هذه الرواية من منتجات سجن ليمان طرة فى فترة كوفيد 19
هو لايذكر أن رأى عمه إطلاقا ولكن ربما وجد صورة له معه على شاطىء الاسكندرية ومع ذلك فهو يحبه ، كيف لا ؟ وهو عمه !! وكان والده قد حصل على إذن لزيارته هو وزوجته وفاء فى رحلة شاقة عبر أسيوط ، وكان لا بد أن يكون محملا بمختلف أنواع المأكولات والخطابات ، رغم انه بالتأكيد لا يوافقه على معتقداته الشيوعية ولكنه أخوه ، وأحمد يقدس مسألة صلة الرحم .
كتب فهمى رسالة إلى عمه وقال أخوته إنها ليست بمستوى خطابه السابق لوالده حين كان فى شربين ، ولكنهم لم يكونوا محقين فقد احتفظ عادل بالرسالة حتى مماته . وعلم فهمى عندما كبر أن عمه عادل وضع فى ألبوم الصور ، صورة فهمى التى أرسلها إليه فى السجن وتحتها تعليق يبدو أدبيا ” سنظل ننتظرك حتى تأتى ” !!
كانت تعنى أننا سننتظرك ونتوقع وصولك إلى الأبد ، وتعنى أيضا أنه سيأتى بالتأكيد ، ولكن الموعد غير معروف ، ولكننا سننتظرك حتى هذا الموعد المجهول . كانت تعنى أن خط التواصل العاطفى لن ينقطع معه أبدا وهو غائب وهو حاضر .
خرج عادل من السجن فى عام 1964 ونشأت صداقة عميقة بينه وبين فهمى رغم الفارق الزمنى الكبير فى العمر ورغم الخلاف الفكرى فى بداية العلاقة فبينما خرج عادل يساريا يتجه بشكل حثيث للفكر القومى العربى كان فهمى فى ريعان الأفكار الليبرالية وهو الخلاف الذى ظهر بينهما فى الموقف من أحداث تشيكوسلوفاكيا عام 1968 حين أجتاحت الدبابات الروسية العاصمة براغ لإخماد الثورة الشعبية .
عادل ليس شقيق أحمد ولكن أخوه من الوالد ولكن علاقتهما أكثر من الأشقاء ، فقد كان عادل يعتبر أحمد أستاذه وقدوته ، وظل كذلك حتى رحيل أحمد .. بل وحتى رحيله هو نفسه من بعده بعقدين من الزمان . وكان أحمد هو الأخ الأكبر وبدأ عادل عضوا فى الحزب الاشتراكى ” مصر الفتاة ” قبل 1952 ولكن بعد حل الحزب مع كل الأحزاب السياسية عام 1953 انخرط عادل فى الحركة الشيوعية واعتقل 4 سنوات ثم خرج لفترة قصيرة ليعتقل مرة أخرى 5 سنوات أخرى من 1959 – 1964 وكان فى حزب حدتو : الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى .
*******
علاقة فهمى بعزبة شكرى فى شربين وربما فى اماكن أخرى كانت علاقة ملتبسة بين الواقع والخيال . هو الآن فى العاشرة من العمر يعرف شربين الحقيقية ولكنه فى نومه كان يحلم بها ، قبل زيارته لها، كبحر من الخضرة الجميلة الزاهية التى لاتنتهى عبر الأفق وكانت تظهر فى الحلم سيارة حمراء فارهة لونها الأحمر زاهى ومبهج ولامع ، وهى سيارة مكشوفة . كان فى مخيلته أن شكرى هو أغنى رجل فى مصر وربما فى العالم . وكان يخلط فى حلمه بين عزبة شربين التى لم يرها بعد والجنة . وعندما يستيقظ لا يدرى هل كان حلمه عن الجنة أو عن شربين . وفى مرحلة لاحقة لم يكن يتصور أنه حلم بل حقيقة حدثت وأنه رأى كل هذه المناظر الخلابة بنفسه ورأى السيارة الحمراء رغم أن شكرى لا يملك أى سيارة حمراء !!
وبعد شربين وإبشان رأى فهمى الريف مرة أخرى عندما زار قليوب أقرب مركز فى القليوبية للقاهرة حيث بيت أو عزبة صديق والده أبو اليسر . كان أبو اليسر شخصية لطيفة وأحبه فهمى فقد كانت لقاءاته مع والده متواترة . فى إحدى الزيارات أحضر لأحمد عينات من التى تقوم شركة النصر للتصدير بتصديرها إلى افريقيا ، وكان يعمل مديرا بها ، وقد كانت علب بلاستيك شفافة بها بصل مبشور وأشياء أخرى . وهذه كانت من علامات انخراط عناصر من حزب مصر الفتاة فى نظام 23 يوليو ، ففيما بعد علم فهمى أن هذه الشركة كانت تابعة للمخابرات العامة وأنها قامت بأدوار خارقة فى إقامة الجسور مع كثير من الدول الافريقية ولم تكتف بالتصدير بل قامت بأعمال المقاولات والبناء وبنت أعلى البنايات فى عدد من العواصم الافريقية . فى التسعينيات من القرن العشرين اطلع فهمى على حديث صحفى للرئيس السابق للشركة عرض فيه تاريخ نشأتها وعملها ، ورأى أن هذه التجربة تستحق الدراسة واتخاذها كعلامة وخبرة لإقامة الجسور مع افريقيا و غيرها من الدول النامية فى آسيا وأمريكا اللاتينية ، وقد بدأ رأسمالها بعدد قليل من الملايين . وهى تجربة تؤكد أن الجدية والارادة والتصميم أهم من المال ، وأن الذى يعطل مهامنا الوطنية ليس نقص الامكانيات المالية والمادية بل نقص الجدية والإرادة والتصميم .
فى ذلك الوقت لم يكن فهمى يعلم كل هذه الخلفيات ولم يعرف سوى أن الأستاذ أبو اليسر يعمل فى شركة تصدر بضائع وسلعا مصرية لافريقيا .
*******
ثم كانت الرحلة الكبرى إلى بلطيم مصيف كفر الشيخ فقد كانت رحلة تصييف لمدة 3 شهور كاملة وهو أمر لم يحدث لا من قبل ولا من بعد . كانت فكرة خطيرة ورائعة بالنسبة لفهمى .. طول المدة بالاضافة لاكتشاف مكان جديد .
كان الزيادى وهو من بيلا بكفر الشيخ صاحب هذه الفكرة ، والزيادى من أقرب أصدقاء أحمد إلى نفسه ، وكان رفيقه فى حركة مصر الفتاة . ذهب أحمد والزيادى ومعهما فهمى فى رحلة استطلاعية لاختيار العشة التى سيتم استئجارها .
