بدأت مصر تعانى من الفقر المائى المدقع حتى قبل ظهور مشكلة سد النهضة الأثيوبى ، وذلك بسبب ثبات مواردها من المياه مع زيادة عدد السكان سنويا بأكثر من مليون نسمة . وهناك دول كثيرة لا تعانى من أزمة فى المياه بسبب ما تتمتع به من فائض فإن نقصت الموارد المائية أو زادت لا تتعرض لمشكلة إلا فى حالات الجفاف الاستثنائية .
ويزيد من مشكلة المياه فى مصر أن 97 % من مواردها تأتى من منابع نهر النيل من خارج الحدود وهو ما يعرضها لتهديدات سياسية تقلل من هذه الموارد .
حصة مصر من مياه النيل وفقا للاتفاقيات القديمة 55.5 مليار متر مكعب سنويا وتغطى الأمطار 2.3 % وهى تمثل 1.3 مليار متر مكعب سنويا . بينما احتياجات مصر السنوية قرابة 80 مليار متر مكعب ، ويتم سد هذا العجز من المياه الجوفية وإعادة تدوير المياه بعمليات التنقية الثنائية والثلاثية للصرف الصحى والزراعى ومن تحلية مياه البحر .
يتم انتاج أقل من نصف المليار سنويا من مياه محلاة من البحر للشرب وبعض الاحتياجات الحضارية .
ويتم تنقية وإعادة استخدام المياه بأكثر من 21 مليار متر مكعب سنويا ونحصل على 2 مليار ونصف المليار متر مكعب سنويا من المياه الجوفية غير المتجددة . وزير الرى 2024 . ولكنه يضيف 33 مليار متر مكعب كعجز محسوب من استراد مواد زراعية من الخارج كانت تحتاج لهذه الكمية من المياه لو تمت زراعتها فى الداخل .
وقد تراجعت مصر إلى أسفل من خط الفقر المائى منذ سنوات وهو يمثل ألف متر مكعب للفرد سنويا حيث أصبح نصيب الفرد الآن قرابة 500 متر مكعب وهو مايسمى فى العرف العلمى الندرة المطلقة .
ثم جاء سد النهضة الأثيوبى الذى أكتمل بناؤه هذا العام وهو يهدد على الأقل بحرمان مصر من 10 إلى 15 مليار متر مكعب سنويا وهو الأمر الذى يفاقم مسألة الفجوة .. والإفقار المائى مع ملاحظة تدهور الأوضاع أكثر فى سنوات الجفاف
.
المواجهة
1- مشكلة سد النهضة هى أكبر تحدى فى مجال أزمة المياه لأنها تقتطع من موارد مصر المائية الثابتة نسبة كبيرة تقارب الخمس وليس من الممكن تعويضها كمصدر نقى للمياه . وبالتالى فإن مسئولية النظام الحاكم عن حل هذه المعضلة أساسية بل هى فى قمة الأولويات لأنها مسألة وجودية . ومن الحقائق الثابتة أن مصر هبة النيل ، فهى حقيقة ساطعة فلولا نهر النيل لما وجد بلد اسمه مصر بهذه الخصائص التى نعرفها .
2 – سد النهضة مخطط اسرائيلى أمريكى للتحكم فى مصر ووضعها تحت الرقابة الاستراتيجية فى كل الأوقات وفى ظل كل الأنظمة المصرية المتعاقبة ، وليس عملية ساذجة لتعطيش مصر والقضاء عليها مرة واحدة لأنهم يعلمون أن مصر لن تستسلم بل ستقاوم ذلك بكل ما أوتيت من قوة وإمكانات ، ومصر لديها حكومة وشعبا قوى ومقدرات تمكنها من هزيمة هذه المخططات .
إنهم يستهدفون أن يكون محبس مياه النيل فى أثيوبيا لا فى بحيرة السد العالى حتى يتحكموا ويضغطوا على مصر فى الأمور الاستراتيجية التى يريدونها من مصر وما تمثله من ثقل وموقع استراتيجى .
كذلك فإن اسرائيل تستهدف الضغط على مصر للحصول على كمية من مياه النيل : مليار أو مليارين على الأقل .
3- يتعين على النظام المصرى أن يكون مدركا لمخطط تطويق مصر من الجنوب والشمال الشرقى من خلال التحكم فى المياه والغاز وضرب السودان واختراق شرق ليبيا واحتلال أو السيطرة على غزة . وفيما يتعلق بنهر النيل لابد أن تكون هناك خطة منظمة ودائمة للحكومة وأجهزتها لتعميق العلاقات بين مصر وهذه البلدان كدائرة خاصة ضمن الاهتمام بالدائرة الافريقية . وهذه الدول هى : الكونغو، وأريتيريا، وبوروندي، وكينيا، وأثيوبيا، ورواندا، وجنوب السودان، والسودان، وأوغندا، وتنزانيا،.
فلابد من زيادة حجم التبادل التجارى الذى يتوقف عند أقل من 3 مليارات دولارسنويا ، نصفه تقريبا مع بلد واحد هو السودان . و يتعين توجيه المستثمرين المصريين لإقامة مشروعات حيث لا تتواجد مصر ضمن أكثر الدول استثمارا فيها وفقا لاحصاء عام 2018 . كذلك لابد من عقد اتفاق تجارة حرة بين هذه الدول . وأن تكون السفارات فى هذه البلدان مكونة من أعلى الكفاءات بوزارة الخارجية وأن تتوسع فى عددها على أساس توسيع نطاق الاتصالات فى مختلف قطاعات المجتمع . تأسيس لجنة تنسيق بين الحكومات وتشمل عقد لقاءات دورية بين المجموعات الوزارية لتطوير التعاون المشترك فى مختلف المجالات .
4 – ربط هذه الخطة الحكومية بخطة شعبية متناغمة معها فى المجالات الاقتصادية والثقافية والرياضية والتعليمية والاسلامية مع دور الأزهر ومحاولة تأسيس مراكز بحوث تهتم بإفريقيا وبلاد النيل وتفتح فروعا فى هذه البلدان والاهتمام بافتتاح مكاتب اعلامية وصحفية لمراسلى الصحف المصرية والقنوات الاعلامية .
5 – الخطة الشعبية لا تكون ميسرة فى حالة التوتر السياسى المتزايد مع أثيوبيا وهى أهم هذه الدول لأن 86 % من نهر النيل يأتى من منابعها . ولكن يتعين تخصيص بعض الهيئات الخاصة لمحاولة التواصل السلمى والأهلى مع المجتمع الأثيوبى .
6 – الخطة الخشنة هى المرشحة مع أثيوبيا ولابد من خلق جبهة متفهمة لموقف مصر فى دول الحوض ، خاصة بعد ما حدث أخيرا من إغراق مصر والسودان بمياه فائضة بدون نذار مما أدى إلى خسائر كبيرة فى السودان وبعض الخسائر فى مصر ، وكذلك بناء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق . ثم تتولى القوات المسلحة توجيه ضربة فنية لسد النهضة تصيبه بالعجز عن العمل دون أن تؤدى إلى إغراق السودان ومصر. وقد تحدث متخصصون مصريون عن هذا الخيار. وتتضمن الخطة الخشنة قيام مصر بدعم قوى المعارضة الشعبية والمسلحة للنظام الأثيوبى .
7 – أهم ملامح خطة المواجهة الخشنة قد تكون هى البعيدة عن مسرح العمليات حيث أن هذا السد مشروع صهيونى أمريكى .. من خلال التهديد بتجميد أو إلغاء كامب ديفيد أو تقديم المساندة العسكرية واللوجستية الجادة للمقاومة فى غزة . وإن كان هذا واجبا فى كل الأحوال . ولكن ليكن هذا ورقة ضغط إضافية فى هذا الصراع الوجودى على ماء الحياة .
8 –
رفض وإلغاء أى اتفاق لتوصيل المياه لاسرائيل ورفض محاولة الامارات مد أنابيب مياه فى غزة بهدف توصيلها للكيان أساسا.
9- التصدى المماثل لنظام جنوب السودان الذى يسعى لبناء سد على النيل الأبيض الذى يغذى مياه نهر النيل ب15 – 20 % وهو ما سيؤثر بالضرورة على نصيب مصر من المياه .
10 – تعزيز التعاون السودانى المصرى فى هذه الأزمة حيث تأكد المصير المشترك للبلدين فى هذه الأزمة بعد خيانة حمدوك رئيس وزراء السودان السابق الذى وقع سرا اتفاق تفاهم كامل مع أثيوبيا من وراء مصر .. وكانت النتيجة أن قامت أثيوبيا بإغراق السودان فى الصيف الماضى . إن تضافر جهود أثيوبيا وجنوب السودان مع الدعم السريع يؤكد أهمية وقوف مصر مع سلطة الجيش السودانى لتعزيز وحدة السودان والقضاء على مؤامرة التقسيم . مصير مصر والسودان واحد والحفاظ على حقوقهما فى مياه النيل من بين ذلك . ولذلك فإن هزيمة الدعم السريع المخرب مسألة مصيرية مصرية كما هى سودانية . وهو ما يتطلب وقف هذه العلاقات المميزة مع الامارات فى بيع أصول مصر وشركاتها ، كما أن هذا البيع مرفوض فى حد ذاته مع أى كان .
الموارد الأخرى
1 – يتعين تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار فى الزراعة فى سيناء والساحل الشمالى بالاستفادة من تجميع مياه السيول فى سيناء والعودة للتوسع الزراعى فى الساحل الشمالى الذى تجود فيه زراعة القمح وبكميات وافرة .
2 – استمرار سحب المياه الجوفية غير المتجددة بحرص شديد للحفاظ على استمرارها أى مع تثبيت الحجم الحالى للاستخدام .
3 – مراعاة الاشتراطات الصحية بصرامة فى إعادة استخدام مياه الصرف الصحى والصرف الزراعى والمعايير العلمية العالمية معروفة فيما يتعلق بالتنقية الثنائية والثلاثية .
4 – الحل الجذرى لمشكلة البلاد فى المياه والزراعة يرتبط بتعاوننا مع السودان التى تملك عشرات الملايين من الأفدنة الصالحة للزراعة وتمتلك مياه وفيرة أكثر من مصر فى الأمطار والمياه الجوفية بالاضافة لحصتها من نهر النيل التى تبلغ 18 مليار متر مكعب والتى لم تستغلها كلية أبدا . وذلك استنادا إلى أن مصر تستهلك 80 % من مواردها المائية فى الزراعة .
5 – من الصحيح الاستمرار فى تحلية البحر كمورد للشرب فى السواحل مع ضرورة البحث عن تقليل التكلفة العالية باللجوء إلى النانو تكنولوجى وغيرها من الابداعات العلمية .
