في منتصف العام 2002، أجرت وزارة الحرب الأمريكية واحدة من أكبر المناورات الحربية في تاريخها الحديث، كانت ضد عدو مفترض وهي الجمهورية الإسلامية في إيران، عُرفت باسم ” تحدي الألفية 2002 – Millennium Challenge “، تحت قيادة القوات المشتركة الأمريكية ” JFCOM”، وامتدت من 24 تموز/يوليو إلى 15 آب/أغسطس، وبمشاركة 13500 فرد. وشملت المناورة تدريبات حية ومحاكاة حاسوبية، بتكلفة بلغت 250 مليون دولار أمريكي (أي ما يعادل حوالي 448 مليون دولار أمريكي في وقتنا الحالي)، لتكون بذلك أغلى مناورة عسكرية في تاريخ الجيش الأمريكي.
أُجريت مناورة MC02 كحرب افتراضية ستدور أحداثها في العام 2007، وكان الهدف منها اختبار “التحول” العسكري المستقبلي، أي الانتقال نحو تقنيات جديدة تُمكّن من خوض حروب شبكية، وتوفير قيادة وسيطرة أكثر فعالية على الأسلحة والتكتيكات الحالية والمستقبلية. وكان طرفا المُحاكاة هما الولايات المتحدة الأمريكية المشار إليها بـ”الأزرق”، ودولة وهمية في الخليج الفارسي يُشار إليها بـ”الأحمر” (كل الترجيحات كانت تدلّ على أنها إيران). وأسندت في حينه قيادة الفرق الأحمر إلى الجنرال المتقاعد من البحرية الأمريكية بول فان ريبر.
وقد كشفت تلك المناورة، رغم ما تم وضع من قيود على الفريق الأحمر وبالمقابل السماح للفريق الأزرق استخدام تقنيات غير موجودة حتى اليوم (كقاذف الليزر المستخدم عبر الطائرات)، خلال المراحل الأولى بل الدقائق الأولى منها (أقل من 10 دقيقة)، هشاشة الافتراضات الأمريكية بشأن طبيعة الحروب المستقبلية، بعدما تمكن فان رايبر، باستخدام تكتيكات غير تقليدية، من إلحاق خسائر فادحة بالقوة البحرية الأمريكية عبر هجمات صاروخية مكثفة ومنخفضة التقنية نسبيًا، اعتمدت على المفاجأة، والاتصالات البدائية، والانتشار غير المتماثل.
ففي بدايات المناورات، ولتلبية متطلبات الدخول القسري، وجّه الفريق الأزرق إنذارًا نهائيًا من 8 نقاط إلى الفريق الأحمر، وكانت النقطة الأخيرة هي الاستسلام. أدرك فان ريبر أي القائد العسكري للفريق الأحمر، أن القيادة السياسية لبلاده لن تقبل بهذا، معتقدًا أن ذلك سيدفع القوات الزرقاء إلى التدخل المباشر. وبما أن إدارة جورج دبليو بوش في حينه (بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001)، كانت قد أعلنت عن “مبدأ الضربة الاستباقية”، قرر فان ريبر أنه بمجرد دخول مجموعة حاملات طائرات تابعة للبحرية الأمريكية إلى الخليج، سيبادر بالهجوم الاستباقي (وهو ما هدّدت به الجمهورية الإسلامية في إيران مؤخراً). وما إن أصبحت القوات الأمريكية في مرمى نيرانه، حتى أطلقت قوات فان ريبر وابلًا من الصواريخ من منصات إطلاق أرضية وسفن تجارية وطائرات تحلق على ارتفاع منخفض وبدون اتصالات لاسلكية لتقليل بصمتها الرادارية. وفي الوقت نفسه، شنت أسراب من الزوارق السريعة المحملة بالمتفجرات هجمات انتحارية. سرعان ما تعطل نظام رادار إيجيس التابع لمجموعة حاملات الطائرات القتالية، والذي يتتبع الصواريخ القادمة ويحاول اعتراضها، مما أدى إلى غرق 19 سفينة أمريكية، بما في ذلك حاملة الطائرات، وعدة طرادات، و5 سفن برمائية. وقال فان ريبر عن الأمر: “انتهى كل شيء في غضون 5 أو 10 دقائق”.
ما بين الأمس واليوم
عند إسقاط تلك التجربة على واقع الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم، يصبح السؤال مشروعًا: هل تملك طهران في عام 2026 قدرات تؤهلها لتحقيق نتائج مشابهة – أو حتى أكثر تعقيدًا – مما حققه فان رايبر في إطار محاكاة نظرية عام 2002؟ الإجابة الموضوعية، استنادًا إلى التطور الكمي والنوعي للقدرات العسكرية الإيرانية خلال العقدين الماضيين، تميل إلى الإيجاب وبقوة وثقة.
عام 2002، كانت إيران لا تزال في طور إعادة بناء قدراتها الصاروخية والبحرية بعد عقد من العزلة والعقوبات. صحيح أنها امتلكت آنذاك منظومات صاروخية متوسطة المدى وزوارق سريعة مسلحة، لكنها لم تكن قد طورت بعد شبكة متكاملة من الصواريخ الدقيقة والأسلحة الذكية والمتطورة، ولا منظومات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، ولا البنية المتقدمة للحرب السيبرانية والقيادة والسيطرة اللامركزية التي تميزها اليوم.
خلال السنوات اللاحقة، عملت طهران على بناء عقيدة عسكرية قائمة على “الردع غير المتماثل”، مستفيدة من دروس الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان. فتم توسيع ترسانة الصواريخ الباليستية والمجنحة، مع تحسين دقتها وقدرتها على اختراق الدفاعات. كما جرى تطوير صواريخ مضادة للسفن بمديات مختلفة، ونشرها على امتداد السواحل والجزر الاستراتيجية في الخليج وبحر عمان، بما يخلق بيئة نارية كثيفة في حال نشوب صراع بحري واسع.
إلى جانب ذلك، شهد سلاح البحرية التابع لحرس الثورة الإسلامية تحولًا نوعيًا، عبر الاستثمار في الزوارق السريعة المسلحة، والألغام البحرية الذكية، والطائرات المسيّرة البحرية، فضلًا عن منظومات الاستطلاع والرصد الساحلي. هذه الأدوات مجتمعة تعزز قدرة إيران على تنفيذ هجمات إغراق أو إنهاك ضد القطع البحرية المعادية، بأسلوب يشبه – بل يتجاوز من حيث التعقيد – مما حاكاه فان رايبر في مناورة 2002.
وعليه، فإن ما أعلنه الإمام الخامنئي منذ أيام، أن هناك سلاح أخطر من سلاح حاملة الطائرات، قادر على إغراقها الى قعر البحر، هو أمرٌ منسجم تماماً مع ما أصبحت عليه قدرات القوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية، كماً ونوعاً وتطوراً تقنياً. وهناك اليوم أيضاً، تنسيق أعلى بين الصواريخ الدقيقة، والمسيّرات، والقوات البحرية التقليدية وغير التقليدية، والدفاعات الجوية المحلية الصنع، إضافة إلى الخبرات العملياتية المتراكمة عبر السنوات. وبما وقتئذ لن تبقى الجمهورية الإسلامية في إطار الدفاع فقط، بل ربما تعمد الى سيناريوهات هجومية غير متخيّلة أصلاً.
الخنادق
