في تطوّرٍ لافتٍ، تقرّر تأجيل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب المتعلقة بترتيبات (اليوم التالي) في قطاع غزة، وسط تعقيداتٍ سياسيّةٍ وميدانيّةِ متزايدةٍ. ويأتي هذا التأجيل في ظلّ تباين المواقف بين الأطراف المعنية، إضافة إلى ضغوطٍ دوليّةٍ تدعو لإعادة تقييم الأولويات الإنسانيّة والأمنيّة.
ويرى مراقبون أنّ الخطوة تعكس صعوبة فرض حلولٍ سريعةٍ على واقعٍ شديد الحساسية، في وقت تستمر فيه التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار، وإدارة القطاع، وضمان الاستقرار، ومن المتوقع أنْ تفتح هذه التطورات بابًا لمشاوراتٍ جديدةٍ قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة، وفق معطياتٍ أكثر واقعية.
في هذا السياق، نقل المراسل العسكري لموقع (WALLA) أمير بوحبوط عن جهاتٍ أمنيّةٍ إسرائيليّةٍ قولها إنّه “خلال الفترة الأخيرة هناك اتجاه مقلق يتمثّل في استعادة حركة حماس لقدراتها في قطاع غزة، تحت قيادة قائد الجناح العسكري والزعيم الفعليّ في القطاع، عزّ الدين الحداد، الذي يدير ثلاث معارك متوازية تهدف إلى ضمان بقاء الحركة وإعادة بناء قوتها العسكرية”.
وأضافت الجهات نفسها، بحسب بوحبوط، أنّه في ظلّ المماطلة في المفاوضات حول (اليوم التالي)، ونزع سلاح القطاع وتسليم المسؤولية من حماس إلى جهة حكمٍ أخرى، يقود الحداد عدة مسارات في الوقت نفسه، طبقًا لأقوالها.
وطبقًا للمصادر فإنّ المعركة الأولى تُركّز على إعادة ترسيخ الحكم المدنيّ لحماس واستعادة السيطرة على الشارع في نحو 50 بالمائة من مناطق قطاع غزة. وفي هذا الإطار، يجري تفعيل أجهزة الأمن الداخليّ مجددًا، حيث تقوم بدورٍ مزدوجٍ: فرض النظام العام اليوميّ، وتنفيذ نشاطٍ استخباراتيٍّ داخليٍّ واسعٍ لكشف المتعاونين مع إسرائيل.
أمّا المعركة الثانية التي يقودها الحداد فهي معركة داخلية عنيفة ضدّ ميليشيات مسلحة وعصابات محلية سيطرت على مناطق مختلفة في القطاع، خاصة في الجنوب.
أما المعركة الثالثة، والأكثر أهمية من الناحية الأمنيّة بالنسبة لإسرائيل، فهي الاستعداد للجولة القادمة من القتال. ويشمل ذلك تجنيد عناصر جديدة، وتنظيم تدريبات ميدانية، وإعادة بناء منظومات الاستخبارات والمراقبة، بالإضافة إلى ترميم البنية التحتية تحت الأرض وتطوير وسائل قتالية.
وبحسب المحلل العسكريّ، فرغم أنّ الجيش الإسرائيليّ يقدّر أنّ قدرات التهريب لدى حماس تضررت بشكلٍ كبيرٍ، فإنّ الحركة ما تزال قادرة على تعزيز قوتها بوسائل محلية، من خلال إعادة استخدام مخلّفات ذخائر سلاح الجو وتحويلها إلى عبوات ناسفة قوية. كما تحاول استئناف إنتاج الصواريخ وقذائف الهاون باستخدام مواد بدائية، إلى جانب إعادة تنظيم مخازن الصواريخ التي دُفنت تحت الأنقاض أو لم تتضرر.
بالإضافة لذلك، لفت بوحبوط الى أنّ “أنشطة الحداد لا تقتصر على بناء القوة وتعيين القادة واستخلاص الدروس من القتال ضد إسرائيل، بل تشمل أيضًا عمليات أمنية مستمرة قرب ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، وإرسال خلايا أو منفّذين أفراد لمحاولات التسلل واستهداف قوات الجيش الإسرائيليّ، في إطار التحضير لمواجهة أوسع مستقبلًا”.
ونقل بوحبوط عن مصدرٍ أمنيٍّ اسرائيليٍّ قوله إنّ المؤسسة الأمنية ترى أنّ السبيل الوحيد لنزع سلاح حماس هو عبر عملٍ عسكريٍّ والعودة إلى القتال، واعتبر المصدر نفسه أنّ الوضع الحالي يخدم حماس، التي تعتبر الفترة المقبلة فرصة لترسيخ بقائها في الحكم، مستفيدة من تركيز إسرائيل على الجبهة الشمالية، وكذلك من الانتخابات المرتقبة في الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأجيل التعامل معها إلى أنْ يصبح الوقت متأخرًا، بعد أنْ تكون الحركة قد أعادت تنظيم صفوفها واستعدت لجولة قتالٍ جديدةٍ، على حدّ تعبيره.
وطبقًا لوزيرٍ إسرائيليٍّ، وهو عضوٌ في المجلس الوزاريّ الأمنيّ-السياسيّ المُصغّر فإنّ الخطة لا تعني بالضرورة دخولاً غير محدودٍ للقوات البرية مجددًا، بل هو بالأحرى عملية لاستكمال نزع سلاح القطاع.
وأوضحت مصادر أمنية في تل أبيب، كما أفادت صحيفة (إسرائيل اليوم) العبريّة، أنّه ما لم يتحقق في إطار الإنذار النهائي، سيتّم تنفيذه عبر قوات الجيش الإسرائيليّ.
وتابعت الصحيفة أنّه في غضون ذلك، ورغم تعذر الخوض في تفاصيل محاولات حماس لإلحاق الضرر بالقوات على الأرض، “إلّا أنّه من الممكن ملاحظة وجود حماس، والبنية التحتية التي تمتلكها، وما زلنا نرى بأمّ أعيننا هذا الوجود”.
وأردفت الصحيفة، نقلاً عن مصادرها الأمنيّة، “إنّ اكتشاف الأنفاق من قبل الجيش الإسرائيليّ لا يكشف إلّا ما تمّ اكتشافه، ولا يزال هناك المزيد من العمل المطلوب لحرمان حماس من قدراتها فوق الأرض وتحتها”.
وأوضحت الصحيفة أنّه “على الرغم من أنّ مصادر أمنية تزعم توقف جهود حماس التسلحية منذ سيطرة الجيش الإسرائيليّ على الخط الأصفر، إلّا أنّه لا تزال هناك عمليات تهريب متفرقة (بحسب معلومات المؤسسة الأمنيّة) للأسلحة إلى غزة عبر طائراتٍ مسيرةٍ، وأحيانًا عبر عمليات تهريب ثلاثية: من سيناء إلى إسرائيل، ومن إسرائيل إلى خان يونس، هذه ليست كميات كبيرة، لكنّ الأفعال تُظهر أنّ حماس لم تقرر إلقاء أسلحتها في الصراع ضدّ إسرائيل، وأنّ هذا الصراع سيستأنف عاجلاً أمْ آجلاً، وفقاً لمصالح غزة”، على حدّ تعبيرها.