رسالة مفتوحة لفضيلة شيخ الأزهر .. ومفتى الديار المصرية .. وخطاب إلى الأمة – مجدى حسين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

بمناسبة استهلال شهر رمضان المعظم أتوجه إليكم جميعا بخالص التحية والاحترام والتهنئة بشهر الجهاد .

أدرك أن بلادنا تواجه فى هذه الآونة مشكلات شتى داخلية وخارجية وتمر منطقتنا وأمتنا بظروف عصيبة . ولكن أحسب أن الجرح النازف الأساسى الذى يثقل على أنفسنا وعلى عقيدتنا هى الأحوال المضنية التى يعيشها أهلنا فى أرض غزة وفلسطين وقد دخلوا العام الثالث فى إطار حملة صريحة للإبادة الجماعية وهم يقعون على حدودنا مباشرة وهم ينتمون لأمتنا العربية والاسلامية مسلمين ومسيحيين .

وكما ترون فإن ما يسمى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب الذى أعلنه ترامب ووافقت عليه 8 دول عربية واسلامية لايزال خديعة كبرى حيث أن ما يحكم غزة الآن مجلس سلام يرأسه دونالد ترامب ومجموعة من الصهاينة المتعصبين من إدارته وتم ضم المجرم نتنياهو إلى هذا المجلس وتونى بلير ، أى أصبح من يحكم ويتحكم فى القطاع هذا المجلس الأمريكى الصهيونى الاسرائيلى ، بينما تمنع لجنة التكنوقراط الفلسطينية من مجرد الدخول لغزة حتى الآن . ولم يتم الالتزام بوقف إطلاق النار من قبل العدو الاسرائيلى الذى قتل حتى الآن 603 شهيدا وأصاب 1618 آخرين .

ليصل عدد الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 72 ألف شهيد و172 ألف جريح . بالاضافة لمنع معظم الاحتياجات العلاجية والدوائية وعدم إدخال الغذاء والمياه والوقود بالقدر المتفق عليه . وتحويل معبر رفح إلى معبر اسرائيلى للتعذيب والاهانة ومصادرة الأموال والمتعلقات الشخصية للعائدين وهم بأعداد قليلة لا تزيد عن 50 يوميا . وفى نفس الوقت يجرى التوسع فى استباحة الضفة الغربية وتهويدها وتوسيع الاغتيالات فى الأراضى المحتلة عام 1948 بالمئات كل سنة . كما اقتربت ساعة صدور قانون اسرائيلى بإعدام آلاف الأسرى الموجودين بالسجون الاسرائيلية .

وفى ظل مايسمى مجلس السلام ومبادرة ترامب لتحقيق السلام فى الشرق الأوسط والتى تم توقيعها فى شرم الشيخ فلا يمكن تجاهل ما يقوم به العدو الاسرائيلى من قصف وقتل يومى فى لبنان ، واقتحامات يومية لجنوب سوريا .

إن مسئولية مصر حكومة وشعبا كانت كبيرة دائما باعتبارها الشقيق الأكبر لكل العرب وإن مسئوليتها تزداد عندما يكون مركز الجريمة على حدودها مباشرة حيث تمت إبادة وإصابة ما يقرب من ربع مليون غزاوى وهو رقم يفوق عدد ضحايا جريمة قصف أمريكا لمدينتى هيروشيما ونجازاكى بالقنابل النووية عام 1945 .

موقف الاسلام

الغرض من توجيه هذا الخطاب المفتوح لفضيلة شيخ الأزهر ومفتى الديار المصرية هو إجلاء وجه الاسلام من هذه الكارثة التى تجرى تحت عيوننا ونحن المسئولين مباشرة عن قطاع غزة والذى كان تحت الإدارة المصرية من عام 1948 وفقا لاتفاية الهدنة . كما استعادت مصر إدارة القطاع بعد الانسحاب الاسرائيلى فى فبراير 1957 بعد فشل العدوان الثلاثى ، وظل القطاع تحت الإدارة المصرية حتى يوم 5 يونيو 1967 . ومن ضمن خطايا اتفاقية كامب ديفيد أن النظام المصرى قبل استعادة سيناء وترك غزة فى براثن العدو ، تحت مسمى مشروع الحكم الذاتى الوهمى الذى لم يتحقق فى غزة ولا الضفة الغربية . علما بأن الحكم الذاتى يعنى البقاء تحت سيطرة الاحتلال للأبد . كما أعلنت اسرائيل فى خطاب مستقل فى كامب ديفيد أن القدس عاصمة اسرائيل إلى الأبد .

وعلى مدار 28 شهرا تجرى عملية إبادة جماعية شاملة للبشر فى القطاع وتدمير الحجر وكل المؤسسات ومئات المساجد وعدد من الكنائس ، بحيث أصبحت غزة تقريبا بدون مبان أو مؤسسات أو معدات أو ورش أو مصانع . ويصر العدو على الاستمرار فى احتلال أكثر من نصف القطاع والتحكم الكامل فى معبر رفح .

ونرى أن موقف الاسلام واضح تماما فى تحديد واجبنا إزاء الأشقاء وأن الله يأمرنا بدعمهم وأن نبذل من أجلهم الغالى والنفيس .” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ” . التوبة 71 .

بل إن ما حدث كان يفرض علينا القتال دفاعا عن الأشقاء المستضعفين الذين يواجهون أحدث الأسلحة الأمريكية بأيد عارية من أى سلاح مكافىء . “

وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ” البقرة 190

لا تقولوا إن هذه الدعوة تأتى متأخرة .. فقد دعوت لذلك مرارا من قبل فى العديد من الكلمات المقروءة والمسموعة . ولا تقولوا إن الحرب شبه متوقفة . إنهم يقتلون عشرة كل يوم فى المتوسط ويصيبون 20 . ومنع المرضى فى الحالات الخطرة وهم قرابة 18 ألف من السفر للعلاج يعنى وضعهم على قوائم القتل التدريجى كل يوم . وعدم إدخال الخيم والكرافانات أدى لمقتل العديد من الأطفال وكبار السن من شدة البرد والمطر وغدا من شدة الحر . والمياه الملوثة وغياب الصرف الصحى يؤدى للمزيد من الأوبئة . إنها خطة صريحة للإبادة البطيئة .

يردد الاعلام المصرى الرسمى أن اسرائيل لم تعتد علينا كمصر وأن هذا نزاع اسرائيلى – فلسطينى ، وأن مصر مجرد واسطة خير لوقف إطلاق النار ومحاولة إقناع العدو بإدخال المساعدات . ولكن النتيجة كانت هى ما أسلفنا ذكره باختصار . إن آية سورة البقرة الأخيرة لاتعرف الحدود المصطنعة التى صنعها الاستعمار بين مصر وفلسطين وبين مصر وغزة . إن الاعتداء على الغزيين وبهذه الوحشية التى لا مثيل لها والتى فجرت ثورات فى بلاد الغرب بما فيهم شرائح من يهود أمريكا ، هو اعتداء على مصر والمصريين كمسلمين وباعتبار أننا أمة عربية واحدة كما ينص البند الأول من الدستور الحالى وينص على أن دين الدولة هو الاسلام . وقد أقسم الحكام على الالتزام به وهو يتوافق مع نصوص الدين الاسلامى .

المادة 1
جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون.
الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي، تنتمي إلى القارة الإفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي، وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية.

المادة 2
الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

ويقول الله فى محكم تنزيله ” وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة “

التوبة 36

لقد قاتل مع الاسرائيليين أمريكيون وانجليز وألمان وجنسيات أخرى عديدة وصلت بإحصاء اسرائيلى أخيرا إلى 50 ألف مقاتل بجنسيات مزدوجة وليسوا من سكان اسرائيل وإن كانوا يهودا . وكان هناك مرتزقة أيضا من غير اليهود .

إن مشاركة بعض المسلمين من لبنان والعراق واليمن وإيران فى فترات مختلفة لمناصرة أهل غزة كان متوافقا مع هذا الموقف العقائدى ، وكنا ندعوهم للاستمرار دوما ، ولكن كان من المؤسف أن الدولة بحجم مصر وبحكم موقعها الملاصق لآ تقوم بأى عمل فعال لمضايقة العدو ولا نقول قتاله .

الآيات التى تفرض علينا القتال بحكم موقعنا ” قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ” التوبة 123 . وبحكم وزننا وبحكم ديننا الآيات عديدة .

ولكننا نسارع إلى القول انه وبعد 28 شهرا من الموقف السلبى لابد من الانتقال التدريجى للموقف الشرعى الصحيح .

نحن نستند لموقف شرعى بالمعنى الدولى وفى إطار ما يسمى القانون الدولى وفى إطار قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة وميثاق الأمم المتحدة التى تقر بأن غزة والضفة والجولان والقدس الغربية أراض محتلة . وهذا ما أكدته مؤخرا محكمة العدل الدولية . والمحكمة الجنائية الدولية تطلب من نتنياهو ووزير دفاعه السابق المثول أمام التحقيق . وتنص معاهدات جنيف الخاصة بالحرب على مشروعية المقاومة المسلحة للاحتلال ، حتى لا يخضع حكام العرب لتخرصات العدو عن سحب سلاح الرشاشات الخفيفة !! وتنص معاهدات جنيف على مسئولية الاحتلال عن توفير و إدخال كل احتياجات المدنيين . وتنص على مسئولية الدول المجاورة فى إدخال المساعدات لسكان الأراضى المحتلة إذا قصر المحتل فى توفيرها .

وبالتالى .

وبناء على كل ذلك نحن فى موقف شرعى قانونى دولى يساعدنا على الإرتفاع بالصوت وسط رأى عام عالمى شعبى مؤيد حتى فى الولايات المتحدة .. وأن نطالب بالانسحاب الفورى من غزة والمطالبة بفك الحصار عن معبر رفح وتدفق المساعدات بصورة طبيعية وفقا لتقدير المنظمات الانسانية الدولية وإذا لم يستجب العدو بعد إعطائه فترة زمنية محدودة بعدة أيام فإن الدولة المصرية تستطيع أن تختار السير فى طريقين أو المزج بينهما :

الأول : السير فى طريق العقوبات أو المقاطعة فى سلسلة متتابعة من الخطوات : تخفيض التمثيل الدبلوماسى – وقف التعامل التجارى بين التصدير والاستيراد مرة واحدة أو بالتدريج ولكن بمسافات زمنية قصيرة لأننا تأخرنا والحالة فى غزة أصبحت حرجة إلى الحد الأقصى – وقف رحلات الطيران المتبادلة مع الكيان – تخفيض السياحة والدخول إلى مصر عبر معبر طابا ولكن بنفس أسلوب الدرجات المتسارعة عندما لا يستجيب العدو لمطالبنا المشروعة المشار إليها – وقف صفقة استيراد الغاز الخ

الطريق الثانى هو الأسلوب الأكثر خشونة عن طريق تجديد المطالبة القديمة بالانسحاب من ممر فيلادلفيا ومن معبر رفح من الناحية الفلسطينية حيث كان الاحتلال خرقا صريحا لملاحق معاهدة السلام ، والانسحاب بصورة تسمح بممر آمن للمساعدات والدخول والخروج مع استمرار الاشراف الدولى والأوروبى والعربى بحيث لاتكون هناك قوات اسرائيلية تعترض طريق المساعدات والمسافرين . والقبول بغير ذلك يعنى الموافقة على استمرار احتلال غزة إلى الأبد وكأن 59 سنة لا تكفى أى من 1967 حتى 2026.

وإذا لم يستجب العدو تقوم مصر مع فرق منتقاة من الجيوش العربية والاسلامية بإدخال المساعدات بالقوة حتى وإن أدى ذلك إلى وقوع اشتباك عسكرى كما فعل معنا الاسرائيليون مقبل مرارا ولم نرد ، حتى انهم باعتراف الحكومة المصرية قاموا بقصف الجانب المصرى من معبر رفح 4 مرات وتمت إعادة ترميمه فى كل مرة . فإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانا كما قال المتنبى .

وقد سبق لعشرات من المثقفين والمناضلين المصريين أن وقعوا على عريضة يطالبون فيها بذلك ويتعهدون بأن يكونوا على متن هذه الشاحنات التى تدخل المساعدات عنوة وقد وقعت معهم .

ومن قال إن أمتنا يمكن أن يرضى الله عنها وهى تستنكف عن أى احتمال للتصادم مع المحتل على مدار 59 عاما ، بحيث انقضى العهد بجيلين على الأقل لم يجاهدوا فى سبيل الله بينما كل فلسطين والقدس وأجزاء من لبنان وسوريا محتلة , وقد قدر الله سبحانه وتعالى أن الحروب تفرض فى كل الأجيال وعلى المؤمنين أن يدافعوا عن أرضهم وعرضهم وثرواتهم وعقيدتهم بلا خلاف بل أجمع علماء الأمة أنه فى حالة الدفاع يكون الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة . وهذه فناوى مكتوبة فى أضابير الأزهر الشريف .

وليس بعد قول الله قول : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ” البقرة 216

وكما ترون فنحن لا نطرح موقفا متهورا ، بل لقد صبرنا حتى عجز الصبر عن صبرنا . صبرنا 78 عاما منذ عام 1948 ، وصبرنا 59 عاما منذ 1967 .

وماهى حجتنا التى عساها أن تنفعنا يوم نقف أمام خالقنا فى يوم لا ظل فيه إلا ظله جل شأنه .. هل سنقول له لقد خفنا من الموت أو ينكل بنا الأمريكان بينما اخوان لنا انتصروا على نفس الأعداء فى لبنان عام 2000 و2006 وفى فلسطين 2023 وفى مصر 1973 وفى العراق عام 2011 وفى أفغانستان عام 2021 وفى الصومال عام 1994 .

هل فزنا حتى فى الحياة الدنيا عندما تخلينا عن الجهاد واتبعنا أذناب البقر ؟ هل أحوال مصر أفضل ماديا ومعنويا ؟ عندما أسقطنا راية الجهاد والاستقلال والعزة .

إننا ندعو لاختيار أحد الطريقين أو المزج بينهما .. لأننا نرى أن حكومتنا لاتفعل هذا ولا ذاك ، ولا تملك إلا أن تطلب من ترامب وما أدراك ما ترامب هل لم تعرفوه بعد . ومن يمثل ؟ وماذا يستهدف ؟ . إن مجرد اللجوء إلى ترامب الابستينى لن يحقق لنا أى شىء سوى العار .

إننى العبد الفقير إلى الله مواطن مصرى أتعجن فى تراب الوطن .. أعرب عن استعدادى للمناظرة العامة والعلنية أمام الجمهور وعلى الملأ أو الهواء . مع فضيلة شيخ الأزهر الذى أجل مواقفه فى العديد من القضايا .. ومع فضيلة مفتى الديار المصرية أو من يتم انتدابه من قبلهما .

وأنت يا شعب مصر يجب أن تقول كلمتك ورأيك.. هذه مسألة حياة أو موت لنا جميعا فى الدنيا و عذاب أو مغفرة فى الآخرة .

“ ومالكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان “. النساء 75

وتقبلوا جميعا خالص تحياتى وتقديرى .

مجدى أحمد حسين

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading