إن أى تنمية اقتصادية ناجحة لا تتم بدون دور قيادى للدولة, وبالتالى فإن ما يروج فى بلادنا عن أن الاصلاح الاقتصادى يعنى انسحاب الدولة من الاقتصاد,هو كلام عفى عليه الزمان حتى فى بلاد الغرب، .ومع ذلك فنحن نركز الحديث من منظور التنمية: أى من منظور بلد تخلف عن ركب الحضارة ويريد اللحاق بها فى أسرع وقت ممكن.
التنمية المستقلة ليست مجرد مجموعة من المشروعات توضع على الورق ثم يتم تنفيذها على أرض الواقع. التنمية الحقيقية هى التى تنقل البلد من حال إلى حال وهى أشبه بالحرب التى تحتاج إلى قيادة مركزية حازمة ويقظة, وتحتاج إلى تعبئة شعبية, وحرارة فى التنفيذ, وشحذ للهمم، وتحتاج لتعديلات فى الخطة هنا أو هناك بناء على أى مستجدات تطرأ على الساحة.
ولا يمكن أن تتحقق التنمية بمجرد نشاط شركات عامة أو خاصة هنا وهناك بدون خطة تضع أولويات للعمل الاقتصادى الوطنى, وليس المقصود بالخطة تلك الخطط الجامدة التى كانت تنفذها النظم الشيوعية والتى حاكتها بعض الأنظمة العربية. التجارب الناجحة للتنمية اعتمدت على مجلس مركزى اقتصادى أو تنموى يضم ممثلى الحكومة والقطاع العام ورجال الأعمال والهيئات الشعبية (كالنقابات) ويضع الخطوط العريضة للتنمية من زاوية أولويات التركيز, وهو لا ينشغل بالأمور الاقتصادية بالمعنى الضيق بل بكل نواحى الحياة الاجتماعية التى تنعكس على الاقتصاد، كتطوير التعليم بما يتناسب مع أولويات التنمية ، و يقرر فى أى المجالات الاقتصادية يجب التركيز ,وما هى القطاعات الرائدة التى يمكن أن تقود قاطرة الاقتصاد. وما هى المجالات التى إذا تخصصت فيها البلاد برعت. وهذا المجلس تكون قراراته نافذة على جميع الأطراف و يكون فى حالة انعقاد دورى للمتابعة وتعديل المسارات ، كذلك فإن خطط هذا المجلس لا تكون بالضرورة رقمية فحسب, فهى تحدد الاتجاهات العامة، ولكن لابد أن تضع بعض المؤشرات الرقمية فى بعض المجالات ولو بصورة تقريبية حتى تظل هناك أهداف واضحة لحركة التنمية. ولابد من إقرار وتجاوب شعبى واقتناع عام بها حتى يتحمس الجميع لتنفيذها، وبالتالى لابد للهيئات الشعبية المختلفة أن تكون موافقة أو متوافقة مع الاتجاه العام للخطة.
والدولة هى التى تصدر من خلال المجلس التشريعى التشريعات المحفزة لخطة التنمية، وهى القادرة على تعبئة الموارد فى الاتجاه المطلوب,وعقد الاتفاقات الدولية التى تخدم الخطة,وتضبط أسعار الصرف ومختلف السياسات المصرفية,وهى التى تقودالعمل لتطوير التعليم,ووضع خطط البحث العلمى..إلخ.
وستظل الدولة هى العقل المركزى للمجتمع سواء فى فترة انطلاق التنمية أو ما بعد ذلك..
بل لا يقتصر دور الدولة على دور القائد والمنظم فقد يستدعى الأمر,وهو يستدعى غالبا أن تشارك بنفسها فى إقامة المشروعات الإنتاجية الضرورية التى لا يقوم بها القطاع الخاص عن تقصير أو عجز.هذا بالإضافة لمسئولية الدولة المستديمة عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين خاصة وأن كثيرا منها قد لا يحقق ربحا.
وحدة المبزانية
لا يمكن أن يتحقق الدور القيادى للدولة فى التنمية بدون توحيد الوعاء المالى للدولة فى إطار الميزانية العامة الموحدة للدولة وبالتالى لابد من دمج كل موارد الدولة فى هذه الميزانية .. دمج كل موارد الصناديق الخاصة أو تصفيتها وإلغاءها .. ودمج ميزانيات كل الهيئات العامة الاقتصادية فى الموازنة العامة ، ودمج مختلف الصناديق العامة فى الوزارات المختلفة ومن ثم مواردها فى الموازنة العامة ، مع الاحتفاظ بسرية النشاط الاقتصادى المتعلق بشئون الدفاع العسكرية أو كل ما يتعلق بالخدمات المقدمة للقوات المسلحة وأن تكون فى إطار وزارة الدفاع التى تقدم رقما إجماليا لميزانيتها وتناقش فى مجلس الدفاع والأمن القومى كما ينص الدستور الحالى .
