ما دلالات تشكيل الشرطة الإسرائيلية وحدةً للتعامل مع قضايا التجسس الإيرانية؟

يعكس قرار الشرطة الإسرائيلية إنشاءَ وحدة خاصة للتعامل مع قضايا التجسس المرتبطة بإيران مؤشراً لافتاً على تصاعُد مستوى القلق الأمني داخل إسرائيل إزاء اتساع نطاق الاختراقات المحتملة؛ نظراً إلى أن إلحاق هذه الوحدة بوحدة الجرائم الكبرى “لاهاف 433” لا يقتصر على كونه خطوةً لتعزيز قدرات الملاحَقة والتحقيق، بل يعكس إدراكاً مؤسسياً بوجود ثغرات أمنية تستدعي بنيةً أكثر تخصصاً وكفاءةً في الاستجابة. ومن ثم، تتجاوز دلالات هذا القرار البُعد الإجرائي، لتثير تساؤلات أوسع بشأن طبيعة التهديد الإيراني، وحدود قدرة المنظومة الأمنية الإسرائيلية على احتوائه، وإذا ما كان إنشاء هذه الوحدة يمثل معالجة ظرفية للأعراض أم محاولة للتعامل مع اختلالات هيكلية أعمق بالداخل الإسرائيلي.

دلالات عديدة

يحمل تشكيل هذه الوحدة دلالات تتجاوز البعد الأمني المباشر، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية إلى إعادة تنظيم أدواتها وتوسيع قدراتها لمواجهة تهديدات أكثر تعقيداً وتشابكاً؛ حيث ترتبط هذه الدلالات بشكل مباشر بالسياق الأمني الذي تعيشه إسرائيل منذ بدء مواجهاتها مع إيران. ويمكن توضيح هذه الدلالات على النحو التالي:

1- محاولة تجنُّب إثارة النقاش العام والرقابة القضائية: يعكس إنشاء هذه الوحدة ديناميكيات التوازنات داخل الائتلاف الحاكم؛ إذ يسعى الوزراء ذوو التوجهات الأمنية، ولا سيما المؤيدون للنهج المتشدد تجاه إيران، إلى إظهار استجابة سريعة وملموسة للتهديدات المتصاعدة. وتتيح هذه الخطوة للحكومة إبراز تحرك مؤسسي واضح في مواجهة المخاطر الأمنية، دون الحاجة إلى مسار تشريعي قد يتطلَّب موافقات موسَّعة، أو يفتح المجال أمام نقاش عام واسع، فضلاً عن تقليل احتمالات إثارة جدل مبكر بشأن الرقابة القضائية على صلاحيات الوحدة واختصاصاتها، كما يرتبط تأثير هذه الخطوة على استقرار الائتلاف بمدى توافر الموارد الكافية والحماية السياسية اللازمة لعملها؛ فإذا نجحت في تحقيق نتائج ملموسة، مثل كشف الشبكات المرتبطة بإيران وتعطيل أنشطتها، فإن ذلك سيعزز السردية الأمنية التي تتبناها الحكومة، ويدعم تماسك الائتلاف.

2- مواجهة الوجود الاستخباراتي الإيراني داخل إسرائيل: يتمثل أحد الأهداف الرئيسية للوحدة الجديدة في التصدي للنشاط الاستخباراتي الإيراني داخل إسرائيل، الذي برز في تزايُد عمليات الاعتقال المرتبطة بأنشطة التجسس؛ حيث ألقت الشرطة خلال العامَين الماضيَين القبض على أكثر من (50) شخصاً يُشتبَه في تورطهم في أنشطة تجسسية لصالح إيران، ضمن نحو (38) قضية جرى الإعلان عنها رسمياً، كما أعلنت السلطات عن توجيه اتهامات بحق أشخاص يُشتبَه في قيامهم بتصنيع متفجرات بناءً على طلب جهة إيرانية، في إطار مخططٍ استهدف رئيس الوزراء السابق “نفتالي بينيت”. وقد دفع هذا التصاعد في القضايا المرتبطة بالتجنيد الاستخباراتي الإيراني، إسرائيل إلى إنشاء جناح جديد داخل سجن دامون في حيفا، مخصص للموقوفين على ذمة قضايا التجسس.

3- وجود محدوديات تشغيلية وضغط متزايد على قدرات الأجهزة القائمة: يعكس تشكيل الشرطة الإسرائيلية لهذه الوحدة وجود محدوديات تشغيلية وضغط متزايد على قدرات الأجهزة القائمة في مواجهة تنامي الملفات الأمنية؛ فمع اتساع نطاق الاشتباه واتساع عدد القضايا المرتبطة بالتجسس لصالح إيران، أصبحت الحاجة مُلحَّة إلى إنشاء كيان متخصص يُخفِّف العبء عن المنظومة القائمة، ويرفع مستوى التنسيق والمتابعة، ويُحسِّن سرعة الاستجابة، كما تُشير هذه الخطوة إلى أن البنية الأمنية الحالية باتت تواجه أعباءً تتجاوز قدرتها الاعتيادية؛ ما دفعها إلى إنشاء أداة مؤسسية أكثر تخصصاً للتعامل مع هذا النوع من التهديدات.

4- السعي إلى توسيع قدرات الأجهزة الأمنية في مجال المراقبة والتتبُّع: يمثل السعي إلى توسيع قدرات الأجهزة الأمنية في مجال المراقبة والتتبُّع أحد الدوافع المباشرة وراء إنشاء الشرطة الإسرائيلية وحدةً متخصصةً للتعامل مع قضايا التجسس الإيرانية؛ إذ يتيح هذا التوسيع تحسين القدرة على رصد الأنشطة المشبوهة مبكراً، وتتبُّع الشبكات المحتملة، وربط المؤشرات المتفرقة ضمن صورة أمنية أكثر وضوحاً، كما أن وجود وحدة منفصلة يعكس انتقالاً من المعالجة العامة إلى مقاربة أكثر تركيزاً، بما يسمح بتكثيف أدوات التحري والمتابعة، ورفع كفاءة الاستجابة للتهديدات المتطورة. ومن ثم، ستصبح الوحدة الجديدة أداة لتعزيز المراقبة الاستباقية، لا مجرد إطار إداري إضافي.

5- توزيع مسؤوليات المراقبة في البنية الأمنية الإسرائيلية: تَبرز هذه المبادرة الشرطية من منظور الحوكمة باعتبارها تحولاً نسبياً في آليات توزيع الأدوار داخل البنية الأمنية الإسرائيلية؛ فوفقاً للتقليد المؤسسي، تُناط مهام مكافحة التجسس ضد القوى الأجنبية بشكل أساسي بكلٍّ من جهاز الأمن الداخلي “الشاباك” وجهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”، غير أن إنشاء وحدة شرطية متخصصة يشير إلى محاولة تبني مقاربة تنظيمية تهدف إلى إعادة توزيع بعض مهام المراقبة، بما يسمح بخلق درجة من الازدواجية المؤسسية، أو التعامل مع الحالات التي تُصنَّف على أنها أقل خطورةً ولا تستدعي تدخلاً مباشراً من أجهزة الاستخبارات المركزية.

6- التصدي لمحاولة إيران تجنيد عناصر داخل إسرائيل: يمثل التصدي لمحاولات إيران تجنيد عناصر داخل إسرائيل أحد الأدوار المحتملة الرئيسية للوحدة الجديدة؛ إذ يُرجح أن تُكلف بمراقبة العملاء الإيرانيين المباشرين، وأيضاً مراقبة المواطنين أو المقيمين داخل إسرائيل الذين جرى تجنيدهم، أو الذين تحوم حولهم شبهات التعاون مع أجهزة الاستخبارات الإيرانية. ويعكس ذلك نمطاً مألوفاً في عمليات مكافحة التجسس السابقة؛ حيث أعلنت إسرائيل في أكثر من مناسبة عن كشف شبكات تضم أفراداً بدرجات متفاوتة من الارتباط أو التوافق الأيديولوجي مع إيران أو التنظيمات التابعة لها.

وفي هذا السياق، أفاد جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك”، في تقريره السنوي، بأن عدد المتهمين بالتجسس لصالح إيران بلغ (25) إسرائيلياً ومقيماً أجنبياً خلال عام 2025، في حين تم إحباط (120) عملية تجسس إيرانية منفصلة خلال العام ذاته، كما أشار التقرير إلى أن محاولات تجنيد إسرائيليين ارتفعت بنسبة (400%) في عام 2025 مقارنةً بعام 2024 الذي كان قد شهد بدوره زيادة حادة قياساً بالسنوات السابقة.

في المحصلة، لا يبدو تشكيل الشرطة الإسرائيلية وحدةً خاصةً للتعامل مع قضايا التجسس الإيرانية مجرد تعديل تنظيمي، بل يبدو مؤشراً على انتقال التهديد من مستوى الاختراقات الفردية إلى مستوى ضغط أمني متكرر يفرض على إسرائيل بناء آلية أكثر تخصصاً وسرعةً في الرصد والتحقيق، خاصةً مع اتساع الحديث الرسمي والإعلامي عن تزايد القضايا المرتبطة بإيران، كما أن إلحاق هذه الوحدة بـ”لاهاف 433″ يعكس إدراكاً مؤسسياً بأن المواجهة لم تَعُد محصورة في المسار الاستخباري التقليدي، بل باتت تتطلَّب إدماج أدوات الشرطة والتحقيق الجنائي مع المراقبة الاستباقية، وهو ما يشير إلى معالجة لثغرة تشغيلية عاجلة بقدر ما يكشف عن هشاشةٍ أعمق في جبهة الأمن الداخلي الإسرائيلي أمام أساليب التجنيد الرقمي واستغلال الثغرات الاجتماعية والسياسية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading