بنت جبيل: ثقب أسود يؤكّد أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت

أسقطت بنت جبيل من جديد، أوهام بنيامين نتنياهو بـ”نظام جديد في منطقة الشرق الأوسط”، وأسقطت أوهام قادة جيش الاحتلال الإسرائيلي الذيم كانوا يظنون بأن عملية “المحراث الفضي” (اسم العملية البرية في العام 2026) ستكون بداية النهاية لوجود حزب الله وإعادة إنشاء منطقة عازلة أمنية في جنوبي لبنان ومنع عودة خطر “احتلال الجليل”، وأسقطت أيضاً أوهام أتباع أمريكا وإسرائيل في لبنان ودول المنطقة، الذي ظنّ أحدهم بأن الوقت قد حان ليركبوا على الدبابات الإسرائيلي من جديد ليصبح حاكم بأمر إسرائيل في لبنان. لتؤكد مدينة بنت جبيل من جديد، عبارة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله التي حفرت عميقاً في الوعي، بأن “إسرائيل هذه التي تملك أسلحة نووية وأقوى سلاح جو في المنطقة، والله هي أوهن من بيت العنكبوت!“، وأنها بالحق والتضحيات والصمود الأسطوري لمقاوميها: عاصمة المقاومة والتحرير.

فبنت جبيل، بالنسبة للكيان المؤقت وجيشه تمثّل، ما ذكره أحد قادتها العسكريين بـ”ليست مجرد مكان؛ إنها ذاكرة، ورمز، وثقب أسود نُسحَب إليه المرة تلو الأُخرى”. لذلك كان احتلالها هدفاً فاشلاً في حرب تموز/يوليو 2006، وحرب العام 2024 خلال عملية “سهام الشمال”. بالرغم من أن منع احتلالها، لا يعدّ هدفاً استراتيجياً مطلوباً من المقاومة، لكون عملها يعتمد بشكل رئيسي على استراتيجية “الدفاع المرن”، التي تعدّ أساس نظام المواجهة في الحرب غير المتماثلة.

أبرز تفاصيل معركة بنت جبيل 2026

_بدأ حصار المدينة في 9 نيسان/أبريل 2026، كجزء من مسرح العمليات في لبنان ضمن عملية زئير الأسد. وفي 12 نيسان/أبريل 2026، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية الدخول برية إلى بنت جبيل.

_ في الساعات الـ 48 التي سبقت بدء المعركة، تم احتلال قريتي رشاف وعيناتا لتشديد الحصار حول المدينة، التي تعرضت لقصف مدفعي وغارات جوية كثيفة، كما سجل استخدام القنابل الفوسفورية في المعركة.

_قبل المعركة، أجرى رئيس الأركان إيال زامير جولة تقييم للوضع في قرية القوزح بالقرب من المدينة.

_حشد جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يقارب 80% من نخبة قواته القتالية: ثلاث فرق 98، 162، 36 ، و6 ألوية مشاة نخبة من ضمنهما جفعاتي وغولاني، ولواءان مدرعان.

_حصلت الاشتباكات الأولى، داخل سوق المدينة وحوله، بما في ذلك مجمع موسى عباس، و”مثلث التحرير”، والمدرسة المهنية.

_ بحسب تقرير لصحيفة القدس، استخدم حزب الله تكتيكات قتالية مرنة، شملت الكمائن المخططة، وإطلاق النار من القناصة في المناطق السكنية، واستخدام الأسلحة المضادة للدبابات والعبوات الناسفة لإبطاء تقدم آليات جيش الإسرائيلي في أزقة البلدة القديمة الضيقة. وأشار التقرير إلى أن هذه التكتيكات أجبرت بعض القوات الإسرائيلية على الانسحاب من المناطق المحتلة، ومنعتها من تأمين البلدة بالكامل في المرحلة الأولى.

_ في 11 نيسان/ أبريل، أعلنت المقاومة إصابة دبابة إسرائيلية بشكل مباشر خلال اشتباكات في المدينة. وتقدمت وحدات مدرعة إسرائيلية على طول الطريق الرئيسي لبنت جبيل قرب حي العويني في محاولة للوصول إلى الملعب المحلي – وهو الملعب نفسه الذي ألقى فيه السيد نصر الله خطابه عام 2000. وبحسب التقارير الإعلامية الإسرائيلية، وصلت القوات إلى مسافة 300-400 متر من الملعب قبل أن تواجه مقاومة شديدة.

_في 12 نيسان/ أبريل، أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام، بأن جيش الإحتلال كان لا يزال يحاول صباح ذلك اليوم السيطرة على الأحياء المتبقية في بنت جبيل. وذكرت الوكالة أن الجيش الإسرائيلي كان يستخدم المدفعية المتمركزة على مشارف المدينة، بعد تكبده خسائر فادحة. وفي السياق نفسه، أفادت مصادر أمنية لبنانية لشبكات إخبارية أجنبية بأن الجيش الإسرائيلي كان يستخدم الطائرات المقاتلة والمدفعية والقنابل الفوسفورية في المعركة، وأنه تمكن من إغلاق جميع المداخل الرئيسية للمدينة والسيطرة عليها، لكنه لم يتمكن بعد من السيطرة على معالم المدينة الرئيسية.

_ منذ الأيام الأولى للمعركة، أدّى تكرار استهداف المقاومة للمدرعات الإسرائيلية، إلى جانب ضرب مواقع حساسة مثل تلة شمران ومثلث التحرير ومحيط مدرسة الإشراق، في كسر الاندفاعة الأولى للهجوم ومنع العدو من تثبيت أي موطئ قدم له.

_ خلال الأيام 14 و15 نيسان/أبريل، نفّذ المقاومون هجمات مباشرة ضد قوات الاحتلال داخل المدينة، في مؤشر واضح على استمرار الجاهزية القتالية والقدرة على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم رغم كثافة الضربات الجوية والمدفعية، وبما أكّد أن وحداتهم تعمل ضمن منظومة قيادة وسيطرة متصلة، من دون انقطاع عن القيادة المركزية.

_في 16 نيسان/أبريل، أفاد مندوب “الوكالة الوطنية للإعلام” بأن محاور بنت جبيل شهدت منذ الليل وحتى الصباح، اشتباكات في أحيائها بين قوات العدو التي تقوم بالتقدم والتوغل في مدينة بنت جبيل، وعناصر من المقاومة، تستعمل فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية.

_ خلال نهار 16 نيسان/أبريل، أخفقت القوات الإسرائيلية في تحقيق أي تقدم يُذكر على محور حي تل العوينة في بنت جبيل، والمؤدي إلى “ملعب التحرير” على مسافة 200 متر، رغم كثافة القصف الجوي والمدفعي، واستعانتها بآليات مسيّرة.

_في 17 نيسان/أبريل 2026، وحتى ما قبل بدء “وقف إطلاق النار”، كانت المقاومة لا تزال صامدة في المدينة، مانعةً بذلك احتلالها.

_ من أبرز الخسائر في صفوف الاحتلال هي إصابة قائد الكتيبة 52 في اللواء 401، المقدم أور يول، بجراح خطيرة في بنت جبيل ومعه عدد كبير من الجنود. ويعتبر أور يول هو الشخص المسؤول عن جريمة استشهاد الطفلة الفلسطينية هند رجب في قطاع غزة.

لماذا التركيز الإسرائيلي على هذه المدينة؟

وفقاً للمحلل العسكري في صحيفة هآرتس الإسرائيلية عاموس هارئيل، فإن التركيز على معركة بنت جبيل يكتسب طابعاً رمزياً بسبب خلفيتها التاريخية، وهو ما شرحه في مقال له: “ففي أيار/مايو 2000، ألقى حسن نصر الله خطابَه الشهير هناك، والذي شبّه فيه المجتمع الإسرائيلي بـ”بيت العنكبوت”، وذلك فور استكمال انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان. استمر هوَس إسرائيل بهذه البلدة في حرب لبنان الثانية، حين حاول الجيش السيطرة على الموقع الذي ألقى فيه نصر الله خطابه، وأصيب جنود خلال عملية أصرّ فيها قادتهم على رفع العلم الإسرائيلي في المكان والتقاط صورة “تاريخية”، بل طُرح حينها اقتراح، مفاده بأن يلقي وزير الدفاع آنذاك، عمير بيرتس، خطاب نصرٍ في البلدة. لكن تلك الحرب انتهت، كما هو معروف، بتعادُل مخيّب، ومن دون خطابات نصر، غير أن الأفكار السيئة لا تختفي دائماً، بل تنتظر الحرب التالية؛ لقد اقترح الكاتب غادي عزرا في مقال نُشر أمس أن يتم إحياء “نصر” إسرائيل على حزب الله (الذي لم يتحقق بعد)، عبر خطابٍ يلقيه رئيس الأركان إيال زامير في بنت جبيل، معتبراً أن ذلك سيكون إغلاقاً درامياً لدائرة، وبداية عهد جديد. سُئل العقيد (احتياط) حنوخ داوبا عن رأيه في هذا الطرح، والذي أُصيب بجروح خطِرة في سنة 2006 في أثناء قيادته سرية مدرعات خلال عملية إنقاذ جرحى في بنت جبيل، وحصل على وسام الشجاعة، فأجاب: “بنت جبيل ليست مجرد مكان؛ إنها ذاكرة، ورمز، وثقب أسود نُسحَب إليه المرة تلو الأُخرى. في العقيدة العسكرية، للحروب ضد جيوش نظامية قيمة معنوية لضرب الرموز، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى كسر تماسُك العدو وثقته بنفسه، لكن التطبيق التلقائي لهذا المنطق على “حماس” وإيران وحزب الله – في طهران وغزة ومستشفى الشفاء، والآن في بنت جبيل – ليس استراتيجيا، بل عبارة عن وهم، وهذا الوهم ينتهي دائماً بالطريقة نفسها: إعلان مقتل جنود يدفعون ثمن قرارات سياسية متهورة وغير مسؤولة، وقادة عسكريين يُرضون القيادة السياسية، بدلاً من الوقوف في وجهها وحماية حياة جنودهم”.

فما هي أبرز المعلومات حول مدينة بنت جبيل؟

_هي بلدة تقع في قضاء بنت جبيل ضمن محافظة النبطية في جنوبي لبنان، ويُقدَّر بأن نحو 30 ألف نسمة يعيشون فيها.

_تقع على بُعد أقلّ من 3 كم عن الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، بالقرب من قريتي عيناتا شمالًا ومارون الراس جنوبًا، ومقابل مستوطنتي أفيفيم ويرؤون.

_لبنت جبيل تاريخ في الصراع بين المقاومة الفلسطينية واللبنانية وكيان الاحتلال. ففي عام 1972، سيطر الجيش الإسرائيلي على بنت جبيل ضمن عملية “كالاحات 4”. وفي الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، أُعيد احتلال البلدة ضمن “عملية الليطاني”، وبقيت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي وجيش العملاء حتى عام 2000.

تواريخ الإخفاقات العسكرية الإسرائيلية في بنت جبيل

_ في 23 تموز/يوليو 2006، شنّ الجيش الإسرائيلي على المدينة عملية “الخطوط الفولاذية 2″، التي أسفرت عن مقتل 8 جنود حسب مزاعم جيش الاحتلال. ثم حاول مرةّ أخرى في 10 و11 آب/ أغسطس 2006، خلال عملية “تغيير الاتجاه 11″، التي قُتل فيها باعتراف إسرائيل: 35 جنديًا إسرائيليًا وأُصيب 410 جنود.

ونشير الى أن الإعلان الإسرائيلي المبكر خلال الحرب، عن احتلال مارون الراس وبنت جبيل، كان قد سجّل في خانة التقصير مما أدى إلى “زعزعة مصداقية أفراد الجيش الإسرائيلي”.

_في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بدأت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي بالتقدم نحو بنت جبيل من عدة محاور: محور عيناتا – عيترون – بنت جبيل، ومحور مارون الرأس – بنت جبيل، ومحور عين إبل – بنت جبيل. لكنها بعد 10 أيام من القتال الأسطوري للمقاومين عجزت عن احتلال هذه المدينة للمرة الثانية.

الخنادق

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading