تبييض السجون – مجدى أحمد حسين

تبييض السجون

تبييض السجون . لست أنا صاحب هذا التعبير فقد استخدمه البعض من قبل ولكن لم يواصلوا الصبر فى التأكيد عليه . واستخدمه لأن معناه معروف للجميع : إفراغ السجون كلية من كل المعتقلين السياسيين دفعة واحدة أو على عدة دفعات متوالية متتابعة فى فترة قصيرة .

“ تبييض السجون ” ليس تعبيرا سليما لأنه يوحى أن المساجين السياسيين وسخوا السجون والمطلوب تبييضها من أشكالهم !! والحقيقة فإن التعبير الأصح أن يقال : تبييض الدنيا وتسويد السجون أى جعلها سوداء مظلمة مغلقة إلا لقليل من عتاة المجرمين . وبالمناسبة فقد كتبت من قبل ما أعتقده من رفض فكرة العقاب الجنائى الطويل الذى يصل إلى المؤبد حتى بالنسبة لعتاة المجرمين الجنائيين وسأعود لشرح وجهة نظرى فيما بعد لأن موضوع المعتقلين السياسيين هو العاجل الآن .

أولا : إن المساجين السياسيين بعشرات الآلاف والتى تتراوح فيهم التقديرات بين 60 ألف و100 ألف هم أساسا نتاج الصراع السياسى والصراع على السلطة ، وليس بسبب الجرائم الجنائية .

ثانيا : الصراع على السلطة كان عملا خاطئا من الطرفين : معسكر 30 يونيو من ناحية ومعسكر الاخوان والتيار الاسلامى وحزب الاستقلال أما حزب النور فكان فى المعسكر الآخر : 30 يونيو . الصراع على السلطة ومحاولة الوصول إليها أو الاحتفاظ بها ليس خاطئا فى حد ذاته وليس جريمة ولكن لابد أن يجرى وفقا لآليات دستورية متفق عليها كعقد اجتماعى من خلال الدستور الذى أقر فى استفتاء نزيه باعتراف الجميع . وقد كان الانجاز الأساسى أو الوحيد لثورة يناير هو إقرار الآلية الديموقراطية عبر الصناديق الانتخابية الزجاجية . وقد أجرينا 5 استحقاقات انتخابية نزيهة باعتراف الجميع .

ثالثا : ستقولون معنى ذلك أن معسكر 30 يونيو هو المخطىء وأن معسكر الاخوان كان موقفه صحيحا وعلى الأول أن يعتذر للثانى ويعيد تسليم السلطة إليه لأن الاستيلاء على السلطة تم بشكل غير دستورى . وهذا ما ظل يقوله الاخوان من أول يوم أطيح فيه بالرئيس مرسى رحمة الله عليه حتى الآن . لا ليس هذا صحيحا من وجهة نظرى وهذا ما كنت أعتقده قبل دخول السجن من ضرورة الانسحاب من ما يسمى جبهة تأييد الشرعية .. وعندما سجنت فى 30 يونيو 2014 أرسلت مرارا رسائل إلى حزب الاستقلال طالبا الانسحاب مما يسمى جبهة دعم الشرعية وهددت بالاستقالة من رئاسة الحزب إذا لم يحدث ذلك . ولن أدخل فى تفاصيل صراعاتى داخل حزب الاستقلال لأن ليس هذا هو موضوعنا الآن ولكننى أشير فقط إلى أننى لا أتبنى الآن موقفا جديدا بل أتابع موقفا قديما لم أجد أحدا يستمع إلى فيه فى كل مصر حتى داخل حزب الاستقلال أو العمل سابقا .

رابعا : كيف تقول إن 30 يونيو لم تتبع الوسائل الشرعية الدستورية لتغيير حكم مرسى ثم تقول إنك كنت ضد جبهة الدفاع عن الشرعية وضد كل جبهات مستمرة منذ ذلك الوقت بقيادة الاخوان ؟!!

الأمر فى غاية البساطة رغم التعارض اللفظى . عقدة الأمر ومربط الفرس أن العقد الاجتماعى الذى كان بين المصريين كان زائفا وناقصا بصورة جوهرية .. لقد تبلور عقد اجتماعى فى ميدان التحرير بدءا من جمعة الغضب على أن ” الشعب يريد إسقاط النظام ” ولكن كان النظام يعنى شخص الرئيس حسنى مبارك وأسرته وحلقة ضيقة جدا من المحيطين به . وانضم المجلس العسكرى لهذا العقد صراحة إلى حد أن المجلس العسكرى انعقد بدون حضور الرئيس مبارك رغم أنه هو رئيس المجلس . وكان الجيش ضد التوريث وكان محقا فى ذلك بطبيعة الحال ولذلك كان انضمام الجيش بدباباته إلى الثورة حقيقيا وصادقا . وكان الشعب صادقا وهو يحتضن الجنود والضباط وكان فرحا بجيشه . وبارك الرئيس الأمريكى باراك أوباما هذا العقد الاجتماعى الجديد حرصا من الولايات المتحدة على الاحتفاظ بسيادتها على مصر وعلى اعتبار أنها قررت قبل ذلك بسنوات أن حكم مبارك قد انتهى عمره الافتراضى بالنسبة لها . وهذا ينقلنا إلى النقطة التالية .

خامسا : إن العقد الاجتماعى الذى تواضعت عليه الأمة كان فاسدا أو ناقصا بصورة جوهرية بل أصابه العوار . نحن فى جوهر الأمر أمة خاضعة للاحتلال الأمريكى بمعنى الاستعمار الجديد ، بمعنى السيطرة على القرار السياسى والاقتصادى فى البلاد بآليات تسمى الاستعمار الجديد أى بدون احتلال عسكرى مباشر . وبالتالى تحول شعار إسقاط النظام إلى مجرد تغيير مبارك وأسرته وقليل جدا من المحيطين له . وبقى الميثاق الغليظ مع أمريكا وكامب ديفيد والتطبيع مع الكيان . وظلت مصر بعد مبارك هى مصر مبارك فيما يتعلق بإجمالى السياسة الخارجية والاقتصادية وتم الاحتفاظ بكل الاتفاقات الدولية مع أمريكا والغرب . وظلت مصر تحت الاحتلال الذى يتدخل فى كل صغيرة وكبيرة : حتى فى قرار زراعة القمح . وحتى فى نوعية الضرائب حيث أشرفت السفارة الأمريكية على تمرير قانون الضريبة العقارية كمثال فى أواخر عهد مبارك . أقصد أن أمريكا كانت وراء إفقار الشعب وتخريب شئوننا الداخلية وأن الأمر لم يكن مقتصرا على التأثير على السياسة الخارجية .

وهكذا ظلت مصر خاضعة للاحتلال بينما كل هذا الملف الأساسى لم يكن مطروحا لدى أى من المعسكرين : معسكر 30 يونيو ومعسكر الاخوان ، وهكذا تحولت الثورة إلى صراع محموم على السلطة واهتم الاخوان بتأكيد أنهم شرعيون لأنهم جاءوا بانتخابات نزيهة . وهذا صحيح وكنا معهم من هذه الزاوية فحسب . ولكن الطرفان نسيا أن شرعيتهما هما الاثنان لا تأتى بالانتخابات وحدها فالرئيس اللبنانى الحالى عون جاء بانتخابات نزيهة عبر البرلمان ولكنه الآن فى أحضان أمريكا ويشكو المقاومة اللبنانية لمجلس الأمن لأنها تقاوم الاحتلال !!!

إن الطرفان افتقدا المشروعية لأنهما تصارعا تحت مظلة الاحتلال الأمريكى والتطبيعى وأغفلا أن تحرير مصر أولا يمثل المشروعية الوطنية أو المشروعية التاريخية التى تسبق الانتخابات ، بل الانتخابات وهى ضرورية ونتمسك بها تالية للتحرير .. تحرير الوطن ، وقد تترافق معه . ولكن الطرفان لم يؤجلا الاستقلال بل اعتبرا أن هذه القضية غير مطروحة أصلا أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى .

سادسا : دعوت فى مقالات من داخل السجن بتوقيع مختلف ونشرت فى جريدة الشعب الالكترونية قلت فيها كل هذه المعانى ودعوت للوحدة الوطنية بين المؤسسة الحاكمة والاخوان وسائر القوى الوطنية . دعوت إلى جبهة وطنية عريضة لتحرير مصر من الاحتلال الأمريكى والتطبيع .

والآن فى ظل هذه الصحوة العظمى التى تحققت فى هذه المعارك الكبرى من طوفان الأقصى حتى حرب إيران أكرر هذه الدعوة وأدعو إلى تبييض السجون بهذا المعنى .. فى إطار صحوة وطنية مصرية شاملة حيث تصطف جبهة عريضة من كل المصريين لتبييض مصر من أمريكا والتطبيع .

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون

الله أكبر والمجد لمصر

الله أكبر والمجد للعروبة

الله أكبر ولله الحمد

مجدى أحمد حسين

القاهرة – 27 إبريل 2026

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading