هذا هو الاسم الأول للرواية وهو المعبر أكثر عن مضمونها .. وهى من انتاج سجن ليمان طره فى زمن كورونا
كانت مسألة خطيرة : لقد كانت العشة على البحر مباشرة بفارق 7 أو 8 خطوات . وفهمى يعشق البحر .. سيعيش 3 شهور وكأنه داخل البحر ويستطيع أن يستحم فيه فى أى وقت طوال النهار .
كان فى الطريق يرسم صورا خيالية عن بلطيم بنفس طريقة الحلم بشربين ، أى صورة أخرى من الجنة . الواقع لم يكن طبعا بنفس ابهار الخيال ، ولكنه ظل يرى أن الواقع أحلى من الخيال ، لأنه واقع وملك اليد ، ثم ما الذى ينقصه ؟ عشة بها 4 غرف وبحر ورمال طوال اليوم ، والعشة مبنية فى نصفها السفلى بالطوب ولكن نصفها العلوى بالكيب أى البوص ، وأيضا السقف ، فهى رطبة للغاية وهواء البحر على الأبواب مباشرة . كانت هناك شرفة كبيرة بعرض العشة مطلة على البحر ، ولم تكن هناك ضرورة لاستخدام مظلة ” شمسية ” وكراسى البحر إلا على سبيل التغيير والخروج من شرفة العشة للمزيد من التعرض للشمس ومزيد من الاقتراب للبحر .
عندما سأل أحمد ابنه عن رأيه فى بلطيم والعشة ، قال له : إنها أروع من الخيال! لم يكن يجامله أو ينافقه فقد عبر عما استقر فى نفسه وهو أن الواقع أروع من الخيال ، لأنه أصبح ملموسا وفى اليد . وعندما جاءت الاخوات رأين العشة مسألة متقشفة وأثرن بعض الملاحظات ، فقال لهم الوالد : يا سلام لا يوجد فيكم سوى فهمى الذى قال لى : إنها أروع من الخيال . ومع ذلك فقد استمتع الجميع بهذه الشهور الثلاثة . وكانت العشة محطة لفروع العائلة فجاءت الخالتان بأولادهما لتمضية بعض الأيام وكان مهرجانا عائليا رائعا . جاءت تاتو بأقفاص المانجو الاسماعيلى بينما كان السمك البورى المشوى من أهم الأكلات وأحلى ما فى بلطيم . بالنسبة لفهمى كان المهرجان غير معقول : لعب متواصل لمدة 3 شهور ، أى جنة أخرى : بحر .. راكت .. مشى وجرى على البحر .. كرة قدم .. كرة طائرة .. طاولة !
من أهم معالم بلطيم وادى النرجس ، عندما كان فهمى يسمع هذا الاسم كان يتصور وادى من كل الألوان الطبيعية ، ويغلب عليها لون النبفسج ، فقد تصور أن النرجس لونه بنفسجى ، ولكن الواقع كان دائما أقل من طموحاته الخيالية ، ولكن فى النهاية أحب وادى النرجس حبا جما . وكان من رياضات العصر وقبيل المساء ، فهو مجموعة من الكثبان الرملية الناعمة للغاية ، يتسابق الجميع للصعود إلى أعلاها رغم صعوبة ذلك لأن الأقدام تنغرس فى الرمال بصورة عميقة ، وبين الحين والآخر تجد وسط هذه الرمال زهرة النرجس ، وهى زهرة بيضاء مفتوحة كاللوتس ولكن صغيرة حوافها ملونة بالنفسج ، جميلة ولكن ليس لها رائحة . وكان الشيخ المحويتى صديق والده اليمنى الذى زارهم يتسلق هذه الكثبان الرملية بأسرع ما يمكن رغم أنه تجاوز الستين من العمر ، فهو يمنى واليمن بلد الجبال ، وقد عمر فيما بعد إلى التسعين ولكن لم يصل للأسرة أبدا نبأ عن وفاته ، ولكن زياراته للقاهرة انقطعت فى السبعينيات .
ومن الأحداث الكبرى فى فترة بلطيم كانت الرحلة إلى بحيرة البرلس ، وكانت فى أحسن أحوالها ومتسعة إلى أقصى مدى لها ، وامتطوا مركبا شراعيا كبيرا ووصلوا إلى جزيرة فى قلب البحيرة . وقام الصيادون بإعداد وليمة سمك بورى مشوى على الحطب وهو سمك تم اصطياده للتو ، فكانت أروع أكلة سمك فى التاريخ .
استمروا فى بلطيم حتى شهر سبتمبر وكان المناخ أكثر روعة وأصبح البحر أكثر استقرارا ولونه أجمل بكثير مائلا للاخضرار والأمواج قليلة ، وهو شهر هجرة السمان حيث يضع الصيادون شباكهم على الشاطىء فتتساقط الطيور فيها بدون مجهود لأنها تكون قد ارهقت من طول السفر .. ولكن فهمى لم يأكل السمان أبدا .
كانت بلطيم فى عام 1961 نظيفة جدا بصورة لا يمكن تصورها ، ولم يكن بها أى اكتظاظ ، كان عدد المصيفين غير كبير ، ولا يوجد سكان أصليون إلا فى حدود التجارة وتقديم بعض الخدمات فهى مجرد مصيف والسكان يعيشون فى القرى المحيطة . وعندما زار فهمى بلطيم بعد 40 سنة أصابته الصدمة لما أصابها من تدهور بصورة مروعة من حيث النظافة والجمال والطابع الخاص .
