كابوس إخلاء المستوطنات الشمالية يتجدد

لم يعد شبح الإخلاء في شمال فلسطين المحتلة مجرّد احتمال عابر، بل تحوّل إلى كابوس متجذّر في وعي المستوطنين الذين لم يلتقطوا أنفاسهم بعد من صدمة الحرب السابقة. اليوم، ومع تجدّد المواجهة واتساع رقعتها في ظل الاشتباك الإقليمي المفتوح، يجد سكان المستوطنات الحدودية مع لبنان أنفسهم أمام معادلة قاسية: البقاء تحت النار أو ترك المستوطنات بسبب صواريخ المقاومة.
 فبعد نحو 16 شهرًا من النزوح والتفكك في المجتمعات الإسرائيلية، لم يعد كثيرون قادرين على تحمّل تكرار التجربة. الإخلاء، الذي سوّقته مؤسسة الاحتلال سابقًا “كإجراء وقائي”، بات في نظر المستوطنين عامل تدمير للنسيج المجتمعي، يفقدهم “قوة المكان” التي تشكّل أحد أعمدة المشروع الاستيطاني.
في مستوطنات مثل المطلة وشلومي ونتوعا، تتجلّى هذه الأزمة بوضوح. فنسبة العائدين بعد الحرب السابقة لم تكتمل، والبنى التحتية لا تزال تعاني من آثار الضربات، فيما تزداد المخاطر الأمنية مع تصاعد وتيرة الصواريخ والطائرات المسيّرة من حزب الله. ورغم ذلك، يفضّل كثيرون البقاء، حتى في ظل ضعف منظومات الإنذار المبكر، حيث قد لا تتجاوز مهلة التحذير ثوانٍ معدودة، أو قد تغيب كليًا.
ما يكشف عن مأزق استراتيجي عميق لدى “إسرائيل”. فسياسة الإخلاء التي اعتُمدت بعد 7 أكتوبر 2023 لم تنجح في تحقيق استقرار طويل الأمد، بل ساهمت في تعميق الشعور بعدم الأمان، وخلقت فجوة بين السكان والدولة. ومع تجدّد المواجهة، لم تعد الحكومة قادرة على فرض الإخلاء كما في السابق، ولا تملك بديلًا فعّالًا يضمن الحماية.
اقتصاديًا، تبدو الصورة أكثر قتامة. الزراعة والسياحة، وهما ركيزتان أساسيتان لاقتصاد الشمال، تلقتا ضربات متتالية. مزارع الدواجن تضرّرت، والإنتاج تراجع، فيما تحوّلت الأعمال الصغيرة إلى رهائن للحرب، تعيش على الحد الأدنى من الاستمرارية.
في المقابل، تحاول مؤسسة الاحتلال التخفيف من وطأة الأزمة عبر برامج دعم مؤقتة، إلا أن هذه الإجراءات تبدو أقرب إلى حلول لا تعالج جوهر المشكلة. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل يجب إخلاء المستوطنات؟ بل؛ هل يمكن ضمان عودة مستدامة إليها أصلًا؟
ما يجري في الشمال اليوم اختبار حقيقي للمشروع الاستيطاني في مواجهة حرب استنزاف طويلة. فالمجتمع الذي يقوم على فكرة “الأمن مقابل الاستيطان” يجد نفسه أمام واقع ينقض هذه المعادلة، حيث لم يعد الأمن مضمونًا، ولا الاستيطان مستقرًا.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن “كابوس الإخلاء” لن يغيب عن مستوطنات شمال فلسطين المحتلة.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading