برنامج انقاذ مصر – 3 : الوضع الدولى : نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا . مع عالم الشرق والجنوب ضد الطغمة الغربية الباغية – مجدى حسين

الوضع الدولى منذ العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وضع موات لكل أمة تريد أن تنهض وبصورة مستقلة.فعندما يختل الوضع الدولى ويكون فى حالة انتقال من وضع إلى وضع آخر فإن هذا يضعف قبضة القوى المهيمنة, وتتاح الفرصة للأمم المستعبدة أن تنهض وتستقل بقرارها ومصيرها.

كل التقارير الإستراتيجية تؤكد استمرار تراجع الولايات المتحدة، وصعود الصين إلى المرتبة الاقتصادية الأولى وفقا لتقارير صندوق النقد الدولى وتؤكد كل الدراسات العلمية والمستقبلية أن القرن الواحد والعشرين هو قرن آسيوى,وأن أمريكا انتهى قرنها فى القرن العشرين، وتعيش الآن فى البواقى الأخيرة.

بالإضافة لذلك حدثت طفرة فى وضع الهند، وأصبحت فى مصاف الدول العظمى اقتصاديا (بين المركزين الرابع والخامس) وعسكريا بامتلاك الترسانة النووية والصواريخ بعيدة المدى. وبين الهند والصين تكونت مجموعة نمور جنوب شرقى آسيا (الآسيان),وقد أصبحت قوة اقتصادية لا يستهان بها، وفى أمريكا اللاتينية تحولت معظم القارة إلى موقف استقلالى عن الهيمنة الأمريكية، وبدأت تنشىء سوقها المشترك الخاص (الميركوسور)، بالإضافة لظهور الإرادة السياسية المستقلة فى فنزويلا والبرازيل وبوليفيا وكولومبيا والمكسيك وتشيلى وأوراجواي . ومن قبل كوبا ونيكاراجوا .

لا يمكن لأى قوة عظمى أن تواصل هيمنتها على العالم فى ظل تراجعها الاقتصادى المتوالى..

أما النمور الآسيوية التى نشأت أساسا فى إطار التبعية السياسية، فإن قوتها الاقتصادية المتصاعدة تمكنها من ممارسة إرادة مستقلة فى العلاقات الدولية.

أما اليابان فهى بعد أن تحولت إلى عملاق اقتصادى تحتل المركز الثالث فى العالم، تتجه إلى التراجع، بسبب إصرارها على الاستمرار فى لعب دور القزم السياسى التابع للولايات المتحدة.

وبالمعنى الحرفى فإن الولايات المتحدة لا تمارس سطوتها الامبريالية التقليدية، إلا فى الوطن العربى وأجزاء من أفريقيا، وبعض البلاد المتناثرة هنا وهناك. وقد أكدت السنوات القليلة الماضية

. إن ما يسمى الدول الناهضة هى التى تعطى معدل نمو ايجابى لاقتصاد العالم وعلى رأسها: الصين والهند, وتضاف إليهما روسيا والبرازيل ودول جنوب شرقى آسيا, حيث تختلف القائمة من عام لآخر، ولكن تصدر الصين والهند لأعلى معدلات نمو فى العالم هو الأمر الثابت فى العقد الأخير.

وكلما أدركت أمريكا تراجع قوتها العالمية كلما ازداد تركيزها على ما يسمى(منطقة الشرق الأوسط) أى قلب المنطقة العربية الإسلامية لموقعها الاستراتيجى المتميز فى منتصف العالم، ولما بها من خزان نفطى، بالإضافة للتحالف مع الكيان الص..هيونى.والولايات للمتحدة تحكم قبضتها على المنطقة بالنظام الرسمى العربى، حيث أقامت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وعلى مراحل علاقات مؤسسية مع معظم الأنظمة العربية, بحيث أصبحت التبعية للولايات المتحدة هى الدستور الحقيقى للبلاد.

ما هو موقفنا إزاء هذا الوضع الدولى؟

نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا . المبدأ الأول فى سياستنا الخارجية، هو إحياء الوحدة العربية, مع الاستفادة من تجارب الفشل الماضية، بالتركيز على البنية الأساسية والاقتصادية، ذلك أن شبكة طرق برية وسكك حديدية وبحرية وجوية هو الذى سيوحد الأمة ويعزز مصالحها المشتركة، مع إلغاء ما يسمى تأشيرات الدخول، وإقامة السوق العربى المشترك هو الأساس المتين لأى حديث عن الوحدة العربية، والقوة العربية، ذلك أنها تتحول بذلك إلى أمر واقع, وحتى الحكام غير المتحمسين للوحدة لن يستطيعوا الوقوف فى طريقها، لذلك لابد من الفصل بين التقدم فى التعاون الاقتصادى وطبيعة الأنظمة، بمعنى أنه لابد من تشجيع التعاون الاقتصادى بغض النظر عن الاختلاف فى طبيعة الأنظمة، لأن الأنظمة زائلة، أما علاقات التعاون بين الشعوب فمستمرة ودائمة، مع إدراك أن الوحدة الحقيقية والكاملة لن تتحقق بدون إرادة سياسية مستقلة عن الهيمنة الأمريكية.

والعلاقات مع الدول الإسلامية تأتى بذات الأهمية وبالتوازى، مع ملاحظة أن عوامل القرب بين العرب ستجعل العلاقات العربية أكثر كثافة, ويكون لها الأولوية بهذا المعنى، أى أولوية عملية وليس مبدئية, فمن حيث المبدأ الاهتمام بتوثيق العلاقات مع الدول العربية والإسلامية على ذات المستوى.

ثم تأتى بعد ذلك دائرة الجنوب، أى معظم دول العالم التى من مصلحتها إقامة علاقات دولية عادلة، وإنهاء احتكار الشمال للسيادة على الكرة الأرضية، وهذه تشمل كل الدول الآسيوية والأفريقية والأمريكية اللاتينية. وتأتى فى المحل الأخير دول أمريكا الشمالية وأوروبا, وهذه تتوقف العلاقات معها من حيث القرب أو البعد، على أساس مسألة العدوان, فالدول التى تعتدى علينا أو على أى دولة عربية وإسلاميةأو أى دولة من دول الجنوب ، وتحتلها وتخرج أهلها من ديارهم، فلا يجب إقامة أى نوع من علاقات التعاون معها حتى توقف عدوانها.

لا يجوز إقامة علاقات تعاون مع أمريكا والكيان , وأى دولة أوروبية أو غير أوروبية تشاركهما فى العدوان المسلح على بلاد العرب و المسلمين .

إننا ندعو على المستويين الرسمى والشعبى إلى إنهاء هذه الحالة من انبهار العجزةأو التبعية أمام التقدم المادى الأوروبى والأمريكى، و ندعو إلى الاهتمام بالشرق والسفر شرقا, ودراسة التجارب الآسيوية الفذة والتعلم منها، وإقامة العلاقات مع جامعاتها ومؤسساتها ومثقفيها بدلا من حالة التوجه الأحادى للغرب ، شريطة ألا نتحول إلى الانبهار بآسيا بدلا من الانبهار بأمريكا. فالمهم أن نكتشف طريقنا للمنافسة بين الأمم، وأن ندرك أننا أصبحنا خارج السباق الحضارى، وأن أحدا فى العالم لا يحترم الضعفاء والمتخلفين والعجزة. وأنه لا توجد قوة عالمية مستعدة لانتشال مصر(أو أى دولة عربية أو إسلامية) من كبوتها، وأن هذا هو تحدى كل أمة مع نفسها، فعلى كل أمة أن تعتمد على نفسها بالأساس, وأن تحفر طريقها فى الصخر، وعبر هذه العملية الكفاحية وحدها يمكن أن تتعلم من تجارب الآخرين الذين سبقوها.

حالة الوضع الدولى فى أواخر 2025

يعيش العالم منذ اجتياح روسيا لأوكرانيا فى 24 فبراير 2022 حربا عالمية ثالثة بخصائص جديدة تجمع بين الحرب الباردة وبين الحرب بالوكالة . والسبب الجوهرى لها أن أمريكا تقاتل بكل الوسائل حتى لا تفقد انفرادها بعرش العالم ولكن سنن التاريخ تعمل رغم أنفها ، فكل قوة عظمى إلى أفول وتراجع وربما اختفاء , والوقائع الثابتة والدامغة بعد اقتراب نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين هى كالتالى :

أولا : الصين أصبحت القوة الأولى فى العالم اقتصاديا وعسكريا . ولكنها لا تتصرف بالأسلوب الهمجى الاستعمارى الغربى .

ثانيا : بشكل أكثر تأكيدا فإن التحالف الصينى الروسى يشكل القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى فى العالم بمعنى أنه أقوى اقتصاديا وعسكريا من الولايات المتحدة والناتو .

ثالثا : التحالف الشرقى فى صعود مستمر على حساب التحالف الغربى ولا يبدو ذلك ظاهرا لعامة الناس لأنه لا يستخدم الوسائل الاستعمارية الفجة والاستعراضية . ويتمثل فى تجمع البريكس الذى يضم الهند والبرازيل وجنوب افريقيا . وتجمع شنغهاى الذى يضم مع الصين وروسيا الهند وإيران ودول وسط آسيا . مصر عضو أخيرا فى البريكس ولكنها لا تفعل عضويتها ، والبريكس ليس تحالفا اقتصاديا سياسيا متماسكا وصلبا فأهم ما فيه هو توثيق العلاقات مع روسيا والصين وفى إطار توثيق العلاقات مع مجمل القارة الآسيوية وعلى رأسها تجمع دول جنوب شرق آسيا الآسيان . ثم العلاقات مع البرازيل فى إطار الاهتمام بتوثيق العلاقات مع بلدان أمريكا اللاتينية . ثم العلاقات مع جنوب افريقيا فى إطار توثيق العلاقات مع افريقيا .

رابعا : توثيق العلاقات مع الهند يرتبط بتعديل موقفها الذى تدهور مؤخرا بإساءة معاملة المسلمين فى الهند الذين يزيد عددهم عن 200 مليون نسمة . وأيضا بمواصلة الابتعاد عن أمريكا والكيان وتأكيد الاقتراب من محور الصين – روسيا فى إطار وجودها فى البركس وشنغهاى .

خامسا : نحن لا نرى توثيق التحالف مع روسيا والصين أساسا لأنهما أصبحا أقوى من الولايات المتحدة ويزداد ميل الموازين لصالحهما يوما بعد يوم ، ولا نقترح الابتعاد عن الولايات المتحدة لأن قوتها العسكرية والاقتصادية تتراجع . نحن لا ندعو لأى موقف انتهازى أو برجماتى ، بل هو موقف مبدئى . وقد كان هذا هو الموقف السليم عندما كانت أمريكا فى أقوى عافيتها والصين وروسيا أضعف منها . فالولايات المتحدة تعادينا وتسلح أعداءنا وتحتل أراضينا وتستولى على ثرواتنا ، وتتدخل فى شئوننا وتريد أن تفرض علينا ثقافتها وتتدخل فى معتقداتنا الدينية .. وتسعى دوما لتغيير مناهجنا الدراسية وثقافتنا الوطنية والقومية. فى حين أن واقع العداء المتجذر للولايات المتحدة تجاه الصين وروسيا يجعل تحالفنا معهما قائم على أساس الموقف المشترك تجاه هذا العدو المشترك والذى أصبح يمثل تهديدا للبشرية جمعاء لأن أمريكا لا تريد لأحد أن يشاركها فى حكم العالم ، ولا تقبل أن تكون عضوا فى إدارة جماعية للأرض ، وتقاتل بجنون فى حالة إنكار واضحة، لكى لا تعترف بالواقع الجديد الذى أصبح متعدد الأقطاب بالفعل .

سادسا : يجب أن تقوم سياسة مصر الخارجية على أساس تحالف عريض مع عالم الجنوب ، كامتداد طبيعى ومتطور لدور مصر السابق فى حركات دول عدم الانحياز ، ومنظمة التضامن الأفروآسيوى والتى تشمل أيضا بلدان أمريكا اللاتينية . فهذا القطاع العريض من الكرة الأرضية تجمعه تجربة مريرة مشتركة حيث تعرض على مدار عدة قرون لحملة استعمارية غربية مقيتة وصلت إلى حد الإبادة والنهب والتنكيل . وعندما خرج هذا الاستعمار التقليدى

تم استبداله باستعمار جديد يرتكز على استمرار السيطرة الاقتصادية على موارد تلك البلدان ومحاولة السيطرة دوما على القرار السياسى فيها .

وليس الهدف هو الدخول فى صراع أبدى بين الشمال والجنوب ، بل لابد أن نرفع راية التعايش السلمى العالمى وأن نرحب بأى مواقف إيجابية من دول الشمال كمواقف أسبانيا وأيرلنده ، مواقف عملية ملموسة وليس معسول الكلام المعتاد الذى يتعارض مع الممارسة الفعلية على الأرض كما شهدنا من حكام الشمال .. حكام الغرب تجاه الإبادة الجماعية فى غزة وفلسطين .

سابعا : فى المقابل نحن نقدر المواقف الشعبية العظيمة لشعوب أوروبا وأمريكا وسائر شعوب العالم فى كل القارات المناصرة لأهل غزة وفلسطين . ونرى فى ذلك تحولا تاريخيا يعبد الطريق نحو عالم إنسانى واحد .. وأمة انسانية واحدة . وهو الأمر الذى يستدعى تأسيس المنظمات الشعبية التى تربط بين الشمال والجنوب لمواجهة الطغمة الغربية التى تدفع بالعالم إلى حرب عالمية مدمرة وقد تكون نووية .

ثامنا : رفع مستوى العلاقات الاقتصادية مع البلدان الافريقية حيث أن المستوى الحالى متدن للغاية لا يتجاوز مليارات قليلة بينما وصل حجم التجارة التركية مع افريقيا 37 مليار دولار . كذلك يتعين تطوير السوق الافريقية المشتركة- الكوميسا لشرق وجنوب القارة والسوق الحرة الافريقية العامة . وهذا يرتبط بتطوير الطرق وإنشاء أسطول بحرى تجارى مصرى ، وزيادة عدد رحلات الطيران المتبادلة . ومن المهم أولا تطوير العلاقات مع الدول التى انتزعت استقلالها وعلى رأسها جنوب افريقيا وهى أكثر دول القارة تقدما ، ودول غرب افريقيا التى تحررت من السيطرة الفرنسية وأبرزها : النيجر وبوركينا فاسو ومالى .

ثامنا : تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية مع بلدان أمريكا اللاتينية فى منتهى الأهمية وكثير منها تقوم سياسته على أساس الاستقلال عن الولايات المتحدة . العلاقات الاقتصادية المصرية اللاتينية فى منتهى التدنى حيث تصل صادرات مصر إلى قرابة نصف مليار دولار مقابل الاستيراد بثلاثة مليارات .وفقا لاحصاءات 2020 .

تاسعا : ضرورة تطوير العلاقات مع القوى الآسيوية الناهضة فى تجمع الآسيان . العلاقات الراهنة فى منتهى التدنى . رغم أنها القوة الخامسة اقتصاديا فى العالم .

وصل حجم التبادل التجاري بين مصر ودول المنظمة حوالي 2.6 مليار دولار عام 2014، مثَّلت فيها الصادرات المصرية 547.5 مليون دولار، ومثَّل ذلك 1.5% من الصادرات المصرية، وقد بلغ حجم تجارة الآسيان مع مصر 3.5 مليار دولار، في حين بلغ إجمالي استثماراتها حوالي مليار دولار، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وإندونيسيا عام 2022، حوالي مليار و568 مليون دولار، وكل هذه أرقام بسيطة فى عالم الاقتصاد اليوم .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading