؤدى سوى إلى الهزيمة بأشكال متنوعة فالهزيمة فى الجزائر غير اليمن أو مصر أو لبنان أو العراق .. الهزيمة يتنوع شكلها حسب البيئة المحيطة وظروف كل بلد وخصائصه القومية .
وقبل أن نغلق صفحة اليمن دون أن نغوص فيها أكثر من ذلك حتى نعود إلى مصر . من المهم للتاريخ أن نسجل شهادة يمنية لحزب العمل .
شهادة الشيخ عبد الله الأحمر
خلال إحدى زيارتى لليمن عقب عودة الوحدة اليمنية كان لى موعد مع الشيخ عبدالله الأحمر شيخ مشايخ قبائل حاشد وكان رئيس اللهيئة العليا لحزب التجمع من أجل الاصلاح وكان قد تولى وزارة الداخلية 3 مرات ورئاسة مجلس النواب 3 مرات وقد كان حلقة الوصل بين حركة الاخوان وعلى عبد الله صالح وهو شخص يتسم بقدر شديد من الزكاء وقد توفاه الله عام 2007 وبالتالى لم يشهد كل هذه التطورات الدراماتيكية الأخيرة . فى اللقاء فوجئت أنه على موعد مع كل محافظين اليمن شمالا وجنوبا وكانوا يتحدثون فى جلسة قات ، وضغطوا على لمشاركتهم ، وهو أمر كنت أرفضه فى أى لقاء سابق ، فى هذا اللقاء تعرضت لحرج شديد حتى وضعت ورقة النبات فى فمى دون أن أمضغها ! المهم لقد قدمنى الشيخ الأحمر وكان يعتبر أهم شخصية فى اليمن بعد على عبد الله صالح كالتالى : هذا الرجل الذى أمامكم وصحيفته الشعب إذا وقف النظام المصرى ضد العالم الاسلامى وقف مع العالم الاسلامى ، وإذا وقف النظام المصرى ضد العرب وقف مع العرب ، وإذا وقف النظام المصرى ضد اليمن وقف مع اليمن !!
وكان يعنى معارضتنا الثابتة للنظام المصرى فى موضوع كامب ديفيد وما نتج عنها من علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة وعلاقة مثلثة حاكمة مصرية أمريكية اسرائيلية . وعقيدتنا التى لا تتزعزع حول ضرورة وحدة العرب والمسلمين .
كان النظام المصرى مستفزا بشكل خاص من زيارتى لليمن خلال لحظة توحيد اليمن ودخولى لعدن مع أول وفد شمالى . ورغم أننى كنت دائما على قوائم ترقب الوصول منذ زيارتى لإيران عام 1986 إلا أنه فى هذه المرة بالذات تمت مصادرة كل الكتب التى كانت معى عن اليمن رغم أنها كتب تاريخية أشتريتها من السوق ، ولم يصادروا أخطر ما معى وهى صور الأسلحة الروسية وعلى رأسها صورة للطائرة سوخوى التى تم الاستيلاء عليها عند دخول عدن ، وهى الأسلحة الجديدة التى لم تستخدم قط . والمثير للعجب أن النظام المصرى لم يعلن وقوفه إلى جانب عدن وكان أقرب إلى الحياد الاعلامى .
– 15 –
انتخابات مجلس الشعب عام 1995
كما ذكرنا من قبل قاطعت كل قوى المعارضة السياسية انتخابات 1990 لعدم توفر الضمانات خاصة فى ظل تحول النظام الانتخابى إلى نظام الدائرة الفردية الصغيرة وتم إلغاء نظام القوائم . وقلنا إن حزب التجمع انفرد بكسر إضراب المعارضة ودخل المجلس بعدد بسيط وحقق خالد محيى الدين وحزبه حلم زعامة المعارضة ب 6 مقاعد !
فى انتخابات 1995 قرر حزب العمل وكافة قوى المعارضة المشاركة فى الانتخابات ، ليس لتوفر الضمانات هذه المرة ولكن بإدراك أن المقاطعة الدائمة للانتخابات ليست مفيدة لأنها تبعدنا عن الجماهير . واستمرت الانتخابات بنظام الدائرة الفردية ولكن بمقعد للفئات ومقعد للعمال . وتصورنا فى حزب العمل أن التحالف والتنسيق مع الاخوان لايزال ممكنا ومفيدا وكان الاخوان حريصين على استمرار العلاقة مع حزب العمل لأنه لا يزال حزبا شرعيا وله جريدة لاتزال مفتوحة لهم ولكن بضوابط من حيث المساحة ولم تكن لدينا مشكلة فى المادة المنشورة فقد كانت تدور فى المساحة المتفق عليها ، ولا أذكر وقد توليت رئاسة تحرير جريدة الشعب عام 1993 أننى منعت أى مقال لأحد كتاب الاخوان المسلمين لأنه لم توجد فى المادة ما يختلف عليه ، ولكن كنا حريصين ألا تزيد مادة الاخوان عن مساحة معينة فقد أصبح واضحا لنا أن الاخوان حريصيون على الاستقلال التنظيمى وبدأنا نعانى كما أسلفت من أسلوبهم فى استغلال الحزب ومقراته بصورة لا تساعد على نمو الحزب ومع إصرارهم على رفض فكرة الاندماج التنظيمى الحقيقى ولا حتى لجزء من عضويتهم . لم يكن هناك منع لأى مقال وإنما تأجيل للبعض حتى لا تصبح أكثر مادة الجريدة للاخوان . فى إحدى لقاءات الحوار بين عادل حسين وكاتب هذه السطور ومجموعة من جيل الشباب الاخوانى الذى أسس فيما بعد حزب الوسط ، كانوا لا يزالون ملتزمين بالاخوان واحتجوا على تأجيل بعض المقالات لكتاب ينتمون لتيارهم ولكننا لم نتجاوب مع شكوتهم .
كانت مشاركة حزب العمل فى انتخابات 1995 محدودة ولكنها مثلت علامة فارقة فى العلاقة بيننا وبين الاخوان خاصة وأن التنسيق كان محصورا فى دوائر قليلة . كانت النقطة الايجابية الوحيدة فى هذه المعركة هى موقفهم الواضح فى دعم ترشيح الأستاذ عادل حسين ضد عبد المنعم عمارة محافظ الاسماعيلية السابق وأحد المقربين الدائمين للسلطة فى دائرة مصر الجديدة ، وقد تبنوا المعركة وكأنها معركتهم ، وفاز عادل حسين فى الواقع ولكن كمبيوتر الفرز كان له رأى آخر ، وقد حكم القضاء المصرى بعد ذلك بتعويض لعادل حسين مما يؤكد تزوير الانتخابات . نحن نقول الحقيقة فالاخوان لا ينسون دور عادل حسين معهم فى مرحلة التحالف الاسلامى بين 1987 – 1990 ولكنهم تعاملوا مع الموضوع كوفاء شخصى . ولعلهم كانوا يأملون بإنضمامه إليهم بصورة شخصية . كان هذا رأى الشباب على الأقل فقد فوجئت مرة وخلال حوارنا المشار إليه مع المجموعة التى شكلت حزب الوسط بعد ذلك ، أنهم طرحوا على عادل حسين الانضمام للاخوان المسلمين وأن هذا سيساعد على تطوير وإصلاح الجماعة . و أنه شخصية ذات وزن وأن انضمامه يعنى أن ينضم لمكتب الارشاد . رد عادل حسين بمنتهى الهدوء : لا دعوكم من هذا اتركونى خارج هذا القفص الحديدى سأكون مؤثرا أكثر . لم يلحوا عليه ولم يعودوا لذلك أبدا على الأقل فى حضورى . لم أكن متحمسا لحضور هذه اللقاءات وكنت أردد لعادل حسين : لا فائدة من هذا الحوار فهؤلاء الأخوة يدورون فى إطار مدرسة الاخوان ولا يقتربون أبدا من منهجنا ورؤيتنا . وكنت أتهرب من بعض اللقاءات ولكن عادل حسين عاد ليؤكد على : إن حضورك مهم جدا فأنت من جيلهم ومن المهم أن تتقاربوا معا . وخضعت له ! وانتظمت فى الحضور .
إذا عدنا لانتخابات 1995 سنجد موقف الاخوان من مرشحى الحزب الآخرين غاية فى السوء بل وصل أحيانا إلى حالة من الخصومة الانتخابية .
كان الأستاذ ابراهيم شكرى رئيس الحزب مرشحا فى شربين بالدقهلية وهى دائرته التى نجح فيها دائما . وعندما سألت الأستاذ عبد الحميد بركات الذى أصبح مؤرخ الحزب عن دور الاخوان مع ابراهيم شكرى فى هذه الانتخابات ، قال لى الاخوان ضعفاء فى شربين وهو لم يطالب منهم بأى مساعدة . لم ينجح شكرى .
المعروف أن موقف الحكومة كان واضحا فلم ينجح معارض حقيقى واحد فى هذا البرلمان عدا واحد نجح بالمصادفة كما سنوضح . ونجح لحزب التجمع 5 أعضاء .
يروى الأستاذ عبد الحميد بركات تجربته مع الاخوان عند ترشحه لدائرة إمبابة فى هذه الانتخابات . ذهب إلى مقر الاخوان وأبلغهم بترشحه فقالوا له : إنهم لم يقرروا أى شىء بعد بالنسبة لهذه الدائرة. فأعلن عبد الحميد بركات ترشحه وبدأ بالتحرك وحده مع أعضاء حزب العمل وباعتباره من بنى عدى بأسيوط فقد استفاد من تجمعات العدوية فى إمبابة ، وبدأت حركته الانتخابية قوية . فاتصل به الاخوان وقالوا نتعاون معك ومرشحنا للعمال الأستاذ مصطفى الوردانى . وبدأ الوردانى يتحرك مع حزب العمل بالفعل فى الاجتماعات الانتخابية الجماهيرية . ولكنهم كانوا فى ذات الوقت على حوار مع مرشح الوفد نعمان جمعة الذى أصبح فيما بعد محامى العميل الاسرائيلى يوسف والى وزير الزراعة ضد جريدة الشعب . وفى يوم الانتخاب فوجىء حزب العمل بوقوف الاخوان صراحة وعلنا مع نعمان جمعة ضد عبد الحميد بركات وكانوا يدعون له أمام اللجان الانتخابية وكانوا ينتخبونه بطبيعة الحال . وحدثت مشاجرات بين شباب الحزب وشباب الاخوان أمام اللجان وقبل الفرز . ورغم تلاعب الاخوان فقد هزم مرشحهم العمالى ولم يدخل الإعادة بينما دخل نعمان جمعة الإعادة ولكنه هزم فيها أيضا . كان شعار الحكومة ألا ينجح أحد من المعارضة إلا حزب التجمع .
وفى إحدى دوائر شبرا : المعهد الفنى التى تشمل قسم روض الفرج وجزءا من قسم الساحل قرر الحزب ترشيح الدكتورة نجلاء القليوبى لمقعد الفئات وجمال أسعد عبد الملاك لمقعد العمال ، ولم أشارك فى الاجتماع الذى قرر ذلك وكانت هذه الدائرة جزءا من دائرتى فى انتخابات 1987 . راجعت قيادات الحزب وقلت لهم هذا أمر جيد أن نرشح المرأة الجديرة بذلك لتعويض مالم نقم به فى انتخابات 1987 رغم أنه كانت لنا إمرأة مرشحة : نعمات حسن واستشهدت فى معركة انتخابية ضد مرشح الحزب الوطنى فى انتخابات 1984 بالأقصر . ورغم أننا نحرص على ترشيح المسيحيين أيضا ولكن ترشح الاثنين معا فى دائرة واحدة جرعة كبيرة على الجمهور من الصعب أن يستوعبها ، ولا شك أننا نسبق الجماهير هكذا بمسافة كبيرة . وأضفت ان الاخوان المسلمين لا يمكن أن يتعاونوا معنا فى ظل هذا المقترح فهم ضد ترشح المرأة والمسيحيين كما رأينا فى السابق ، ولكنهم قالوا لى : لقد تفاهمنا مع الاخوان فى ذلك ووافقوا تماما . تعجبت وقلت : أرجو هذا . سيكون موقفا تاريخيا لهم . ولكن سرعان ما اكتشفت صحة تقديراتى على أرض الواقع عندما بدأنا الحملة الانتخابية , فقد انسحب الاخوان من أى تعامل أو تعاون معنا . ولاحظ ذلك بسرعة جمال أسعد وهو يدرك حرج موقفه فهو يعلم أن قيادة الكنيسة تعارضه لمواقفه الانتقادية تجاهها ، بالإضافة لترشحه متحالفا مع إمرأة فى مجتمع محافظ ، فإذا انسحب الاخوان بثقلهم تكون المعركة صعبة أو خاسرة فانسحب فورا من المعركة ولا ألومه كثيرا . وكنت أتصور رغم تحفظى فى البداية أن حزب العمل يقدم نموذجا متقدما فى العمل السياسى وفى الاصلاح الاجتماعى وأن المعركة الانتخابية تكون أحيانا فرصة لنشر فكر ومبادىء ورؤية ونموذج وليس بضرورة بحسابات الفوز المضمون .
خاضت الدكتورة نجلاء القليوبى المعركة بقوة وصلابة ومواقفها تتسم دوما بالوضوح والاستقامة والثورية فى إطار خط الحزب بالاضافة لما تتمتع به من خبرة سياسية طويلة وقد كانت من قيادات الحركة الطلابية فى انتفاضة عام 1973 وتعرضت للسجن ثمانية أشهر وهى طالبة بطب عين شمس . وقد شاركت معها فى المعركة الانتخابية قدر الإمكان وكان معها لفيف من كوادر وأعضاء الحزب وشبابه من شبرا وخارج شبرا . ولم يكتف كوادر الاخوان بالسلبية ، فقد اتخذوا موقفا معاديا واستفزاريا فى إحدى المرات ، حين رفضوا دخول الدكتورة نجلاء إلى دار مناسبات مسجد عمر بن عبد العزيز للعزاء ، على أساس أن المرأة لا يجوز أن تدخل مكان العزاء ، رغم أن هذا يحدث احيانا فى دور المناسبات . والأهم أنه كان يمكن لمسئول الجمعية أن يطلب منها ومن مرافقيها هذا الطلب بهدوء وأدب . ولكنه استغل الموقف ليصيح بأعلى صوت وكأنها فرصة لعمل فضيحة . قد ، يقال إن هذا موقف فردى ولكن الموقف
الأكثر أهمية أن الاخوان رفضوا المساهمة فى تقديم أى مندوبين لمراقبة الصناديق ، بل لم يشاركوا حتى فى التصويت وهذا أمر مخز بكل المقاييس . إنهم لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع إلا لانتخاب عناصرهم أو تنفيذا لأمر تنظيمى لتحقيق مصلحة ما للتنظيم أو إنهم كانوا عند موقفهم بعدم جواز ترشح المرأة وهو الأمر الذى غيروه ربما عام 2000 عندما رشحوا جيهان الحلفاوى فى الاسكندرية . كان سيكون موقفا محترما لو اتصل أحدهم بنا لتقديم أى نوع من الاعتذار أو التوضيح . وعلى سبيل العبرة والخبرة أؤكد أن د. نجلاء كانت قريبة للغاية بالفوز بالمقعد ، وساعد على ذلك حدوث انشقاق فى صفوف الحزب الوطنى حيث كان المرشح الأقوى منشقا عن الحزب وبدأ الحزب يحاربه ولكن السلطات رأت فى النهاية ضرورة إنجاح المرشح المنشق الذى سيعود للحزب الوطنى ، وكان ذلك بالطريقة المعتادة بالتزوير وطرد مندوبينا . وكنت أتمنى النجاح فى هذه المعركة لكل الأسباب المعتادة ولكن فوق هذا كنت أتمنى إعطاء درس عملى للاخوان حتى لا يتصوروا أن النجاح مرهون بهم ، ولكن هذه المعانى لم ترد فى ذهن دهاقنة الحزب الوطنى . فكل المعارضة سواء والقرار بإسقاط الجميع عدا التجمع .
فى هذا الإطار أدت مصادفة إلى نجاح معارض واحد من الاخوان فى حلوان هو على سيد فتح الباب لأنه كمرشح عمالى تحالف مع محمد على محجوب وزير الأوقاف فى مواجهة مصطفى بكرى كفئات ومرشح عمالى آخر اسمه عباس . والتصويت كى يكون صحيحا لابد أن يتضمن التصويت على مرشح عمالى واحد على الأقل للحفاظ على نسبة 50 % للعمال والفلاحين حسب الدستور . وهكذا نجح وزير الأوقاف مع فتح الباب مرشح الاخوان ، وهذا مثال آخر على أن الاخوان يتحالفون مع الشيطان” من أجل مصلحتهم ، ” أقصد أن براجماتيتهم تجعلهم يفعلون أى شىء من أجل مصلحتهم ، حتى وإن تحالفوا مع تجار مخدرات أو عملاء أمنيين أو فاسدين كما سنرى فى انتخابات تالية .
ولكن قصة الاخوان لم تنته بعد فى هذا الموضوع ، فقد فوجئنا بأكبر قيادات فى الاخوان تحضر لمقر حزب العمل وتطلب طلبا غريبا رغم كل ما فعلوه معنا فى هذه الانتخابات عدا دائرة عادل حسين ، تطلب الحصول على ورقة رسمية من حزب العمل تؤكد عضوية على فتح الباب بالحزب حتى يتسنى له أن يتقدم بطلب للانضمام لهيئة مكتب مجلس الشعب الذى يضم ممثلى الأحزاب ووافق قادة حزب العمل وعلى رأسهم ابراهيم شكرى وحلمى مراد على ذلك الطلب . وقد أصابتنى الصاعقة عندما علمت وقلت فى أول اجتماع للمكتب السياسى إن الاخوان لا يستحقون هذه المجاملة . وقيل لى ما معناه إننا لا نزال لا نريد أن نقطع علاقتنا كلية مع الاخوان ، وما معناه ” خلينا نحن الكبار ” . ولكن كان الاخوان عند توقعى فحتى النائب على فتح الباب لم يقدم أى خدمات لحزب العمل خلال دورته التى استمرت خمس سنوات . وعندما تم ضمه كنائب للحزب لعضوية اللجنة التنفيذية لم يحضر أبدا .
– 16 –
معركة حزب العمل ضد الفساد
هذه الدراسة لا تستهدف كما ذكرت التأريخ لتجربة حزب العمل فهذا يحتاج لدراسة من نوع مختلف ، ولكن هذه الدراسة تتوقف عند نقاط التقاطع والتداخل مع الحركة الوطنية والاسلامية وبالأخص حركة الاخوان المسلمين .
عندما توليت رئاسة تحرير جريدة الشعب عام 1993 نظمت مع زملائى بالجريدة وبعض أعضاء الحزب حملات متواصلة لا تهدأ ضد الفساد ، وهى لم تتوقف حتى إيداعى فى السجون ثم بإغلاق الجريدة كلية عام 2000 . كانت الحملات ضد الفساد من محاور اهتمامات وحملات الحزب والجريدة مع محاور أخرى لا تهدأ ضد الحلف الصهيونى الأمريكى وتهديداته المستمرة لمصر وأمة العرب والمسلمين وقضايا الحريات والدفاع عن المبادىء والقيم الاسلامية التى كانت وزراة الثقافة تنتهكها على سبيل المثال .
وهنا أكشف سرا .. فالناس كانت تتساءل عن هذه المهارة فى الحصول على المعلومات التى تدين الفساد والمفسدين ، ولم تكن هناك مهارة ولا يحزنون ، إنها الشجاعة فعندما يجد المظلومون والوطنيون فى مختلف المجالات أن هناك جريدة عندها الشجاعة للنشر حتى وإن كان ضد رئيس الجمهورية فإنها تأتى لك بالمستندات ، حتى لقد وصل الأمر إلى وضع مستندات بالغة الأهمية فى صندوق بريد ابراهيم شكرى رئيس الحزب فى مسكنه وكان يحملها إلى . وهنا يجب أن أسجل للتاريخ أن قيادة الحزب هى التى تحمل الفضل كله فيما نشرناه ضد الفساد فى كل الحملات . وعلى رأسهم ابراهيم شكرى فهو رئيس مجلس الادارة ورئيس الحزب وله الحق قانونا فى منع نشر أى مادة ، وهذا ما فعله كل رؤساء الأحزاب الآخرين ، وهم الذين وضعوا سقوفا على ما تنشره صحفهم ، وهو الأمر الذى أدى إلى الموت السريرى لكل صحف المعارضة عدا جريدة الشعب خاصة خلال الفترة من 1986 حتى عام 2000 أى حتى إغلاقها . حتى لقد قال لى يوما الأستاذ ضياء الدين داود رئيس الحزب الناصرى فى اتصال هاتفى ردا على عتابى عليه لعدم نشر ما طلبته منه ووافق عليه : لا أخفى عليك أن حزبنا مخترق من رأسه حتى أخمص قدميه ، وانفجرنا فى الضحك ولم يعد هناك مجال للعتاب !! وسنأتى لهذه القصة فى موعدها بعد عام 2000 .
وأيضا أسجل الفضل للدكتور حلمى مراد وعادل حسين ولكل قيادات الحزب فقد كانت كلها موافقة ومؤيدة وكانت كل قواعد الحزب موافقة بحماس والقراء وحتى المؤسسات الرقابية لم تبخل علينا من حين لآخر ببعض المستندات عبر تمريرها لبعض الصحفيين بالجريدة . وكنت أستنتج ذلك . ولكن القيادة السياسية لم تكن مستريحة بطبيعة الحال لأنها كانت تصاب بسهام هذه الحملات وعلى رأسهم عاطف صدقى رئيس الوزراء وزكريا عزمى رئيس الديوان الجمهورى وعمر عبد الأخر محافظ القاهرة الذين رفعوا قضايا سب وقذف على شخصى الضعيف . وكنت قد خصصت صفحتين على الأقل فى كل عدد من الجريدة لحملات مكافحة الفساد المسلحة بمستندات من الجهاز المركزى للمحاسبات وغيره . وكنت عندما ألتقى بمجموعات من القراء أو أعضاء الحزب أعتذر عن كل هذه المساحة فى جريدة تصدر مرتين فى الأسبوع ، قالوا لى بالعكس : نريد كل الصفحات أن تحارب الفساد وتكشفه . كانت التضحية الوحيدة التى تقدمت بها هو أننى أصبحت معرضا بصورة كبيرة للسجن . خاصة وأن القانون كان فى ذلك الوقت يحمل المسئولية لرئيس التحرير عن كل ما ينشر فى الجريدة حتى وإن لم يكن هو كاتبه . وحتى فى هذه النقطة لقد حاربنا معركة قانونية حتى إلغاء هذا النص فيما بعد أمام المحكمة الدستورية العليا ، ولكن أحدا لا يذكر لنا هذا الانجاز الذى تحقق لحرية الصحافة بتحرير رئيس التحرير من الخوف من كل ما ينشر فى صحيفته .
فى تلك الفترة كنت مسافرا على الطائرة إلى تركيا لحضور مؤتمر اسلامى . وأفضل أحيانا فى الرحلات الجوية أن أقف قليلا فى الممرات لإراحة العمود الفقرى وكان هذا هو حال الأستاذ مهدى عاكف عضو مكتب الارشاد فى ذلك الوقت وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث فوجدته يقول لى : لماذا كل هذا الانشغال فى جريدة الشعب بمسائل الفساد ، هذا أمر غير مفيد ، البلد كلها فساد ، والحديث عن ذلك لا يغير من الأمر شيئا . والأفضل توجيه هذه الصفحات لعرض مبادىء وقيم الاسلام . انعقد لسانى من الدهشة ولا أتذكر هل جادلته أم لا . هل قلت له إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أهم مبادىء الاسلام ، بل هو أهم مبدأ فى الاسلام بعد التوحيد : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . آل عمران 110
ولكن دخل هذا التعليق فى خزانة الذاكرة تحت عنوان : ان الاخوان لا يفهمون كثيرا فى السياسة ، وهذا ينعكس على قصور فى فهم الدين ، فلايمكن فهم الدين على وجه صحيح بعيدا عن فهم الحياة وما يجرى فيها ، وما السياسة فى جوهرها إلا فهم المجتمع وما يجرى فيه وكيف يمكن إصلاحه . وأكرر دوما أن العلمانى الذى يفصل السياسة عن الدين تماما يقوم بنفس عمله الاسلامى الذى يفصل الدين عن السياسة وأسميه علمانى بالمقلوب . والاثنان يقعان فى خطأ متشابه يؤدى إلى خطيئة فى فهم الواقع وكيفية تغييره . وهى مشكلة لاتزال قائمة حتى الآن عام 2023 . ولكن فى منتصف التسعينيات من القرن العشرين لم تكن الأمور واضحة لدى بهذا الشكل . وهذه المشكلة الفكرية ستتضح أكثر خلال أحداث ثورة يناير 2011 .
على مدار سبع سنوات لم يشارك الاخوان المسلمون معنا فى هذه الحملات المتنوعة ضد الفساد لا من خلال بعض كتابهم ولا من خلال المحررين الذين يعملون لدينا فى جريدة الشعب إلا قليلا من المحررين فى بعض المجالات كالتعليم . ولم يشارك محامو الاخوان أبدا فى الدفاع عنى أو عن محررى الشعب فى المحاكم . وكان كبار المحامين فى مصر يدافعون عننا من مختلف الاتجاهات عدا محاميى حلفائنا من الاخوان . لم نكن فى حاجة إليهم من الناحية القانونية ولكنها مسألة تضامن ومظاهرة سياسية ضد المتهمين من فسدة الحكومة ، بدءا من عاطف صدقى وانتهاء بيوسف والى . فى هذه المرحلة كانت هيئة الدفاع على رأسها : د. حلمى مراد – المستشار يحيى الرفاعى رئيس نادى القضاة وشيخ القضاة – د. عاطف البنا – نبيل الهلالى – د. صلاح صادق – د . محمود السقا من – الوفد – د. على الغتيت – عادل عيد – د. محمد سليم العوا.
لم يكن الاخوان المسلمون وحدهم هم المتفرجون فى المدرجات بل كل أحزاب المعارضة ومختلف مكونات الحركة الاسلامية لم تكن تشغلهم هذه القضايا و بعضهم ليست لهم صحف ولكن الأحزاب المعارضة كان لها صحف تبحث عن موضوعات غير شائكة للحديث عنها حتى هوت أرقام توزيعها . وأخذ رئيس حزب التجمع يتخلص من رؤساء التحرير الذين لا يلتزمون بالخطوط الحمر من صلاح عيسى إلى المراغى وكذلك فعل رئيس حزب الأحرار بالنسبة لصحيفة الأحرار وتحدثنا عن صحيفة العربى الناصرية .
ولكن الأمر لم يصل إلى مستوى الوقوف على الحياد وكأن معركة مكافحة الفساد لا تشغل إلا حزب العمل وصحيفته والتى وصلت إلى معركة التصدى لإغراق البلاد بالمواد المسرطنة . بل وصل موقف الاخوان وبعض الاحزاب المعارضة إلى حد مهاجمة موقف جريدة الشعب بالهمز واللمز والطعن . وطبعا لم أكن لأنشغل بمتابعة هذه الترهات أو الرد عليها ، فقد كنت منهمكا فى معارك جادة متواصلة أحسب أنها أفادت البلاد بضربها بعض أوكار الفساد .
الجولة الأولى كانت قد انتهت بالفوز 3 – صفر لصالح جريدة الشعب وهذا يحسب للنظام المصرى وللقضاء المصرى فى ذلك الوقت . فى البداية عرض عاطف صدقى رئيس الوزراء الصلح واشترطنا أن تكون الصيغة ” أن رئيس الوزراء يسحب بلاغه مؤيدا حرية الصحافة وأن جريدة الشعب تؤكد أنها لم تنشر إلا للصالح العام ” . فاعتبرت المحكمة أن هذه الصيغة تعنى أن الجريدة لم تنشر أكاذيب بالقول بأن ابن عاطف صدقى يعمل عند توكيل شركة ألمانية فأصدرت حكمها بالبراءة لجريدة الشعب مع حكم آخر ببراءتها أمام محافظ القاهرة لأن التصالح معها تم بنفس الصياغة . وحاول زكريا عزمى رئيس الديوان الجمهورى التوصل لحل أفضل وهو الحصول على اعتذار من الجريدة ولكننى رفضت بشدة . واضطر للتوقيع على نفس الصيغة ولكنه ذهب بها لمحكمة مختلفة حكمت بانقضاء الدعوى ! . ومما يذكر أن القاضى الذى حكم مرتين ببراءة الشعب كان مسيحيا ، والقاضى الذى حكم لزكريا عزمى بانقضاء الدعوى كان مسلما . ولكن النتيجة واحدة : المتقدم بالدعوى انسحب وجريدة الشعب لم تعتذر ولم تنف ما نشرته .
ما يهمنا فى هذه النتيجة المشرفة والتى لم أتعرض فيها لتفصيل ما نشرته الشعب فهذا يدخل فى دراسة عن تاريخ الحزب . ما يهمنا أن أحزاب المعارضة والاخوان الذين وضعوا أنفسهم خارج الكادر لم يستفيدوا شيئا إلا الحصول على وسام السلبية إن كان لها وسام .
ولكنهم لم يكتفوا بالسلبية فى الجولة التالية التى كانت أشد ضد وزير الداخلية الراحل حسن الألفى وكانت تركز على فساد الوزير وبطانته وأسرته ولم تكن حملة ضد وزارة الداخلية عموما أو حتى فى مجال انتهاك حقوق الانسان . كانت حملة مخيفة لأنها ضد وزير الداخلية فى بلد يعلن الأحكام العرفية والحرب على الارهاب ، رغم أن الحملة كانت مركزة على الفساد وإفساد وزارة الداخلية وإضطهاد معظم كبار الضباط قبل الصغار والجنود . وكانت معظم الوزارة معنا ، وانهمرت علينا المستندات من كل حدب وصوب ، وكان بعضها مزورا ولكننا اكتشفنا ذلك بتوفيق من الله ولم ننشر سوى المستندات الصحيحة . وكان كلما رفع الوزير قضايا ضدى كنت أصعد فى الحملة حتى وصفته برئيس العصابة : وزير داخلية أم رئيس عصابة ؟ وكان ذلك فى المانشيت الأساسى للجريدة . وأذكر أننى تلقيت اتصالا هاتفيا فى ذلك اليوم من الأستاذ محمد سيد أحمد الكاتب اليسارى الشهير الذى أعرب عن إعجابه بشجاعتى ولكنه كان خائفا على وقال لقد وصلت إلى أعلى سقف فماذا ستقول بعد ذلك ؟
وعندما تعرضت لاعتداء جسدى وسرقة حقيبتى أمام مقر الجريدة ، تلقيت دعما وتضامنا من مختلف عناصر النخبة وشخصيات عامة عديدة كان منهم على سبيل المثال : الفريق سعد الدين الشاذلى والفنانة نادية لطفى والصحفية القديرة سناء السعيد ويمكن الرجوع إلى القائمة كاملة فى جريدة الشعب . ولا أتذكر أى أسماء من الاخوان أو من أحزاب المعارضة .
ولكن هذا الحادث وتحرشات أخرى بسيارتى وسرقة دراجة أطفالى تجعلنى لا أستبعد إمكانية تعرضى لتصفية جسدية وفكرت مليا واستخرت الله لأن المعركة مع الألفى لم تكن بالنسبة لى معركة فاصلة أو تاريخية وقررت الاستمرار حتى النهاية خاصة وأن معين المستندات لم يكن لينضب . حتى قمت بعمل لامثيل له فى الصحافة وهو إصدار ملحق خاص داخل الجريدة اسمه المستندات !!
ولكن الأهم فى ظل هذه المعركة التى حمى وطيسها وكانت حديث البلد كلها حتى وصلت أعداد النسخ المطبوعة إلى قرابة 200 ألف نسخة فى كل عدد بدون أى مرتجع تقريبا . كنت أرى فى طريقى مجموعات من الناس تجلس فى المقاهى ومعها نسخة من الجريدة يتم تدارسها خاصة ملحق المستندات . فى ظل هذا المناخ لمعركة بين مواطن ضعيف ووزير داخلية فى زمن إعلان الطوارىء والحرب على الارهاب ورأيت الاستمرار فيها حتى النهاية رغم أن القضايا المرفوعة ضدى وصلت إلى أربعة حصلت فيها على 4 سنوات سجن فى المرحلة الأولى لأننى رأيت أنها معركة لضرب المثل فى التمسك بالحق ونموذج للدفاع عن حرية الصحافة وحقها فى محاربة الفساد والدفاع عن المظلومين .ولذلك فإن أنا مت فسأموت شهيدا بإذن الله وهو المطلع على سريرتى . وفيما بعد صرح لى أحد الصحفيين العاملين مع أجهزة المخابرات أنه تم تحذير الألفى من محاولة إغتيالى أثناء وجودى خارج البلاد .
فى ظل هذه الأجواء لم يكتف الاخوان المسلمون بالصمت أو الحياد ، بل فوجئت بافتتاحية صحيفة قضايا عربية التى يصدرها الاخوان من خلال حزب الأحرار والتى يكتبها رئيس التحرير تهاجم حملتى على وزير الداخلية لأسباب تافهة . وأقول حملتى لأنها تحولت لحملة شخصية حيث كنت أنشر أغلب الموضوعات ضد الوزير بدون توقيع أو بتوقيعى حتى أتحمل وحدى أحكام السجن ولحماية شباب الصحفيين الذين تعاونوا معى فى الحملة . فيما عدا استثناءات كتبها ووقع عليها على القماش وصلاح بديوى . ولكن القضايا كلها كانت مرفوعة على وحدى وقضية واحدة شاركنى فيها الزميل محمد هلال . ولا أذكر أننى عاتبت الاخوان على هذا المقال السخيف لرئيس تحرير قضايا عربية وكانوا يروجون أنه ليس من الاخوان ، ولكن حتى وإن كان فهم مسئولون عن هذه الصحيفة التى يحررونها كاملة ، وستكون لى معها واقعة أخرى .
ولم تكتف صحف المعارضة بالصمت أو الحياد فتورطت صحيفة حزب التجمع الأهالى بكتابة خبر مشبوه تقول فيه إن كل هذه الحملة الطويلة العريضة المستمرة لقرابة العام على وزير الداخلية أنها مجرد حملة لصالح أمير أو أميرة سعودية لم أسمع بهما . وأشير لهذه التفاهة لمجرد تثبيت وتوضيح حالة المعارضة السياسية فى تلك الأيام والتى ظلت فى إنحدار مستمر وحتى الآن 2023 !!
حادث الأقصر الارهابى يطيح بالوزير
في17 نوفمبر1997 في الدير البحري في الأقصر. أسفر هجوم إرهابى عن مصرع 58 سائحا، وكان لهذه العملية تأثير سلبي على السياحة في مصر، وأقيل على إثر هذا الهجوم وزير الداخلية اللواء حسن الألفي.
فى مساء ذلك اليوم اتصل بى هاتفيا وبدون سابق معرفة شخصية الزميل الاعلامى عمرو الليثى ليهنئنى بخبر الاطاحة بوزير الداخلية وكيف عنفه الرئيس مبارك أمام الناس وقال له : روح أجلس بالبيت .
كنت واثقا من الانتصار فى هذه المعركة رغم إدراكى لصعوبة ذلك وجاء الفرج من عند الله بهذا الحادث الأليم . فيما بعد قال لى زكريا عزمى مازحا : أشك أنك وراء حادث الأقصر للقضاء على الألفى !
من دروس المعركة
قصة الحملة على حسن الألفى تستحق أن تكتب فى كتاب مستقل فأحداثها المثيرة عديدة ، وأهميتها أنها تجربة صحفية فريدة ومعركة وطنية تستهدف الاصلاح ، ولكننى لم أحمل أى ضغينة لشخص حسن الألفى حتى أثناء اشتداد المعركة ، وكل مسئول يخرج من السلطة يخرج من حياتى الصحفية والسياسية . وهو قد رحل عن عالمنا منذ سنوات . وعلمت منذ سنوات من أحد الملاصقين لعلاء الألفى ابن حسن الألفى أنه فى كندا وانه تدين تدينا تقليديا على طريقة السلفية وقد سعدت بذلك . التجربة تستحق التسجيل ولكن يكفى ما سجلته جريدة الشعب ، فلا أعتقد أن فى أولوياتى كتابة مثل هذا الكتاب فيما تبقى من العمر . ولكن كما ذكرت أشير فى هذه الدراسة إلى بعض الوقائع المفصلية فى علاقتها مع القوى الوطنية والاسلامية الأخرى ودلالات هذه الوقائع والدروس المستفادة منها .
الاطاحة بوزير الداخلية لم تصبنى بأى نوع من الزهو ، كنت أرى أننى أقوم بواجب وطنى وصحفى وأستعد لمواصلة المعارك الأخرى ، بل كانت قضايا الألفى ضدى ما تزال منظورة فى المحاكم وهى مرفوعة باسم ابنه علاء الألفى على أساس أننى تعرضت لحياته الشخصية وهو مواطن عادى وليس مسئولا وليس من حقى قانونا أن أتعرض له . وكنت قد حصلت على 4 سنوات سجن وانتظر مرحلة الاستئناف .
فى العهد الجديد للوزارة تولى حبيب العادلى مقعد الوزير وكان مديرا لجهاز أمن الدولة . وتلقيت اتصالا من وزارة الداخلية تدعونى للحضور ، وقد كنت كما ذكرت من قبل أقوم بدور الاتصال بأمن الدولة عندما توليت أمانة الشباب وكانوا يتصلون بى بسبب إنزعاجهم من دعواتى المتكررة للتظاهر من أجل فلسطين والعراق وكان ذلك بعلم قيادة الحزب . كانوا هم الذين يتصلون عندما يريدون شيئا وهو غالبا يتعلق بالمظاهرات ، ولم نكن نتفق دوما ، ولكننا كنا نرى اننا كحزب شرعى ليس لديه ما يخفيه ، ومن المفيد أن تدرك الدولة ماذا نريد بالضبط ؟ كما اتضح لنا أن أجهزة الأمن أصبحت هى الحزب الحاكم الحقيقى وليس الحزب الوطنى كما ستوضح الأيام أكثر وأكثر . نحن نعمل فى إطار الدولة ونحن نسعى لتطوير التجربة الديموقراطية لتكون بين أطراف متكافئة تتحاكم إلى رأى وأصوات الشعب فى الانتخابات . لم نكن واهمين ولكن كنا نسعى لذلك على أساس تغيير موازين القوى باستنهاض قطاعات أوسع من الشعب . وكانت أجهزة الأمن مدركة لخطتنا ويقظة لها . كانت خطتنا هى إزاحة الحزب الوطنى من الحكم ولم تكن معركتنا مع أجهزة الأمن أو هكذا كنا نتصور . ولكن فى المقابل فإن أجهزة الأمن ستظل أجهزة أمن ولا يمكن أن تتحول إلى حزب حاكم بالمعنى الحقيقى للكلمة . هذه الجدلية مهمة وستظل معنا حتى فى مرحلة ما بعد الحزب الوطنى .
طلبت وزارة الداخلية الالتقاء بى مع الأستاذ عبد الحميد بركات حتى لا تكون الدعوة لى وحدى كما اتضح بعد ذلك . عندما وصلنا استدعيت وحدى ووجدت اللقاء مع رئيس جهاز مباحث أمن الدولة أعتقد أنه اللواء هانى العزبى فى وجود اثنين آخرين من قيادات الجهاز لم أكن أتوقع هذا الترحيب خاصة عندما قال لى : إنك انتصرت فى المعركة . وقد وقعت الكلمة على مسمعى بصورة مفاجئة وشكرته . كنت أتصور أن اللقاء نوع من فتح صفحة جديدة معى ومع الحزب والجريدة وهذا أمر طيب ، فقد كنت أتصور إننى فى معركة ضد قلة فاسدة لصالح وزارة الداخلية و غالبية مكوناتها وعلى رأسهم كبار الضباط الصالحين .
ثم فوجئت بعد ذلك أن رئيس الجهاز يطرح على الموقف من الاخوان وما هو رأبى فيهم ؟ و ما معناه هل أدرك أهمية الابتعاد عنهم؟ .
كان هذا يعنى أن علاقة خاصة يمكن أن تنشأ بينى أو بين الحزب مع الداخلية إذا ابتعدنا عن الاخوان . لم أفكر فى كل هذه المعانى وعلى طريقتى الذى فى قلبى على لسانى قلت له : نحن نختلف مع الاخوان كما تعلم فى العديد من الأشياء ولكننا لا نزال مقتنعين باستمرار التحالف معهم طالما تجمعنا الفكرة الاسلامية المشتركة .
بعد عدة سنوات تكرر مثل هذا الحديث بصورة مختلفة مع الرجل الثانى فى الجهاز وسنأتى له . ولكننى لم أفكر يوما فى عقد صفقة لصالح شخصى أو حزبى على حساب الاخوان ، ولم أفكر يوما فى مدى المكاسب التى تعود على أو على الحزب إذا عقدت هذه الصفقة . رغم أن الاخوان فعلوا ذلك مرارا كما حدث حينما اتفقوا مع جهاز أمن الدولة لاسقاطى فى انتخابات 2005 كما ورد فى إحدى كتب مصطفى بكرى وكما لاحظت بنفسى كما سنرى . والحقيقة إنه لم تعرض على صفقة فى المرتين فهذا كان يمكن أن يحدث عندما أعطى موافقتى المبدئية . لست من مدرسة الصفقات لا مع الدولة ولا مع أى جماعة أو قوى أو حزب ، أزعم اننى صاحب رسالة وهدفى الوحيد هو نشر أفكارى ودعوة الناس للإقتناع بها . وقد تصاعد خلافى مع الاخوان قبل ثورة يناير وأثناءها وبعدها وحتى الآن بدون أى صفقات .
أظهرت معركة وزارة الداخلية أن أطرافا فى الدولة كان موقفها أفضل من المعارضة ومن الاخوان ، وقد علمت كثيرا من دخائل الدولة عبر شقيقتى حرية أحمد حسين الصحفية بالأهرام وأكتب ذلك بحرية الآن بعد أن رحلت عن عالمنا منذ سنوات . كنت فى كل عدد أنتظر المصادرة ، ومع صدور كل عدد جديد أتأكد أن أطرافا مؤثرة فى الدولة تسمح باستمرار هذه الحملة . كنت أرى أن هذه ظاهرة صحية تكشف إمكانية تحول التعددية الشكلية إلى تعددية حقيقية . قيادات عديدة فى الداخلية ومنها لواءات كانت متعاطفة مع حملتنا وتمدها بالمستندات ، وذلك بعد ثبات الجريدة على موقفها وعد تأثرها بأحكام السجن والتنكيل الذى تعرض له رئيس التحرير وبعض المحررين . ولم أقرر الحملة على وزير الداخلية ولكنه هو الذى فرض ذلك عندما تصور أنه يمكن ان يخيفنى ببلاغ للنيابة يخص تعرض ابنه لموظف فى فندق وهذا خبر كان يمكن أن يمر وينتهى الأمر خاصة وأنه لم يكتب اسم الوزير ولا ابنه صراحة . فواصلت الهجوم عليه وحكم على بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ واستمريت فى الهجوم بناء على وقائع جديدة . هذا هو ماشجع ضباط الداخلية على دعم الحملة عندما تأكدوا من ثبات موقفنا . فى الأيام الأخيرة لاحظت أن عناصر محسوبة على أجهزة الأمن القومى تسرب لنا بعض المعلومات الاضافية . كان هذا على سبيل الاستنتاج ، ولكن لم يكن له أى تأثير على موقفى فى استمرار الحملة ، وكلما وجدت معلومات جديدة كنت أواصل . ووصل عدد سنوات الحبس أربع . فى تلك الفترة وفى عرض خاص لأحد الأفلام السياسية الجديدة التقيت بصديق قديم من أيام اليسارية وهو هانى شكر الله الذى تولى فيما بعد رئاسة تحرير الأهرام ويكلى : حيانى بشدة على هذه الحملة وكنت سعيدا بذلك لأن الخلافات الأيديولوجية باعدت بيننا ، وأضاف : ماهذه الحملة الخطيرة لقد كنت أتصور أنك مربط مع أطراف فى السلطة ، واتضح أنك تحارب لوحدك وأنك تخوض معركة انتحارية . وقد كان كلامه صحيحا فقد دخلت السجن فعليا بسبب هذه الحملة بعد أن حكمت محكمة الاستئناف بالحبس سنة هبوطا من 4 سنوات . وأصبح الحبس وجوبيا .
أواصل تحليل هذه المعركة من زاوية أنها كانت تجربة وفرصة عملية لوجود إمكانية لتطوير النظام السياسى ولكنها ضاعت بسبب حبسى ثم بحبسى مرة أخرى فى قضية يوسف والى ثم إغلاق الجريدة عام 2000 وتجميد حزب العمل .
ولذلك أخترق حجب الزمن والتسلسل الزمنى لمناقشة هذا الموضوع فقد تأكدت من موقف عموم الدولة من هذه الحملة من الرئيس حسنى مبارك نفسه عندما ألتقيت به لأول مرة على متن طائرته المتجهة إلى الرياض ضمن رؤساء التحرير عام 1998 .
كانت دعوتى لرحلة مع رئيس الجمهورية مع رؤساء التحرير علامة لافتة خاصة بعد هذه المعركة حامية الوطيس مع وزير الداخلية ، حتى وإن كان تم عزله . ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك فقد كان الرئيس مبارك يتعمد التودد لى خلال دردشة استمرت قرابة 3 ساعات حتى الرياض ، ثم عندما اقترح أحد رؤساء التحرير على الرئيس عقد لقاء مع قيادات الداخلية لرفع معنويات رجال الشرطة ، قال له مبارك : ولماذا ؟ إن معنوياتهم جيدة وقد كانوا يكرهون وزير الداخلية السابق . وفى حوار آخر سأل أحدهم الرئيس عن علاء مبارك ولماذا لايظهر ؟ قال لقد كثر الحديث عنه ورأى أن يتوارى ولكن تبين أن الحديث عن علاء بتاع مجدى .. يقصد علاء الألفى وضحك الجميع . وفى وقت لاحق اقترح أحد رؤساء التحرير على مبارك عقد مصالحة بينى وبين الألفى للانتهاء من خطر الحبس . ولكننى اقترحت على الرئيس إسقاط الوزراء وكل المسئولين التنفيذيين لكل القضايا التى رفعوها على الصحفيين ، ذلك لأنهم لم يستفيدوا من قانون الصحافة الذين يبيح لهم الرد فى نفس مكان نشر النقد وبمساحة مضاعفة . ووافق مبارك واستدعى صفوت الشريف وزير الاعلام من الكابينة المجاورة لمتابعة هذا الموضوع ، وشرحت له وجهة نظرى أمام الرئيس مبارك وقال صفوت الشريف : أحضر لى قائمة القضايا المرفوعة من الوزراء على الصحفيين لنتصرف فى الأمر . وفى لقاء آخر ضمن رحلات الرئيس أعطيت لصفوت الشريف قائمة من 34 قضية ، ولكن الأمر انتهى إلى لا شىء .
ما يهمنى فى هذا الصدد أن حديث مبارك أكد لى ما شعرت به فى أواخر الحملة على وزير الداخلية أن أطرافا من الدولة لم تكن معارضة لها وأطراف كانت ترى فيها فرصة للخلاص من الوزير لملاحظات على عدم كفاءته فى الأداء . وهذا ما أقصده من أن تطوير النظام الديموقراطى كان ممكنا إذا سرنا فى نفس الطريق . ولماذا لا تساهم الصحافة الحرة فى تصحيح المسار لصالح الوطن . وأيضا هذا يؤكد أن مواقف بعض أطراف وأجهزة الدولة كان فعليا وعمليا أفضل من مواقف الاخوان والمعارضة التى وقفت على الحياد مع بعض اللمز والهمز لجريدة الشعب .
ولكن الموقف من مسألة قضايا السب والقذف المرفوعة من وزير الداخلية أو ابنه ضد الجريدة استمرت فى منعرجات شتى . بينما خرجت المعارضة من المعادلة تماما باعتبار أن الأمر لايخصها رغم أنه فى صميم قضية حرية الصحافة .
مع الأسف فإن تودد الرئيس مبارك إلى فى الرحلات التالية إلى توشكى وشرق العوينات لم يكن فى إطار الاعتراف بحرية الصحافة وتقدير دور المعارضة ولكن كان فى إطار الاستيعاب والاستئناس ، ففى رحلة شرق العوينات طلب منى زكريا عزمى لقاءا منفردا ، وقال لى : لابد من تسوية القضايا التى بينك وبين الألفى ولابد أن تعتذر له فقلت له : أنت تعلم أننى لا أعتذر عن حقائق نشرتها . قال لى : ليس كل ما نشرته صحيحا اللهم حكاية أبراج ميامى . قلت له : إنها تساوى 400 مليون جنيه !! قال : أنا أتحدث بجدية لا يمكن تجنب السجن إلا بالاعتذار . قلت : وهل شكوت لك يوما من السجن ؟ كنت أغلق الحديث فى الموضوع بهذا الكلام ، ولكنه لم يغلق ، وقال رئيس الديوان لنتابع الحديث فى القاهرة .
أيد الأستاذ عادل حسين موقفى عندما نقلت له الحوار . وواصل زكريا عزمى الاتصال بى وطلب منى اللقاء فى قصر عابدين ، ومن باب الأدب والذوق والأخلاق لا يمكن أن أقول : لا لأنى أعرف ماذا يريد . وعرض على كراسة طويلة تمتلىء بعشرات الاعتذارات إعتذار عن كل عدد من عشرات الأعداد التى كتبت ضد الوزير . قلت له : هذا مستحيل . وأنت تعلم أنك نفسك طلبت منى من قبل الاعتذار عن ما كتبناه ضدك من نقد ورفضت ، وأنا لا أعطيه إلا نفس الصيغة التى وافقت عليها معك و مع عاطف صدقى رئيس الوزراء وعمر عبد الآخر محافظ القاهرة . قال : ياسيدى أنا مخى كبير ولكن الألفى فى حالة سيئة ويقول لقد شتمت على مدار شهور . وفى نهاية اللقاء قال لى : أكتب صيغة بديلة وأرسلها لى وبعد أيام أرسلت له بالفاكس نفس الصيغة التى وافقت عليها معه : ان الطرف الأول الشاكى يؤمن بحرية الصحافة وأن الطرف الثانى المشكو فى حقه يؤكد أنه لم ينشر إلا من أجل الصالح العام . واتصل بى زكريا عزمى وقد استشاط غضبا وقال لا يوجد جديد فى هذه الصيغة . قلت له : أعتذر.. هذا أقصى ما لدى . وتصورت أن الموضوع انتهى على ذلك . ثم تلقيت دعوة لحضور مؤتمر فى طهران حول أمن الخليج ، واتصل بى أثناء السفر زكريا عزمى وعندما علم من زوجتى بسفرى استشاط غضبا مرة أخرى . وأثناء وجودى فى طهران وقبل نهاية المؤتمر علمت بخبر صدور قرار من محكمة الاستئناف بحبسى سنة نزولا من 4 سنوات . وواضح أن زكريا عزمى كان يريد أن يواصل محاولاته معى حتى اللحظة الأخيرة وحتى لايصدر حكم بالحبس . وهنا أتوقف لأقول إن النظام كان بين نارين : لا يريد أن يحبسنى وقد انحاز عمليا لموقفى ضد وزير الداخلية حتى وإن كان السبب المباشر حادث الأقصر ، ولكن يريد أن يحافظ على ما يعتبره هيبة الدولة ولا أقول هيبة وزير الداخلية المقال فرغم إقالة الوزير فقد كان جزءا من النظام ولا بد من إرضائه من هذه الزاوية . ولكننى رأيت أن أواصل التضحية رفضا لهذه الفكرة فلا معنى لهيبة الدولة فى ظل الفساد ، واستجابة الدولة لحملة ضد الفساد يزيد من هيبة الدولة لا العكس من وجهة نظرى .
ويهمنى إيراد بعض التفاصيل من أجل المحاججة فى أهمية هذه الرؤية للحاضر والمستقبل . وأرى أن حال مصر يتدهور بسبب انهيار هذه المعادلة : التوازن بين الحكومة والمعارضة وحرية الصحافة .
فرغم صدور الحكم استمر الشد والجذب بين الحبس والاعتذار .
فمن ناحية عرضت على ايران البقاء إن أردت ورفضت العرض فورا وشكرتهم . ولكن المشكلة جاءت من القاهرة ، وكانت مكالمات هاتفية ماراثونية مع بعض قيادات الحزب بعد أن أعلنت فى بى بى سى فى حديث مع مراسلها فى طهران غسان بن جدو أننى سأعود فى أول طائرة إلى دمشق ثم إلى القاهرة لعدم وجود طيران مباشر مع القاهرة . كان رأى قيادات الحزب أن هناك عرضا بالتوصل إلى صيغة تمنع الحبس كالقول بأن بعض المعلومات المنشورة لم تكن صحيحة ، وقالوا إن هناك حوارا غير مباشر مع مبارك عبر النقيب مكرم محمد أحمد وغيره وأنه يرغب بشدة فى تجنب حبسى . ورأى قادة الحزب أن هذا الموقف إيجابى حيث أنه لم يسبق أن حبس صحفى فى ذلك الزمن بتهمة السب والقذف ومن المصلحة العامة ألا يحدث ذلك . ولكنى لم أر ذلك واعتذرت عن قبول رأى الحزب لأنه سيخدش أهم مبدأ فى تصورى وهو حرية الصحافة و يستهدف الحفاظ على مايسمى هيبة الدولة فى غير محلها .
أغرب عودة للقاهرة
لم تكن بطولة أن أعود وأنا محكوم على بالسجن لمدة سنة ، فهى فترة قصيرة ، وهناك إمكانية لنقض الحكم . ولكننى لا أعلم حالة مماثلة . جهز الحزب وزملاء الجريدة لاستقبال شعبى لى فى المطار وكنت مستعدا للذهاب فورا من المطار إلى السجن والحقيبة معى بها كل الضروريات ، وعلى سلم الطائرة انتظرنى ضابطان من أمن الدولة أعرفهما لمسئوليتهما عن الأحزاب ، ورحبا بى وركبنا ميكروباس وخرجنا من باب خارجى لا يمر بمبنى المطار وقالا لا تخشى على الحقيبة ستأتى لك . قال أحدهما : إن قرار عودتك قرار صحيح تماما ، ولكننا نتمنى حل المشكلة لأنه مهما كانت أوضاع السجن جيدة فسيبقى سجنا . فوجئت بأن الميكروباس توجه إلى مديرية أمن القاهرة ، وكانت الداخلية أعدت لى عدة مفاجآت : حيث تم إعداد غرفة نوم خاصة لى ، ووجدت زوجتى الدكتورة نجلاء وابراهيم شكرى رئيس الحزب وبعض قيادات الحزب فى الغرفة . عوضت الداخلية إفساد وفركشة الاستقبال الشعبى ، باستقبال عائلى وحزبى دافىء فى غرفة خاصة . وجلسنا ما شاء لنا أن نجلس ونتحدث ، وكنت أحدث نفسى هل سأمضى السجن فى هذه الغرفة فى مديرية أمن القاهرة . ولكننى انتقلت فى الصباح إلى سجن مزرعة طرة بالمستشفى .
كان هذا الاستقبال يعبر عن موقف الداخلية منى وأيضا موقف السلطة رغم كل تاريخى فى المعارضة الشديدة . كنت ولا زلت أرى الجانب الايجابى فى ذلك ، ولكن دون أن أغير موقفى من حكاية الاعتذار أو التكذيب الجزئى لبعض الوقائع. وكنت أتصور أن هذه الصفحة قد طويت . ولكن بعد أيام فى السجن فوجئت أن الموضوع مستمر . فلا تزال الدولة راغبة فى الافراج عنى مقابل تقديم بعض التنازلات الكلامية . ولكن الصحفى ماهو إلا كلمات ، والحق نفسه ما هو إلا كلمات . وأعلم أن بعض الصحفيين المشاهير خضعوا لهذه المساومات لتجنب السجن ، وكنت أقول دوما : لماذا يتم تصوير السجن على أنه مخيف إلى هذا الحد ؟ وإلى حد إنكار الحقيقة . الزيارات لم تنقطع من أعضاء مجلس النقابة وكانوا يطلبون منى صيغة الاعتذار أذكر منهم مجدى مهنا والنقيب مكرم محمد أحمد قال لى : عاوزين نروح بالزملاء الصحفيين وكان معى محمد هلال وأضيف من العربى جمال فهمى وعمرو ناصف . قال لى بصراحة : إن كلمة اعتذار منك ستخرجكم جميعا . واعتذرت له عن القيام بذلك .
حدثت ضغوط من الدولة حتى لا يطول أمد النقض . وتم الافراج عنى وعن محمد هلال بحكم محكمة النقض . وانتصرت رؤيتى بصبر لا أراه كبيرا . ولكن الموضوع لم ينته!
كانت هناك قضية رفعها الألفى أمام محكمة الجنايات وهذا يختلف عن قضايا رفعها ابنه أمام محاكم. بعدأيام قليلة من استقرارى فى منزلى بعد الخروج من السجن لمدة 4 شهور ، وأواصل رواية هذه الوقائع ليس على سبيل المذكرات الشخصية كما أكرر ، ولكن لتحليل هذا الموقف فى سلوك السلطة بهدف الخروج باستنتاجات تفيد اليوم والمستقبل ، بعد أيام من خروجى فوجئت بزميلة صحفية تأتى لإجراء حديث صحفى معى لجريدة الأهرام . وتطرق الحديث إلى رفضى المصالحة مع وزير الداخلية السابق حسن الألفى وقلت : لست ضد أى مصالحة تنهى عمليات التقاضى ، خاصة وقد انتهت مهمتى ولا أحمل ولم أكن يوما أحمل أى ضغينة لحسن الألفى أو غيره فالأمور كلها تدور عندى حول مصالح الوطن والناس . ولكننى لا أعتذر عن حقائق نشرتها ولا أنفى ولو جزئيا بعض هذه الحقائق ، وليس لدى مانع من دخول السجن مجددا . وقلت إن الصيغة الوحيدة التى أوافق عليها هى التى اقترحها الدكتور على الغتيت المحامى وهى تقول أن مانشرناه كان بدافع وطنى وفى إطار الدستور وأن الطرف الآخر يعلن تمسكه أيضا بالدستور . وهى صيغة قريبة فى جوهرها من الصيغ السابقة مع زكريا عزمى وعاطف صدقى . بعد يوم أو يومين اتصل بى د . زكريا عزمى مجددا بعد كل ما فعلته معه . وقال لى : حمدا لله على سلامتك . وأضاف رغم أن عنوان مقالك الأخير بعد خروجك من السجن كان بعنوان ” رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ” إلا أننى أرغب فى مواصلة إغلاق هذا الملف مع حسن الألفى . لقد قلت فى الحديث إنك لن تقبل إلا صيغة الدكتور على الغتيت . فهل يمكن أن ترسلها لى ؟ . قلت له طبعا بكل سرور . وأرسلتها له .
كان من الواضح أن هناك إصرار من جانب السلطة أو لنقل رئاسة الجمهورية أو لنقل بعض الأجهزة لإغلاق هذا الملف ، وهذا شىء لا يمكن وصفه إلا بالايجابية حتى وإن اقترن بمحاولات سابقة للاحتواء تحت شعار الحفاظ على هيبة الدولة وهيبة أفرادها المعزولين ، حتى وإن كانوا مخطئين . فقد رفضت هذه المحاولات ودخلت السجن وأعلنت الاستعداد للدخول من جديد . السلطة أو الدولة أو النظام انحازت فى النهاية لموقفى وارتضت به وأخذت حقى كاملا غير منقوص . وأستطيع أن أتخيل حجم الصعوبات التى واجهها زكريا عزمى وغيره لإقناع الألفى بالموافقة على صيغة تصالح لا تحمل أى اعتذار أو نفى لبعض الحقائق المنشورة . ولكنه لم يكن أمامه من سبيل إلا الموافقة . ولكنه كان يشعر بالهزيمة أو الغيظ ولذلك لم يحضر يوم تسليم صيغة التصالح أثناء تقديمها لرجاء العربى النائب العام . وهى اسمها صيغة تصالح بمعنى أنه أى وزير الداخلية السابق سحب شكواه ضدى وضد الجريدة . وهذا مسموح به قانونا فى قضايا السب والقذف .
كنت أعلم أن موقفى قوى فى القضية وكانت أمام محكمة الجنايات وكانت مكونة من قضاة مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة وكان قائد مجموعة المحامين المدافعة عنى برئاسة المستشار يحيى الرفاعى شيخ القضاة ورئيس نادى القضاة والذى أصبح صديقا عزيزا حتى وفاته رغم فارق السن والأجيال بيننا . ولكن ظل حصنى الحصين هو إيمانى بالقضاء والقدر وبأن التمسك بموقفى لا يستحق الدخول للسجن فحسب ، بل كنت مستعدا للاستشهاد ، ليس لأن الألفى هو أكبر مشكلة فى حياة مصر السياسية ولكن من قبيل ضرب المثل فى التمسك بالحق والمبادىء ، وهذا كل ما أملكه أن أكون قدوة لغيرى من زملاء القلم وللشباب .
من الأمور اللافتة أن وزير الاعلام صفوت الشريف وعلاقتى به محدودة للغاية اتصل بى بعد خروجى من السجن مهنئا ، وأرسل لى باقة ورود من الحجم الكبير على منزلى . أقصد من هذه التفاصيل توضيح الصورة العامة للعلاقة بين السلطة وبين صحفى معارض مشاغب .
ومتشدد من وجهة نظرهم . هذه أجواء تبدو خرافية الآن . ولكن ما يهمنى أنها كانت وفقا لرؤيتى ساعتئذ منعطفا حقيقيا فى تطوير حياتنا السياسية الديموقراطية السلمية من إطارها الشكلى إلى إطار حقيقى ، كما قلت يوما للزميل عبده مباشر المحرر العسكرى بالأهرام ، إننا نسعى لتحويل المسرحية الديموقراطية إلى واقع حقيقى . وأقصد بالديموقراطية كل ما هو إيجابى فى تجارب الغرب الديموقراطى دون سلبياتها . حرية الرأى والاختيار وتدول السلطة . وقد شرحت ذلك فى دراسات عدة ، فلست مع النقل الأعمى لما يسمى التجربة الليبرالية .
– 17 –
المعركة الكبرى ضد يوسف والى .. وضد التطبيع
هذه الصورة الوردية لم يكن فى تصورى أبدا أن تنقلب رأسا على عقب خلال عامين فلم تكد المعركة مع الألفى ترخى سدولها فى عام 1998 ، حتى اندلعت المعركة مع يوسف والى نائب رئيس الوزراء وأمين عام الحزب الوطنى ووزير الزراعة فى عام 1999 . المهم أنه فى عام 2000 كان قد تم حبسى ثم إغلاق جريدة الشعب وتجميد حزب العمل . وهذا يكفى لترى كيف سقطت الحياة السياسية من حالق وتمزقت شذر مذر . لا يهمنى هنا ما تعرض له حزب العمل بقدر ما يهمنى ما تعرضت له الحياة السياسية وما تعرضت له مصر من تدهور خطير فى نظامها السياسى . لقد كان ضرب حزب العمل وصحيفته مسألة جوهرية لأنه أصبح هو محور الحياة السياسية بينما تواصل تراجع صحف المعارضة إلى حد مذهل وتراجع الأداء الحزبى عموما . وظل الحزب حريصا على تحالفه مع الاخوان رغم كل ما ارتكبوه فى حق الحزب وظل يفتح صحيفته لكل الأقلام الحرة والمفكرين والمثقفين . وظل ابراهيم شكرى يمارس دوره المعتاد بالاتصال واللقاء برؤساء الأحزاب فى محاولة دائمة لتوحيد المواقف فى الملمات والأحداث الكبرى رغم ضعف وبرودة الاستجابة . وسيكون عام 2000 عاما فاصلا فى الحياة السياسية والحزبية فى مصر . ولكن لنبدأ بالحملة ضد يوسف والى .
ولأن الحملة ضد يوسف والى كانت فى جوهرها ضد اسرائيل وأمريكا فقد داست على العصب الحساس داخل النظام والقوى المؤثرة فيه والقوى الخارجية المسيطرة عليه ، وهذا ما يفسر فى تقديرى هذا المنحنى الخطير الذى حدث خلال هذه الحملة بحيث وجدنا القطار يخرج عن القضبان تماما ، ويتم الخروج على أمور كنا نظنها من الثوابت التى استقرت ، وهى الحد الأدنى من احترام الأحزاب الشرعية وحرية التعبير. فتم العصف بكل هذا ووقفت قوى المعارضة والاخوان لمسلمين فى موقف المتفرج ، بل كان بعض ممثلى التيارات العلمانية واليسارية شامتين وفرحين ومؤيدين لما يحدث لحزب العمل وجريدة الشعب وهذه من علامات الخيبة والخسران كما ستثبت الأيام .
الحقيقة أن الزميل صلاح بديوى كان له السبق والفضل فى إثارة هذه الحملة . منذ سنوات قبل 1999 وهو ينشر أخبارا بالغة الخطورة عن وزارة الزراعة وكان مندوب جريدة الشعب إليها وهى تتعلق بالفساد عموما والتطبيع المبالغ فيه مع اسرائيل ، ومخاطر هذا التطبيع على صحة المصريين . ولم تقم وزارة الزراعة أبدا بمحاولة للرد على هذه المعلومات والتى كانت تتضمن وثائق بين حين وآخر لتأكيد صدقها . وتزايدت وتيرة هذه الأنباء فى عام 1999 ، وبعضها كان يشير إلى نوع من الجاسوسية المنظمة بفتح كل معلومات مصر الزراعية بشكل مؤسسى الكترونيا مع وزارة الزراعة الاسرائيلية . وكعادتى لم يكن بإمكانى الصمت على هذه المعلومات الخطيرة التى تنشر فى صحيفة أترأس تحريرها.
كتبت مقالا وكان عنوانه هو مانشيت الجريدة ” ما هذا الذى يحدث فى مصر ؟ نتهم وزير الزراعة بالخيانة العظمى ورئيس الوزراء لا يرد ؟”
وكان رئيس الوزراء فى ذلك الوقت كمال الجنزورى . الحملة كانت متعددة الأبعاد شملت التطبيع مع اسرائيل وجوانبه الضارة على صحة المصريين بإدخال مواد مسرطنة ومواد أخرى أدت لانتشار الفشل الكلوى والكبدى : مبيدات – تقاوى مهندسة وراثيا ضارة بصحة الانسان – مواد تستهدف زيادة انتاجية المحصول مثل سبراى تومست للطماطم – تخريب متعمد لانتاج مصر من النخيل وعسل النحل – القضاء على المحاصيل المصرية الأصلية ذات الطابع العالمى كالقطن طويل التيلة وحتى أصبحت مصر تعتمد فى معظم زراعاتها على تقاوى مستوردة . وهذه مشكلات لا نزال نعانى منها حتى الآن . إرسال مهندسين زراعيين وفلاحين لأخذ دورات فى اسرائيل حيث يتم تجنيد بعضهم . وقد تم توثيق المواد الأساسية للحملة فى كتاب الخيانة فى قطاع الزراعة . أشارت الاحصاءات إلى ان مصر حققت ارقاما قياسية عالمية فى الاصابات بالسرطان والفشل الكلوى والكبدى .
راجع فيديو
فيديو ممتاز صادر عن المخابرات العامة المصرية عن جرائم يوسف والى ومبارك ولكنه يتجاهل دور وتضحيات جريدة الشعب
موقف المعارضة والاخوان
عندما كنا نخوض غمار أى معركة وطنية لم نكن لننتظر دعما من آخرين نحن نقوم بواجبنا ، ولم نكن نشعر بالأسى من تقصير الآخرين ، فقد تعودنا على ذلك ، وكنا نحن أصحاب المدفعية الثقيلة وندرك أن كلمة الحق قوية بما يكفى حتى إذا نطق بها شخص واحد . ولكن جريدة الشعب كانت واسعة الانتشار وقادرة وحدها على إحداث التأثير المطلوب كما حدث فى حملات عديدة سابقة . ولكننا الآن نقيم أداء وممارسات المعارضة ونستخلص الدروس للمستقبل ، فعدم التضامن بما يكفى مع جريدة الشعب جعل فكرة القضاء عليها ممكنة . والهدف أساس أن نحافظ على هذا التوازن الذى أصبحت تقوم به جريدة الشعب أكثر من البرلمان .حرية الصحافة ركن ركين فى توازن السلطات وصدق من سماها السلطة الرابعة ، بل هى تكاد أن تكون السلطة الثانية بعد السلطة التنفيذية ، وحتى السلطة التنفيذية تفقد كثيرا من قوتها إذا لم تكن تعتمد على صحافة قوية واعلام قوى .
الصمت والحياد كان أفضل مواقف قوى المعارضة السياسية والاخوان ! لأن البعض اتخذ موقف الهجوم والانتقاد . ولكن قبل استعراض هذه المواقف لابد من الاشارة إلى أن بعض صحف المعارضة كالعربى والأحرار كانت تنشر أخبارا وتقارير تؤكد بعض ما ننشره ضد وزارة الزراعة ولكن بدون مواقف رأى أو مقالات أو هجوم مباشر على الوزير . ولذلك بقت صحيفة الشعب وحدها فى الميدان السياسى المباشر ، وصدر الحكم الأول علينا من محكمة الجنايات عام 1999 بالحبس لمدة عامين وهى أقصى عقوبة . كان أخطر ما فى الحكم أنه حصن كامب ديفيد والتطبيع وقال إن هذه الحملة لم تلتزم بالاستفتاء الذى أقر اتفاقيتى كامب ديفيد . حكم على وعلى الزميل صلاح بديوى ورسام الكاريكاتير عصام حنفى بالحبس عامين ولكن عصام لم يسلم نفسه . وأخرجتنا محكمة النقض بعد 4 شهور ، ولكن أثناء حبسنا توفى رئيس المحكمة التى حبستنا بجلطة . ولا تعليق فهذا قدر الله . وبعد الافراج عنا بشهور تم حبسنا مجددا بحكم قضائى جديد لمدة عامين . وأيضا توفى الله رئيس المحكمة فيما بعد بسرطان فى الفك ، وذلك بعد ثورة يناير 2011 . وكان مرشحا لمحاكمة حسنى مبارك ولكن القدر عجل به .
موقف حزب الوفد
كان أعجب مافى لوحة هذا الصراع أن نائب رئيس حزب الوفد د. نعمان جمعة قام بالدفاع القانونى عن يوسف والى . كان بإمكان يوسف والى أن يستدعى ما يشاء من كبار المحامين ولكن لأنه ثعلب رأى أن يستخدم قطبا من أقطاب المعارضة ليكون فى ذلك دليلا على نزاهة مواقفه حتى أن ممثلا كبيرا للمعارضة يترافع عنه . ولكن من ناحية أخرى ما كان لحزب الوفد الكبير الليبرالى حامل لواء حرية الرأى والتعبير أن يقوم نائبه بجهد قانونى لحبس كتاب وصحفيين معارضين تحت بند السب والقذف لأحد أقطاب النظام . فحتى إن اختلف معنا حزب الوفد فى الرأى ولكن لا يعنى هذا أن يعمل من أجل حبسنا ، فهذا أمر يسيىء إلى الحزب . ولكن كان ذلك من مظاهر انهيار أبسط القيم الأخلاقية فى الممارسة الديموقراطية ، وبينما نسعى نحن لتطوير هذه الممارسة يقوم من يعتبر أكبر حزب معارض بهذه الممارسة الشائنة بلا خجل معتبرا أن ذلك تصرف شخصى لنائب الحزب فى ممارسته حياته المهنية . وكان فؤاد سراج الدين رئيس الحزب يشعر بالحرج بينه وبين نفسه . لذلك عندما كنت أرسل له من محبسى أى بيان يطالب بالافراج عنى لأسباب قانونية محددة ‘ كان ينشره كما هو بالنص . وكنت مثلا فى إحدى المرات طالبت بالافراج عننا أسوة بالصحفى الذى أفرج عنه فى قضية سب وقذف رغم صدور حكم من محكمة النقض بحبسه . وأصدر النائب العام قرارا بالافراج عنه وعن أخيه بدعوى إعادة التحقيق والمحاكمة ، وهو الأمر الذى لم يحدث بطبيعة الحال فقد أفرج عنهما فحسب لعلاقتهما الجيدة بالنظام . وقد طالبت فى البيان بالمساواة مع هذه الحالة . لم يكن لدى أى أمل ولكن كان ذلك على سبيل المشاغبة وإثبات أن الكيل يجرى بمكيالين .
موقف ناصرى
فوجئت فى برنامج تلفزيونى بفضائية عربية قبل حبسى باستضافة الأستاذ حسنين كروم الصحفى الناصرى المعروف وكانت بيننا علاقات ود بدون معرفة وثيقة ، فوجئت أنه تمت استضافته لينتقد حملتنا ضد يوسف والى وقد أثار نقطة أساسية حين قال : إنه يتعجب أن يتم إتهام مسئول بالخيانة العظمى بسبب استخدامه للهندسة الوراثية . وقد تعجبت بدورى فلم تكن تهمة الخيانة العظمى تستند أساسا إلى مسألة الهندسة الوراثية ، بل للتطبيع الفاجر مع اسرائيل ، وفتح معلومات الزراعة المصرية على اسرائيل ، وتخريب الزراعة المصرية وتدمير المحاصيل الرئيسية لتظل مصر تعتمد على الاستيراد من أمريكا واسرائيل ، وإرسال مصريين للتدريب فى اسرائيل ليكونوا عرضة للتجنيد . وهذا ما تثبه الآن بعض فيديوهات صادرة عن جهاز المخابرات العامة . ومع ذلك يظل استيراد تقاوى ومنتجات زراعية مهندسة وراثيا من اسرائيل وأمريكا مسألة خطيرة ، وهناك بحوث علمية غربية خاصة فى أوروبا تشكك فى مخاطر هذه النوع من المنتجات الزراعية وأنها يمكن أن تؤدى إلى الاصابة بالسرطان وهناك دول بأكملها تمنع دخول هذه المواد فى القارة الافريقية مثلا . وفى أوروبا يضعون تكيت يقول هذه السلعة مهندسة وراثيا لتحذير المستهلك وهو ما اعترضت عليه أمريكا . وقد دعونا أساسا لاتخاذ مواقف حذرة وأن تكون لنا أبحاث وطنية فى هذا المجال لدراسة هذا الموضوع ، وهل يمكن استخدامه بشكل آمن أم لا ؟ . كان وجه العجب بالنسبة لى وهو مالم أقله فى البرنامج كيف يمكن لمن يقول عن نفسه ناصريا ألا يستشيط غضبا من التطبيع مع اسرائيل وخاصة فى هذا المجال الاستراتيجى والخطير : الزراعة ، وهو أمر متصل بالأمن الغذائى ومن ثم الأمن القومى .
مواقف اخوانية عديدة
الحقيقة أن موقف الاخوان العلنى كان الصمت أو الوقوف على الحياد ، كما فعل عصام العريان فى مجلس الشعب أثناء مناظرتى مع وزير البترول عبد الهادى قنديل . هذا فى حدود علمى فربما نشر شىء فى مجلة قضايا عربية أو غيرها . ولكن الصمت فى حد ذاته مدان بالنسبة للاخوان ومجمل الحركة الاسلامية والحركة الوطنية ، فلا يوجد فى نظرى مسألة أكثر خطورة من التطبيع الزراعى مع اسرائيل وتدمير صحة ملايين المصريين . بل هى مسألة دفاع غريزى عن النفس قبل أن تكون فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر التى قال لنا الله فى محكم كتابه أنها أهم ما يميز أمتنا : “ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ” .
أثناء وجودى فى الحبس تنفيذا لحكم الادانة لصالح يوسف والى ، كنت معزولا عن الاخوان وباقى العناصر الاسلامية فى سجن مزرعة طره . ولكن كان يسمح لى أحيانا بأداء صلاة العصر بالمسجد أثناء الفسحة ، وفى إحدى هذه المرات ألتقيت بعبد المنعم أبو الفتوح ، ولاحظ أنه فى هذه الفترة كان التحالف بيننا ساريا ، أو هكذا كنا نتصور أو نتوهم رغم إدراكنا لتصاعد الخلافات ، فالتحالف لا يلغى الخلاف أبدا . وبغض النظر عن ذلك فقد فوجئت بأبى الفتوح يفتح النار على ويقول لى : إيه ده يا أخ مجدى هذه الحملة على وزارة الزراعة .. سرطان .. سرطان .. هو كل حاجة سرطان . قلت له : أتصور أنكم كنقابة أطباء كان يجب أن تهتموا بهذا الموضوع وتدرسوه وتقولوا لنا رأيا علميا . وجاء شاويش وقطع الحوار لأنه يعرف أن الاتصال بيننا محظور .
أثناء إحدى زياراتى لبيروت وكنت حريصا كعادتى فى أى بلد أزوره على مقابلة أكبر طيف ممكن من الحركة السياسية والفكرية ،ألتقيت بالأستاذ ابراهيم المصرى أمين عام الجماعة الاسلامية وهذا اسم الاخوان فى لبنان ، أثناء اللقاء فوجئت به يقول لى ما هذه الحملة التى تخوضها ضد يوسف والى ؟ قلت له : ما هو وجه اعتراضك ؟ قال لى ألا تعرف أن يوسف والى رجل تقى ويصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع . بهت من هذا المستوى من الرأى والمعلومات ولم أجادله ولكن غيرت مجرى الحديث واختصرت اللقاء . ولا يمكن أن يتوصل المصرى لهذه المعلومات وهذا التقدير إلا عن طريق اخوان مصر .
يوما كنت فى زيارة لمقر مكتب الارشاد للاخوان المسلمين فى الروضة لأمر ما ، أثناء هبوطى على السلم وجدت الأستاذ محمد طوسون المحامى الاخوانى فى وجهى ، وكانت علاقتنا ودية كما هى علاقتى مع كل الاخوان ، وسلم على بحرارة .. وقال بحماس : لقد ثبت أن موقفك من يوسف والى ووزارة الزراعة كان صحيحا . وكان ذلك بعد الاعلان عن قضية يوسف عبد الرحمن المساعد الأول ليوسف والى ورانده الشامى والحكم عليهما وغيرهما بالسجن فى قضية المبيدات المسرطنة . وكأنه يفصح عن الرأى الذى كان سائدا داخل الاخوان بأن موقفى كان خاطئا وظالما .
وكان أحد الكوادر الوسيطة من الاخوان قد قال لى : إن الاخوان لا يمكن أن يقفوا ضد يوسف والى ، وعناصر كثيرة منهم تمتلك مشروعات زراعية ومزارع ويحتاجون لخدمات ومساعدات وموافقات من يوسف والى . والحقيقة أن الأستاذ ابراهيم شكرى رئيس حزب العمل كان مهتما دوما بحل مشكلات الناس وخاصة الفلاحين والمزارعين وكان يأتيه الناس من كل محافظات مصر طالبين مساعدته ، وكان لا يتأخر عنهم ، ولذلك احتفظ دوما بعلاقات انسانية طيبة مع الوزراء والمسئولين وكان يوسف والى من بينهم بطبيعة الحال . ولكنه كان يفصل دوما بين ذلك وبين حملات الجريدة . ولم يحدث يوما أن تدخل معنا لتخفيف الحملة على الأقل ضد يوسف والى .
شريحة من الجمهور
عندما أتحدث عن تجربتى مع الحركة الوطنية والاسلامية لايمكن أن أستبعد الجماهير ، فلا قيمة للحركة الوطنية أو الاسلامية بدون جماهير . ولكننى أحمل المسئولية دوما للقيادات لأنها رأس المجتمع . الشعب لا يقود ولا يحدد ولا يعلم كما يروج الطغاة ، ليحكموا باسمه . القادة هم الذين يحددون الوجهة والبرنامج ويسعون لاقناع الشعب به . والشعب لديه حس وفطرة بحيث لا ينحاز عادة إلا للحق والصواب ولكن على المدى الأطول ، لأن الجماهير يمكن أن تخدع بالاعلام الزائف إن أمتلك قدرة فنية وحرفية عالية . ولكن حتى فى هذه الحالة فإن الاعلام يمثل جزءا من القادة ، أى يمثل أحزاب وجماعات أو مؤسسات . وقد رأينا كيف تفاعل الجمهور مع التحالف الاسلامى فى انتخابات عام 1987 . وكيف تفاعل مع الحملة ضد حسن الألفى وزير الداخلية . وقد تفاعل مع الحملة ضد يوسف والى ولكن ربما ليس بنفس القدر .
فى السجن أيضا ألتقيت بأحد المعلمين الذى جاء لمراقبة المساجين أثناء أداء الامتحانات فى السجن ، التقيت به فى الفسحة وكان سجن المزرعة مفتوحا به القليل من الضوابط عن قصد ليكون سجنا من نوع الخمس نجوم . سلم المعلم على بحرارة عندما تعرف على وقال لى : أريد أن أقول لك رأيى بصراحة . قلت : تفضل . قال : كيف تهاجم ،يوسف والى بهذه الضراوة ألا تعلم أنه الرجل القوى فى النظام ؟ لقد فعلت كما يفعل انسان يقف أمام القطار . لا أتذكر ماذا قلت له . هذا الرأى سمعته أكثر من مرة داخل وخارج السجن . كان هدفى فى الحياة أن أستثير حماس الناس لمقاومة الباطل والدفاع عن الوطن ، ولم أفكر فى العواقب التى تقع على . فالعواقب التى وقعت فعلا على الوطن والناس عظيمة ولا تحتمل الصمت . كان ضميرى مستريحا ، ولكن الحزن على الوطن والشعب ظل مستمرا . كان حبسنا وصمت كل وسائل اعلام المعارضة وموقف القضاء بأحكامه ثم بقاء يوسف والى كنائب أوحد لرئيس الوزراء وأمين عام الحزب الوطنى ووزير الزراعة كان هذا المشهد فى تلك اللحظة يضعف موقفنا وربما يشكك فيما نشرنا من معلومات . هل يمكن أن يسمح رئيس الجمهورية بمن يدخل مواد مسرطنة وهو يعلم أن يظل فى مواقعه . أمين عام الحزب الوطنى كان يعنى أنه يؤثر بشدة على قوائم المرشحين لمجلس الشعب والمجالس المحلية ورؤساء الجامعات وتشكيلات الحزب فى كل مصر وغير ذلك . وهو وزير الزراعة واستصلاح الأراضى أى صاحب أهم امبراطورية للأراضى التى يمكن البناء على بعضها .
موقف السلطة التنفيذية وأجهزة الأمن
كان هناك فرق واضح بين تعامل السلطة معنا فى حملة الألفى من البداية حتى النهاية . وبين موقفها معنا فى هذه الحملة ، وكما قلت فى البداية : إنها أمريكا واسرائيل .
بعد الخروج من السجن كان هناك اتصال من جهاز أمن الدولة ، وكما قلت لم أتعامل مع هذه الاستدعاءات بحساسية وكان قيادات الحزب على علم بها رأينا دوما أن الحوار مع الدولة مطلوب وإيجابى بدون أى طموحات بإقناعهم بشىء ، ولكن على الأقل أن يفهموا جيدا كيف نفكر ، وأيضا معذرة إلى ربى ولعلهم يرجعون . أذن الله بمقابلة فرعون ، ونحن مع الفارق لم يكن لدينا مانع لمقابلة مبارك وعمرو موسى كوزير للخارجية وأسامة الباز وإقامة حوار مع أجهزة الدولة . كنا واثقين من أنفسنا ولم يكن لدينا أى استعداد لأى مساومات لا مبدئية لتحقيق مصالح شخصية أو للعب دور مزدوج فى الحياة السياسية . ولم تعرض علينا أبدا أى مساومات لا مبدئية وهذا يعكس تقييم صحيح لنا .
والآن جاء الدور مرة أخرى لتقديم درس للاخوان المسلمين الذين
خانوا العيش والملح معى ومع الحزب مرارا . كان اللقاء هذه المرة مع الرجل الثانى فى جهاز أمن الدولة كما قيل لى ، فهو مسئول الجهاز عن القاهرة . كان الحديث أولا عن حملتى ضد يوسف والى فقال لى السيد العميد أو اللواء : لقد كانت حملتك ضد حسن الألفى صحيحة وموفقة وأنت تعلم أننا قدرنا موقفك وأبلغناك بذلك . ولكن حملتك على يوسف والى ليست موفقة وأخذ يشرح وجهة نظره بالقول : إن السد العالى حجز الطمى وأصبحت الأرض فى احتياج لأسمدة ومبيدات وهذا ما اضطر يوسف والى للجوء لهذه المواد بكثافة . ولم أحاوره طويلا لأنه ليس متخصصا ولا يتناول جوهر القضية وبطبيعة الحال هو يبلغنى رسالة من النظام : إن الاسترسال فى هذه الحملة لن تكون عواقبه كعواقب الحملة ضد الألفى . وأن هذا الاسترسال لو حدث فلن يكون مرحبا به من النظام .
وانتقل الحوار من قبله إلى مسألة الاخوان المسلمين وإدخال الاسلاميين عموما فى عضوية الحزب ، وتحدث معى بصراحة رافضا استمرار هذه العلاقة ، وأن الحزب سيصم نفسه بالارهاب . وسيعرض شرعيته القانونية للخطر . قلت له : إننا نتعامل مع الحزب كمؤسسة عامة أو قطاع عام ولا نعتبره ملكا أو حكرا للمؤسسين أو الأعضاء الحاليين ، وبالتالى فأبوابه مفتوحة لكل مصرى يوافق على برنامج الحزب ، بمعنى إذا أعلن أنه موافق على البرنامج وتأكدنا من ذلك وثبت ذلك عمليا فلا نملك أن نمنعه من العضوية . وإن الذى ثبت لنا من الاخوان أنه لا يلتزم ببرنامج الحزب فإننا نفصله من الحزب وهذا ينطبق على أى اسلامى آخر . وكان الحزب قد فتح أبوابه وسعى جديا لجذب الشباب من مختلف قواعد الحركة الاسلامية : الجماعة الاسلامية – السلفية , وكان يسعى لتحويل الحزب لبوتقة لانصهار الجميع ، وكما فعل مع قيادات وعناصر من التيار القومى الناصرى ومن اليسار . ولكنه كان يستهدف الانصهار الحقيقى . كما تحدثنا فى الجزء الأول من هذه الدراسة .
مسئول القاهرة بأمن الدولة واصل الحديث على أساس سقوط الحزب فى تهمة الارهاب والعنف . قلت له : أنت تعرف جيدا أننا ضد العنف ولا نقبل فى عضويتنا من يتبنى النهج الارهابى . قال : إنك لا تعلم وقد يخدعك البعض . قلت له : أبلغونا إذا رأيتم أى عضو عندنا يؤمن بالعنف أو يروج له . وسنحقق فى الأمر ولن نتركه فى صفوف الحزب . ربما كان الحديث يشير إلى بعض شباب الجماعة الاسلامية الذين انضموا للحزب ولكنهم كانوا مختلطين مع بعض شباب الاخوان الذين يمثلون علينا دور الاقتناع بخط الحزب . ولكن لم تكن الصورة واضحة فى ذهنى هكذا فى ذلك الوقت . وفعليا لم يكن فى صفوفنا من يؤمن بالعنف ، ولكنهم كانوا يبحثون عن ملجأ شرعى للحماية دون الايمان الحقيقى برؤية الحزب . وكانت قلة ضئيلة جدا منهم تعمل لحساب الأمن و لعبت دورا سلبيا للغاية فى بناء التنظيم الحزبى .
وعاد الحديث عن الاخوان المسلمين ، فقلت إن العلاقة معهم الآن لا تتجاوز التحالف فيما نتفق عليه ، وهم لا يؤمنون بالعنف ، ولدينا خلافات واضحة معهم ربما تزايدت مع الأيام ، ولكن نظل أوفياء للتحالف ، لأن التحالف لا يعنى الاتفاق على كل شىء . وهنا وجه المسئول الأمنى تحذيرا واضحا وصريحا : إن استمرار التحالف والعمل مع الاخوان المسلمين يهدد الشرعية القانونية للحزب . وأنا أدعوك لتتبنى هذه الرؤية للحفاظ على الحزب . وأن يعمل الحزب على تنمية صفوفه بتجنيد عناصر جديدة ولا يستعين بأى عضوية من أصول تنظيمات اسلامية أخرى مع التلميح بأن هذا سيفتح أفاق واسعة لنمو وفاعلية الحزب . كان من الواضح أننى غير موافق ولم أطلب مهلة للتفكير أو مراجعة قيادات الحزب لأننى أعرف كيف نفكر جميعا . وكان هذا التحذير مهما وجديا فى وقت ما من عام 1999 وقد تم تنفيذه عام 2000 بتجميد الحزب ووقف الجريدة بمناسبة مظاهرات جامعة الأزهر استجابة لحملتنا الصحفية ضد كتب وزارة الثقافة المسيئة للدين .
من الطبيعى أن تخشى الدولة من تنظيم بحجم الاخوان كتهديد للنظام وتخشى من اقترابه وتداخله مع الآلة السياسية والحزبية والاعلامية لحزب العمل . وإذا لم يكن من طبيعتى ولا من طبيعة قيادات الحزب أن نعقد صفقة سرية ضد الاخوان أو غيرهم ، ولم تكن حتى هذه اللحظة هناك أى صفقة مطروحة علينا ، كانت أجهزة الأمن تقيمنا تقييما صحيحا وترى أن الوسيلة الوحيدة هى إقناعنا بتغيير موقفنا مع وعد بمجرد الاستمرار كحزب قانونى .
ولكن من ناحية أخرى كانت تقديراتنا للمشروع الاسلامى المنشود قائمة على حسابات وتقديرات خاطئة . فلم نكن نتصور حجم الأنانية والتعصب التنظيمى وحسابات المصالح الضيقة ستغلب على الجميع . ليس الاخوان فحسب بل سائر التنظيمات الاسلامية . حتى لقد وصلنا إلى اتفاق بالاندماج الكامل مع بعض التنظيمات ثم تراجعوا هم عند بداية التنفيذ . ومنهم تنظيم الجهاد بعد تخليه عن العنف بعد ثورة 25 يناير وأيضا مع أحد التنظيمات السلفية . ولوعاد بنا الزمان كنا سنكرر نفس التوجه لأنها هى الرؤية المنطقية ولأننا لم يكن بإمكاننا أن نتصور أن الأثرة يمكن تصل إلى هذا الحد . ربما كانوا يتصورون إن حزب العمل ليس مخلصا للمشروع الاسلامى ، ولكنه لقلة العضوية عنده فإنه يسعى للاستقواء بالآخرين ، ولكننا لم نكن نشترط أى شىء وكنا نقترح تشكيل قيادة مشتركة . وربما أن الجميع من الاسلاميين وغير الاسلاميين كانوا لا يتفقون معنا فى مسألة التركيز على محاربة الحلف الصهيونى الأمريكى باعتباره موقفا غير واقعى . وأذكر أن قياديا فى حزب الوطن السلفى قال لى مرارا إنك تنوب عنا جميعا فى هجومك على أمريكا ، ولكنك تضرب نفسك فى الحائط . وكان هذا خليطا بين المدح والذم !
لا يهمنى إلقاء اللوم على هذا أو ذاك وإنما أريد استخلاص العبر للمستقبل من أجل جيل جديد للنخبة وليس بإعادة إصلاح النخبة بنفس الأشخاص فهذا يبدو مستحيلا إلا قليلا منهم . وبالفعل لا يمكن فصل الأنانية والتعصب التنظيمى عن الرؤية ، فإذا كانت الرؤية خاطئة فسيفشل الجميع حتى إن توحدوا وقد حدث بالفعل توحد كبير بين الفصائل الاسلامية بعد 25 يناير 2011 ، ولكنهم فشلوا جميعا . وقد كنا مستبعدين من هذه الجبهة بالتأكيد لموقفنا الذى اعتبروه متطرفا ضد الحلف الصهيونى الأمريكى . ولا يمكن استبعاد أن أجهزة الأمن كانت تنصحهم بالابتعاد عننا لتطرفنا السياسى والفكرى وكانوا يستجيبون لهم وستوجد دلائل على ذلك سنعرض لها فى حينها .
هذه أفكارى اليوم – 2023 – وليس فى تلك الليلة من ليالى 1999 التى ألتقيت فيها مع نائب رئيس جهاز أمن الدولة .
وفيما يتعلق بالحملة ضد يوسف والى ، ولم يكن للاخوان علاقة بها بل كما أوضحنا كانوا ضدها ولكن بالصمت ، فقد بدأ اختلاف تعامل أجهزة الدولة معنا . فسرعان ما حكمت علينا محكمة الجنايات الثانية بالسجن عامين ، وأصدرت الحكم بصورة مباغتة غيابيا فى لحظة مبكرة من الصباح وكنا متواجدين بمبنى محكمة جنوب القاهرة . وعندما طعنا فى الحكم لأنه غيابي تم الرفض وتم نقلنا لواحد من أسوأ السجون الشديدة الحراسة فى قلب الصحراء : سجن القطا ، وكانت الحياة قاسية للغاية . وكأن النظام يقول كما عاملناك أحسن معاملة فى قضية الألفى فلن يكون الأمر كذلك بالنسبة لقضية يوسف والى . وليس هذا الذى يهمنى فى المقام الأول ، ولكن ما يهمنى تدهور آليات النظام السياسى الذى حلمت بتطويرها . ولكن التدهور جرى على قفزات ولكن للخلف . فبعد قرابة أسبوع جاءنا ضباط أمن الدولة ووعدونا صلاح بديوى وعصام حنفى وكاتب هذه السطور بالانتقال لسجن مزرعة طرة الذى تعودت عليه كوطن ثان وكسجن يتميز بأكبر أريحية ممكنة وهو مصمم من أجل ذلك .. للصحفيين ورجال الأعمال والوزراء السابقين والمستشارين وضباط الشرطة المحكوم عليهم الخ . وقد حدث الانتقال فى اليوم التالى وأمضينا ما تبقى لنا من العقوبة بشكل طبيعى .
حوار مع مختار نوح
رغم الحظر الذى كان مفروضا على بحيث لا أتحاور مع الاخوان أو أى سياسيين أو اسلاميين فى السجن ، فقد تمكنت بوسيلة خاصة من الحوار مع مختار نوح المحامى والقيادى الاخوانى . ورغم عدم حديثنا فى موضوع يوسف والى إلا أننا تحدثنا فى المشهد السياسى العام ، واكتشفت المستوى الرفيع لمختار نوح فى التحليل السياسى وهذا ما كنت أنقله لعادل حسين . وكان حديثنا يدور حول امكانيات نظام مبارك فى البقاء والصمود أو السقوط . وهذه لغة لا يعرفها الاخوان ، فالاخوان كانوا يؤمنون بعدم سقوط الأنظمة خاصة فى مصر . لم تكن هذه المرة الأولى التى لفت فيها مختارنوح انتباهى أنه من طينة مختلفة عن طينة الاخوان . ففى عام 1994 قام بحركة احتجاجية من نقابة المحامين و خرجت إلى الشارع بمناسبة مقتل المحامى عبد الحارث مدنى المنتمى للجماعة الاسلامية . وأيضا مواقفه السابق الاشارة إليها تحت قبة مجلس الشعب .
– 18 –
تجميد الحزب وإغلاق جريدة الشعب
قبل أن يتم حبسى فى قضية يوسف والى و كنت قد فرغت من الكتابة فى الحملة عليه حيث أننى لا أكتب إلا إذا كان هناك جديد . وربما استمر الزميل صلاح بديوى فى الكتابة . ولكن بدأت أنشغل بحملة جديدة ضد فاروق حسنى وزير الثقافة . ولم أكن أخطط لهذه الحملات على الوزراء ولم أكن أسعى للفرقعة كما يتصور البعض ولكن الأحداث كانت هى التى تعترض طريقى ، وعندما أجد حدثا جللا لا أستطيع تجاهله أو التعامل معه ببساطة . وكانت معارضتنا لسياسة وزير الثقافة قد بدأت منذ مجيئه . وقد تحدثت عن استجوابه فى مجلس الشعب فى موضوع مشروع هضبة الأهرام . عارضنا الوزير عندما قال : الثقافة تجارة , وأنه يحارب الميتافريقا أى الغيب أى ما وراء الطبيعة أى الدين والتدين . ولكن الجديد تمثل فى سيل من الكتب الصادرة عن الوزارة تمثل إساءة واضحة للاسلام ولكل الأديان . بعضها مترجم وبعضها منقول من كتاب عرب أو شباب مصرى فاشل فى مجال الأدب .
دخلت السجن عام 2000 فى قضية يوسف والى للمرة الثانية وحملة صحيفة الشعب على وزارة الثقافة مستمرة وتصاعدت فى غيابى وتمت إعادة نشر مقالاتى ضد كتب وزارة الثقافة ، فكتب ابراهيم سعده مهاجما كيف أكتب من السجن . دون أن يدرك أنها مقالات سابقة على دخولى للسجن أو كان يعرف ويتجاهل .
كانت بعض الكتب تتضمن ألفاظا بالغة السوء ضد القرآن ، وهو الأمر الذى استفز طلاب جامعة الأزهر فخرجوا فى مظاهرات حاشدة إلى الشوارع فى اتجاه القصر الجمهورى وقد كان قريبا منهم فى مصر الجديدة وكان حافظ الأسد فى اجتماع مع الرئيس مبارك فى تلك الأثناء ، مما زاد الأمر توترا وتم قمع المظاهرات قبل أن تصل إلى القصر الرئاسى . ولكن أجهزة الدولة رأت أن الجريدة أصبحت خطرا على أمن الدولة ، وهم قد حبسوا رئيس التحرير ولكنها لا تزال مستمرة . وكان عادل حسين يشرف على التحرير فى غيابى . فقرروا أن يغلقوا الجريدة ، وبما أنها تصدر عن حزب العمل ، فقرروا تجميد الحزب . وكرروا ما فعلوه أيام انعقاد المؤتمر العام للحزب فى 1989 بافتعال انشقاق داخل الحزب . وإن كان هذه المرة افتعالا كاملا فجاءوا بعضو سابق من العاملين فى الحقل الفنى ، وتم تدبير مؤتمر وهمى للحزب فى أحد المقرات وتم انتخاب الممثل المتقاعد رئيسا وتم إسقاط رئاسة الأستاذ ابراهيم شكرى وكل قيادات وقواعد الحزب . واجتمعت لجنة الأحزاب لتقول إن الحزب متنازع عليه وبالتالى يتم وقف الجريدة . وحكم مجلس الدولة لصالحنا ولكنه حكم لم يطبق أبدا .
لا أتصور أن هذا كان تنفيذا للتحذير الذى تلقيته من أمن الدولة من شهور إلا جزئيا . لأن الاخوان لم يكن لهم علاقة بهذه الحملة ضد وزارة الثقافة رغم أنها كانت حملة للدفاع عن الاسلام وهذا أمر جد غريب من حملة لواء الاسلام وأكبر تنظيم اسلامى الخ ، لقد كانوا على الحياد لائذين بالصمت . وأتصور أن مظاهرات طلاب الأزهر كانت عفوية ، فهى بطبيعتها قاعدة متدينة .
ولكن هذه الضربة لم تكن بعيدة عن حملتنا على يوسف والى . فقد تم تسريب وقائع اجتماع المكتب السياسى للحزب الوطنى الحاكم فى تلك الفترة توضح كثيرا من الأمور . كان جمال مبارك قد تم إدخاله للمكتب السياسى فى إطار خطة ليتم تصعيده لموقع الأمين العام أى مكان يوسف والى وكان الأخير يدرك ذلك . فى هذا الاجتماع الشهير الذى جرى فى المبنى المحترق حاليا قاد صفوت الشريف وزير الاعلام الحوار حول ضرورة تجديد وتطوير الحزب الوطنى وانبرى له يوسف والى : أى تطوير وتجديد الحزب الوطنى فى أحسن أحواله وقد أغلقنا حزب العمل وجريدته الشعب والأمور تسير على خير ما يرام . كما جاء فى التسريب فإن زكريا عزمى قال له : إن إغلاق حزب وصحيفة لا يعد من قبيل الانجازات مهما كان الرأى فيهما . المهم لقد احتدم النقاش ، ونجح يوسف والى فى إغلاق حديث تطوير وتجديد الحزب الوطنى الذى يعنى إعتلاء جمال مبارك موقع الأمين العام .
ما يهمنى فى هذا الحوار أن يوسف والى المحور الأساسى للنظام فى المجالين الاقتصادى والسياسى والمسنود أمريكيا واسرائيليا كان له دور أساسى فى تجميد وإغلاق الحزب والجريدة . هذا الدعم الأمريكى الاسرائيلى أطال عمره فى السلطة وفى إطار علاقات الصداقة العامة لمجمل النظام مع أمريكا واسرائيل . فى المقابل كان سعى مبارك لتوريث الحكم لابنه جمال هو التيار المعاكس لبقاء يوسف والى فى السلطة . ولكن مقاومة يوسف والى والجيل القديم منعت جمال من تولى موقع الأمين العام . فتولاه صفوت الشريف من عام 2002 حتى 2011 واخترعوا لجمال موقع أمين السياسات وكان بالفعل هو الأمين العام الحقيقى . فى إطار معركة إزاحة يوسف والى لصالح جمال مبارك كانت الاطاحة بيوسف والى أى ليس حرصا على الشعب وصحته ولا حرصا على الأمن القومى وإلا لما ترك مبارك والى فى مواقعه من عام 1982 حتى 2004 أى 22 عاما . وبدأت الاطاحة بيوسف والى عن طريق محاكمة ساعده الأيمن يوسف عبد الرحمن ورانده الشامى فى قضية المبيدات المسرطنة .
ولكن التركيبة المعدلة للنظام لم تعد الاعتبار لجريدة الشعب وحزب العمل ، بل ظلت الجريدة مغلقة والحزب مجمدا . وما يهمنى هنا هو تهديد التجربة الديموقراطية التعددية .
قوى المعارضة ومسألة تجميد الحزب وإغلاق الجريدة
كانت حملة جريدة الشعب على كتب وزارة الثقافة مسألة فكرية أيديولوجية ولكنها تستند أساسا إلى الدستور الذى يؤكد أن الشريعة الاسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع وقد رأيت فى أغلب الأوقات ان هذا النص كافيا لتأمين المرجعية الاسلامية بدون أى تعديلات إضافية من أجل درء الخلافات بين تيارات المجتمع . على أى حال فإن ما كتبناه ضد كتب وزارة الثقافة مسألة رأى ووجهة نظر لا تضير المعارضة العلمانية فى شىء ويمكن لها أن ترد عليها كما تشاء ، ولكنها لم ترد وعندما أغلقت الجريدة هلل كثير منهم لإغلاقها ولتجميد الحزب . كانت كل الصحف والمجلات تقريبا تصل إلى فى سجن مزرعة طرة وكان أمرا بائسا أن أطالعها . وكان الترحيب بالاغلاق والتجميد يتصدر المانشيتات وأغلفة المجلات . وبعد قليل وجدت أصوات ضعيفة فى الاعلام القومى لا الحزبى لا تؤيد إغلاق الجريدة أو تجميد الحزب .
جريدة العربى لسان حال الحزب الناصرى فتحت أبوابها لحزب العمل ونشرت مقالا أسبوعيا لعادل حسين . ولكنها وقفت عن ذلك بعد فترة . ولم ألحظ أى نوع من التضامن من الحليف الاسلامى الاخوان ، وأذكر أننى شكوت لرسام الكاريكاتير أحمد حسن الاخوانى عندما جاء لزيارة أخيه فى السجن لماذا يصمت الاخوان ؟ إن كلمة تضامن معنا واجب عليهم .
كان من المفترض أن الأحزاب كان من مصلحتها أن تعترض وتحتج على تجميد حزب العمل ، ولكنهم كانوا سعداء للخلاص منا ، فنحن نسبب لهم عقدة ذنب ، ونطرح أمام الناس المقارنة بين أسلوبنا فى المعارضة الصريحة والمستقيمة ، وأسلوبهم فى المعارضة الرخوة ولو كانت أحزاب جادة لعلمت أن فتح باب تجميد الأحزاب سابقة خطيرة وستتكرر ، وهذا ما حدث بالفعل حتى طال فيما بعد حزب الوفد وحزب مصر الفتاة وأحزاب أنابيب عديدة . وأصبح بقاء أى حزب مرهونا بموافقة الأمن ، وهو أمر يؤدى إلى إفراغ الحياة السياسية من أى معنى أو جدوى ويؤدى إلى إضعاف مناعة المجتمع ككل . فتعدد الرأى وحرية التعبير من قوانين صحة المجتمع وليس من قبيل الترف أو الكماليات .
الحكومة كانت أكثر رشدا
أدركت الحكومة وأجهزتها الأمنية أن إغلاق جريدة الشعب سيؤدى إلى حدوث فراغ فى الحياة السياسية وهو أمر يهدد الاستقرار السياسى وينذر بأشكال متنوعة من الانفجارات والعنف . ولكنها لم تشجع أحزاب المعارضة على رفع سقف التعبير فى صحفها . الحكومة كانت تهتم بصحف المعارضة أكثر من أحزاب المعارضة ، فالصحيفة هى القوة الأساسية للحزب وأداة تأثيرها فى الجماهير بعد أن انسحبت الأحزاب من معركة البناء التنظيمى والعمل الجماهيرى ، حتى سميت الأحزاب أنها مجرد صحف لها أحزاب . وهذا الواقع نتج عن مسئولية مشتركة بين الحكومة وأحزاب المعارضة . وعندما خرج حزب العمل عن هذا السيناريو المكتوب كان لابد من إلغائه ولكن بطريقة التجميد كنوع من القتل البطىء . ولكن الحكومة كانت أكثر رشدا فى إدراك أهمية وجود صحافة بديلة تقوم بدور المعارضة ولكن تحت سيطرة وإدارة أجهزة الأمن بشكل كامل ، وبالتالى يكون رفع درجة حرارة معارضتها أو تخفيضها بيدها . وكانت القنوات الفضائية الخاصة لم تظهر فى مصر بعد ولم يكن الانترنت منتشرا بعد. وفى هذه الأجواء ظهر الدور الكبير لصحف مثل الدستور والمصرى اليوم . وهى صحف تعمل بشكل مهنى وتضم صحفيين على درجة لا بأس بها من الكفاءة . ولا يعنى بالضرورة أن كل من يعمل فى مثل هذه الصحف مرتبط بأجهزة الأمن . ولكن الادارة العليا تحت السيطرة . ولكن ظهر التمويل الأمريكى غير المباشر كحليف فى هذه المنظومة الاعلامية . وفى كل الأحوال فإن هذه الصحف لم تكن ترتبط بحزب يدافع عنها ويرعاها ولذلك فهى لاتملك قوة كافية للحفاظ على استقلالها . ولكن الحكومة كانت ترغب فى درجة مرتفعة من المعارضة والنقد لمنافسة جريدةالشعب ثم فى وقت لاحق لتعوض غيابها . وكانت القاعدة الشائعة والثابتة مع الصحف الحزبية والمستقلة أن الأمور مفتوحة عموما عدا الاقتراب من رئيس الجمهورية وأسرته . ولكن كان يتم الابتعاد أيضا عن الوزارات المسماة سيادية . لم أكن منتبها لذلك فى البداية ، حتى لقد انتابنى الاستغراب أثناء حوار مع أحد ضباط أمن الدولة المسئول عن الصحافة ، وكان الحوار يدور من جانبى حول إعادة جريدة الشعب وفك تجميد الحزب امتثالا لحكم قضائى تكرر 3 مرات فى مجلس الدولة ، حيث فوجئت به يقول وأنتم عندكم صحافة .. انظر جريدة الدستور وتعلم منها الصحافة عن حق . لم أرد عليه فهو حر فى رأيه وهذا لاعلاقة بالموضوع الذى نبحثه . وعرض على عودة الفنان حمدى أحمد للحزب حتى تستقيم الأمور . فالمقصود هو إختراق الحزب بممثل لهم على المستوى القيادى ، ولن يكون وحده . ورفضت العرض فورا . لقد كان الفنان قد ترك الحزب بسنوات قبل أن يستخدم فى هذه التمثيلية : إدعاء أنه رئيس الحزب وليس ابراهيم شكرى . و تعددت اللقاءات حول هذا الموضوع على مدار سنوات وكنت أتصور كل مرة أنه قد يكون الموقف قد تغير . ولكن لاحظت أن قرار تجميد الحزب وإغلاق الجريدة قرار استراتيجى قد تم اتخاذه على أعلى مستوى وأنه غير مطروح للتغيير . ووصل الأمر إلى حد أن عرض على التفكير فى إصدار صحيفة قبرصية . وكان النظام قد سمح بإصدار صحف خاصة بترخيص من خارج البلاد ، وكانت قبرص هى الأقرب فسميت هذه الصحف صحف قبرصية وهى تدخل للأسواق بموافقة الأمن بطبيعة الحال . وقد استخدمها النظام لزيادة زخم وتنوع الصحف الخاصة المستقلة إلى حد إغراق السوق وكانت الرقابة عليها أكثر إحكاما . وكان الهدف زيادة الاحساس بحرية الصحافة بعد الانتحار السياسى لصحف المعارضة . قلت لسيادة العقيد وكان رئيس قسم الصحافة : وماذا سيكون سقف حرية التعبير إذا أصدرت صحيفة قبرصية . لم يرد. قلت له : هل يسمح لى مثلا بمواصلة انتقاد يوسف والى ؟ فأشار لى بما معناه وقد وقفنا لإنهاء اللقاء : إنت مفيش فايدة فيك. قلت له : هل تعلم أننى مستعد أن أعمل فى رئاسة الجمهورية حتى للقيام بخدمات إدارية . توقف عن الانصراف وقد لمعت عيناه وشعر ببارقة أمل غير متوقعة . قلت له : إذا اتخذ موقفا واضحا ضد أمريكا واسرائيل . فكرر : لا لافائدة منك . رأيت عدم إثارة موضوع الجريدة والحزب مرة أخرى وربما توقفت اللقاءات لفترة طويلة من الزمن . فلم يعد بيننا أى موضوع ، وهم عادة لا يطلبون اللقاء إلا عندما أدعو للتظاهر . ولم أعد أدعو للتظاهر بل اتجهنا لعقد لقاءات جماهيرية فى الجامع الأزهر عام 2002 عندما اجتاحت اسرائيل الضفة الغربية وارتكبت مذبحة جنين .
كان لابد من وقف اللقاءات من جانبى لأنه أى مسئول الصحافة بأمن الدولة قال لى فى لقاءاتنا الأخيرة وكان يتحدث عن خلافه مع أحد الصحف التى منعها حيث قال لرئيس التحرير : هل تريد أن تكون” عندى” وتقول كذا وكذا . وربما كان الكلام لك يا جار . كانت كلمة صادمة تقول : إن صحافة مصر كلها خاضعة لأمن دولة وموافقتها ، وهذا الأمر لم يكن قبل إغلاق جريدة الشعب ، فقد دخلنا مرحلة جديدة ، كانت تشى بذبول النظام السياسى ككل وليس بذبول حرية الصحافة . وهذا ما يهمنى فى عرض بعض هذه التفاصيل وهو توضيح وتشخيص طبيعة الأزمة ، وكيف أننا كنا عند مفارق طرق ، واختار النظام هذا الطريق الذى يؤدى إلى نهايته وكتمان أنفاس أى إمكانية لإزدهار المجتمع السياسى . والعجيب فى ذلك أن النظام لم يكن فى تلك اللحظة فى أزمة خانقة أو مستحكمة ولم يكن فى خطر ، فلماذا يخنق ملامح الحياة السياسية التى كنا نعيشها ؟ كانت الأحزاب كلها مستكينة وصامتة وكانت حركة الاخوان تعمل بطريقتها الهادئة الماكرة . فهل كان حزب العمل وجريدته هما الخطر المحدق ؟ كان تقديرا خاطئا وربما علامة على توجه مبارك للمزيد من إحكام القبضة والاستعداد للتوريث . وفى نفس الوقت أغرى النظام أننا لا نستند لظهير أمريكى أو خليجى وهذا مهم جدا فى الحياة السياسية فى مصر .
موقف الاخوان من تجميد الحزب
لم يبد الاخوان المسلمون أى اهتمام بتجميد حزب العمل أو إغلاق جريدته ، بل لم يقوموا حتى بزيارة تضامنية لمقر الحزب ،حتى على طريقة أداء العزاء فى المصيبة . بل إن قياداتهم كانوا فى تصريحاتهم للصحافة يستخدمون تعبير “حزب العمل المجمد” حتى ان قيادات حزب العمل عاتبتهم على هذا الأسلوب ، وقالت لهم : هل تحبون أن نتحدث عنكم ونقول تنظيم الاخوان المحظور أو المنحل ؟!
فى العام الأول للتجميد كنت فى السجن أمضى عقوبة الحبس فى قضية يوسف والى ، واقترح الحزب أن يرشحنى للانتخابات من داخل السجن وقد كنت رافضا للفكرة لأن الحكومة لن تسمح أبدا بنجاحى وأنا مسجون بتهمة سب وقذف نائب رئيس الوزراء ، ولكن الأستاذ عادل حسين أصر ، ولا أستطيع عادة أن أرفض له طلبا . وقلت له : أنتم الذين ستتعبون وأنا نائم فى زنزانتى !
وبالفعل خاض أعضاء الحزب بقيادة زوجتى الدكتورة نجلاء القليوبى ملحمة انتخابية حقيقية فى مواجهة كل قوى الدولة وتستحق التوثيق فى مجال آخر ولكن باختصار لقد صرح رجائى العربى النائب العام لأحد معارفه : ان مجدى حسين قد نجح فى حقيقة الأمر ولكن التعليمات كانت بإسقاطه . أقول ذلك لتوضيح أنها معركة مظفرة وجدية وحقيقية بدون مؤازرة الاخوان . بل وصل موقف الاخوان إلى إلى حد التخلى وإدارة الظهر للحزب بعد أن أصبح غير شرعى من الناحية القانونية وبالتالى لا يصلح أن يكون ملاذا آمنا لهم . أقول التخلى ولا أقول الخيانة ، خيانة العهد والميثاق ، فعندما سعوا للتحالف مع حزب العمل لم يقولوا صراحة أنه تحالف انتخابى لمجلس الشعب فحسب ، بل استمروا فى التحالف للمشاركة فى الانتخابات المحلية . وأنا أفهم وأتفهم هذا الموقف لأنهم لما كانوا فى قرار أنفسهم يعاملون الحزب كقطار سكة حديد كما قال د. الملط وتبين أن ذلك لم يكن موقفا شخصيا بل هو رأى قيادة الجماعة كلها ، فلم يكن معقولا بعد تجميد الحزب وإلغاء الجريدة أن يأتى وفد من الاخوان لإبلاغ الحزب الاعتذار عن استمرار التحالف ، فهذا سيكون موقفا مخجلا وظاهرا فى انتهازيته ويصعب الافصاح عنه بالقول وإن أفصحوا عنه بالعمل . ولكن وفقا لمبدىء وأخلاقيات الاسلام كان يتعين عليهم أن يقوموا بذلك فوفقا لنص القرآن : وأوفوا بالعهد الاسراء 34 . حتى وإن كان عهدا مع المشركين . طبعا من الصعب أن يأتوا ليفضوا التحالف رسميا وصراحة لأن هذا يعنى الإقرار بالنفاق ، فهم لم يقولوا صراحة.
أن هذا تحالف انتخابى وينتهى بعد الانتخاب ، ولكن التحالف كان اسمه ” التحالف الاسلامى ” وخضنا أكثر من معركة انتخابية تحت شعار ” الاسلام هو الحل ” فى 3 معارك على الأقل : الشعب والشورى والمحليات . والاسلام لا علاقة له بالانتخابات بالذات ، فالاسلام عقيدة ورؤية شاملة ولا يجوز أن يستخدم كشعار لمجرد النجاح فى الانتخابات أو لتحقيق تحالف مع حزب غير اسلامى . فإذا جاءوا ليقولوا إننا ننفض يدنا من التحالف لأنكم أصبحتم حزبا مجمدا فهذا موقف مخز ، ولكن الاسلام يفرض الصدق عليهم .
ورغم أننا كنا قد رفضنا العضوية المزدوجة للحزب والاخوان فى وقت واحد فإن هذا لم يكن يعنى بالنسبة لنا إنهاء التحالف فقد كنا لا نزال نرى ضرورة استمراره بين تنظيمين منفصلين وهكذا تجرى التحالفات فى عالم السياسة عادة . وعندما أصر الحزب على ترشيحى لانتخابات مجلس الشعب عام 2000 واعتبر ذلك جزءا لا يتجزأ من معركتنا مع يوسف والى واللوبى الصهيونى فى البلاد ، كان موقف الاخوان عدم المشاركة فى هذه المعركة ، رغم أن دائرة مصرالقديمة التى كنت مرشحا فيها تعد من معاقل الاخوان . كانت مشاركتهم فى البداية خجولة ثم انسحبوا نهائيا . بينما كانت المعركة ضارية مع البلطجية وأفراد الأمن . وأذكر أن ضابطا فى قسم مصر القديمة قد التقى بى أثناء ترحيلى بين الأقسام عام 2014 و قال لى بعد مرور كل هذه السنوات : إن زوجتك بطلة وقد خاضت معركة الانتخابات عام 2000 خلال غيابك فى السجن بشجاعة منقطعة النظير رغم أنها تكون أحيانا وحدها .
وعندما وافق الاخوان على تقديم عدد قليل من المندوبين فى لجان الانتخاب إلا انهم عادوا وسحبوهم قبل نهاية اليوم . بل وصل الأمر إلى حد عدم المشاركة بشكل واضح فى التصويت نفسه . وقد تحول التصويت لعملية نضالية حيث كان البلطجية يحاصرون الناخب قبل دخوله ليتأكدوا أنه لن ينتخب مجدى حسين ، وكانوا يطلبون كارنيه الحزب الوطنى أحيانا كدليل على براءة الناخب . وإذا قال ناخب على سبيل التحدى : أنا داخل أنتخب مجدى حسين كانوا يضربونه ويمنعونه من التصويت . ومع ذلك كانت نتيجة التصويت لصالحى داخل الصناديق. كان الاخوان ينأون بأنفسهم عن هذه المعركة وكان من واجبهم أن يدافعوا عن مرشح معتقل لتنظيم صديق ، ولكن من ناحية أخرى كان هذا يعرضهم لصدام مع الأمن وهم مستعدون للصدام فحسب إذا كان هذا لصالح التنظيم . كما أنهم لم يكونوا متحمسين لمعركة تبدو واضحة أنها تحدى للصهيونى يوسف والى وكانوا ضد هذه المعركة التى نخوضها ضد التطبيع ودفاعا عن صحة المصريين .
وعندما أسس حزب العمل وتحايلا على التجميد المركز العربى للدراسات لعقد الندوات الثقافية دعا فى أحد المرات د. محمد حبيب نائب المرشد العام للاخوان ، وافق على الحضور وبدا ذلك وكأنه موقف شخصى منه حيث لم يحضر معه ولا عضو واحد من الاخوان .
وبعد خروجى من السجن بعد انتهاء الحكم فى قضية يوسف والى فى يناير 2001 وأثناء تداعيات أحداث 11 سبتمبرحيث فجرت الطائرات المدنية برجى التجارة العالمية فى نيويورك ، كنت أستمع لقناة الجزيرة تجرى حديثا مع عصام العريان وكان يصب جام غضبه على أسامة بن لادن والقاعدة فسأله المذيع : ولكن حزب العمل له موقف آخر . فرد العريان : لقد انهينا التحالف مع حزب العمل ولسنا مسئولين عن تصريحاته . وكنا فى تلك اللحظة نرفض الدخول فى هوجة الهجوم على القاعدة ، بينما التحقيقات الأمريكية لم تثبت أى شىء بعد ، بل هى لم تثبت أى شىء حتى الآن . وحاليا فإننى أرى أن جهة استخباراتية أمريكية هى التى قامت بهذا العمل . راجع قسم الدراسات فى المدونة الخاصة بى
magdyhussein.id
ولكن ما يعنينى الآن أننى سمعت لأول مرة بأذنى بعد قرابة 9 شهور من تجميد الحزب ، أن الاخوان ألغوا التحالف من جانب واحد بدون إبلاغنا بهذا ، فنحن لا نستحق حتى أن يبلغونا . لقد استغل العريان هذه الفرصة للاعلان والتبرؤ من الحزب ، رغم ان التحالف لا يعنى الاتفاق فى كل شىء ، وقد نختلف فى تقييم أحداث 11 سبتمبر ونظل حلفاء . ولكن الاخوان لم يتصوروا يوما أننا حزب اسلامى وهم يتعالون على الجميع . كانوا فى قرارة أنفسهم موقنين أن علاقتهم مع حزب العمل قد انتهت ،فقد انتهى دوره كقطار سكة حديد لمجلس الشعب . ولكن المشكلة ظلت عندنا نحن فقد ظللنا نعتصم بالسذاجة وأنا أتحدث عن نفسى ولا أتهم باقى الزملاء . كان الأستاذ عادل حسين قد رحل عن عالمنا فى هذا العام فى 15 مارس 2001 . وفى منزل الأستاذ ابراهيم شكرى تم انتخابى أمينا عام للحزب بالإجماع عدا صوت واحد . اتهم نفسى بالسذاجة السياسية لأننى تصورت أنه بعد كل ذلك يمكن التعاون مع الاخوان فى انتخابات 2005 وماسبقها من أحداث فى فلسطين والعراق . ولكن سبب ذلك أننى افترض فى الناس جميعا حسن النية فى المقام الأول . وظللت أتصور كما قلت من قبل ان الاخوان تنظيم اسلامى عريق ومهما كانت لى ملاحظات عليهم فقد أرجعت بعضها لضحالة ثقافتهم السياسية أولأخطاء فى منهجهم الاسلامى كما أوضحت ذلك فى كتاب فقه التغيير السياسى فى الاسلام عام 1993 . كنت أعول على صدقهم الاسلامى ، صدقهم الايمانى وأنهم فى النهاية سيهتدون إلى الصواب فى العمل السياسى الاسلامى . وطالما لم أفقد الأمل فى إخلاصهم للاسلام فقد كان يتعين على أن أواصل التعاون معهم أو محاولة ذلك . حتى كفرت بإخلاص الاخوان خلال أحداث ثورة يناير 2011 وبصورة نهائية فى السجن عام 2014 بعد حواراتى مع القيادات والكوادر الوسيطة .
ولنعد مرة أخرى لعام تجميد الحزب عام 2000 .. كنا فى تلك اللحظة قد صفينا معظم العضوية المزدوجة وطلبنا من جميع من انضم مؤخرا للحزب أن يعلن ولاءه لأحد التنظيمين بدون إزدواج لأننا اكتشفنا أن هذا الوضع عرقل بالفعل عملية بناء الحزب . كنا نعول على أن بعض ذوى الأصول الاخوانية يتم صهرهم فى بوتقة الحزب وفق برامجه ولكن ذلك لم يحدث على الأغلب . ومن ضمن مساوىء الممارسة الاخوانية الخادعة معنا أنهم طلبوا من بعض أعضائهم داخل الحزب أن يعلنوا ولاءهم التام للحزب وقطيعتهم التنظيمية مع الاخوان على سبيل الكذب والخداع ، فلايزال للحزب أهمية ، حقا لقد فقد أهميته الكبرى بعد أن تحولت الانتخابات إلى الأسلوب الفردى وألغيت القوائم النسبية باسم الاحزاب ، ولكنه ما يزال له صحيفة وما يزال له شرعية كملاذ آمن لبعض عناصر الاخوان . ولكن ذلك انتهى فى تقديرهم عندما جمد الحزب وأغلقت جريدة الشعب عام 2000 .
– 19 –
العدوان الأمريكى على أفغانستان
كنا كحزب عمل على خلاف كبير وعميق مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة . حركة طالبان متخرجة من المدرسة الديوباندية الهندية التى تتبنى آراءا فقهية متشددة تنعكس على موقفهم من المرأة والشيعة وكيفية التعامل مع المذاهب والأديان والقوميات والفرق المختلفة . كنت آمل شخصيا أن تتطور الحركة فى آتون معاركها ضد المحتل الأمريكى ، وقد حدث شىء من ذلك ولكن بأقل بكثير مما كنت أتمنى . فقد أدركوا مثلا أهمية وجواز التعامل والتعاون مع الصين وروسيا فى ظل العداء الغربى لهم ، ولكنهم مايزالوا على سبيل المثال متشنجين إزاء الشيعة وإيران و دور المرأة فى المجتمع المسلم . وهم لا يشكلون الحكومة إلا من حركة طالبان . ولكن هناك تعامل محدود يزيد وينقص مع إيران ، وهذا التعاون لمصلحة البلدين . وكان حزبنا قد شن حملة إعلامية فى فترة سابقة ضد احتمالات وقوع حرب بين أفغانستان وإيران عندما قامت حكومة طالبان باقتحام القنصلية الايرانية فى مزار الشريف وقتل عدد من الدبلوماسيين الايرانيين . وقلنا إن هذه الحرب لن تكون إلا لمصلحة الولايات المتحدة التى تعادى الطرفين . وكنا نعلم أن طالبان تكفر الطائفة الشيعية برمتها وهذا مما نختلف عليه بالتأكيد ، ومع ذلك كنا نرى ضرورة رأب الصدع بين الطرفين ولكن طالبان لا تزال ترى أن التعاون مع الصين وروسيا أحسن وأفضل من إيران . وقد تكون إيران متشددة معهم بسبب موقفهم التكفيرى ، ولكننا نرى أن تتحلى إيران بالصبر .
رغم أن خلافنا الفقهى والسياسى مع طالبان واضح إلا أننا كنا نؤيدها على طول الخط فى حربها لتحرير أفغانستان من الاحتلال الأمريكى والأطلسى . وسيظل موقفى مع أفغانستان طالبان ضد كل محاولات الحصار الأمريكى بعد الانسحاب . ولذلك عندما شنت الولايات المتحدة عدوانها فى 7 أكتوبر 2001 على أفغانستان وقفنا مع حكم طالبان بدون قيد أو شرط لأن أحداث 11 سبتمبر لم يثبت ساعتها أن القاعدة المتمركزة فى أفغانستان هى التى قامت بها ، وقد برهنت الأيام على ترجيح غير ذلك كما ذكرنا آنفا . وحتى إن كان فإن تاريخ الاعتداءات على بلاد العرب والمسلمين من أمريكا والغرب تاريخ حافل وطويل ، ولا يمكننا بأى حال أن نوافق على استباحة بلد اسلامى بحجة البحث عن أسامة بن لادن وجماعته . دائما كانت البوصلة التى نهتدى به ، الوقوف ضد هذه الحملات المتواصلة من أمريكا والغرب لاحتلال بلادنا والسيطرة عليها واستغلال ثرواتها .
كانت جريدة الشعب الورقية مغلقة فقمنا بحملة على الشعب الالكترونية دفاعا عن أفغانستان وكتبنا منشورات ووزعناها فى الشوارع و نظمنا مظاهرة فى الأزهر لنصرة طالبان وأقمنا مؤتمرا جماهيريا بدون مشاركة أى طرف اسلامى أو وطنى . لم ألحظ أى تحرك أو اهتمام من حركة الاخوان بهذا الحدث الذى ظننت أنه يزلزل العالم الاسلامى . ولا أستطيع أن أراجع الآن هل أصدر الاخوان بيانا على موقعهم الالكترونى أم لا . ولكن أتابع حركتهم العملية التى لم تكن موجودة . فى وقت لاحق لا أذكر تاريخه دعيت من النقابات المهنية بالاسكندرية لحضور مؤتمر تضامنى مع العراق ، وهنا لا بد أن أذكر أن النقابات المهنية فى ظل قيادة الاخوان كانت تدعوننى كثيرا للحديث فى مؤتمراتها خاصة فى الاسكندرية وهذا أمر أسجله فلست أحاول تسجيل السلبيات ، ربما كانوا يريدون أن أمثل اللون الأكثر صراحة فى المواقف والحديث ، وهذا يحسب لهم . فى هذا المؤتمر الذى عقد بالأسكندرية استلفت نظرى أن كل المتحدثين لم يتطرقوا بالذكر لأفغانستان وكأنها ليست دولة اسلامية محتلة وتقاتل ضد الاحتلال . بينما تحدثت فى كلمتى عن العراق وأفغانستان . كنت أتصور أن الاخوان لا يريدون التضامن مع أفغانستان حتى لا يبدو ذلك تعاطفا مع تنظيم القاعدة وهذا ما قد يشوه صورتهم كمؤيدين للإرهاب . والحقيقة فهناك فرق بين تنظيم القاعدة وقضية أفغانستان كدولة اسلامية محتلة من الأمريكيين وحلف الأطلسى . كذلك فإن الحق لابد أن يقال بدون خوف من أى عواقب أو اتهامات من أمريكا ، فلتذهب إلى الجحيم . ولكننى علمت فيما بعد معلومات بالغة الخطورة . أنقلها عن أحمد المسلمانى :
فى إطار الصراع بين فصائل المجاهدين بعد الانسحاب السوفيتى قام رئيس الحزب الاسلامى قلب الدين حكمتيار بقصف كابول مما أدى إلى تدميرها وقتل 50 ألف مواطن وتمكن من إسقاط حكم برهان الدين ربانى وهو عضو بالتنظيم الدولى للاخوان . وكان رئيسا لأفغانستان بين 1992 و1996 . وعندما دخلت طالبان هرب برهان الدين ربانى إلى الشمال وانضم إلى التحالف الشمالى . وأضيف من عندى اننى كنت ضد تحالف الشمال دون أن اعرف صلة برهانى بالاخوان ، كنت ضد مواقفه وكنت مؤيدا لطالبان ضد هذه التنظيمات المتقاتلة التى دمرت كابول على سكانها وهو ما لم يفعله المحتل السوفيتى . وكنت أرى تحالف الشمال يتعاون مع الغرب ليعود إلى حكم كابول . وكانوا قد عاثوا فيها فسادا وتحالفوا مع الجنرال عبد الرشيد دوستم وهو مجرم يده تقطر دما من المجازر فى حق الأفغان وكان من بقايا الحكم الشيوعى الفاسد ، وانسحب بقواته إلى مزار الشريف وهو أوزبيكى ، وتعاون مع الأمريكان أثناء دخولهم لأفغانستان .
ولكن لنعود لمقال المسلمانى : أصبح برهان الدين ربانى زعيم تحالف الشمال واحتل زميله من الاخوان عبد رب رسول سياف موقعا مهما فى التحالف . ولما احتل الأمريكيون أفغانستان أصبح الاخوان من المكونات الأساسية للحكم فى البلاد فى ظل الرئيس العميل حامد كرزاى .
في عام 2002، أعاد الإخوان تأسيس فرع الجماعة باسم “الجمعيّة الأفغانية للإصلاح”. وفي لمح البصر، صار لفرع الإخوان مدارس ومعاهد، وقنوات فضائية وإذاعات وصحف ومواقع. وأصبح للجماعة أيضاً 35 فرعاً في أنحاء أفغانستان.
هكذا أعاد الاحتلال الأميركي جماعة الإخوان في أفغانستان إلى موقع القوّة من جديد، بعدما كادت تتلاشى على يد عدوّها الأكبر.. حركة طالبان.
شنَّت طالبان والقاعدة بالمقابل حرباً إعلاميّة على جماعة الإخوان، ولمّا اغتيل أحمد شاه مسعود عام 2001، ثمّ برهان الدين ربّاني عام 2011، كانت شماتة “الجهاديين” بلا حدود. وجاءت عناوين هذه التنظيمات حاسمة في تخوين الجماعة، وكان من بين ما قيل: “قُتِل عدوّ الله أحمد شاه مسعود”، “تمّ اغتيال الخائن برهان الدين ربّاني الذي دخل كابول على متن الدبّابات الأميركية”.
واصل “الجهاديون” الحرب على الإخوان، وكتب هاني السباعي، مدير مركز المقريزي في لندن: “إنّ برهان الدين ربّاني وعبد ربّ الرسول سيّاف عضوان في التنظيم الدولي للإخوان. وقد دخل الإخوان التحالف المدعوم بقوات الاحتلال الأميركي إبّان حكم طالبان عام 2001، ثمّ دخل الإخوان كابول فوق الدبّابات الأميركية، وأصبح ربّاني وسيّاف وقادة الجماعة في تحالف مع حامد كرزاي والأميركيّين”
سيطر الإخوان على مفاصل الدولة في عهد كرزاي، من رئاسة الأركان إلى الاستخبارات فالإعلام والقضاء. وقام الرئيس كرزاي بتعيين برهان الدين ربّاني في منصب رئيس “المجلس الأعلى للسلام”.
في عام 2011، قام برهان الدين ربّاني بزيارة مصر. وفي القاهرة زار مقرّ جماعة الإخوان، ونشرت الجماعة خبر زيارة عضو تنظيمها الدولي لمكتب الإرشاد.
قامت طالبان باغتيال برهان الدين ربّاني، وتعثّر المشروع في أفغانستان، .
طالبان تنتصر على الإخوان.. والجماعة تهنِّئ
في آب 2021، عادت طالبان إلى السلطة في أفغانستان بعد عشرين عاماً، إذ خرجت أميركا ودخلت طالبان، .
هنا واحدة من أخطر حالات الخداع في العالم، إذ سرعان ما أعلنت الجماعة، التي حاربت طالبان، تأييدها لطالبان. يا إلهي.. الجماعة التي تحالفت مع الاحتلال تهنّئ البلاد بالتحرير!
قامت فروع الإخوان في فلسطين وسوريا، والإعلام الإخواني في تركيا وقطر بالترويج للانتصار “الطالباني – الإخواني” في أفغانستان!
قام أحمد الريسوني، رئيس الاتّحاد القطري لعلماء المسلمين المعروف باسم الاتحاد العالمي، بتهنئة طالبان. وكرّر الإخواني الليبي علي الصلابي قول الملّا عمر: “لقد وَعَدنا الله بالنصر، ووَعَد جورج بوش بالهزيمة.. وسنرى أيّ الوعديْن أصدق”.
حين تحالف الاخوان مع الأمريكان ضد طالبان – أحمد المسلمانى – 6 أكتوبر 2021 – أساس ميديا
انتهى الجزء الثانى من 1989 – 2001
