صاروخ خيبر يدخل الخدمة: الصواريخ تتحول إلى لغة تفاوض

قبل انعقاد المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة الأمريكية في سلطنة عمان (06/02/2026)، وجهت القوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية رسالة عسكرية قوية، عبر الكشف عن النشر العملياتي لصاروخ خرمشهر 4 المعروف بـ “خيبر” أيضاً، في إحدى مدن الصواريخ تحت الأرض التابعة للقوة الجوفضائية في حرس الثورة الإسلامية. فهذا الصاروخ يعدّ من أحد أكثر الصواريخ الباليستية بعيدة المدى تطورا في البلاد، ويبلغ 2000 كيلومتر وقادر على حمل رأس حربي يزن 1500 كغ. وبالتالي فالرسالة الإيرانية واضحة ومفادها: اليدّ على الزناد رغم الجلوس على طاولة المفاوضات، وأي اعتداء سيُقابل بضربات صاروخية غير مسبوقة، ومدى الصواريخ تحدّده إيران فقط.

ووفقاً لوسائل وسائل إعلام إيرانية رسمية فإن النشر العملياتي لصاروخ “خرمشهر 4” في مدن الصواريخ يوم الأربعاء، تزامن مع التحول المعلن في عقيدة القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية من الدفاعية إلى الهجومية.

فما هي أبرز المعلومات حول صاروخ خرمشهر 4؟

_ هو الجيل الرابع لسلسلة صواريخ خرمشهر الباليستية.

_ كشفت عنه وزارة الدفاع في الجمهورية الإسلامية لأول مرة في 25 أيار/مايو من العام 2023.

_ يبلغ مدى هذا الصاروخ 2000 كلم، أي ضعف المسافة ما بين آخر منطقة غربي إيران وبين شرقي فلسطين المحتلة، وعليه فإن القوة الجوفضائية قادرة على إطلاق هذا الصاروخ من معظم أراضي البلاد.

_يتسلح برأسٍ حربي يَزِن 1500 كغ، مِما يجعله أثقل رأس حربي بالمقارنة مع نظرائه من الصواريخ، ويتميز باستخدامه محرك صاروخي متقدم يدعى “أروند” ولوقود هايبرغوليك: وقود سائل سريع الاشتعال، يشتعل عند اختلاطه مع مكونات معينة). كما يمكن حفظ الوقود السائل داخل الصاروخ لِعدة سنوات دون استعماله (كما في حالة الوقود الصلب) وهذا ما يجعل الصاروخ دائماً بِوضعية استعداد دائِم للإطلاق، دون الحاجة لعملية ملئ الوقود التي تأخذ وقتاً طويلاً كما في الصواريخ ذات الوقود السائل (عادة ما تكون حوالي 30 دقيقة في وضعية عامودية على منصة ما يجعلها عرضة للاستهداف)، كذلك فإن عملية تحضير الصاروخ لإطلاقهِ تستغرق أقل من 12 دقيقة.

_ من الصفات المميزة فيه هي سرعتهُ التي تبلغ 16 ماخ خارج الغلاف الجوي و8 ماخ داخل الغلاف الجوي (ما يعني الصعوبة الشديدة لاعتراضه من قبل المنظومات الأمريكية والإسرائيلية). كما يتميز بإمكانية التحكم بتوجيه الرأس الحربي في المرحلة الوسطى من تحليقهِ خارج الغلاف الجوي.

_ تعتبر عملية إشعال الصاروخ سهلة وموثوقة، حيث أنها لا تحتاج لنظام إشعال بل يكفي فتح الصمامات، وهذا ما يجعلهُ مناسباً للصواريخ الفضائية أيضاً.

_يمكن أن تتنوع أشكال الرأس الحربي بحيث يُمكن أن يكون رأس حربي واحد تقليدي، أو رؤوس حربية متعددة ومستقلة وأصغر حجما داخل الرأس الحربي (ما يصطلح عليه باسم MIRV). ويستخدم الرأس الحربي لهذا الصاروخ محركات صغيرة(micro motors)  تُساعد في عملية التوجيه وتصحيح المسار خارج الغلاف الجوي للأرض.

ويمكن زيادة مدى هذا الصاروخ إلى ضعف المدى المُعلن عن طريق تقليل كمية الحشوة المتفجرة للرأس وزيادة كمية الوقود إلى جانب المحركات الصغيرة التي تعمل على تعديل مدى الصاروخ خارج وداخل الغلاف الجوي.

_نسبة الخطأ للصاروخ (CEP) تتراوح ما بين 10 الى 30 متراً فقط، وعند وصول الصاروخ لمرحلته النهائية واختراقه للغلاف الجوي، تصبح أنظمة التوجيه الخارجية فيه غير نشطة مما يُصعب عملية التشويش عليه. وعلاوةً على ذلك، فإن الصاروخ مزود بِنظام أمن سيبراني وكذلك ويستخدم الذكاء الاصطناعي خلال المناورات مِما يُمكنهُ من التهرب من أنظمة الدفاع الجوي والاعتراض الصاروخي.

_من بين المزايا الإضافية للصاروخ هو إمكانية استعماله للرادار والباحث البصري معاً أو أحدهُما إلى جانب الذكاء الاصطناعي لاستهداف الأهداف المتحركة أو البحرية بحسب نوعية المهمة.

ليس مجرد استعراض للقوة

في ضوء هذه المعطيات التقنية والعسكرية، لا يمكن قراءة الكشف عن النشر العملياتي لصاروخ “خرمشهر 4” بوصفه مجرد استعراض للقوة أو رسالة ردعية تقليدية، بل هو إعلان استراتيجي مركّب يعكس فلسفة إيرانية تقوم على الجمع بين الدبلوماسية الصلبة والقدرة العسكرية المتقدمة. فإيران، وهي تتجه إلى طاولة المفاوضات، لا تفصل بين السياسة والأمن، بل تُدخل ميزان القوة إلى صلب التفاوض، واضعةً خصومها أمام معادلة واضحة مفادها أن الاستقرار في المنطقة لا يُفرض بالضغوط ولا بالعقوبات ولا بالتهديد العسكري، بل بالتعامل مع إيران كقوة إقليمية تمتلك أدوات الردع والقدرة على فرض قواعد الاشتباك.

إن إدخال منظومات صاروخية بهذه المواصفات إلى الخدمة العملياتية يعكس انتقال الجمهورية الإسلامية إلى مرحلة جديدة في بناء قدرتها الردعية، حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط بامتلاك الصواريخ، بل بتطوير منظومات ذكية، دقيقة، وسريعة الاستجابة، قادرة على تجاوز منظومات الدفاع الأكثر تطوراً في العالم. وهذا التحول يرسل إشارة إلى أن أي حسابات للحرب لن تكون نزهة عسكرية، بل مواجهة مفتوحة على احتمالات استراتيجية معقدة قد تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في المنطقة بأسرها.

وعليه، فإن الرسالة الإيرانية اليوم تبدو مزدوجة المعنى: يدٌ ممدودة للحوار والتفاهم، وأخرى ثابتة على الزناد تحرس السيادة وتمنع فرض الإملاءات. وبين هاتين اليدين تتحدد معادلة المرحلة المقبلة، حيث لن يكون مستقبل المنطقة رهناً بقرار الحرب أو السلام فقط، بل بمدى قدرة القوى الدولية والإقليمية على استيعاب حقيقة أن ميزان الردع قد دخل طوراً جديداً، وأن زمن التفوق الأحادي في رسم مصائر الشعوب بات أقرب إلى نهايته من أي وقت مضى.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading