برنامج الانقاذ الوطنى : امتلاك أسباب العلم والتكنولوجية من مبادىء استراتيجية التنمية المستقلة – مجدى حسين

من أسوأ المفاهيم التى تناوىء التنمية المستقلة, هى حالة الانكسار والهزيمة النفسية التى يشيعها أنصار التبعية, خاصة عندما يملكون وسائل إعلام مؤثرة, وذلك بالحديث عن الدول المتقدمة (وهى دائما أمريكا وأوروبا) بخشوع, وبأنها معيار الصواب، وأنهم فى البلاد المتقدمة يعلمون ونحن ممن لا يعلمون. وطالما أنهم تقدموا علينا ماديا فلابد أن نأخذ منهم كل إنتاجهم الفكرى والعلمى والتكنولوجى. ويدخلون فى روع الناس أن هؤلاء الأوروبيين أكثر ذكاء مننا, وعلينا أن نعترف بذلك وأن نتعامل معهم من موقع التلميذ . وهذه الحرب النفسية أشد هولا على الشعوب من قصف الطائرات, لأنها تدفعها للاستسلام قبل القيام بأى مواجهه أو حتى محاولة .

وقد خلق الله الناس متساويين, وما الدرجات التى بينهم إلا تفاوت محدود فى الحظوظ والقدرات, ولكنها ليست أساسا لتقسيم البشر إلى سادة وعبيد, وعندما سادت الحضارة العربية الإسلامية لم يكن ذلك لأننا كنا أكثر ذكاء من الغربيين, ولكن لأننا أخذنا بأسباب التقدم والحضارة أكثر منهم, وأضفنا إلى ذلك رسالتنا الإيمانية . لا يمكن لأمة أن تنطلق فى معارج التقدم الحضارى بدون امتلاك أهم أسباب القوة وهى العلم ، فالعلم هو مفتاح التقدم المادى فى المجالات المدنية والعسكرية على السواء. وإذا كانت العلوم الطبيعية ذات طابع عالمى فليس معنى ذلك أن نكتفى بالترجمة, فلابد أن تكون لنا إسهاماتنا العلمية, فالذى لا يساهم سيظل طول عمره فى موقع التلميذ البليد, وهذا لا يتأتى بدون تطوير قطاع البحث العلمى, وتطوير التعليم والجامعات. وليس صحيحا أن الغرب يحتكر الاكتشافات والتطورات العلمية وحده, فهناك إسهامات متزايدة من علماء الشرق ويقاس تقدم الأمم بعدد الأبحاث العلمية الصادرة عن كل دولة والتى تقدم جديدا فى مجال العلم, وتنشر فى مجلات علمية عالمية معروفة المستوى. ومن الوقائع الثابتة أن كل التجارب الأسيوية التنموية الناجحة اعتمدت على برامج مكثفة لتطوير التعليم، من زاوية رفع المستوى عموما، وإيجاد توازن بين التعليم النظرى والتعليم العملى (العلوم الطبيعية)، وإيجاد توازن بين التعليم العام والتعليم التطبيقى (الصناعىالزراعى. إلخ) على أساس احتياجات البلاد. وهذا يؤدى إلى خروج عمالة أكثر مهارة، ولكنه أيضا يضع الأساس العريض للنهضة العلمية، بانتقاء الأفذاذ والمتفوقين من هذه القاعدة وتحويلهم إلى مراكز البحوث. وتشير التقارير الاقتصادية الأخيرة إلى أن العمالة فى الدول الغربية والآسيوية تتجه خلال المستقبل لتكون فى معظمها من خريجى التعليم الجامعى .

البحث العلمى فى بلادنا كما تقول فينيس كامل وزيرة البحث العلمى السابقة صفر كبير)!

الأمر لا يقتصر على إسهام البلاد فى تطوير العلوم الطبيعية، وهو أمر ليس بعيدا عن تاريخنا المشرق ولا عن حاضرنا الذى أنجب علماء بارزين بمجرد الخروج من دائرة التخلف فى مصر بالسفر والعمل بالخارج. الأمر لا يقتصر على ذلك، بل يبدو الأمر الأكثر إلحاحا، هو الانطلاق فى مجال التكنولوجيا الرحب، والتكنولوجيا هى تطبيقات فرعية لا نهائية استنادا للحقائق والمعلومات العلمية.والتقنية ليست هى العلم النظرى تماما, بل لها خصوصياتها، فهى توليفة متباينة تستخدم فى تركيبها واختراعها نتائج البحث العلمى. فهى طريقة للإنتاج السلعى أو الخدمى, وبالتالى لا توجد توليفة واحدة تصلح لكل زمان ومكان وبالتالى تحدث علماء التنمية عن الاستقلال التكنولوجى.

بدون امتلاك الأمة لمعرفة تكنولوجية فسيصبح حديثها عن التنمية المستقلة أضغاث أحلام، لأن هذا الجهل سيجعلها مجرد مستورد (مستهلك) للآلة وقطع غيارها ووسائل صيانتها،

ولأن التكنولوجيا كما ذكرنا توليفة أو حالة مواءمة بين معلومات علمية معينة وبيئة محددة, فإن ما يصلح لبلد قد لا يكون مناسبا لبلد آخر.. وللشعوب إبداعاتها فى مجال آلات الزراعة والصناعة .ومن أمثلة ذلك الاعتماد على المشروعات كثيفة العمل قليلة الآلات للقضاء على مشكلة البطالة،ولتقليل التكلفة . إبداعات البشر عندما تنطلق لا يحدها حدود، فالمهم هو بث الثقة وتفجير الطاقات وشحذ الهمم واستدعاء الخبرات المخزونة لدى العمال والفلاحين والحرفيين. الانطلاق فى عالم التكنولوجية ضرورى للاستقلال، وهو مناسب أكثر لاحتياجات وظروف البيئة فهو أكثر إنتاجية وفائدة، وهو أقل فى التكلفة، ويؤدى إلى تشغيل عمالة وطنية فى هذه المجالات.

يروج الغرب لفكرة بناء مصانع للدول النامية بنظام تسليم المفتاح, و هذا الأسلوب هو الأكثر ربحية لدول الغرب لأنه سيعنى تصدير مصانع وآلات بمئات وآلاف الملايين، وسيضمن مواصلة الإمداد بقطع الغيار وإمكانيات الصيانة, وسيضمن تبعية الدول المتلقية لأنها لن تكتسب أى معرفة تقنية من استلام مصنع جاهز، إلا مجرد قيام العمال بتشغيل الآلات. وهذا الأسلوب لم يؤد إلى تنمية أى بلد فى العالم، فقد أدى إلى ظهور قطاع اقتصادى حديث أكثر تطورا وأكثر ربحية وأكثر دخلا للعاملين فيه، واستمرار معظم البلاد فى اقتصاد متخلف وهو ما يطلق عليه ( الاقتصاد الثنائى). وتقوم الخطة النظرية على أساس امتداد القطاع الحديث تدريجيا ليشمل البلد ككل. وهذا ما لم يحدث فى أى بلد من العالم لسببين أساسيين:

1 –أن الدولة المصدرة للتكنولوجيا ليس من مصلحتها تصدير كل شىء، فهى ستركز على بناء المصانع التى تنتج سلعا استهلاكية لسوق البلد المستورد والأسواق المجاورة أو تقوم بعمليات التجميع لا التصنيع وبالتالى لن تقدم منظومة متكاملة لبناء اقتصاد مستقل أو حتى اقتصاد رشيد.

2-أن الدولة المستوردة للتكنولوجيا ستصاب بالمديونية العالية فورا، فشراء المصانع تكلفته عالية، ويتم بشروط إذعان حيث لا تملك المساومة وأنت بلا بديل، والدول المستوردة تتعرض بسبب جهلها التكنولوجى أو فساد بعض مسئوليها لشراء أجيال منتهية الأهمية والصلاحية من الآلات أو مصانع ملوثة للبيئة. ويبقى أن الغرق فى الديون نتيجة مواصلة الاعتماد على الخارج يؤدى إلى وقف خطة تمدد القطاع الحديث ليشمل مساحات أوسع من البلاد.

وسنجد أن البلاد التى أصبح لها وجود مؤثر على خريطة الاقتصاد العالمى هى البلاد التى اقتحمت المجال التكنولوجى وأصبح لها خبراتها الخاصة وإنتاجها المتميز(الصينالهند ماليزيا وباقى النمور الآسيويةاليابانالبرازيل إيران – تركيا).

وتثار أيضا مسألة الفجوة التكنولوجية بين الدول المتقدمة ودول الجنوب على أساس التعجيز, فهؤلاء سبقونا بعشرات السنين، فإذا نحن بدأنا الآن فى التطوير، فهم أيضا لا يتوقفون عن التقدم, ولذلك ستظل الفجوة قائمة على الأقل إن لم تتزايد. وهذا الحديث الانهزامى لا يمت بصلة لسنن التطور، فالتحديات التى تواجه البشر تطلق عقولهم من عقالها وتحقق فى سنوات قليلة ما قد يحتاج لسنوات أطول فى غياب التحدى. كما أن الأمة التى تأخرت تدرس كل أسباب تقدم الأمم التى سبقتها وتبدأ من حيث انتهت. حقائق العلم معظمها مكتوب ومعروف، ولكن الهمم الهابطة وغياب العمل المؤسسى الجاد والهزيمة النفسية هى أسباب عدم توظيف هذا التقدم العلمى فى أعمال تطبيقية. ومن وسائل اللحاق بركب الحضارة إرسال الطلاب لمختلف جامعات العالم لامتصاص كل الحقائق العلمية الجديدة. ومن الوسائل أيضا القيام بما يسمى الهندسة العكسية, أى القيام بتفكيك الآلة أو الماكينة الأجنبية خطوة خطوة، وإعادة تركيبها من جديد لاكتشاف سر صناعتها. بل وصل الأمر إلى حد ما يسمى التجسس الاقتصادى وقدم الإنترنت أخيرا وسيلة أكثر نجاعة لاقتحام أسرار الشركات الصناعية بل والأسرار التكنولوجية العسكرية.

إن التنمية كما ذكرنا حرب بقاء أو فناء، لا توجد فيها مجاملات على المستوى الدولى ولا عواطف لذلك وفى محاولة يائسة لوقف عجلة التاريخ أظهر الغرب سلاح ما يسمى (الملكية الفكرية) وهو سلاح مصيره الفشل لأنه يتعارض مع سنن الحياة. فلا يمكن امتلاك الفكر ولا أسرار العلم والتكنولوجيا، فهى فى الأصل ميراث وملكية للبشرية جميعا، والتطور العلمى سلمته أجيال لأجيال وأمم لأمم. هناك حقوق ملكية لكتاب أو لاختراع لزمن محدد, أما كليات العلم فهى ملك للناس جميعا .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading