كانت زيارات فهمى للاسماعيلية والمعيشة فى بيت خالته تاتو من أهم متع حياته فالبيت متسع بحديقة واسعة وبه كل أشكال اللعب والترفيه . كانت الاسماعيلية بالنسبة له هى الجنة . والحديث يجرى هنا عن المناطق الراقية التى سكنها الأجانب والانجليز من قبل ونوادى هيئة القناة وكلها مناطق جيدة التخطيط ونظيفة ومزروعة بالنخيل أو الأشجار ومرصوفة جيدا . وإذا كان البيت نفسه فيه كل ما يحتاجه طفل من صنوف اللعب واللهو فهو الجنة فعلا ، ولكن أين حور العين ؟
طبعا لم يكن فهمى قد اكتمل نضوجه ولم يكن الارتباط العاطفى أو النفسى بالأنثى يشغله ، ولم يصبح بعد فى إطار تكوينه . ومع ذلك فقد لفتت نظره فتاة من أسرة صديقة لخالته وكانت الأسرتان تتبادلان الزيارات . تصور أن أمانى جميلة كأفضل ما يكون الجمال وكانت لها نغزتان فى خديها إذا ضحكت أو ابتسمت ، كما أنها فى إحدى المرات أبدت له اهتماما غير عادى ، وتعلق بها ، ولكنه كان فى مرحلة تتسم بالخجل المطلق والعجز عن القيام بأى مبادرة ! بل لقد حاول مرة أن يركب فى السيارة الخاصة بأسرتها على أساس أن الجميع ذاهبون لنفس المكان على الشاطىء ، فنهرته خالته وقالت له كيف تركب السيارة وفيها بنات !! آه هو تحت الرقابة أيضا مع أن الخجل يكفيه !
ولكن ظلت صديقة خالته تأتى مع ابنتها لزيارتها فكانت فرصة للقاء المتكرر مع أمانى عدة مرات فى العطلة الصيفية ولكن اللقاءات اقتصرت على لعب الورق أو الدومينو .. ولم يتمكن من فتح أى موضوعات للحديث معها ، والحقيقة فإنه لم يكن لديه موضوعات للحديث اصلا !!
ومع ذلك ظل قلبه معلقا بها وكان طوال العام الدراسى يفكر فيها ويحلم باللقاء الصيفى . ولكن كل مرة لا يحدث أى تقدم فى العلاقة أى فى الأحاديث العاطفية الخاصة ولم يكن عنده فعلا ما يقوله فهى مجرد فتاة لطيفة وكفى . وهو لايعرف ما هو الحب ؟ حتى يقول لها : إنى أحبك . واستمر لسنوات يفكر فيها فى الشتاء وينعقد لسانه فى الصيف !
وربما كانت ستنتهى من حياته كما انتهت شهيرة من قبل ، بل هى انتهت بالفعل . ففى عام 1967 انقطعت رحلاته للاسماعيلية بل عادت أسرة خالته كلها للقاهرة بسبب ظروف العدوان وإغلاق قناة السويس . انمحت أمانى من الشاشة ومن الذاكرة كما انمحت شهيرة ولم يعد يفكر فيها ، وكانت الأحداث التى مربها تنسيه أكثر من ذلك ، لقد كانت فجيعة الهزيمة فى يونيو 1967 .
ولكن فى عام 1968 دخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة . وفى إحدى المرات كان يقطع الطريق بين الكلية إلى باب الخروج الرئيسى عبر الحرم الجامعى الذى كان يشعر فيه بالألفة والسعادة ، فى هذا الممر تحت ساعة الجامعة الشهيرة كانت المفاجأة المدهشة . وجد أمانى تسير مع بعض الزميلات ، وهو لم يكن يعرف أنها دخلت جامعة القاهرة ولا يعرف أى شىء عنها ، كانت مفاجأة جميلة بل كانت كالصاعقة المفرحة وأقبل عليها يصافحها ، وما بين السلامات والتحيات توارد إلى ذهنه فى ثوان كل شريط الذكريات ، ورأى ان القدر قد بعثها له من جديد لاستكمال القصة المبتورة , وفكر أنه قد شب على الطوق ويمكنه أن يبادر الآن ويكون إيجابيا فى إقامة علاقة عاطفية معها . ولكنه فوجىء بعد وهلة قصيرة ربما تكون دقيقة أو دقيقتين فإذا بها تأخذسمت البرود المصطنع وتقول له : وكيف حال ماما ؟! وكانت كلمة باردة لا معنى لها تذكره بجارته أو خالته وهى تلتقى به وتسأله : كيف حال ماما؟! أى ماما يا بنت الايه ؟ انها لم تر أمى ربما إلا مرة واحدة أو مرتين لأنها لم لم تكن تأتى معى للاسماعيلية إلا نادرا . كانت تريد إنهاء الحديث بكلمات المجاملة الاجتماعية السمجة . كيف حال ماما ؟! هذه كلمة تقال عادة للأطفال !! المهم لقد بدا عليها أنها تريد أن تنهى المحادثة وتسير مع زميلاتها وتوئد تماما مشروع الذكريات أو حتى المعرفة السابقة . واستجاب فهمى لما شعره وسلم عليها مودعا .
لقد حبا الله فهمى بسلاح ساعده كثيرا فى حياته فى مختلف أنواع الأزمات ، وهو سلاح الكرامة والاعتزاز بالنفس ، بل الاحساس المفرط بالكرامة .. وكم استل هذا السلاح من غمده كلما تعرض لمثل هذه المواقف ، حتى كأنه سلاح سحرى ، أشبه بمبضع الطبيب الذى يستخرج به أى جسم غريب من الجسد أو القذى من العين فينتهى الألم فورا . وتم محو أمانى فورا فى نفس اليوم من الذاكرة العاملة . وربما ظلت فى الذاكرة الخلفية غير المستخدمة ككثير من الأشياء التى تمر بنا فى الحياة .
ومن طرائف الأقدار أنه لم يلتق بها مصادفة أبدا بعد ذلك خلال الأعوام الأربعة التى كان يمر خلالها يوميا فى الحرم الجامعى وتحت الساعة ، فتعاونت معه الأقدار ، ولكنه كان واثقا من نفسه فإذا تصادف أن ألتقى بها فلن يخر واقعا أو يصاب بأى تكدير . وسيستخدم فهمى هذا السلاح السحرى أو السرى فى حياته مرات عديدة بل كثيرة وستكون من علامات صلابته وقوته وجلده فى الملمات لمواصلة السير فى الطريق الذى اختاره لنفسه ، وهى هبة من الله عز وجل وليس له أى فضل فيها ، وقد تكون لتربية والده أثر فى ذلك ، ولكنه أثر القدوة ، لا اثر الموعظة والاملاء ، وقد تكون من أثر الجينات !
يتبع
