تقوم نظرية التنمية المستقلة,على أساس بالغ الأهمية,وهو أن تكون الخطة أو الخطط المشار إليها تستهدف إستراتيجية محددة, وهى إشباع الحاجات الأساسية لجموع المواطنين وبهذه الرؤية يتم تحقيق عدة أهداف بحجر واحد:
1.فإذا تم إشباع الحاجات الضرورية للمواطنين من خلال الإنتاج المحلى فهذا سيؤدى إلى تخفيض هائل للواردات، ويوفر المزيد من العملات الأجنبية التى يمكن توجيهها لاستيراد أمور أكثر أهمية,كبعض المواد الوسيطة للصناعة أو شراء أجهزة ومعدات وماكينات وآلات,وإن كانت خطة التنمية لا تستبعد بل تحتم صناعة الآلات والماكينات,ولكن ليس بالضرورة إن تغطى ذلك منذ البداية، وقد تستمر البلاد فى المستقبل لا تغطى كل احتياجاتها من الآلات, وقد تتخصص فى مجالات دون أخرى.
2.إستراتيجية إشباع الحاجات الأساسية تتضمن أن توجه الموارد الوطنية وفقا لخطة رشيدة تراعى الأولويات.ولا تبدد ثروات البلاد فى أمور ترفية.
3.وهذا يؤدى إلى ربط التنمية بالعدالة الاجتماعية, بضمان رفع المستوى المعيشى للأغلبية, وتحقيق التقارب بين الطبقات, وعدم الانزلاق لنوع من التنمية المشوهة حيث تعانى البلاد من حالة من الازدواجية، قلة تعيش فى رفاهية تقترب إلى مستوى الغرب وتحظى بمعظم ثمار النمو, وأغلبية لا ينالها إلا الفتات.
4. هذه الإستراتيجية لها دور أساسى فى رفع مستوى القطاعات الإنتاجية وترسيخ أقدامها خاصة فى الصناعة, فكثيرا ما يتحدث الناس عن الصادرات, وينسون السوق المحلى,فى حين أن الشركات الصناعية الكبرى لم تغزو الأسواق العالمية إلا بعد استيعاب السوق المحلى, فالعمل فى السوق المحلى مرحلة مهمة للإعداد، وهو الذى يضع الأساس لأسلوب الإنتاج الكبير. فإذا أخذنا مصر كمثال فنحن أمام سوق من 110 مليون مستهلك,وهذا سوق كبير يكفى لإقامة صناعة كبرى وتحقيق أرباح هائلة,وهو يحتمل المنافسة بين عدة شركات فى كل مجال من مجالات الإنتاج, وهى المنافسة التى تحافظ على الجودة وتطورها, وتساهم فى خفض الأسعار.أما التنمية القائمة على تطوير قطاع صناعى للتصدير,فهى تؤدى إلى حالة من الثنائية الاقتصادية ,أى تؤدى إلى خلق اقتصادين ومجتمعين داخل بلد واحد,قطاع صغير متقدم ماديا,والقطاع الأكبر متخلف.
وليس معنى خيار التركيز على إشباع الحاجات الأساسية,استبعاد الاهتمام بتصدير السلع الصناعية,بالعكس فإن الاتجاه للتصدير يعنى أن السلعة قد وصلت إلى درجة معقولة من الجودة.ولكن هذا الاهتمام يأتى فى إطار التصور العام الذى يركز على أولوية إشباع الحاجات الأساسية,وبالتالى فإن القطاعات التى تنجز ذلك يمكن أن تتجه إلى التصدير,وهذا بنسب متفاوتة من قطاع لآخر.أما القائلون بالاعتماد على قطاع صناعى للتصدير,فهم يستهدفون الحصول على أرباح مالية بالعملة الصعبة,يمكن الاستفادة منها فى تنمية القطاعات المتأخرة, أو استيراد احتياجات المجتمع من الخارج على ضوء توفر العملات الصعبة من التصدير.ولكن خطورة هذه الخطة أنها تبدأ بالاعتماد على الخارج.فماذا لو أصابت الصادرات نكسة لأى سبب خارجى أو داخلى خارج عن الإرادة؟ وماذا لو لم تكف موارد الصادرات لاستيراد الاحتياجات من الخارج نتيجة ارتفاع أسعار الواردات المطلوبة.
لم يعد التصنيع من أجل التصدير هو الطريق لتحقيق النمو الاقتصادى للدول النامية. بل صار الاستهلاك فى الأسواق المحلية هو الدافع للنمو، كما قررت منظمة الانكتاد التابعة للأمم المتحدة . سياسة الاعتماد على التصدير كرست لإبقاء أجور العمال عند مستويات منخفضة, باعتبار أن تلك هى الوصفة الرئيسية لتمكين قطاع التصدير من كسب ميزة تنافسية فى الأسواق العالمية. الأمر الذى لم يعد صالحا لمواجهة تداعيات الأزمة العالمية، لأن زيادة الأجور تحفز الطلب المحلى. ومن ثم تدفع النمو الاقتصادى).
الاعتماد على إستراتيجية إشباع الحاجات الرئيسية التزام أخلاقى ودينى، فكيف يوفر الاقتصاد كل مظاهر الحياة الترفية لأقلية بينما قسم هائلا منهم بل أغلبية بلغت 66 % وفقا لآخر تقرير للبنك الدولى يعانون من الفقر .
ووفقا لمبادىء الإسلام فإن توفير حد الكفاية لجميع المواطنين واجب على الدولة ، والمقصود بحد الكفاية حد الحياة الكريمة, حيث تتوفر له كافة الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج ووسائل مواصلات وقدرة على الزواج وتأمين اجتماعى وتعليم..إلخ، ويختلف حد الكفاية بين زمن وآخر، ومجتمع وآخر.نقول حد الكفاية لا حد الكفاف، فحد الكفاف هو مجرد المستوى الذى يبقى الإنسان حيا على ظهر الأرض.وهو أمر غير مقبول وفقا لأبسط مبادىء العدالة الاجتماعية.
والوصول لحد الكفاية يتم عبر الاستخدام الصحيح والمحكم للزكاة، وهى تكفى عادة، ولكن إذا لم تكف فباب الضرائب مفتوح على الأغنياء.
5.وبالإضافة للأهداف الأربعة التى تتحقق من إستراتيجية إشباع الحاجات الأساسية، فإن هناك هدفا خامسا هو أهم الأهداف طرا، وهو إقامة الاستقلال على أساس راسخ، فالبلد الذى يلبى احتياجات الجماهير الأساسية، لا يمكن أن يتعرض لحصار خانق أو يخشى ضغوطا سياسية خارجية، فأى بلد لن يتعرض لكارثة إذا منعت عنه فى ظروف حرب أو حصار أى سلعة ترفية أو كمالية, ولكنه سيتعرض لكارثة خطيرة إذا منع عنه الأرز أو القمح أو الوقود أو أى سلعة ضرورية مماثلة. كل المجتمعات الرشيدة والحريصة على استقلالها فإنها تسعى لتأمين الاكتفاء الذاتى فى السلع الضرورية, والتى يمثل توافرها ضمانا للأمن القومى والاجتماعى.
