دراسة لمجدى حسين : تفسير الآيات الأولى من سورة الاسراء + رأى الشيخ يوسف القرضاوى

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
انشغلت بالآيات الأولى من سورة الاسراء بقدر إنشغالى بالقضية الفلسطينية ، ولكننى لم أكن مقتنعا بعدد من التفاسير المعاصرة التى تعتبرها البشارة الربانية الحاسمة بنهاية اسرائيل على يد المسلمين . وأن بنى اسرائيل يعيشون الآن العلو الثانى والإفساد الثانى ، ونحن مقبلون على إزالتهم كما وعدت الآيات . وكأن القرآن كان يركز ويستهدف هذه السنوات بالذات من 1948 حتى الآن . وجاء فى دراسة للمؤرخ الفلسطينى الكبير وليد الخالدى أن العلو الأول كان فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فى المدينة ، وأننا نعيش الآن العلو الثانى لليهود فى فلسطين مع الوعد الالهى بالنصر عليهم . والمثال الآخر كان فى دراسة للشيخ أسعد بيوض التميمى الإمام السابق للمسجد الأقصى بعنوان : زوال اسرائيل حتمية قرآنية

  • هذا هو اجتهادى وأحسب أن به رؤية من زاوية مميزة ، وهو يتقاطع بمعنى يتوافق مع كثير من التفسيرات لكبار المفسرين ، ولكنه يتميز بالغوص فى التاريخ ، فمثل هذه الآيات لا يمكن فهمها أو تفسيرها بصورة صحيحة بعيدا عن وقائع التاريخ . وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . ويعقبه إن شاء الله بحث مكمل عن تاريخ المسجد الأقصى وخرافة هيكل اليهود .
  • حاشية : تقسيم التفسير إلى مقاطع مرقمة يرجع إلى أن التفسير نشر هكذا فى البداية على المدونة كمقالات منفصلة متتابعة .
  • المؤلف
  • 1 –

لاتتضمن الآيات الأولى من سورة الاسراء نصا صريحا على شكل نبوءة كما هو شائع ، نبوءة بزوال الكيان الاسرائيلى المقام على أرض فلسطين عام 1948 ، فليس هذا منهج القرآن عموما فى هذا الموضوع أوغيره . القرآن يقر ويتحدث ويشرح لنا السنن الحاكمة لحياة البشر ، وهى نافذة جميعا بدون مواعيد ، وعلى رأسها يوم القيامة والحياة الآخرة ، وهى أهم حدث فى حياة البشرية والكون . ( لا تأتيكم إلا بغتة ). تحديد المواعيد يعنى كشفا صريحا للغيب ، والحكمة الالهية فى إخفاء الغيب كثيرة وواضحة . فإن أى مسلم يؤمن حقا إن إسرائيل ستزول عام 2022 لابد أن يذهب إلى بيته ويغط فى النوم ، ويهتم بشئونه الخاصة ، بزوجاته وعياله وكفى . وفى هذا تعطيل للسنن يأباه الله . معرفة الغيب عموما تقضى على فكرة الاختبار الالهى للبشر ، فلا أحد يعرف موعد قيامته ( موته ) أو القيامة عموما ، ومن يعرف موعد موته فقد يكثر فى الانحرافات حتى قبل موته بسنة أو 6 شهور ثم يتوب ويصلح حاله ويذهب للحج إن استطاع . وهكذا فإن معرفة الغيب تعطل سنن الحياة عموما . فى القرآن الكريم كما ذكرنا من قبل هناك نبوءات قصيرة الأجل ، أى تحققت فى حياة محمد صلى الله عليه وسلم لتثبيته وزعزعة مواقف المشركين ، ولتأكيد أن الله يكشف بعض الغيب لرسوله ، ولتأكيد إعجاز القرآن الكريم وأنه كتاب سماوى ، ولذلك فهذه الأمثلة مؤثرة حتى الآن . أشرنا إلى سورة الروم التى تنبأت بانتصار الروم على الفرس فى بضع سنين ، وقد تراهن سيدنا أبى بكر مع المشركين على صحة ذلك وقد صدق الله وعده ، ومع ذلك فلايوجد موعد محدد بدقة كعام كذا أو شهر كذا رغم ان هذا فى قدرة الله فقال ( فى بضع سنين ) ووفقا للغة فهذا يعنى على الأغلب بين 3 و9 سنوات ! ومثال آخر ولتثبيت المؤمنين قالت سورة الفتح بعد صلح الحديبية ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) الفتح 27 وهو وعد ينطبق على عمرة القضاء فى العام التالى مباشرة وعلى فتح مكة بعد عامين . ولكن بدون تحديد مواعيد . أما عمرة القضاء فقد كان منصوصا عليها فى صلح الحديبية . فى آيات سورة الآسراء لايوجد تحديد لأى مواعيد ولا ذكر للكيان الاسرائيلى الذى لم يكن موجودا فى فلسطين ساعة نزول الآيات . ولكن الآيات تؤكد أن علو وفساد بنى اسرائيل مصيره إلى البوار والانسحاق ، وهذه سنة عامة من سنن الله فى خلقه . والمفسرون القدامى لم ينشغلوا بموضوع اسرائيل لأنها لم تكن موجودة . وأجمعوا تقريبا أن الافساد والعلو مرتين مذكور فى التوراة ، أى أنه إنباء عن أمور حدثت فى الماضى قبل نزول القرآن الكريم . أجمع المفسرون القدماء تقريبا على أن ( وقضينا إلى بنى اسرائيل فى الكتاب ) ان الكتاب هو التوراة ، وأيضا ينضم إلى ذلك كثير من المفسرين المعاصرين . ولكن البعض انشغل ليثبت أن العلو والافساد الثانى هو الذى تمثله اسرائيل الآن ليكون بذلك حكما قرآنيا بزوال اسرائيل . وكان هذا لوى لعنق التفسير ، رغم ان الحكم بزوال العلوو الفساد اليهودى ثابت فى آيات أخرى سنأتى إليها  وثابت فى هذه الايات بشكل غير مباشر  بإقرارالسنن 

  • – 2 –

وإن عدتم عدنا – هنا هو الوعد بإزالة اسرائيل

بعد انتهاء الحديث عن العلو الثانى وتدمير الكيان الاسرائيلى جاءت فورا الآية 8 التى تبدأ ( وإن عدتم عدنا ) . سنأتى للحديث عن الافسادين والعلوين ، ولكن لنكمل أولا . فمعنى هذا أن افساد بنى اسرائيل لن يقتصر على هاتين المرتين التى كتبها الله فى التوراة ، ولذلك جاء هذا التهديد ( وإن عدتم عدنا ) أى إذا عدتم للفساد والعلو فسندمركم من جديد عن طريق عباد لنا . والمفسرون القدامى والمعاصرون لا يختلفون على معنى ( وإن عدتم عدنا ) وهو واضح ونموذج على يسر القرآن الكريم وقدرة الجميع على فهمه . ولذلك قال الشيخ الشعراوى ( راجع المجلدات الكاملة ) فى إحدى إشراقاته وما أكثرها  . (هل أفسد اليهود مرتين فحسب عبر التاريخ بل أفسدوا مرارا ، وإنها دائرة ستظل تدور حتى نهاية العالم ). القضاء التام على اليهود وخطرهم معناه نهاية العالم وهذا صحيح ، ولكن القرآن لم يقل بذلك ، فلا انتهاء لليهود أو النصارى أو الكفار أو المشركين والملل الأخرى كما يردد البعض لأن هذا إذا حدث فمعناه أن 20% من القرآن الكريم أصبح غير قابل للفهم والتطبيق وسيتحول لكتاب تاريخ . وعندما يقول القرآن الكريم ( ليظهره على الدين كله ) لايعنى إنهاء باقى الأديان ولكن أن يصبح الاسلام هو الأعلى ماديا وعمليا وروحيا وهذا يحدث الآن رغم هوان كثير من المسلمين . والقرآن قال أيضا ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) أى على عكس نظريات الغرب الفارغة عن نهاية التاريخ ، فإن القرآن لايقول بذلك بل بحالة دائرية صاعدة هابطة ولكنها دائرية وكأنها تماثل حركة الأفلاك فى السموات العلا . وعد الله للمؤمنين بالنصر على التجبر الاسرائيلى صريح تماما فى الآية 8 ( وإن عدتم عدنا ) وقد عادوا بالفعل مرات عديدة ، وهو ما تحدث عنه المفسرون القدامى والمعاصرين . ولكن الآية 8 لا تتحدث عن مواعيد ولكن عن حتمية إزالة التجبر اليهودى عن  طريق عباد الله وهذا ما حدث فى المرتين المذكورتين وليس بالظواهر الكونية أو المعجزات . ورغم ان هذا القانون العام يؤكد عليه القرآن الكريم مع كل طغيان واستكبار إلا أنه خص بنى اسرائيل بهذه الآيات وبكل هذا الاهتمام فى القرآن الكريم ( قصة موسى وفرعون وبنى اسرائيل تمثل واحدا على 14 جزءا من القرأن _ إحصاء قمت به شخصيا ) ورغم أن اليهود لايشكلون 1 % من عدد البشر ولكننا نرى مدى خطرهم فى مجريات أحداث العالم . وقد حذر القرآن المؤمنين منهم خاصة ( ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ). وهذا صراع مستمر إلى يوم الدين و سوف نزيل اسرائيل بإذن الله وهذا يقين . ثم يجمع اليهود أنفسهم من جديد بعد قرن أو قرنين من الزمان وهكذا ، وحتى وهم مشتتون فقد آذوا البشر جميعا ، ولذلك انصبت عليهم كراهية البلاد الأوروبية ولم يتحملهم ويستوعبهم سوى العرب والمسلمين ! . أخيرا الآية 8 والتى تنتهى بعذاب الآخرة لهم ، تؤكد فى البداية إن أى تجبر اسرائيلى جديد سيزال بعباد الله وبتأييد منه سبحانه وتعالى . وهذا يكفى لنطمئن بنهاية اسرائيل لكن بالجهاد حتى نتمكن من أن نجوس خلال الديار ونقضى على ظلمهم .



  • 3 –

فإذا جاء وعد الأخرة جئنا بكم لفيفا – 104

أجمع المفسرون القدامى على أن المقصود بالآية الكريمة هو جمع اليهود ليوم القيامة مع غيرهم من البشر . وانه لاعلاقة بين هذه الآية وآية الأخرة فى بداية السورة عن العلو الثانى ، وأن الأخرة هنا هى يوم الأخرة . فالمرة الثانية قد انتهت ( وليتبروا ماعلوا تتبيرا ) . أما بعض المفسرين المعاصرين وقد أذلتهم اسرائيل كما أذلتنا جميعا فهرعوا إلى القرآن الكريم ينشدون الحل والإجابة ،وزاد هذا الاتجاه بعد إذلال الهزائم العسكرية فى عامى 1948 و1967 فقالوا الآية واضحة ( وقلنا من بعده – بعد هلاك فرعون – لبنى اسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعدالأخرة جئنا بكم لفيفا ) ، ولكن الأرض هنا كما أجمع المفسرون القدماء وكما يؤكد التاريخ بمعنى فلسطين والشام التى دخلوها بعد موسى وليس الأرض بمعنى العالم كله وإن حدث ذلك بعد قرون طويلة ! وقالوا جئنا بكم لفيفا واضحة وضوح الشمس ألم يأت اليهود من كل أنحاء العالم وتمركزوا فى فلسطين كى يتم القضاء عليهم نهائيا . والحقيقة ان معظم اليهود لايزالوا يعيشون حتى الآن خارج اسرائيل وقد بدأت هجرة عكسية تتزايد . ونحن لسنا فى أزمة فى مجال العثور على آيات القرآن التى تبشرنا بالنصر حتى نلوى عنق أية معينة أو أكثر فى سورة الاسراء ثم ننام فى بيوتنا فى استرخاء ونترك الفلسطينيين يقتلون كل يوم والأقصى ينتهك كل يوم . لسنا فى أزمة ابدا بل القرآن كله أختتم على أرجح الروايات بسورة النصر ( إذا جاء نصر الله والفتح ) حتى بكى سيدنا عمر وقال إن محمدا ينعى نفسه بهذه الآية ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) . القرآن قال لنا ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) و ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) و عشرات عشرات الآيات . وعن اليهود قال لهم ( وإن عدتم عدنا ) وقد حدث هذا مرارا فى التاريخ خاصة فى المدينة فى صدر الدعوة فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولست ضد التفسير المعاصر للقرآن بالعكس أنا مع ذلك تماما ولكن يجب أن يكون بحرص وبتخصص يختلف من مجال لآخر . فتناول آيات الاسراء يحتاج لمعرفة بتاريخ بنى اسرائيل ولكن لم يكن هناك مؤرخون حقيقيون ممن قاموا بالتفسير التاريخى لهذه الآيات . وأكرر إن معركتنا مع اليهود وسائر أعداء الاسلام مستمرة إلى يوم الدين . وعند تناول الحديث عن بنى اسرائيل فى القرآن ، لابد من جمع كل الآيات الخاصة ببنى اسرائيل وقراءتها وتحليلها معا وهذا مايسمى التفسير الموضوعى للقرأن الكريم ،حتى لقد نسى الجميع تقريبا هذه الآية التى تؤكد ما نقول ، وانه لاتوجد معركة واحدة مع اليهود وتنتهى القصة .  وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب – الأعراف 167.

  • 4 –

نعود مرة أخرى للعلو والافساد الأول . جمهور المفسرين القدماء والمعاصرين على انه هو العلو والافساد الذى قضى عليه نبوخذ نصر حاكم بابل . وهذا تقدير معقول جدا . وفى هذا الزمن أصبح لدينا وثائق مكتوبة على الفخار أو ورق البردى أو على الجدران فالكتابة كانت قد انتشرت فى المنطقة من مصر حتى الرافدين بما فى ذلك اللغة السومرية لغة بابل وبالتالى لم تعد التوراة المحرفة هى المصدر الوحيد. ويمكن التعامل معها ككتاب تاريخ كتبه المؤرخون والأحبار اليهود ولكنها لاتصلح كمصدر وحيد لعدم أمانتهم العلمية وليس فقط لعدم أمانتهم العقائدية . كان زحف نبوخذ نصر على أورشاليم فى 597 ق . م . ولكن ماذا كان العلو الأول والفساد الأول ؟ لقد حدث بعد انتهاء العصر الذهبى لداود وسليمان . والتعبير القرآنى دقيق للغاية وهو تعبير سياسى ، فالعلو مرتبط بالسيطرة على السلطة السياسية والمقدرات الاقتصادية والافساد مرتبط باستغلال هذا العلو فى البطش بالناس والضعفاء وعدم مراعاة لأى اعتبارات انسانية أو عدالة . ورأس هذا الانحراف هو الشرك بالله . فقد خرج مجمل بنى اسرائيل عن التوحيد وعبدوا الأصنام التى كان يعبدها المجاورون لهم كبعل إله الكنعانيين وأى أوثان أخرى على طريقتهم عندما دعوا موسى فور عبورهم البحر بمعجزة الهية إلى أن يبحث لهم عن إله يعبدونه عندما رأوا قوما يعبدون وثنا فى سيناء . وهنا نأخذ من التوراة ككتابهم فى التاريخ تأكيدا بذلك ففيه كثير من الصفحات تقرأ فيها لعنات الرب عليهم وعلى شركهم وفسقهم وأنه سينتقم منهم ! ومصادر التاريخ تؤكد ذلك . وعندما لا تخشى الرب فإنك تستبيح الشعوب من حولك ، فحارب حكام بنى اسرائيل الأدوميين وأخذوا منهم 10 آلاف أسير وتقول التوراة أنهم ألقوا بهم من فوق الجبل فتكسروا جميعا . وهذا مجرد مثال لضيق المجال . ووضعوا الأوثان فى أماكن العبادة وكان تمردهم على الههم يهوه صريحا وكانوا يسمون الرب يهوه . وارتكبوا كل الموبيقات والفواحش ما ظهر منها وما بطن . وكل هذا يحدث فى الأرض المقدس وفى القدس .وهنا جاءت حملة نبوخذ نصر البابلى

  • 5 –

بعد سيدنا سليمان انقسم بنو اسرائيل إلى مملكتين : اسرائيل فى الشمال ويهوذا فى الجنوب ولم يتحدا أبدا حتى زوالهما . وكان مجرد صراع على السلطة والسيطرة أما خصائصهما فكانت واحدة . فقد تنافسا فى عبادة الأوثان وآلهة الشعوب المجاورة وتماثلا فى تكذيب الأنبياء وقتلهم . تقول التوراة التى كتبوها بمعرفتهم أنه قد جاءهم فى تلك الفترة أنبياء ا بعثوا في مملكة إسرائيل الشمالية هم: إيليا، اليشع، عاموس، هوشع، أما الذين بعثوا في مملكة يهوذا الجنوبية فهم: يوئيل، أشعيا، ميخا، صفنيا ، حبقوق، أرميا، وكذب الشعب منهم من كذب وقتل منهم من قتل. القرآن الكريم لم يكتب أسماء ولكنه قال ( أفكلما جاءكم رسول بما لاتهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون . وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) البقرة 87 و 88 وسجل سفر الملوك انحرافات بني إسرائيل بعد سليمان في أكثر من موضع. منه ” إن بني إسرائيل أخطأوا إلى الرب إلههم الذي أصعدهم من أرض مصر من تحت يد فرعون مصر. وانتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل وملوك إسرائيل الذين أقاموهم. وعمل بنو إسرائيل سرا ضد الرب إلههم أمور ليست بمستقيمة وبنوا لأنفسهم مرتفعات في جميع مدنهم… وأقاموا لأنفسهم أنصابا وسوارى على كل تل عال وتحت كل شجرة خضراء. وأوقدوا هناك على جميع المرتفعات مثل الأمم الذين ساقهم الرب من أمامهم. وعملوا أمورا قبيحة.. وعبدوا الأصنام التي قال الرب لهم عنها لا تعملوا هذا الأمر. وأشهد الرب على إسرائيل وعلى يهوذا عن يد جميع الأنبياء قائلا: إرجعوا عن طرقكم الردية واحفظوا وصاياي فرائضي حسب كل الشريعة التي أوصيت بها آباءكم والتي أرسلتها إليكم عن يد عبيدي الأنبياء. فلم يسمعوا بل صلبوا أقفيتهم كأقفية آبائهم الذين لم يؤمنوا بالرب إلههم. ورفضوا فرائضه وعهده الذي قطعه مع آبائهم وشهاداته التي شهد بها عليهم.وساروا وراء الباطل وصاروا باطلا وراء الأمم الذين حولهم الذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم. وتركوا جميع وصايا الرب إلههم وعملوا لأنفسهم مسبوكات عجلين. وعملوا سوارى وسجدوا لجميع جند السماء وعبدوا البعل .

  • 6 –

لا نزال نتحدث عن الفساد الأول والعلو الأول لبنى اسرائيل الذى اتفقت الأغلبية الساحقة من المفسرين القدامى والمعاصرين على أنه الفترة التى أعقبت حكم سليمان وحتى غزو نبوخذ نصر للقدس، وهى فرصة لنعرف تاريخ اليهود الذى لم يدرس أبدا فى المدارس والجامعات ولا فى وسائل الاعلام ولا فى المحاضرات والندوات العامة ولا فى المسلسلات والروايات والأفلام والمسرحيات وهذا أمر جلل يشمل عدم الاهتمام بالوجه الآخر للعملة : تاريخ الأمة الاسلامية والعربية ومصر .جاء فى سفر أشعيا : ” أسمعي أيتها السماوات. واصغي أيتها الأرض، الآن الرب يتكلم، ربيت بنين ونشأتهم. أما هم فعصوا علي، الثور يعرف قانيه والحمار يعرف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف شعبي لا يفهم، ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم. نسل فاعلي الشر. أولاد مفسدين، تركوا الرب. استهانوا بقدوس إسرائيل. ارتدوا إلى الوراء، على من تضربون بعد. تزدادون زيغانا، كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة. بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت ” وقال: ” وقد ارتد الحق إلى الوراء والعدل يقف بعيدا. لأن الصدق سقط في الشارع والاستقامة لا تستطيع الدخول. وصار الصدق معدوما. والحائد عن الشر يسلب ” وهذا على لسان أشعيا الذى يقولون إنه أحد أنبيائهم فى هذه الفترة.لقد أقام الله الحجة على بني إسرائيل ببعث الأنبياء فيهم، وأمرهم سبحانه أن يوفوا بعهده وأن يذكروا نعمته التي أنعمها عليهم وأن لا يعبدوا إلا إياه، وحذرهم سبحانه من عواقب العصيان والكفر، ولكن قست قلوبهم واندفعت قافلتهم في طريق الانحراف، رافعة لأعلام الاستكبار في الأرض بغير حق ، تصد بها عن سبيل الله.


  • 7 –

لم تكتف مملكتا” اسرائيل فى نابلس ( شكيم) ويهوذا فى أورشليم بالتنافس فى الشرك وعبادة الأوثان بل تصارعتا معا عملا بقول القرآن الكريم  بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ( 14) الحشر و استمرت الحرب مشتعلة بينهما. واستمر إهمال معبد أورشليم كما يسمونه والحقيقة قإنه مسجد ‘ المسجد الأقصى كما سوف تستخدم الآيات التالية تعبير مسجد ، بل السورة بدأت بإسراء الرسول إلى المسجد الأفصى . فقد كان اسمه المسجد الأقصى قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم . وكما نؤمن فإن الأديان السابقة على محمد هى كلها الاسلام وكانت جموع المؤمنين تسجد وتركع وتخرج الزكاة . ولكن مؤقتا ننقل من كتبهم مصطلح المعبد. أهملوا المعبد فى أورشليم حتى تلف وتهدم . وكانت عطايا اليهود من الذهب والفضة مخصصة لإصلاح البناء وإعادة زخرفته ولكن كهنته آثروا أنفسهم بالمال فى الاصحاح الحادى والعشرين نجد أن منسى الذى حكم المدينة 52 عاما ، نافس ملك اسرائيل الشمالى فى الاكثار من الأصنام والمذابح لإله الكنعانيين بعل بل أدخل هذه المعبودات الغريبة فى معبد سليمان ( وأكثر عمل الشر فى عينى الرب لإغاظته ) أى إغاظة الرب ! قالت التوراة المحرفة هذا الكلام الركيك على لسان الرب ولكنه يصف مضمون الأحوال : وتكلم الرب عن يد عبيده الأنبياء قائلا : من اجل أن منسى ملك يهوذا ها أنذا جالب شرا على أورشليم ويهوذا، حتى ان كل من يسمع تطن أذناه وأمسح أورشليم كما يمسح واحد الصحن يمسحه ويقلبه على وجهه، وأرفض بقية ميراثى وأدفعهم إلى أيدى أعدائهم فيكونون غنيمة ونهبا لجميع أعدائهم . لأنهم عملوا الشر فى عينى . ) ، وصاروا يغيظوننى من اليوم الذى خرج فيه آباؤهم من مصر إلى اليوم .

  • – 8 –

القانون القرآنى ( بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) تحقق فى ذروته فى الصراع بين مملكتى يهوذا واسرائيل . فى معركة واحدة بينهما تقول التوراة ان قتلى مملكة يهوذا ( أورشليم ) فى يوم واحدكانوا 120 ألف والأسرى والسبايا 200 ألف وإن كانت مملكة اسرائيل أفرجت عن الأسرى والسبايا بعد ذلك .وإن كانت الأرقام مبالغ فيها كما هو واضح ولكنها تعكس حجم ما حدث أنه كان فادحا وكبيرا .وهذا يذكرنا بما ورد فى القرآن الكريم فى أوائل سورة البقرة وتقريعه لهم على قتالهم ضد بعضهم بعضا من خلال قتال بعضهم مع الأوس والبعض الآخر مع الخزرج قبل الاسلام . ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنت هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون – البقرة -84-85). ولم تكف المملكتان اليهوديتان عن محاربة الدويلات المجاورة أو . التحالف مع بعضها ضد المملكة اليهودية الأخرى وتقول المصادر اليهودية ان عمر المملكتين كان قرابة 200 عام . وبعضهم يزيد إلى 250 عاما . هل وصلنا إلى نبوخذ نصر ؟ اعتقد .


– 9 –


لا أستطيع أن أترك الحديث عن العلو الاول والافساد الأول دون التعرض لما قاله واحد من أفضل مؤرخى الغرب وهو ول ديورانت وهو بروتستانتى أمريكى باحث مدقق حاول أن يكون موضوعيا قدر الامكان فى عرض وتحليل تاريخ وحضارة البشرية وهو مرجع لاغنى عنه فى هذا المجال، فى موسوعته قصة الحضارة . ماذا يقول عن حقبة ما قبل السبى البابلى ؟ كان هذا الجو المشحون بعوامل التفكك السياسى والحرب الاقتصادية والانحلال الدينى هو الذى ظهر فيه الأنبياء ، ولم يكن أولئك الذين أطلق عليهم هذا اللفظ العبرى أنبياء أول الأمر من طبقة عاموس وأشعيا الجديرة باحترامنا بل كان بعضهم من المتنبئين الذين يستطيعون قراءة قلوب الناس وماضيهم ويخبرونهم بمستقبلهم حسبما يتقاضون منهم من أجور ، ومنهم متعصبون متهوسون ، يستثيرون مشاعرهم بالأصوات الموسيقية الغريبة أو المشروبات القوية أو الرقص الشبيه برقص الدراويش ، وينطقون أثناء غيبوبتهم بعبارات يراها أصحابها وحيا أوحى إليهم ، أى بثها فيهم روح غير روحهم وقدسخر أرميا سخرية لاذعة من كل رجل مجنون أو متنبىء ، وكان منهم من هو ناسك نكد مثل ايليا ومنهم كثيرون يعيشون فى مدارس أو أديرة مجاورة للمعابد ولكن معظمهم كانت له أملاك خاصة وزوجات ومن هذا الحشد الكبير من النساك خرج أنبياء بنى اسرائيل وأصبحوا على مر الزمن نقدة لعصرهم وشعبهم . ونخطىء أشد الخطأ اذا أعددناهم أنبياء بالمعنى المألوف لهذا اللفظ . لقد كانت نبوءاتهم مزيجا من الوعد والوعيد . وقد قال عاموس عن نفسه إنه لم يكن نبيا وإنما كان راعيا ربيا ساذجا ولما رأى بلدة بيتال لأول مرة هاله ما شاهده فيها من تعقد الحياة تعقدا غير طبيعى ، ومن الفروق الواسعة بين الثروات ، ومن القسوة فى استغلال الناس وراح يقول وتدون التوراة : من أجل انكم تدوسون المسكين وتأخذون منه هدية قمح ، بنيتم بيوتا من حجارة منحوتة ولا تسكنون فيها، وغرستم كروما شهية ، ولا تشربون خمرها، ويل للمستريحين فى صهيون ….. وهنا لابد من وقفة عند حكاية تعريف الأنبياء وهذا جانب خطير فى ثقافة ومعتقدات بنى اسرائيل –

  • – 10 –

يقول المؤرخ الكبير ول ديورانت إن الأنبياء عند بنى اسرائيل ليسوا كسائر الأنبياء فى الأديان الأخرى فقد أطلقوا هذا اللقب على كثير من المصلحين والقادة الجيدين من وجهة نظرهم . ولايجمع اليهود الا على نبى واحد هو موسى وان كان لا يسلم من انتقاداتهم ويسمونه نبى التوراة وهذا أمر إجبارى لأن التوراة أنزلت عليه فى سيناء دفعة واحدة وهو مايسمونه الأسفار الخمسة أما معظم ماتبقى من التوراة الحالية فهى روايات وحكايات لهؤلاء الأنبياء وتعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم وما مروا به من تجارب ويضع البعض فى جمل اعتراضية سريعة أنهم موحى إليهم من السماء ، وكان هذا أمرا إجباريا لأن هؤلاء الأشخاص ومامروا به من أحداث وقعت كلها بعد موت موسى بعشرات ومئات السنين . والبعض لا يأخذ بذلك أبدا فهم مجرد قادة ومصلحين . ووفقا للنصوص التوراتية الحالية فسليمان لا يذكر الا بصفة أنه ملك ، والتلمود الذى كتبه الأحبار هو الذى يستخدم تعبير نبى باعتباره أحد أنبياء بنى اسرائيل الثمانية والأربعين ومع ذلك فواقع الحال ان نصوص التوراة تجعل جميع هؤلاء الأنبياء أقل من المستوى الأخلاقى والدينى لكثير من البشر ناهيك عن المصلحين. وهم يرتكبون من الأعمال ماتنشره اليوم الصحف الصفراء من فضائح أخلاقية لتزيد التوزيع . ويقولون أقوالا تصل إلى مستوى أفلام البرنو أى الجنس المكشوف كنشيد الانشاد المنسوب لسيدنا سليمان زورا وبهتانا حتى انه ليصف جسد خليلته جزءا جزءا, وهم أنبياء يشربون الخمر ويزنون مع المحارم وغير المحارم وحتى داود يخدع قائد جيشه ليرسله إلى حتفه ليختطف زوجته الجميلة ويتزوجها وهى حيثية وهى أم سليمان بالمناسبة حسب قصتهم الوقحة وهم يتعبدون بهذا الغثاء . وأحاديث الرب مع الأنبياء تشبه أحاديث آلهة الاوليمب اليونانية مع البشر فى الأساطير اليونانية , فالآلهة أشبه بالبشر ولا يوجد أنبياء بالمعنى المفهوم
مايهمنا فى هذا الموضع أن نؤكد أن إخفاء أجزاء من التوراة الحقيقية أو تعديلها أو تحريفها أو إضافة الجديد لها هذا الانحراف الكبير الذى لايدانيه أى انحراف آخر قد بدأ فى هذه المرحلة مرحلة العلو الأول والإفساد الأول . ثم ظل مستمرا عبر العصورحتى أصبحت التوراة مصابة بترقيعات لا أول لها ولا آخر ومتناقضات شتى وهذا مايكتبه موقع وزارة الخارجية الاسرائيلية الآن والذى اعتمد فى كتابته على المتخصصين فى الشئون الدينية: التوراة الكاملة هي عبارة عن مجموعه كبيرة جدا من الكتب (الأسفارالتي تمتد على طول ألف عام تقريباتعتبر كلها مقدسة، لكن بحسب التقليد، فإن التوراة فقط هي التي تعتبر من الوحي الإلهي المباشر على جبل سيناءشكرا !


  • – 11 –

فى هذه المرحلة التاريخية لم نعد أسرى للتوراة المحرفة كمصدر وحيد للمعلومات وإن كان التراث الاسلامى ملىء بالاعتماد على هذه التوراة وكأنه مصدر موثوق للمعلومات . فى هذه المرحلة أصبحت لدينا بعض ألواح نبوخذ نصر نفسه ووصلتنا نصوص شريعة حمورابى وكثير من وقائع التاريخ .وإذا كنت قارئا للتاريخ فلن تحتاج لمجهود كبير لترى أن غزو نبوخذ نصر للقدس هو المقصود فى هذه الآية : بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا . هكذا اتفق جمهور المفسرين القدامى والمعاصرين . ولكن أخيرا بعد ظهور اسرائيل بدأت محاولات لى عنق التفسير ليشد من أزرنا ويقول إننا مانزال فى العلو الثانى ولذلك فلدينا صك الهى بنهاية اسرائيل مع اننا كما ذكرت من قبل لا نحتاج لآية مخصوصة أو وعد الهى خاص . فمجمل القرآن وفى آيات أخرى كثيرة معا تقول إن المؤمنين هم المنتصرون على اليهود وغيرهم ومع ذلك فقد ذكرت ان الآيةالتالية مباشرة والتى لايلتفت لها هى التى تتضمن وعدا ووعيدا دائما لبنى اسرائيل انهم سيتعرضون لنفس الدمار إذا عادوا للعلو والإفساد : وإن عدتم عدنا . وهذا ماقد حدث مرارا فى التاريخ وسيحدث إن شاء الله مع الكيان الاسرائيلى الحالى فى فلسطين ولكن بالجهاد. . نحن هنا أمام 3 عناصر : عبادا لنا – أولى بأس شديد -جاسوا خلال الديار بالنسبةللعنصر الأول : عبادا لنا يقول بعض المفسرين المعاصرين إن كلمة عباد لاتطلق إلا على المؤمنين ونبوخذ نصر لم يكن مؤمنا. وهذا تفسير جديد للغة القرآن فهناك من الآيات ما يؤكد ان جميع البشر هم عباد الله سواء آمنوا أم لم يؤمنوا وهذا ما ذكره الشيخ القرضاوى وغيره من العلماء .

  • إن قوله تعالى: {عبادًا لنا} لا يعني أنهم من عباده الصالحين، أضاف الله تعالى الكفار العصاة إلى ذاته المقدسة، كما في قوله تعالى: { أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} (الفرقان:17)، وقوله: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} (الزمر: 53).
  • ولدى أمثلة أخرى كثيرة من القرآن ولكن اكتفى بهذا القدر وسنلاحظ ان الآيات لم تصفهم بالمؤمنين لا فى المرة الأولى أو الثانية ولم تذكر من هم حتى لايكون فى ذلك تكريما لهم فهم مجرد سبب سلطهم الله أو سخرهم أو استعملهم لعقاب بنى اسرائيل، والحقيقة فإن الطرف المؤمن فى المعادلة كان بنى اسرائيل ولكنهم نكصوا على أعقابهم فجاء هذا العقاب فهم الذين تنزلت لهم التوراة وبعثت لهم الأنبياء وكان منوطابهم أن يكونوا أمة رائدة لنشر الايمان وسنأتى لهذه النقطة فيما بعد لماذا كان هذا الدور التاريخى لبنى اسرائيل ولماذا تحول إلى دور تاريخى سلبى.

– 12 –

قلنا إن وصف القرآن الكريم للقوم الذين أدبوا بنى اسرائيل وعاقبوهم بعد إفسادهم وعلوهم الأول يتمثل فى أنهم عباد لنا وأوضحنا هذا المعنى وأنه لا يعنى أنهم قوم مؤمنون . ثانيا : انهم أولوا بأس شديد وهذه تعنى أنهم أشدا ء أقوياء محاربون حازمون يتقنون فنون الحرب ، وهذه صفات تنطبق على جيش نبوخذ نصر بل هى تنطبق على العراقيين عموما فأهل الرافدين اتسموا منذ التاريخ المبكر بإتقان فنون الحرب وأنهم أشداء فى القتال وأنهم أول من انتقل من العصر البرونزى إلى عصر الحديد خاصة فى مجال التسليح وأنهم أصحاب سبق فى اختراعات الأسلحة حتى سبقوا مصر فى استخدام العربات الحربية فى القتال. وقد دفعهم لذلك أن حدود بلادهم غير محصنة ضد أى غزو أجنبى فى حين أن مصر محصنة بالصحراء والبحار. وقد تمكنت بابل فى عهدنبوخذ نصر الثانى من هزيمة الدولة الآشورية فى شمال العراق وكان العراق مقسما منذ الأزل كما هو الآن بين الشمال والجنوب ، وكانت بابل دولة الجنوب وآشور دولة الشمال ولم ينعم العراق بوحدة الدولة المستقرة لفترات طويلة كما كان الحال فى مصر . ولكن فى تلك الآونة تمكن نبوخذ نصر من هزيمة الآشوريين وتوحيد بلاد الرافدين تحت لواء بابل بل أخذ كل ممتلكاتها فى بلاد الشام وأقام دولة عظمى تمتد من فارس حتى البحر المتوسط وتشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق وفارس وسواحل الخليج وسعى لاحتلال مصر وتبادل النصر والهزيمة مع جيشها ولكن انتصاره الأكبر كان فى موقعة قرقيمش على نهر الفرات الأعلى وكانت القوات المصرية متحالفة مع الآشورية فهزم الاثنين معا ، ولكن عندما أراد احتلال مصر لتكتمل له السيطرة على مايسمى الآن الشرق الأوسط هزمته القوات المصرية على أبواب غزة وكانت هذه أقصى نقطة استطاع أن يصل إليها نبوخذنصر فى اتجاه مصر ولكنه سيطر على كل فلسطين بل سيطر على أجزاء من آسيا الصغرى – تركيا الآن ، ولم يبق خارج سيطرته من العالم القديم سوى اليونان وما حولها ولكنها لم تكن هدفامغريا فى ذلك الزمان . وهكذا فإن جيش نبوخذ نصر كان بهذه القوة فى تلك اللحظة من التاريخ ويمكن القول أنه كان القوة الأولى فى العالم القديم . وفى ظل هذا الاكتساح كان لابد له أن يستولى على قلب فلسطين ، القدس ولما رفضت دولة بنى اسرائيل الخضوع التام له حاصرها وهدم أسوارها وهنا يمكن أن نأخذ من التوراة الحالية ماهو صحيح عموما فى وثائق التاريخ وما هو اعتراف بأن ذلك كان عقاب الرب على تمردهم : أصعد عليهم ملك الكلدانيين ، فقتل مختاريهم بالسيف فى بيت مقدسيهم ، ولم يشفق على فتى أو عذراء ، ولا على شيخ أو أشيب ، بل دفع الجميع ليده ، وجميع آنية بيت الله ، لاحظ أن النص يقول بيت الله لا الهيكل ، وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة ، وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعا إلى بابل ، وأحرقوا بيت الله وهدموا سور أورشليم وأحرقوا جميع قصورها بالنار وأهلكوا جميع أنيتها الثمينة وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له وبنيه عبيدا. وواضح من هذا الكلام أن قصر سليمان، ومسجده الذى وصفته التوراة بأنه بيت الله لا الهيكل دمرا فيما دمر من مبانى أورشليم وراحت منشآت المدينة طعمة للنار وقد هرب إلى مصر أعداد من اليهود وذلك لأن أورشليم وكل فلسطين كانت تحت سلطان مصر. يقول برستد عالم المصريات الأمريكى الأشهر فى تاريخ هذه الفترة : فى صيف عام 586 قبل الميلاد سقط بيت المقدس ، فخربه جيش بابل تخريبا وأسر الذليل صدقيا وقاده إلى معسكر الملك البابلى حيث شاهد مصرع ولديه قبل فقء عينيه ، وبهذه الطريقة ذلت الأمة اليهودية تماما . وصدقيا هذا كان آخر ملوك أورشليم فى هذا العهد . قالت عنه التوراة الحالية : كان صدقيا ابن إحدى وعشرين عاما حين ملك ، وملك إحدى عشر سنة فى أورشليم ، وعمل الشر فى عين الرب الهه ولم يتواضع أمام أرميا النبى . انتهى كلام برستيد. وبقيت أورشليم خرابا ينعق فيها البوم سبعين سنة . وهذه هى المرة الأولى التى دمرت فيها أورشليم تدميرا كاملا. ولذلك قلنا من قبل إن قارىء التاريخ لن يخطىء أبدا عندما يرى أن هذه الأحداث هى عينها تلك التى كان يشير إليها القرآن الكريم . فأورشليم لم تدمر هكذا إلا فى هذه المرة ومرة أخرى فى عهد الرومان ثم لم تعد هناك أورشليم كعاصمة لبنى اسرائيل ولم يعد هناك يهود فى فلسطين حتى عام 1948 وبالتالى ليس هناك مجال للخطأ . فالواقعتان تتحدثان عن فلسطين والقدس والمسجد، وهذا لاينطبق على أحداث أخرى وإن أفسد بنواسرائيل كثيرا خارج فلسطين وهذا تناولته آيات أخرى . ولذلك فإن قول البعض – ومنهم المؤرخ الفلسطينى الكبير وليد الخالدى – إن قبائل اليهود فى المدينة فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلوا العلو الأول غير مقبول إطلاقا ، فأين هو المسجد الذى دخلوه وأين العلو ؟ لقد كان رسول الله هو الحاكم وكانوا هم مجرد شوكة فى جنب الدولة الاسلامية الفتية يتآمرون عليها ولكن التآمر غير العلو إنهم لم يقتلوا من المسلمين إلا نفرا قليلا للغاية فى الغزوات التى جرت عليهم ولم يأسروا المسلمين بل هم الذين أسروا . هذا إذا العنصر الثانى فى الآية : أولوا بأس شديد . بقى العنصر الثالث فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا




– 13 –
قلنا إن الآية الكريمة وصفت المهاجمين للقدس بأنهم 1 عباد لنا 2 أولوا بأس شديد 3 فجاسوا خلال الديار وقد تحدثنا عن العنصرين الأوليين وبقى العنصر الثالث فجاسوا خلال الديار. وجاسوا بمعنى أوغلوا وترددوا بين الدور والمساكن وفى مختلف الأماكن للقتل والسلب والنهب وقتلوا علماءهم وكبراءهم وأحرقوا التوراة وخربوا البيت المقدس وسبوا منهم عددا كثيرا وكان ذلك وعدا مفعولا نافذا لا مرد له – تفسير د. عبد الله شحاته دار الغريب للطباعة والنشر. وإن كان مثل هذا حدث كثيرا فى التاريخ ولكنه لم يحدث فى فلسطين وفى القدس وفى مواجهة بنى اسرائيل بهذه الصورة إلا مرتين فى العهود السابقة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم فى هذه المرة وفى عهد الرومان مرة ثانية . وفى تفسير الطبرى نقرأ يقول: فتردّدوا بين الدور والمساكن، وذهبوا وجاءوا، يقال فيه: جاس القوم بين الديار وحاسوا بمعنى واحد، وجست أنا أجوس جوسا وجوسانا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، رُوي الخبر عن ابن عباس.
حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ )قال: مشوا. وفى اللغة جاسوا وحاسوا وهاسوا بمعنى واحد أو متقارب . ولاخلاف بين المفسرين فى هذه النقطة لغويا فجاسوا تعنى التخلل فى الديار وتمشيطها فى كل الأماكن والاتجاهات بمعنى الشمول وهو الأمر المترافق مع التدمير الشامل لكل شىء تقريبا وهذا ماورد فى وثائق التاريخ وفى التوراة الحالية كمصدر تاريخى . وقد انتهى الأمر بعد تدمير المسجد ونهب مافيه وتدمير القصور والمبانى الأساسية وتدمير مالا يمكن حمله كغنائم وهدم الأسوار وهو الأمر الذى ترك القدس يبابا أى مجرد خرائب . وقاموا بعملية سبى جماعى لبنى اسرائيل وتتراوح التقديرات بين 40 و50 ألف أسير ولم يترك سوى الفقراء فقد كان نبوخذ نصر يركز على علية القوم والوجهاء وعموما لم يبق يهود فى فلسطين وما تبقى منهم هرب إلى مصر كما ذكرنا لأن كل بلاد المشرق كانت تحت سيطرة بابل فى تلك الآونة . وجاء فى التلمود وهو كتاب مقدس عند اليهود وهو من تأليف الأحبار عبر تاريخ بنى اسرائيل جاء فيه ان ماحدث لليهود فى هذه الموقعة من إبادة وأسر وتدمير شامل كان بسبب ذنوبهم . القرآن يتعمد عدم الدخول دائما فى تفاصيل القصص وأحداث التاريخ حتى يترك لنا المجال للبحث والتنقيب : قل سيروا فى الأرض فانظروا ، وأيضا حتى يكون تركيز الآيات على المغزى الجوهرى للأحداث وهو كتاب هداية كما أكرر كثيرا وليس كتاب تاريخ ، القرآن لم يتعرض لموضوع السبى ولكنه مؤكد تاريخيا ولا خلاف عليه كما أن كلمة جاسوا خلال الديار يمكن أن تشتمل عليها لأنها تعنى السيطرة الشاملة والكاملة . والسبى موجود فى الحروب عبر التاريخ ولكن لماذا ركز نبوخذ نصر على سبى بنى اسرائيل بشكل خاص بحيث يستأصل شأفة اليهود من فلسطين وهذا مالم يفعله مع أمم أخرى بهذه الطريقة ؟

  • 14 –

وصلنا إلى أن جاسوا خلال الديار تحتمل وتحتوى الأسر والسبى ولكن القرآن الكريم لم يذكر صراحة مسألة الأسر البابلى ولكن وثائق التاريخ تؤكدها وتميل بعض الروايات إلى أن السبى فى بابل لم يكن فى سجون أو منطقة واحدة معزولة ، ولكن بنى اسرائيل عاشوا حياة طبيعية بنوا بيوتا وزرعوا الأراضى وبدأوا فى بناية المعابد أى الكنس وقيل إن تقليد بناء كنس للعبادة بدأ فى بابل . ولكن عذاب بنى اسرائيل الأساسى كان فى الطرد من الديار والعيش فى المنفى وهذا من أشد الابتلاءات بعد ابتلاء الموت . ولكن لماذا فعل نبوخذ نصر ما فعل مع بنى اسرائيل من استئصال وهو مالم يفعله مع الشعوب الأخرى بنفس الطريقة . بل تقول الروايات إنه كان متسامحا عموما مع الشعوب التى غزاها وتركها على عقائدها ولم يفرض عليه عبادة اله بابل ماردوخ . هذه إرادة الله ولكن الأسباب الظاهرة أن بنى اسرائيل تحدوه وخدعوه وبعد أن عين منهم من يحكمهم عادوا فانقلبوا عليه وامتنعوا عن دفع الجزية واتصلوا بمصر لتساندهم فى هذا التمرد . وكانت نصيحة أرميا لهم أن يخضعوا للبابليين ويركزوا على العبادة ولكنهم لم يستمعوا له . ولذلك جاء الانتقام البابلى بهذا الشكل . وربما أدرك نبوخذ نصر إن هؤلاء القوم لا يؤمن جانبهم وأنهم متقلبون ومخادعون ومراوغون فأراد أن ينهى وجودهم كأمة وكيان سياسى . وهذا ينقلنا إلى نقطة أخرى لماذا أفرد الله بنى اسرائيل بهذا الشكل من العقاب وتركهم كأمة مستمرة فى الوجود . وفى القصص القرآنى نرى أقواما قد أبيدت ودمرت إلا قليلا من المؤمنين ، ولم يعد لهذه الأمم وجود أو ذكر . كقوم نوح وعاد وثمود. هنا حكمة إلهية جعلت من بنى اسرائيل يقومون بدور الاغواء والاختبار لبنى البشر وقد وصفتهم مرة بأنهم شياطين الإنس إلا قليلا منهم كما أكد القرآن مرارا على وجود هذه القلة المؤمنة منهم . وقد كان فى قدرة الله أن يرفض طلب إبليس أن يؤجله إلى يوم البعث ولكنها كانت إرادة الله أن يقوم إبليس بدور الاختبار والغواية لبنى آدم . بقيت نقطة أخرى إن الله سبحانه وتعالى كان قد كلف بنى اسرائيل ليقوموا بدور هداية البشر ووصفهم بأنه فضلهم على العالمين فى الزمن السابق ، ولكنهم أخفقوا فى القيام بهذا الدور وفعلوا ما فعلوا من العبث بكتاب الله وعاثوا فى الأرض فسادا وقد اعتبرت ان هذا الاهتمام الكبير للقرآن الكريم بهذه الفئة الضئيلة من البشر التى لاتصل إلى 1 % من عدد البشرية لها كل هذه المساحة من القرآن الكريم التى ،تصل إلى قرابة العشر أو 1 – و14 ونحن نرى الآن فى القرن 21 ميلادية دورها الكبير فى التأثير فى أحداث العالم من خلال سيطرتها على أمريكا وأوروبا الغربية ، اعتبرت هذا الاهتمام القرآنى من آيات الاعجاز السياسى فيه. كذلك أصبح بنو اسرائيل نموذجا حيا أمام المسلمين حتى يتجنبوا هذا المصير وينجحوا فى أداء رسالتهم العالمية ويتجنبوا مواقع الزلل فى قصة بنى اسرائيل والتى لاتزال حية أمام عيونهم فى ممارسات الصهيونية واسرائيل وكثير من المنظمات اليهودية .

  • – 15 –

ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا .أى أعدنا لكم يا بنى اسرائيل الدولة والغلبة حين تبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد والعلو ورجع الملك إليكم وكثرت أموالكم بعد أن نهبت وأولادكم بعد أن سبيت وصرتم أكثر عددا وأعظم قوة مما كنتم من قبل وذلك بفضل طاعته تعالى والرجوع إليه .دعبد الله شحاته – مرجع سابق ويؤكد ارتباط عودة الأحوال إلى ما كانت عليه وأحسن بأنهم أطاعوا الله يؤكد ذلك الآية التالية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها . . سفر أشعيا وماهو فى واقع الأمر إلا وثيقة تاريخية يصورحالة بنى اسرائيل فى الأسر البابلى من البؤس والمعاناة , أرميا الذى جاء بعده هو الذى بشر بنى اسرائيل بالفرج ولكن على أساس العودة إلى الله فخاطب اليهود بعد أن حل بهم نكال البابليين قائلا لهم : إن عبادتهم للأوثان والآلهة الغريبة ثم عقوبة الرب لهم جعلهم كسارق يكسوه الخزى لأنه ضبط متلبسا . وإذ يبحثون فى المحنة عن ربهم يقول لهم أين إذن آلهتكم التى صنعتموها بأيديكم . لماذا لايقوموا الآن ليخلصوكم فى وقت بليتكم . وعددهم صار كأعداد المدن والقرى وكان سيفكم مسلطا على أبدانكم . لقد نسينى شعبى أياما بلا عدد . . ووصف اسرائيل بأنها الأخت العاصية ويهوذا بأنها الأخت الخائنة وهما مملكتا بنى اسرائيل المدمرتان . تقول موسوعة تاريخ الحضارة عن أرميا : فى هذه الأزمة التى حاقت بأورشليم ظل أرميا أفصح الأنبياء وأشدهم حقدا على قومه ، يدافع عن بابل ، ويعلن على الملأ أنها سوط عذاب فى يد الله ويتهم حكام يهوذا بأنهم بلهاء معاندين . وينصحهم -كما ذكرنا من قبل- بأن يسلموا أمرهم كله إلى نبوخذنصر حتى ليكاد من يقرأ أقواله فى تلك الأيام يظن أنه من صنائع بابل المأجورين أنظر إلى قول أرميا على لسان ربه : إنى أنا صنعت الأرض والانسان والحيوان الذى على وجه الأرض بقوتى العظيمة ، وبذراعى الممدودة ، وأعطيتها لمن حسن فى عينى . والآن وقد وقعت هذه الأراضى ليد نبوخذ نصر ملك بابل عبدى ، فتخدمه كل الشعوب . ويكون أن الأمة أو المملكة التى لاتخدم نبوخذنصر ملك بابل والتى لاتجعل عنقها تحت نير ملك بابل ، انى أعاقب تلك الأمة بالسيف والجوع والوباء ، يقول الرب : حتى أفنيها بيده . وتستطرد الموسوعة : قد يكون الرجل خائنا أو لايكون ، أما من الناحية الأدبية فإن كتاب نبوءاته التى يقال انه تلقاها عنه تلميذه باروخ ليعد من أبلغ ما كتب فى الآداب كلها ومن أعظمها قوة . وكان مما قاله أرميا عن قومه : طوفوا بشوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتشوا فى ساحاتها هل تجدون انسانا أو يوجد عامل ، وعم الفسق والفجور . وروى على لسان العرب : ولما أشبعتم زنوا وفى بيت زانية تزاحموا ، صاروا خيلا ملعونة سائبة ، صهلوا كل واحد على امرأة صاحبه , القدس ومعاركنا الكبرى – محمد صبيح – الطبعة الثانية – دار التعاون – القاهرة.

  • -16 –

 صحوة إيمانية لبنى اسرائيل فى سبى بابل
لانزال متوقفين عند مرحلة الأسر البابلى لنلتمس كيف انقلب حال بنى اسرائيل ليخرجوا من هذه الكبوة وتعود أحوالهم إلى الازدهار بعودتهم مرة أخرى للقدس بل يصبحوا أكثر أولادا ونفيرا . أى أننا فى المرحلة مابين العلو الأول والعلو الثانى . فى أتون مرارة السبى والغربة والمهانة بدأ بنو اسرائيل رحلة العودة إلى الله بمساعدة بعض القادة والحكماء الذين بدأوا فى كتابة التوراة والتلمود وشرح مبادىء الشريعة وقد شعروا جميعا بمخاطر الذوبان فى هذا المجتمع البابلى الغريب فالتفوا حول هؤلاء القادة وسموهم أنبياء . وبدأت عملية تطوير اللغة العبرانية . المهم لقد بدأت حالة من الصحوة الثقافية والدينية توطئة للعودة مرة أخرى للقدس وقد ساعد عليها أمر الملك الفارسى قورش بهذه العودة ، بعد أن انتصر على بابل وأصبح هو القوة الأكبر فى المشرق . حينما بدأ شعب إسرائيل يعود من السبي ، بدأوا فوراً في بنـاء المسجد وظلوا يعملون باجتهاد وحماس نادرين حتى تمَّ بنـاؤه تحت إشراف النبى حجى والنبى زكريا وفقا لسفرى حجى وزكريا وعاش الشعب فى حالة من الهدوء والسكينة والاستقرار وأقبلوا على تعمير البلاد تحت قيادتهما . ولم يعرف فى تلك المرحلة أى وجود لملوك من بنى اسرائيل فقد تركوا الاهتمام بالسلطة وعكفوا على العبادة والتعمق فى الدين والعودة إليه. اضطلع نحميا بإعـادة بنـاء أسوار أُورشليم، وتجديد العبادة والشرائع الطقسية، والتدقيق في حفـظ الـسبت والعشور، ومسك سجلات الأنساب بتدقيق شديد. أما عزرا الكاتب والكـاهن فاهتم جداً بالناموس الروحي واجتماعات الشعب للوعظ وشرح الناموس المختص بالتطهيرات والقداسة . وكانت بلاد بنى اسرائيل تحت الحكم الفارسى .

  • متى المسكين – تاريخ اسرائيل-مطبعة دير القديس أنبا مقار بوادى النطرون الطبعة الأولى 1997
  • -17 –

ظلت بنو اسرائيل خلال الأسر ومع مضى الوقت تنعم بهدوء وسلام عظيمين، وانتهزت فرصة الهدوء والسلام الداخلي للنمو في المعرفـة الدينيـة ُّ ودراسـة الأسـفار والتعمـق في الشـرح والتأويـل وممارسـة الحيـاة الدينيـة علـى وجـه العمـوم ً، كتكميـل للعمـل الـذي بـدأه عـزرا الكاتـب، كمـا هـو بمستوى روحي عـال جـدا واضح في سفر ملاخي النبي كمـا بـدأت تـأثير ات الثقافـة اليونانيـة تظهـر في محـيط الروحيـات والأبحـاث اليهوديـة، ً، ولكـن دون أن تـؤثِّر علـى أصـالة المـيراث الآبـائي وروح الأسـفار المنطويـة .وبنهايــة هــذا العصــر بلــغ النظــام والعبــادة في أقصــاه مــن حيــث الدقـــة والاهتمام، كما بـدأ أيضـاً نظـام العبـادة والصـلوات في المجامع المحليـة. والمـدهش حقــًا فى هـذه الحقبـة الناشـطة روحيـا أنها ً أثمـرت ظـاهرة جديـدة في المحـيط الدينى وهو التبشير بالديانة اليهودية في البلاد المحيطة متى المسكين – مرجع سابق وبغض النظر عن الدقة التاريخية والدينية فى هذا الحديث إلا أن المعنى العام صحيح وهو ماورد فى القرآن الكريم ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها )- . فهم لم يعودوا إلى القدس وتتحسن أحوالهم – وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا – إلا لتحسن أحوالهم الايمانية وهكذا يمكن أن نقول أن فترة الأسر البابلى انهت ماكان بين بعض اليهود والبعض الآخر من حروب عقيمة ، ومنافسات على عبادة الأوثان ، وجعلت الوعاظ الذين ظهروا كأنبياء أو مفسرى أحلام أو كهان فرصة للوجود ومحاولة التدوين ، وبهذا وضعت نواة الكتاب الذى يقدسه اليهود، ثم تتالت بعد ذلك الاضافات . وعندما أذن لهم قورش بالعودة إلى أورشاليم وإعادة بناء المسجد والأسواروالمدينة جمعهم نحميا ودعا عزرا الكاتب ليقرأ عليهم التوراة ويترجمها إلى اللغة التى يفهمونها وإذا بهم يجدون فيها أن موسى أوصى ألا يكون الاحتفال داخل المبانى ، ولكن فى ساحات مكشوفة فذهب اليهود إلى جبل الزيتون وأحضروا فروع الشجر ، وعملوا مظلات ، لأنه لم يعمل بنو اسرائيل هكذا من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم ، أى انهم كانوا يجهلون ما أوصى به موسى منذ ألف سنة .. نحميا أصبح الحاكم الذى يدفع الجزية للملك الفارسى وجمع ودون من التوراة ما رآه يصلح اليهود. محمد صبيح – مرجع سابق – ولا توجد وسيلة للتأكد من مدى مطابقة هذه التوراة التى بدأ تدوينها والتوراة الأصلية التى نزلت على موسى حتى فيما يتعلق بالأسفار الخمسة التى نزلت على موسى كما يقولون . ولكن الظاهر من الروايات وهو ما يتفق مع القرآن الكريم أن بنى اسرائيل مروا بمرحلة من التوبة بعد عذاب النفى والأسر وأن فكرة التوحيد عادت لتسيطر عليهم ونبذ كل ما يتعلق بالأوثان والآلهة المزيفة وما أكثرها فى ذلك الزمان عند الشعوب المحيطة بهم . ومن قرائن ذلك ما ورد على لسان مؤلف مجهول أضيف كلامه إلى سفر أشعيا من إلحاح على التوحيد : طيبوا قلب أورشليم ، ونادوها بأن جهادها قد كمل ، أى اثمها قد عفى عنه ، أنها قد قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطايا، صوت صارخ فى البرية ، أعدوا طريق الرب ، قوموا فى القفر سبيلا لإلهنا . كل وطىء يرتفع . كل جبل وأكمة ينخفض .، ويصير المعوج مستقيما والعراقيب سهلا ، فيعلن مجد الرب .

  • 18 –

-عبادة السامريين تبدو قريبة من صلاة المسلمين-
وهكذا عاش بنو اسرائيل مرحلة هدوء وسلام مع النفس فى نهاية عهد السبى البابلى و بداية العودة إلى أورشليم بأمر من الملك الفارسى قورش . اقتصر الوجود اليهودى بعد العودة من الأسر على أورشليم وحدها وقرى قليلة حولها وذلك لقلة عددهم . وعكف اليهود على التوراة وعلى شئونهم الروحية يراجعون تفاصيلها بعد أن حمل عنهم الفرس مسئولية الإدارة ,وبدأت كتابة التلمود البابلى وهم فى بابل ولايمكننا تقييم ما فيه فالتلمود الحالى حدثت عليه تعديلات وإضافات أكثر من التوراة نفسها وهو يعتبر تفسير الأحبار للتوراة وشرح مبادىء اليهودية . وفى هذا السياق من المهم أن نشير إلى طائفة السامريين فإن هؤلاء طلبوا المشاركة فى بناء المعبد ولكن عموم اليهود رفضوا وكتبوا عنهم فى التوراة – سفر عزرا – انهم من شرار الناس , فى حين ، وقد يكون هذا هو سبب كراهيتهم أنهم متمسكون بالتوراة وحدها أى الأسفار الخمسة التى نزلت على موسى ويرفضون التلمود أو أى كتابات أخرى لتفسير التوراة ويتمسكون حرفيا بكل ماورد فى هذه الأسفار الخمسة وهذه الفئة الضئيلة العدد حاليا لاتزال موجودة على أرض فلسطين وتتجمع بالقرب من نابلس ومنطقة قريبة من تل أبيب وهو مكروهون جدا فى اسرائيل حتى الآن .ولكن هناك مخطوطات تدل على انتشارهم فى ربوع فلسطين قبل قيام اسرائيل. ومن خصائصهم الملفتة أنهم لايعترفون بأى نبى بعد موسى لا يعترفون بدانيال وحزقيال وعذرا وباروك وصموئيل . وهم أول من أتهم اليهود بتحريف التوراة. وقد رحب السامريون بفتح المسلمين الذى جاء ليخلصهم من ربقة استعباد البيزنطيين .وتركوا الآرامية وتبنوا اللغة العربية وترجموا التوراة إليها وهم يزعمون أنه لديهم النص الأصلى والوحيد للتوراة التى نزلت على موسى , ومن أهم مبادىء اعتقادهم :الاعتقاد بوحدانية الله – موسى أعظم الرسل وخاتمهم – الايمان باليوم الآخر كيوم للحساب وبالملائكة وبالمهدى الذى يأتى فى آخر الزمان !! هؤلاء هم اليهود – أحمد شلو -كاتب من الأردن – دار ورد الأردنية للطباعة والنشر – الطبعة الأولى 2010

  • العديد من الدراسات والأبحاث على الانترنت +
  • وجود مثل هذه الفرق اليهودية هى من علامات الصحوة الايمانية لأن جذورها تعود لنفس الفترة التاريخية .
  • ولكن كيف استعادت الدولة اليهودية فتوتها وقوتها حتى يمكن أن تتطور إلى العلو والإفساد الثانى . الدراسات التاريخية المتوفرة قليلة والآثار تركناها للأجانب فنهبوا ذاكرة الأمة ولكننا نخوض فى الألغام بحرص وبهدى الآيات الكريمة .
  • – 19 –

لم تكن فرقة السامريين هى الفرقة الوحيدة المتميزة بين بنى اسرائيل بل كانت هناك فرقة أساسية وواحدة من أكبر الفرق وهى فرقة الصدوقيون وأهم ما يلفت النظر فيها أنها تتفق مع السامريين فى مسألة جوهرية وهى الايمان بالتوراة التى نزلت على موسى فحسب ورفض كل ما أضيف للتوراة بعد ذلك . الصدوقيون جزء من الديانة اليهودية لكن لهم رؤيتهم الخاصة نحوها، فرفضوا التمسك والاعتراف بقدسية التوراة سوى أول خمسة أسفار فى العهد القديم والتي تنسب الى موسى،أي التكوين، الخروج، العدد، اللاويينوالتثنية؛ وأنكروا سائر الأسفار والكتب التى آمن اليهود بها؛ وقدأصابهم ما أصابهم من أخطاء فى أمور أخرى ولكن كانت هذه نقطة بالغة الأهمية فأكثر ما أضاع إيمان بنى اسرائيل هو تحويل التوراة لبيت مفتوح الأبواب يمكن للأحبار ومدعى النبوة أن يضيفوا إليه أسفارا أخرى أصبحت هى معظم صفحات التوراة ,وهم يعترفون بذلك وهكذا ينمحى الفاصل بين السماء والأرض وينمحى الفاصل بين الالهى والبشرى ويضيع معنى الوحى الالهى . وهذا رأس الفساد فى العقيدة . وسنتحدث عما أصاب هذه الفئة من تدهور فى مرحلة تراجع الصحوة وظهور العلو والفساد . ولكن نركز الآن على فكرة الاقتصار على الايمان بأسفار موسى الخمسة باعتبارها وحدها هى التوراة ولوتمسك اليهود بذلك لاختلف مسارهم كثيرا عما أصابهم من تخليط وعبث فى أمور العقيدة حتى لقد حولوا التلمود إلى كتاب مقدس وهو من كتابة الأحبار بل وجعلوه أكثر قدسية من التوراة وهو يتحدث مثلا عن الله وكيف يمضى يومه كل نهار وينتهى باللعب عدة ساعات مع الحوت . ويحسب للصدوقيين فى مبدأ نشأتهم انهم قالوا بحرية الإرادة وإنا قادرون على أعمالنا وإننا سبب الخير وإننا نتقبل الشر من أجل حماقة أفعالنا وإن لا دخل لله في صنعنا الخير أو إعراضنا عن الشر. كذلك كانوا يتمسكون بمبدأ العين بالعين والسن بالسن بشكل حرفى كما ورد فى التوراة ويرفضون فكرة البديل المالى . وقد شكل الصدوقيون طبقة الكهنة فى العهد الثانى لبناء المعبد وأورشاليم وحتى الدمارالثانى أى أن دورهم ظهر بعد العودة من الأسر البابلى . موسوعة تاريخ أقباط مصر – المؤرخ عزت أندراوس
ولكن يجب أن يكون واضحا من الآن أن الصدوقيين كانت لهم أفكار خاطئة منذ البدء كعدم اعتقادهم بوجود الحياة الآخرة لأن الأسفار الخمسة لم تشر لذلك وهذا غير صحيح فهى تشير إلى القيامة كما أوضح لهم المسيح عليه السلام . كذلك فقد وقفوا فى النهاية مثل الطائفة الأخرى – الفريسيين – ضد المسيح . ولكن نتحدث عن فكرة تحديد التوراة بما أنزل على موسى فحسب كفكرة جوهرية صحيحة وأن رفضها كان فتح لأكبر أبواب الشرور على العقيدة . ونعود إلى الصورة العامة بعد العودة من الأسر البابلى شهدت أحوال بنى اسرائيل تحسنا كبيرا وملحوظا وسمح لهم الفرس بحكم ذاتى . وقد استمر حكم بلاد فارس من 538 حتى 333 ق. م وكانت فترة إزدهار لليهود فأعادوا بعد بناء المعبد تحصين أسوار القدس وتم تأسيس الكنيست وهو جمعية كبرى تعمل كهيئة قضائية تشريعية ودينية عليا لليهود . ومع ضعف الحكم اليونانى البطلمى والذى حكم المنطقة من 332 حتى 142 ق. م تمكن بنو اسرائيل من إقامة مملكة مستقلة فى 129 ق. م وظل الحكم فيها بالوراثة فى سلالة الحشمونيتم 80 عاما وهى التى كان يقصدها نتنياهو عندما قال إنه يخشى أن يكون عمر اسرائيل 80 عاما فقط كتلك المملكة الأخيرة . وخلال حكم هذه المملكة ازدهرت الحياة الثقافية اليهودية . وعندما جاء الرومان كانوا أكثر شراسة من اليونان ولكن العلاقة مع اليهود استقرت بتعيين هيرودوس اليهودى الموالى لهم حاكما لكل فلسطين بسلطات ذاتية كاملة حيث قام بحملة عمرانية كبيرة وبنى مدنا جديدة وقلاع وأعاد بناء المعبد على الطراز الرومانى وبصورة أكثر فخامة .وفى هذه المرحلة ظهر المسيح عليه السلام حيث سيكون موقف بنى اسرائيل منه من أكبر علامات الفجور والعلو والإفساد.

  • – 20 –

المسيح تنبأ بتدمير أورشاليم
فى العهد الهيللينى اليونانى تعرض اليهود لسياسة تقتضى إلغاء الطقوس الدينية اليهودية والاستعاضة بالإله زيوس الأوليمبى عن الإله يهوه وعين لهم كاهن إغريقي وثني فى القدس وحرم الختان وإقتناء الأسفار المقدسة وأوجب أكل لحم الخنزير وبموجب هذه الأوامر انقسم اليهود إلى قسمين الاغلبية سايرت ذلك وسميت المتأغرقون وأقاموا فى القدس والمدن الاغريقية ومجموعة أقل عددا هربوا من القدس : حزب القدسيين . وبشكل عام تأثر اليهود بالاغريقية فحلت الآرامية محل العبرية وأصبحت اليونانية لغة الطبقة المثقفة ونشأ فى اليهود جماعة تناصر اليونانيين وتمكنوا من الوصول للحكم بقيادة كبير الكهنة جيسون .وفيما بعد عاد المقدسيون الهاربون وأصبحت مدينة ثنائية إغريقية – يهودية ، ثم تأسس لليهود بعد ذلك حكم ذاتى فى القدس أخذ يتسع أو يضيق وتزداد مظاهر استقلاله أو تضعف حسب صراع القوى الكبرى على فلسطين الرومان – البطالمة – السلوقيين وأصبح الحكم وراثيا لليهود وحصلوا من الامبراطور ديمتريوس الثانى على إعفاء من الضرائب وحصلوا على حق سك النقود

  • وبالتالى تأسست مملكة معترف بها . وفى عهد الملك اليهودى الكسندر جانيوس 103 – 76 ق. م اتسع الحكم ليشمل شرق الأردن وتوغل إلى الساحل أيضا .وكادت مملكته تلامس حدود مملكة سليمان ولكن سرعان مادب الخلاف بين أولاده بعد وفاته .وتدهورت الأحوال عندما أحكمت الامبراطورية الرومانية السيطرة على فلسطين و نصبوا هيردوس حاكما و كان قد تهود وأصبح مواليا للرومان فأعطوه كل صلاحيات حكم فلسطين فقام بتجديد المعبد فضاعف مساحته ورفع سطحه وجعله على جانب عظيم من الاتقان والهندسة . استمر حكمه حتى سنة 4 ق. م وعاصره من الأنبياء زكريا ويحيى كذلك عاصرته مريم بنت عمران وفى آخر أيامه ولد المسيح .
  • الطريق إلى القدس – د. محسن محمد صالح – مركز الاعلام العربى – الجيزة – مصر الطبعة الأولى – 2003
  • وفقا لكتب اليهود فإنهم قتلوا زكريا ويحيى وسعوا إلى صلب وقتل
  • المسيح ، بل شبه لهم أنهم أنجزوا ذلك ، وماحدث مع الأنبياء وآخرهم المسيح عليه السلام هو ذروة العلو و الافساد الثانى .
  • وقد وثق القرآن الكريم قصة المسيح مع بنى اسرائيل فى عدة مواضع منها سورة الصف وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى اسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد .فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين -6
  • عندما ولد المسيح عليه السلام كان هيرودس ملكا على اليهودية وهيرودس 73 – 4 ق . م عينته روما حاكما على الجليل ثم أصبح ملك اليهودية فأقام بأورشليم وامتد نفوذه من هضبة الجولان شمالا إلى البحر الميت جنوبا وكانت أيام حكمه تمثل إزدهارا ثقافيا واقتصاديا وقد كان وفيا للرومان . كان متهودا لأنه أدومى الأب ونبطى الأم . واليهودية اسم منطقة فى فلسطين تمتد غرب البحر الميت وتشمل القدس والخليل وبئر سبع وهى التى قامت فيها مملكة يهوذا المشار إليها من قبل . وكان أغسطس هو إمبراطور الرومان بعد انتصاره على أنطونيوس فى معركة أكتيوم واستيلائه على مصر .
  • وفقا لرواية بعض الأناجيل فإن بعض المجوس وكانوايرعون فى المنطقة قالوا إنهم رأوا نجما فى السماء يشير إلى ولادة من سيدبر أمر شعب اسرائيل فلم علم هيردوس بتلك النبؤة أمر بإحضار الطفل لقتله ، ولكن لما لم يجدوه أمر بقتل كل الأطفال الذين ولدوا حديثا فى بيت لحم . وهى قصة شبيهة بما فعله فرعون موسى
  • عندما بدأ المسيح دعوته ذهب إلى المعبد فى أورشاليم وعكف على الخطابة فيه ، وفى كلام المسيح نجد عريضة اتهام متكاملة لجرائم حكام اليهود : الحكام والكهنة وكان أكثر لوما للكهنة لأنهم هم حملة لواء الدين فإذا فسدوا فمن يصلح المجتمع . ماذا قال للكهنة ؟
  • إنكم مراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل .
  • انكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من الخارج جميلة وهى من داخل مملوءة بعظام الموتى وكل نجاسة .هكذا أنتم تظهرون للناس من خارج أبرارا ولكنكم من داخل مشحونون رياء و إثما
  • أنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء
  • أيتها الحيات أبناء الأفاعى كيف تهربون من دينونة جهنم؟
  • يا أورشاليم ياأورشاليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا
  • إنه لا يترك هنا حجر على حجر لا ينقض . وهذا ما حدث بعد أعوام قليلة

– 21

اليهود راقبوا وحاصروا وألقوا القبض على المسيح
كانت السلطة فى فلسطين خلال عهد المسيح عليه السلام مقسمة بين سلطة الحاكم الرومانى بعد موت هيردوس وسلطة كهنة اليهود الذين كانوا قد شكلوا مجلس حكماء يدعى السنهدرين وقد ظل يعمل عبر التاريخ بعد ذلك ولعله موجود حتى الآن ، وصلاحياته تقتصر فى الأمور الدينية وتشمل اليهود أينما كانوا . وكان الكهنة يتولون أيضا إدارة شئون المعبد – المسجد – الطقوس والعبادات والشعائر وتلقى الأموال من الفقراء كنوع من الضريبة الدينية . وكان الرومان يعتمدون عليهم فى إدارة شئون الشعب اليهودى ليريحوا أنفسهم من معاناة الحكم . ولذلك كان للكهنة دور سياسى مباشر وأعوان ونوع من أجهزة الأمن الخاصة بهم ومحاكم ولكن تنفيذ الأحكام مناط بالرومان . ولم ينزعج الرومان من المسيح فى بداية الأمر فقد كان لايتصدى لهم ولاينتقدهم وكانت رسالة الأنبياء دوما التركيز على غرس قيم الايمان والأخلاق ، والحكام هم الذين يدخلون السياسة فى الدين ويحاربون الأنبياء. كانت سياسة المسيح صائبة وهى من وحى السماء ، فالمسيح جاء لتصحيح العقائد أساسا ، جاء ليكمل الناموس : شريعة موسى لا ليبدلها جاء لإصلاح أحوال بنى اسرائيل العقائدية . .فى هذا الموقف كان كهنة بنى اسرائيل هم السلطة التى شعرت بالتهديد وأدركت سريعا أن أقوال وتعاليم المسيح التى أقبل الناس عليها ستطيح بهم من المعبد ومن كل مواقع السلطان الدينى والسياسى ولذلك تدارسوا الأمر من خلال السنهدرين وغيره ورأوا ضرورة القضاء على الرسالة الجديدة . وبدأوا بالتشكيك فيها من خلال بعض الأسئلة الخبيثة التى توجه للمسيح فى الاجتماعات العامة وفشلوا حيث كانت ردود المسيح مفحمة وقاطعة . وأرادوا الوقيعة بينه وبين الرومان وسألوه عن دفع الجزية للقيصر فرد رده الشهير : دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله . فرأوا أخيرا أنه لاحل له إلا القتل ، وقتل الأنبياء مسألة وكأنها أصبحت معتادة وسهلة وبسيطة . من الأمور التى أثارت إنزعاجهم الشديد عندما دخل المسيح إلى بيت الله وسنلاحظ أن نصوص الأناجيل تستخدم هذا التعبيرفى مواضع عدة عوضا عن الهيكل ، وسنأتى لاحقا لمسألة الهيكل ، ولذلك فإننا نستخدم مؤقتا لفظ المعبد، عندما دخل المعبد استنكر وجود الصيارفة والباعة وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه ، وقلب موائد الصيارفة وكراسى باعة الحمام وقال لهم : مكتوب أن بيتى – هكذا النص – بيت الصلاة يدعى ، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص – انجيل متى وجاء فى إنجيل لوقا : وكان يعلم كل يوم فى الهيكل . وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون أن يهلكوه . وسارع مجلس اليهود الدينى السنهدرين إلى الاجتماع وقرر القبض على المسيح وأصدر حكما بإعدامه بتهمة التجديف والخروج على الدين ثم إنهم ساقوه إلى الوالى الرومانى بيلاطس النبطى الذى يحق له وحده تنفيذ الاعدام ، ولم يجد هذا جرما فى المسيح يوجب قتله . فقامت قيامة اليهود ، وأخذوا يصرخون بصوت واحد اصلبه اصلبه دمه علينا وعلى أولادنا . وقد اضطر كارها إلى الموافقة على إعدامه ولكن الله سبحانه وتعالى رفعه إليه كما نؤمن نحن المسلمين يقينا برواية القرآن الكريم ، ولكنها لاتنفى تآمر اليهود ونيتهم السوداء بل وافتخارهم بصلب المسيح كما ورد صراحة فى التلمود . أما الحواريون فقد واصلوا الدعوة ولاقوا فى سبيلها الاضطهاد والأذى وبدأ اليهود فى تحويلهم للمحاكم كما حدث مع بطرس وغيره الذين حوكموا أمام السنهدرين ولكنه اكتفى بجلدهم وإطلاق سراحهم ، فبدأوا الهروب إلى أطراف فلسطين والشام ووصل بعضهم إلى روما ومصر . قصة المسيح فى الأناجيل لا تتعارض مع الرواية القرآنية فى كثير من المواضع وهى مليئة بالعبر والعظات وقد كتبت دراسة كاملة عن حياة المسيح ولكنها فقدت مع الأسف على الانترنت فى إطار الهجمات الالكترونية . ولكن ما يهمنا الآن من هذه القصة هو دور اليهود فى محاربة المسيح والسعى لقتله كأحد أبر مظاهر العلو والإفساد الثانى , ونحن نستفيض فى الحديث لأننا لسنا بإزاء تفسير تقليدى للقرآن الكريم وإن إستفاض بعض المفسرين فى بعض المواضع ، ولكن أشير بشكل خاص إلى أن فهم هذه الآيات بالذات مرتبط بوقائع التاريخ وان الاستفاضة هنا فى المادة التاريخية وثيق الصلة بطبيعة هذه الآيات التى تتحدث عن واقعتين محددتين فى تاريخ بنى اسرائيل .

  • – 22 –

التلمود يؤكد ان المسيح- استغفر الله- ابن زنا وابن عاهرة وعلى علاقة آثمة مع مريم المجدلية

كهنة اليهود قادة المجتمع اليهودى حاربوا نبى الله المسيح عيسى بن مريم بلا هوادة وهو ما يؤكد صدق عريضة الاتهام التى وجهها إليهم ، فهم لم يختلفوا مع المسيح فى الأفكار أو العقيدة أو الدين وإلا لدخلوا معه فى مواجهة فكرية وسجال عقائدى ، ولكنهم شعروا بخطورة دعوته على مكانتهم وسطوتهم ووضعهم المترف والمتميز : تحت جناح الامبراطورية الرومانية . وخلاصة ماورد فى الأناجيل : رؤساء اليهودحرضوا الحوارى يهوذا الا سخريوطى على خيانة يسوع والكشف عن مكانه وشخصه من خلال شراء ذمته بثلاثين فضة وهو مبلغ زهيد حتى فى ذلك الزمان . رؤساء اليهود اقتحموا على يسوع البستان وألقوا القبض عليه ، لتسليمه للحاكم الرومانى فقد هاجم عليه عصابة كبيرة أرسلها الكهنة تحمل السيوف والعصى . بعد إلقاء القبض على يسوع ، وأثناء التحقيق معه أو بعده وجهوا إليه الإهانات والسباب والشتائم ، وتم البصق بوجهه بل ولطمه أيضا مارسوا ضغوطا شديدة على الحاكم – الوالى الرومانى بيلاطس ، وبطريقة هستيرية لقتل يسوع المسيح ، بلغت درجة التشكيك فى ولائه للامبراطورية إن لم يفعل ، ونجحوا فى ذلك ، ورغم محاولات بيلاطس البنطى المتعددة لتفادى ذلك . وكان الوالى معتادا فى العيد أن يطلق للجمع أسيرا واحدا من أرادوه . وكان لهم حينئذ أسير مشهور اسمه باراباس , ففيما هم مجتمعون قال لهم الوالى بيلاطس : من تريدون أن أطلق لكم ؟ باراباس أم يسوع الذى يدعى المسيح ؟ لأنه علم أنهم سلموه حسدا .وإذ كان جالسا على كرسى الولاية أرسلت إليه إمرأته قائلة : إياك وذاك البار ، لأنى تألمت اليوم كثيرا فى حلم من أجله . ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع. فأجاب الوالى وقال لهم : من من الاثنين تريدون أن أطلق لكم ؟ فقالوا : باراباس قال لهم بيلاطس فماذا أفعل بيسوع الذى يدعى المسيح ؟ قال له الجميع : ليصلب ! فقال الوالى : وأى شر عمل ؟ فكانوا يزدادون صراخا قائلين : ليصلب . فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيىء بل بالحرى يحدث شغب ، أخذ ماء وغسل يديه قدام الجميع قائلا : إنى برىء من دم هذا البار أبصروا أنتم . فأجاب جميع الشعب وقالوا : دمه علينا وعلى أولادنا . حينئذ أطلق لهم باراباس وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب كما شبه لهم . ما ورد كان فى إنجيل متى أما فى انجيل يوحنا فهناك بعض التفصيلات المختلفة ، وكل الروايات تؤكد فظاظة وإجرام كهنة اليهود وأتباعهم : فخرج بيلاطس إليهم وقال : أية شكاية تقدمون على هذا الانسان ؟ قالوا : لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه إليك . فقال لهم بيلاطس :خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم . فقال له اليهود : لايجوز لنا أن نقتل أحدا ولكن حسب ناموسنا لابدأن يموت لأنه يقول أنه ابن الله. وازداد بيلاطس خوفا من الموقف ودخل يتحاور مع يسوع ليفهم منه ولكنه لم يرغب فى الحديث إليه، ولكن أكد له ان الذى أسلمنى إليك له خطية أعظم. وظل بيلاطس يسعى لإطلاقه واليهود يصرخون : إن أطلقت هذا فلست محبا لقيصر . كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر . وهكذا استسلم بيلاطس ومن المعروف من الروايات ان قيافا رئيس كهنة اليهود كان هو الذى يتزعم الحشد عند بيلاطس . وشارك فى محاكمة المسيح فى السنهدرين كمحاكمة دينية . وبعد كل هذه الأحداث يأتى التلمود فيتهم المسيح – حاشا لله – بأنه ابن زنا وانه ابن لغير يهودى وابن عاهرة وانه كان على علاقة جنسية مشبوهة مع مريم المجدلية وانه حرض اسرائيل على عبادة الأصنام لذلك كان مستحقا للشنق أدان القرآن الكريم افتخار اليهود بقتل المسيح: وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ،وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه مالهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقينا ، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما . النساء 156 – 158 وبغض النظر عن دقة روايات الأناجيل إلا أنها لاتتعارض مع رواية القرآن إلا فى موضوع الصلب والقتل . ومايهمنا فى هذه الروايات الآن مسئولية بنى اسرائيل عن محاربة المسيح والسعى لتشويه صورته وصورة أمه ومحاولة قتله ثم الافتخار بأنهم قتلوه . وهكذا أصبحنا على مرمى حجر من تدمير أورشاليم وتدمير المعبد أو المسجد للمرة الثانية بعد عشرات قليلة من السنين على يد الرومان

  • – 23 –

اقتربنا من موعد التدمير الثانى . بعد صعود السيد المسيح عليه السلام لم يكف كهنة وقادة اليهود عن متابعة وإضطهاد الحواريين كما ذكرنا فهربوا إلى أطراف فلسطين ثم إلى أوروبا ومصر . ومن تفاصيل ذلك ان السلطات الرومانية بإيعاذ من قادة اليهود ألقت القبض على بطرس ولكن تم الافراج عنه بعد ذلك . وعارض رئيس الكهنة ووجوه اليهود ضد بولس . والتمسوا من الملك طالبين عليه منه أن يستحضره إلى أورشاليم وهم صانعون كمينا ليقتلوه فى الطريق. ويقول بولس : من أجل ذلك أمسكنى اليهود فى الهيكل وشرعوا فى قتلى , سفر أعمال الرسل فى النصف الأو ل من القرن الميلادى الأول قتل اليهود نائب القيصر وفى الاسكندرية قتلوا أهلها المصريين فقاتلوهم ، وسارع قيصر إلى التهدئة وسمح لليهود بانتخاب نقيب يقضى بينهم وفق رسومهم وأحكامهم .
اليهود وتذكرة قبل أن نفقد الذاكرة – د. رمضان حافظ 1997 القاهرة
وفى رسالة من بولس لأهل روما قال : إن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية ، كما هو مكتوب إنه ليس بارا ، ولا واحد ، حنجرتهم قبر مفتوح ، بألسنتهم قد مكروا ، سم الأصلال تحت شفاههم . وفمهم مملوء لعنة ومرارة ، أرجلهم سريعة لسفك الدماء ، فى طرقهم اغتصاب وسحق . وطريق السلام لم يعرفوه . ليس خوف الله قدام عيونهم . كانت أورشليم فى القرن الأول الميلادى أشبه بأتون يغلى . الحكم فاسد ويتولاه يهود تحت إشراف الرومان . والغلاء والبلاء والمرض والفوضى تسود فى كل مكان . وأخذت عصابات الجائعين تهاجم أغنياءهم وتوسعت عمليات القتل بالآلاف , كذلك حدثت مصادمات بين اليهود وسائر الأهالى فى قيصرية ودمشق .وقتل كثير من اليهود وحرق اليهود عدة مدن . ضاق الرومان ذرعا بأعمال اليهود وفتنهم فقام القائد الرومانى تيطس بالاستيلاء على أورشليم وأوقد النار فى المعبد وأتى عليه تماما وسيق عشرات الآلاف من اليهود للذبح أو للالقاء بهم للأسود كى تأكلهم فى ملاعب الرومان على مشهد من الناس . وحدث هذا المشهد الدموى التدميرى فى عام 70 م وصدر قرار بحظر وجود اليهود فى فلسطين فبدأوا عهد الشتات الكبير والطويل حتى 1948 وتم هدم أورشليم ككل وأصبحت مجرد خرائب لعشرات السنين . وحدث نوع يمكن أن نسميه ملحق فعندما تصور اليهود أنهم يمكن أن يتسللوا من جديد إلى أورشليم ، قام الامبراطور هادريان بإبادة هذه الفلول ومسح أورشليم من على الأرض بالمعنى الدقيق للكلمة حتى لاتكون هناك أى إمكانية لعودتهم وبنى مدينة جديدة باسم جديد ! وكان ذلك فى حوالى 135 م وسمى المدينة الجديدة ايليا كبتولينا وكانت على الطراز الوثنى تماما تماثيل لفينوس وجوبيتر وملاه وغير ذلك والآن لنعد لنص الآية الكريمة مرة أخرى بعد كل هذه السياحة فى التاريخ لنرى كل هذه الدقة فى وصف الحدث : ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا لايمكن وصف ما حدث فى القدس بكل هذه الدقة وكل هذا الاختصار . ويتبروا ماعلوا تتبيرا أى يسوون كل المبانى بالأرض تسوية كاملة المسجد وغير المسجد من قصور وبنايات شامخة . وبالفعل فقد جاءت أورشليم على الأرض فى المرتين أى سويت بالأرض تماما . ولا يوجد أى حدث آخر يجعل الأمر محل شك . وهو الأمر الذى أكده القرطبى ومعظم المفسرين القدامى والمعاصرين . والحديث هنا عن المسجد وسنقف طويلا عند كلمة المسجد ولكن نكتفى الآن بالتذكرة أن السورة بدأت بالمسجد الأقصى كما أن المسجد مصطلح اسلامى بلا خلاف وهو بيت الله بالهيئة التى نعرفها . فالحدثان جريا بلا مراء فى القدس أو أورشليم ولنلحظ أن القرآن لم يذكر أى اسم للمدينة واسمها تغير كثيرا حتى استقرت على القدس أو بيت المقدس ، المهم هو وجود المسجد الأقصى بها . وهو موجود منذ أزمان بعيدة ، كما سنتناول ذلك فى دراسة منفصلة . انتهى تفسير الآيات الأولى من سورة الاسراء

  • – 24 –

الشيخ يوسف القرضاوى يأخذ بنفس الرأى الذى طرحته حول الآيات الأولى من سورة الاسراء

بعد كتابة هذه الدراسة اضطلعت على التالى فى موقع الدكتور يوسف القرضاوى السؤال: نرجو من فضيلتكم إلقاء بعض الضوء على تفسير الآيات التي وردت في أوائل سورة الإسراء عن بني إسرائيل، وإفسادهم في الأرض مرتين، وعقاب الله تعالى لهما على كل مرة بتسليط من شاء من عباده عليهم.  جواب فضيلة الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: المقصود بالآيات الكريمة من سورة الإسراء، هي قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا. وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا…} (الإسراء:4-8). وقد اختلف علماء العصر في بيان معاني هذه الآيات والمقصود منها، فمنهم من قال: إن مرّتي الإفساد قد وقعتا، قبل الإسلام، وعوقب بنو إسرائيل أو اليهود عليهما من الله سبحانه وتعالى، وإن اختلفوا في نوع الإفساد الذي وقع منهم وفي زمنه. والغالب أنه: استحلالهم المحرمات، ونقضهم العهود، وانتهاكهم للحرمات بين بعضهم وبعض، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، وتمردهم على أنبيائهم، إلى حد القتل، كما قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (البقرة:87)، وقد قتلوا زكريا ويحيى، وتآمروا على المسيح عليهم السلام، إلى آخر ما سجله القرآن عليهم من تجاوزات وانحرافات خطيره في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن.  كما اختلف المفسرون في حقيقة العقوبة التي نزلت عليهم، ومن هم الذين سلطوا عليهم. جزاء ما صنعت أيديهم؟ وأكثر الأقوال أن أولى العقوبتين كانت تسليط البابلين عليهم، فهزموهم شر هزيمة، وأزالوا دولتهم، وخربوا ديارهم، وحرفوا توراتهم، وأخذوهم أسرى إلى بابل، فعاشوا في النفي المذل، والغربة الأليمة سبعين عاما.  وأما العقوبة الثانية، فكانت ضربة الرومان لهم، التي أنهت الوجود الإسرائيلي أو اليهودي من فلسطين، وفرقتهم في أنحاء الأرض، فلم تقم لهم قائمة بعدها، حتى جاءت الصهيونية الحديثة. ومنهم من قال: إنما وقعت مرة واحدة من المرتين، عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وعاهد بني إسرائيل في المدينة، ثم غدروا به وعادوه وحاربوه، فكانت هذه هي مرة الإفساد الأولى، وقد عاقبهم الله عليها بتسليط عباد له أولي بأس شديد عليهم، وهم الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة معه، فحاربوهم وانتصروا عليهم. والمرة الثانية هي ما وقع من اليهود اليوم في فلسطين من تشريد أهل فلسطين وتذبيحهم، وتقتيلهم، وهتك حرماتهم، وتخريب ديارهم، التي أخرجوا منها بغير حق، وفرض وجودهم العدواني الدخيل بالحديد والدم والرصاص، وننتظر اليوم عقوبة الله تعالى لهم، بتسليط المسلمين مرة أخرى عليهم، كما سلط عليهم الصحابة أول مرة. وهذا ما ذهب إليه بعض علماء العصر مثل الشيخ الشعراوي والشيخ عبد المعز عبد الستار وغيرهما، مبينين أن المرة الأولى في إفساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهي ما قام به بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وأهل خيبر، من كيد وبغى على الرسول وأصحابه، وقد نصرهم الله عليهم. وكان العباد المسلطون عليهم هم النبي والصحابة؛ بدليل مدح هؤلاء بإضافتهم إلى الله بقوله: {عبادًا لنا}. أما إفسادتهم الثانية فهي ما يقومون به اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحرمات، وإهدار للحقوق، وسفك للدماء، وغيرها، حتى أصبحوا أكثر أهل الأرض نفيرا، بما يملكون من وسائل الإعلام والتاثير في العالم.  وسيتحقق وعد الله تعالى بتأديبهم وعقوبتهم وتسليط المسلمين عليهم كما سلطوا من قبل. تفنيدنا لهذا الرأي وأدلة ذلك: ورأيي أن هذا التفسير ضعيف لعدة أوجه: أولاً: أن قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} أي أنهينا إليهم وأعلمناهم في الكتاب، والمراد به: التوراة، كما قال قبلها: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} وما جاء في الكتاب أي أسفار التوراة يدل على أن هاتين المرتين قد وقعتا، كما في سفر تثنية الاشتراع. ثانيًا: أن قبائل بني قينقاع والنضير وقريظة لا تمثل بني إسرائيل في قوتهم وملكهم، إنما هم شرائح صغيرة من بني إسرائيل بعد أن قطعوا في الأرض أمما. ثالثًا: أن الرسول والصحابة لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل ـ كما أشارات الآية الكريمة ـ إذ لم تكن لهم ديار، وإنما هي ديار العرب في أرض العرب. رابعًا: أن قوله تعالى: {عبادًا لنا} لا يعني أنهم من عباده الصالحين، فقد أضاف الله تعالى الكفار العصاة إلى ذاته المقدسة، كما في قوله تعالى: { أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} (الفرقان:17)، وقوله: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} (الزمر:53). خامسًا: أن قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} (الإسراء:6)، يتضمن امتنان الله تعالى عليهم بذلك، والله تعالى لا يمتن على بني إسرائيل المفسدين بإعطائهم الكرة على المسلمين. سادسًا: أن الله تعالى إنما رد الكرة لبني إسرائيل على أعدائهم بعد أن عاقبهم في المرة الأولى، لأنهم أحسنوا وأصلحوا، كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ} (الإسراء:7)، واليهود ـ كما عرفناهم وشاهدناهم ـ لم يحسنوا ولم يصلحوا قط، ولذا سلط الله عليهم هتلر وغيره. كما يبتلي ظالما بظالم. وهم منذ نحو مائة سنة يمكرون بنا ويتآمرون علينا، ليسرقوا أرضنا، فمتى أحسنوا حتى يرد الله لهم الكرة علينا؟ سابعًا: أن الله تعالى قال في المرة الآخرة: { وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} (الإسراء:7)، والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر، ولم يتبروا ما علوا تتبيرا، بل لم يكن شأن المسلمين أبدًا التتبير والتدمير في حروبهم وفتوحهم. إنما هو شأن البابليين والرومان الذين سلطوا على الإسرائيليين. ثامنًا: أن ما أجمع عليه المفسرون القدامى أن مرتي الإفساد قد وقعتا، وأن الله تعالى عاقبهم على كل واحدة منهما، وليس هناك عقوبة أشد وأنكى عليهم من الهزيمة والأسر والهوان والتدمير على أيدي البابليين، الذين محوا دولتهم من الوجود، وأحرقوا كتابهم المقدس، ودمروا هيكلهم تدميرًا، وكذلك ضربة الرومان القاصمة التي قضت على وجودهم في فلسطين قضاء مبرما، وشردتهم في الأرض شذر مذر، كما قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ} (الأعراف:168). والواضح أنهم اليوم يقعون تحت القانون الإلهي المتمثل في قوله تعالى: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} (الإسراء:8)، وها هم قد عادوا إلى الإفساد والعلو والطغيان، وسنة الله تعالى أن يعود عليهم بالعقوبة التي تردعهم وتؤدبهم، وتعرفهم قدر أنفسهم، كما قال الشاعر: إن عادت العقرب عدنا لها  **  بالنعل، والنعل لها حاضرة! يؤكد ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (الأعراف:167).

  • – 25 –
  • التنبؤ بسقوط اسرائيل عام 2022 إساءة للقرآن الكريم وتثبيط لهمم الجهاد

هذا المقال كتب عام 2021 وهو الذى دفعنى للقيام بهذا التفسير للآيات الأولى من سورة الاسراء ، لأنه يحتج بها على حتمية نهاية اسرائيل دون تحديد رقمى . ولكن نبوءة انتهاء اسرائيل عام 2022 كانت مستفزة أكثر ومسيئة للقرآن الكريم والدين الاسلامى —— منذ عدة عقود انتشرت أدبيات التنبؤ بالغيب حول مواعيد يوم القيامة وعلامات الظهور الوشيك للمهدى ومن قبله المسيخ الدجال ، ثم أخيرا الموعد الدقيق لسقوط اسرائيل وتحديده بعام 2022 . هذه الأدبيات التى تعج بها المكتبات العربية تحض على الاستنامة وانتظار الفرج من السماء ، والتوقف عن الجهاد أو السعى للاصلاح ، ولماذا أقوم بذلك اذا كان المهدى سيظهر غدا أو بعد غد . أو إذا كان المسيح على وشك العودة من السماء . ولماذا يرهق الفلسطينيون أنفسهم طالما أن اسرائيل ستسقط العام القادم . الحقيقة إن فطرة الشعوب وإيمانها الطبيعى جعلها لاتنجذب عموما لهذه الدعوات رغم تأثر قطاعات لابأس بها بطبيعة الحال بتنبؤات يقولها مشايخ . الشعب الفلسطينى يحفر بأظافره فى الصخر ولا يفكر بالمواعيد وإن كان يؤمن بحتمية النصر . إن تحويل القرآن الكريم  إلى كتاب نوستراداموس المليىء بالتنبؤات الملتبسة هو إساءة للقرآن الكريم واعتداء على قدسيته . القرآن كتاب هداية وليس كتاب تنبؤات مشفرة ( عالم الغيب فلايظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) الجن 26 – 27   و( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) الأعراف 188 . بالقرآن سنن عامة تكشف عن توجهات المستقبل عموما دون أى تحديد لمواعيد أى شىء وهذه سنة الهية معروفة ومتفق عليها . فهناك انتصار الحق على الباطل ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) غافر 51 وأنا أستدل بهذه الآية وغيرها على أن الهزائم المتكررة على مدى قرن لبعض الحركات الاسلامية معناه أنها لاتسير على الطريق القويم . وهناك حديث للقرآن عن المستقبل كثيرا : يوم القيامة ومايجرى فيه بالضبط ومشاهد الجنة والنار . ولكن بدون تحديد مواعيد ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، فيما أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها ) النازعات 42 – 45   وان الاسلام سيكون الدين الظاهر أى الأكبر والأقوى تأثيرا ( ليظهره على الدين كله ) الصف 9 ولكن بدون إزالة للاديان الأخرى وهذا هو الوضع الآن .وسيكون أكثر فى المستقبل . وهذا كما نقول اتجاهات بدون أى مواعيد . إنباء القرآن بانتصار الروم كان معجزة سريعة خلال سنوات وانتهى أمرها وكانت لتثبيت المؤمنين وزعزعة المشركين .. ربنا سبحانه وتعالى أمرنا بالجهاد والأخذ بالأسباب ولم يأمرنا بالتنبؤات وهذا أمر يختلف عن التحليلات الاستراتيجية وتقدير الموقف السياسى والاقتصادى والعسكرى المحلى والعالمى واستخراج توقعات من ذلك ومن ثم خطوات وخطط معينة . ولكن ليس هذا تنبؤا دينيا . كثرة التنبؤات من علامات التخلف . وهكذا كان حال أوروبا فى عام ألف ميلادية و قالوا أنها نهاية العالم وكرروا ذلك عام الفين . بالنسبة لاسرائيل فإن هزيمة اليهود أمام المسلمين حتمية ولكن بدون مواعيد ( وان ليس للانسان الا ماسعى ) النجم 39 .لنتحدث المرة القادمة عن سورة الاسراء



– 26 –
وهذا المقال الثانى كان مقدمة لتقديم تفسير الآيات الأولى من سورة الاسراء كما تقدم.

شخص مخرب وغير مسئول ويمزق القرآن الكريم

الشخص الذى ملأ الانترنت بنبؤة زوال اسرائيل عام 2022 ،قمت بجولة سريعة فى فيديوهاته قبل أن أكتب إن شاء الله فى سورة الاسراء بعيدا عنه . سأله مذيع : ماذا سيحدث إذا لم تزول اسرائيل عاد 2022 ؟ ضحك كطفل شقى وليس كعالم مفترض : ستحدث فتنة وإيه يعنى الفتن كثيرة وتحدث . هذا رد غير مسئول . طبعا لن تحدث فتنة لأن معظم الناس لايهتمون بما يقول ، ولكن ستحترق هذه الشخصية التى شغلت الناس بعيدا عن قضية الجهاد . سأله المذيع عن رد فعل اسرائيل لما يكتبه خاصة وهو يعيش فى الأراضى المحتلة وكان الصحفى يقصد ( هل يتعرض لأى تهديدات) ولكنه رد بارتياح شديد وقال إن الاعلام الاسرائيلى استقبل دراسته بمنتهى الاهتمام والجدية خاصة واننى تحدثت عن دلائل من كتبهم المقدسة . والحقيقة إن اسرائيل لاتخشى شيئا من هذه الخزعبلات ولديهم من اليهود من يقول أكثر من ذلك ، ولكنهم يخشون من أصغر صبى فلسطينى يلقى على جيشهم حجرا أو بالونا حارقا . اسرائيل تريد للفلسطينيين وغيرهم من المسلمين أن ينشغلوا بموضوع الأعداد بدلا من الصواريخ ! ولكننى اكتشفت ماهو أخطر من ذلك . إن الاستاذ مزق القرآن الكريم وحوله إلى جداول جمع وطرح وقسمة فى كل الموضوعات وليس فى مسألة زوال اسرائيل فحسب . وهذا تمزيق حقيقى للقرآن وضرب لفكرة تدبرمعانى القرآن إلى عمليات رياضية . حتى انه يحاول بدون أى جهد ليثبت أن سورة الكوثر من دلائل زوال اسرائيل بحسابات رقمية وهذا مستوى عال من التهريج ، وأسوأ من التفسير الباطنى للقرآن الكريم . لا شك ان القرآن الكريم منظومة غير عادية من حيث التناسق بين الحروف والكلمات والأعداد ، هو بنية هندسية من صنع الخالق . ولكن يمكن استخدام هذه المنظومة بشكل مخرب باحصاءات ظاهرية لا معنى لها فى الحقيقة ، بينما قال الله سبحانه وتعالى وكرر ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) هذا كتاب لا نحتاج لكاهن أو حبر يستخرج لنا كنوزه فهى لألىء تلقيها أمواج القرآن على الرمال أمام عيوننا ، وبعضنا له علم وعقل منيب فيكتشف اللولوء الثمين والفريد فى أعماق المحيط داخل المحارات . ولذلك يدخل علماء الغرب الاسلام من خلال معرفة آية واحدة فى تخصصهم . د. عبد الرزاق نوفل هو النموذج المحترم للتعامل مع الاعجاز العددى ، لأنه أخذ بالتعداد الظاهرى للكلمات ، وقد اتبعت نفس المنهج فى دراساتى . الشىء الذى أسعدنى أن جمهور هذا الشخص ليس كبيرا وفى الفيديوهات يتحدث فيها لشخص واحد أو مجموعة صغيرة من  الأشخاص فى غرفة صغيرة . وأخيرا اكتشفت أنه مهتم بتكفير الشيعة وليس بتحرير فلسطين ، وهذا عمل تخريبى فى هذه اللحظة من الجهاد الفلسطينى الذى يعتمد على العون الايرانى فى الصواريخ وغيرها . سأغلق هذا الموضوع . ولنبدأ حديث العقلاء عن سورة الاسراء وزوال اسرائيل إن شاء الله .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading