فى إحدى المرات كان فى غرفة نوم أبيه يتسامران ، وفجأة قال له فهمى : هناك سؤال يحيرنى جدا . قال والده : وما هو ؟ قال : كيف يمكن لعين الانسان الصغيرة أن ترى هذه الغرفة الكبيرة ؟! ولاحظ أنه لم يقل النجوم والشمس والقمر وهى أكبر من الغرفة ، ولكن تظل المشكلة واحدة . لايذكر فهمى رد والده لأنه لم يشف غليله ، وكان حوارا عابرا . ولكن فى يوم ما بعد ذلك كان يزور والده أحمد صديقه الدكتور أحمد حسين الصاوى أستاذ الاعلام المعروف ، وكان بينهما حوارات شتى . أحيانا كان فهمى يحضر لقاءات والده مع أصدقائه دون أن يفهم الكثير من أحاديثهم ولكنه كان يحاول الفهم . وفوجىء بوالده يقول للصاوى : هذا الولد بدأ يطرح أسئلة صعبة . هل تتصور أنه سألنى : كيف ترى العين الصغيرة هذه الغرفة الكبيرة وبحجمها الطبيعى ؟! وقد تكررت هذه المواقف .. وكان والده يقول : إن هذا الولد لا يكف عن السؤال عن هذا الموضوع أو ذاك . إن عقله يعمل بنشاط ولعل له مستقبل ما ، فكثرة طرح الأسئلة هى أول طريق المعرفة الحقة .
من الأمور المميزة فى حياة الطفل فهمى أنه صنع شيئا لم يقم به طفل آخر فى حدود معرفته حتى عندما كبر . فقد كان يحب أمه حبا جما ويقدر دورها والجهد الذى تبذله من أجله ومن أجل كل افراد الأسرة ، وما تحيطه به من حنان وإصرار على تلبية أى طلبات له قدر الطاقة . أعجبته فكرة عيد الأم فى 21 مارس من كل عام فقرر أن يدخر من مصروفه ليشترى لها هدية كل عام من حر ماله !!كان مصروفه اليومى فى المدرسة قرشان صاغ ، فقرر أن يدخر نصفه كل يوم : قرشا واحدا ، وهذا اقتطاع كبير : 50 % ! حقا فى زمنه كانت هناك عملة ب نصف قرش أو تعريفة أى 5 مليمات ، ولكن التعريفة لم تكن حقيقة تصلح لشراء أى شىء مهم .
بدأ بحصالة بلاستيك كان يحطمها فى نهاية العام أى يوم 19 أو 20 مارس ليحصى ما بها من قروش وكانت النتيجة فى العادة رائعة : 300 قرشا أى ثلاثة جنيهات وهو مبلغ كبير بمعايير الخمسينيات من القرن العشرين . ثم حصل على حصالة كبيرة على هيئة مبنى لبنك مصر لها مفتاح .. حصالة معدنية وبالتالى لا داعى لتحطيمها للحصول على المال بل يتم استخدام المفتاح . وهذا المبلغ : 300 قرشا يعنى أنه التزم تقريبا كل يوم باستقطاع نصف مصروفه فى أغلب الأيام . ولكنه كان يحصل على أموال إضافية فى العيدين الصغير والكبير : العيدية ، وكانت مبلغا كبيرا من أطراف عدة من الأسرة وأصدقاء الوالد . وكان يعلم من زملائه بالمدرسة أن مصروف بعضهم يصل إلى 5 قروش وأكثر ، ولكن هذا الأمر لم يضايقه . المهم أن الجنيهات الثلاثة كانت تكفى لشراء هدية قيمة لا مجرد هدية رمزية ، وكان يستعين بأخوته لشراء هذه الهدية واختيارها وقد تكون مجموعة من الزجاجات العطرية والكولونيات . وكان هذا من دواعى سرور الأم ، والاشادة العامة به فى الأسرة مما حفزه على الاستمرار . ولكنه بعد عدة سنوات توقف عن الادخار لهدية عيد الأم ، وإن لم يتوقف عن إهدائها الهدية فى عيد الأم وعيد ميلادها أيضا .
كانت ” الأم ” موضوعا كبيرا فى حياة فهمى وهى من عناصر المدرسة التربوية لوالده أحمد ، فهو لم يعط لهم دروسا ومواعظ حول الأم ، ولكنه علم أبناءه مكانة الأم بسلوكه العملى مع زوجته ومع حماته أم زوجته . وهو أيضا لم يقصد القيام بعملية وعظ غير مباشر ، ولكن ممارسته العملية بدون تكلف هى التى أدت إلى ذلك ، فالقدوة الحسنة لا تعلن عن نفسها ولا يقول صاحبها لنفسه أو لغيره : انظروا .. سأقوم بقدوة حسنة ! ولكنه يمارس أخلاق الاسلام كما تعلمها فتترك آثارها فيمن حوله .
لم تكن أعياد الميلاد من الطقوس العائلية المنتظمة بل يمكن إعطاء هدية لصاحب عيد الميلاد من الأب أو من الأم “. فقد تصحبه أمه إلى مطعم أبى شقرة لتناول الغذاء ، وهى تعلم أنه يحب أكل الكباب . وفى مرة استغل عيد ميلاده ليطلب شراء كرة قدم حقيقية ” كفر ” ليلعب بها فى الشارع مع أقرانه وأعطاه والده خمسين قرشا وكان مبلغا كبيرا .
لم يكن الامتناع عن أعياد الميلاد كحفلات منتظمة فى الأسرة لاعتبارات سلفية ، أى اعتبار أن أعياد الميلاد حرام لأن الدين
لم ينص عليها وان الاسلام لايعرف سوى العيدين : عيد الفطر وعيد الأضحى . هذه الأفكار لم تكن موجودة فى ذلك الوقت ولكنها ظهرت مع تصاعد الحركة الاسلامية فى السبعينيات من القرن العشرين وما بعدها من أصحاب التيار السلفى ، ولم يكن أحمد ليقع فى مثل هذه الأفكار ، ولكن تربيته الشعبية فى حى السيدة زينب ، وأيضا تربية زوجته ذات الطابع الاسلامى التركى لا تعرف هذه العادة . ولعل استبعاد إقامة الحفلات فى عيد الميلاد نوعا من الاقتصاد فى النفقات فيما هو غير أساسى . لم يكن دخل الأسرة قليلا بل لم ينقص الأولاد فى حياتهم أى شىء أساسى ولا كثيرا من الترفيه . ولكن أيضا لم يكن هناك فائض من الأموال لمثل هذه الاحتفالات . ولكن فى المقابل كان الانفاق كبيرا فى العيدين : كعك – لحوم ، وايضا مأكولات ومشروبات شهر رمضان وقضاء عطلات المصيف .
