يبدو أن المقاومة الإسلامية في لبنان – حزب الله، قد بدأت معادلة الاغتيالات، مستخدمةّ بذلك المحلقات الإنقضاضية، لما شكلته من سلاح نوعي ذي مزايا تكتيكية وربما استراتيجية في الصراع مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. ففي الساعة 14:20 من نهار الإثنين 18/05/2026، وردًا على الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت سيارات مدنية لبنانية على الخط الساحلي بين مدينتَي بيروت وصيدا والتي أسفرت عن ارتقاء شهداء وعدد من الجرحى، استهدف مجاهدو المقاومة الإسلامية آليّة قائد الّلواء 300 التّابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مستوطنة شوميرا بمحلّقة انقضاضية، بعد أقل من أسبوع على تسلّمه لهذه المهام.



ففي 12/05/2026، أُقيم في “متنزه غورين” القريب من مستوطنة شوميرا، مراسم تسليم وتسلم قيادة لواء الجليل الغربي “برعام” (اللواء 300 – عو تسفت برعام/ المسؤول عن المنطقة الممتدة من رأس الناقورة إلى المالكية)، وذلك بحضور قائد المنطقة الشمالية الجنرال “رافي ميلو“، وقائد الوحدة 91 العميد “يوفال غيز”، وقائد الفرقة 146 العميد “بيني أهارون”. وقد تسلّم العقيد “أفيران ألفاسي” مهامه قائداً للواء 300، خلفاً للعقيد “عمري روزنكرانتز” الذي قضى عامين في هذا المنصب وينتقل الآن لقيادة اللواء 828 (المعروف باسم “لواء بيسلماخ” (بيسلاك سابقاً)، وهو لواء مشاة وآلية مخصص للتدريب والعمليات القتالية). مع الإشارة الى أن جيش الاحتلال قام بحجب اسم العقيد ألفاسي من خبر هذا الحفل على موقعه. وبالتالي فإن المقاومة قامت بالنار بالكشف عن هويته، وأظهرت قدرتها الاستخبارية العالية، على تقصّي تفاصيل التغييرات العسكرية، وربما ما هو أخطر وأهم من ذلك.

فشل إسرائيلي مقابل التفوق العسكري للمقاومة
لذلك تعكس العملية صراعاً استخبارياً حاداً حسمته المقاومة لصالحها عبر عدة مؤشرات أهمها: كشف الهوية المحجوبة، والرد المتناسب بالنار والمحلقات على الاعتداءات الإسرائيلية. فالردّ هذه المرة لم يقتصر على قصف مواقع أو تجمعات عسكرية، بل اتجه مباشرة نحو استهداف قائد ميداني مسؤول عن قطاع عملياتي حسّاس في المنطقة الأكثر احتكاكاً مع المقاومة على طول الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة. وهذا بحدّ ذاته يفتح الباب أمام احتمال تشكّل معادلة جديدة قوامها: “الاغتيال مقابل الاغتيال”، أو على الأقل “استهداف القادة مقابل استهداف المدنيين”.

العقيد عمري روزنكرانتز
كما تحمل هذه العملية أبعاداً تتجاوز الخسارة البشرية والمادية للاحتلال:
1)سلاح نوعي ومزايا فريدة: تؤكد المحلقات الانقضاضية قدرتها على الالتفاف فوق خطوط الدفاع الإسرائيلية والتحليق الانقضاضي المباشر لاصطياد الأهداف المتحركة بدقة متناهية. فهذا النوع من الوسائل يمنح المقاومة قدرة عالية على المراقبة والتعقّب والضرب الدقيق، مع هامش كبير من المرونة العملياتية، خصوصاً في مواجهة الأهداف المتحركة. كما أن المحلّقات الانقضاضية تُربك المنظومات الدفاعية التقليدية، بسبب بصمتها الصغيرة وقدرتها على المناورة والانقضاض المباشر، ما يجعلها سلاحاً مناسباً جداً لعمليات الاغتيال أو الاستهداف النوعي.
2)ردع متبادل: تؤسس العملية لمرحلة جديدة يصبح فيها كل قائد عسكري إسرائيلي هدفاً مكشوفاً وملاحقاً منذ لحظة تسلمه لمهامه.
3)توازن معلوماتي: أظهرت المقاومة امتلاكها لجهد استخباري ممتد وقادر على رصد العمق الأمني وحركة القادة العسكريين الإسرائيليين المسؤولين، مما قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية وعسكرية أشد خطورة على الاحتلال في المستقبل القريب. فهذا يعني أن المقاومة لا تراقب فقط تحركات الوحدات العسكرية الإسرائيلية، بل تتابع أيضاً التغييرات القيادية الدقيقة داخل بنية الجيش، وتملك القدرة على تحديد هوية القادة الجدد ومساراتهم وتحركاتهم الميدانية، رغم محاولة جيش الاحتلال إخفاء اسم ألفاسي من الخبر الرسمي المتعلق بالحفل. وهذا يطرح تساؤلات جدية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حول حجم الاختراق الأمني، ومدى قدرة المقاومة على بناء صورة عملياتية دقيقة عن القادة والوحدات والتحركات.
4)الضربة المعنوية النفسية: الأهم من ذلك، تحمل العملية رسالة نفسية واضحة إلى قادة جيش الاحتلال، مفادها أنهم لا يملكون أي حصانة، بل هم تحت مراقبة مباشرة منذ اللحظة الأولى. وهذا يفرض على الجيش الإسرائيلي أعباء أمنية إضافية، ويخلق حالة من القلق الدائم لدى الضباط الميدانيين، خصوصاً في الوحدات المنتشرة على الحدود مع لبنان.
كما أن اختيار اللواء 300 تحديداً ليس تفصيلاً هامشياً. فهذا اللواء يُعد من أبرز تشكيلات “فرقة الجليل” المسؤولة عن إدارة المواجهة مع حزب الله، وقد لعب أدواراً محورية في العمليات العسكرية الأخيرة على الحدود. وبالتالي فإن استهداف قائده يُعتبر استهدافاً مباشراً للبنية القيادية التي تدير الحرب في الجبهة الشمالية، وليس مجرد ردّ تكتيكي محدود.
