أى عاقل أو منصف لن يختلف مع حقيقة أن مصر على شفيرالانهيار وقد لخصت ذلك فى بث مباشر مساء الأحد 17 مايو 2026 ولنسميه البث رقم 1 . وفى بث الثلاثاء 19 مايو 2026 قلت إذا كانت المشكلة الأزلية لمصر ولكثير من بلدان العالم وعبر التاريخ أن الحاكم إذا استقر فى الحكم فإنه غالبا يريد البقاء للأبد حتى فى النظم الجمهورية بل ورأينا ذلك فى النظم الديموقراطية الغربية من خلال ضبط عملية الترشيح والانتخاب . إذا كانت هذه مشكلة مصر الآن فهناك سيناريو بقاء الرئيس مع تسليمه السلطات الفعلية للشعب من خلال ما يسمى الملكية الدستورية ولنسميها الجمهورية الدستورية فيكون كرئيس إيطاليا . حتى لا تدفع البلاد ثمنا يمكن تجنبه . ولنسميه البث رقم 2 .
لا أحتاج أن أؤكد أن خيارى الأول ودعوتى الأصلية هو ما جاء فى البث رقم 1 . دعوت النخبة والمثقفين مع تمنياتى بظهور عناصر ودماء جديدة فيها إلى التجمع المنظم لتحديد الموقف الوطنى من كل التطورات الخطيرة التى تمر بها البلاد التى يمكن تلخيصها فى : استمرار التبعية للولايات المتحدة والاصرار على التطبيع لقرابة نصف قرن مهما فعلوا فينا وفى أشقائنا – الغرق فى الاستدانة الخارجية والداخلية إلى حد الخطر الشديد : 164 مليار دولار دين خارجى + 11 تريليون جنيه دين داخلى – بيع الأصول المصرية بمنتهى الاستهتار خاصة لدول الخليج والامارات تحديدا – تعرض الطبقات الشعبية لعذابات شديدة لعدم إقرار حد أدنى عادل للأجور مع استمرار الارتفاع الجنونى للأسعار والإلغاء المتواصل لكل أشكال الدعم – كذلك انهيار الحقوق الدستورية للمواطن فى التعليم والصحة والنقل – أزمة الصناعة التى وصلت إلى إغلاق وتعثر 20 ألف مصنع وفقا لبرنامج الذكاء الصناعى بجوجل – أزمة الزراعة حيث تستورد مصر 70 % من احتياجاتها الغذائية والزراعية من الخارج – البحث العلمى = صفر كما قالت د. فينيس كامل وزيرة البحث العلمى التى قدمت برنامجا لتطوير البحث العلمى للرئيس مبارك فى أواخر أيامه فتركه جانبا وقال لها : المهم أن تتعاونى مع اسرائيل . ولا أعتقد أن الوضع تغير حتى الآن . العجز التجارى مع العالم وصل فى آخر عام إلى 51 مليار دولار . أرقام قياسية فى الفساد يرمز إليها ما أعلن مؤخرا عن استدانة رجل أعمال مصرى واحد 40 مليار جنيه من البنوك المصرية . صدور تشريع يطرد الملايين من مساكنهم المستأجرة . تدمير الأمن القومى المصرى بالصمت عن استيلاء الحبشة على موارد نهر النيل كلها والتحكم فيما تصرفه لنا كل عام . وفى ذات الوقت نعتمد فى الطاقة على الكيان بدفع 35 مليار دولار مقابل غاز كان أصلا ضمن حدود مصر البحرية الاقتصادية . واستيراد الغاز فوق ذلك من قبرص ولكن عبر شركة إنرجى الاسرائيلية . ترك اسرائيل تستولى على ممر فيلادلفيا بين مصر والقطاع بالمخالفة لملاحق معاهدة السلام + إغلاق معبر رفح واحتلال كل أراضى غزة وهو أمر من صميم الأمن القومى المصرى . وكذلك تتوثق علاقات مصر بالامارات ونبيع لها نسبة كبيرة من أراضينا وأصولنا وسواحلنا وموانئنا بينما تقوم هى بضرب الأمن القومى لمصر بتدمير السودان عبرقوات الدعم السريع . ولا أمن لمصر فى ظل هذا السودان الممزق . ولكننا كنا ولا نزال نعطيها مكافآت متواصلة على هذا العمل الجليل ! وعندما نختار بين السعودية والامارات ننحاز أكثر للامارات بينما السعودية هى الواقعة على حدودنا وهى دولة حقيقية وليست مصطنعة وإبراهيمية . والامارات تدمر أمننا القومى فى الغرب من خلال العلاقات مع حفتر . وهكذا فإن كل حدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية والشمالية غير آمنة .. بل تعيش مصر محاطة ومحاصرة بدائرة نيران جهنمية . بل تتساقط بعض القذائف الاسرائيلية على جنودنا وضباطنا على الحدود على سبيل ” الخطأ ” ونقبل الاعتذار فى كل مرة حتى عندما ضربوا معبر رفح من الناحية المصرية 4 مرات باعتراف مصرى رسمى . الخ
وبناء على كل ذلك وأكثر منه طالبت فى البث رقم 1 بتوحد كل الوطنيين المخلصين لتدارس كل هذه الأمور وتحديد الموقف الشعبى الوطنى منها ووضع الحلول والبدائل وهى متوفرة . ودعوت للاجتماع فى أماكن مغلقة : فى مقرات أحزاب أو نقابات أو غيرها وليس بالدعوة إلى التظاهر . ليس لأن التظاهر خطأ . بل لأن الواجب أن نبدأ بتوحيد الرؤى الوطنية الشعبية وحشد الشعب حولها وتقديمها لأهل الحكم كمرحلة أولى ضرورية . وعندما يرفضون التفاعل يكون الانتقال لمراحل أخرى : قد تكون جمع توقيعات على عرائض وتنتهى بالمظاهرات السلمية . وهذه ليست اختراعات فقد حدثت طوال تاريخنا المديد وحدثت فى كل بلدان العالم عندما يصل أى بلد إلى عنق زجاجة أو مفرق طرق أو استعصاء .
ولم يحدث أى رد فعل على هذا البث الأول إلا تحذير بعض المخلصين بأننى تجاوزت الحدود وأعرض نفسى للخطر .
وكان البث الثانى أمس الثلاثاء 19 مايو 2026 بعنوان ” رسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى ” وأعلم أننى أتقدم باقتراح شبه مستحيل .. سيرفض من كل الأطراف ولكننى تقدمت به – وأوافق عليه إذا حدث – لأقيم الحجة على كل الأطراف . وأنا- العبد الفقير – لست حكما بينهم ولكننى أقول وجهة نظرى والأجر على الله .
الأمثلة التى طرحتها لا تتطابق مع الوضع المصرى : فالملكية فى ماليزيا موجودة قبل وصول حزب مهاتير محمد للحكم . وكذلك الأمر فى تايلاند وكذلك فى انجلترا والدنمارك والنرويج .
أريد أن أقول إن وضع مصر الحقيقى الاقتصادى والسياسة والعسكرى أهم من تحديد من يحكم مصر . لقد جنح بى الخيال أو السذاجة نتيجة عزلى عن كواليس السياسة عقب سقوط مبارك ، فتصورت أن هناك اتفاقا وديا بين المجلس العسكرى والاخوان لعملية تسليم وتسلم للحكم وأن الاخوان كقوة شعبية يمكن أن تتولى الخلاص من الهيمنة الأمريكية عندما تتسلم الحكم . وكنت أحلل من بعيد فعندما رأيت أن المجلس العسكرى استعان بالمستشار طارق البشرى ود. عاطف البنا فى صياغة الوثيقة الدستورية تأكدت أن التفاهم كان على مستو عال . وكان هذا صحيحا ، فقد كان شهر العسل بين الاخوان والمجلس العسكرى . لم يكن البشرى والبنا من الاخوان بل أرى أنهما أقرب لحزب العمل فكريا منهما للاخوان ، ولكنهما سيعبران عن الاخوان وعن قوى الثورة . وعلاقتى الشخصية بهما كانت وثيقة للغاية وكان بيننا تشاور فكرى وسياسى مستمر فى الأيام الأخيرة لحكم مبارك . علاقتى بالمستشار البشرى كانت أقوى ولكننى عجزت عن الاتصال الهاتفى به . ولم أتمكن من ذلك إلا بعد الانتهاء من صياغة الوثيقة الدستورية وقانون الأحزاب فلم يكن للاتصال أى جدوى . وهذه الواقعة ليست مسألة شخصية فهذا مظهر من مظاهراستبعاد حزب العمل بصورة دائمة . فأنا لست شخصا فأنا أمثل هذه المدرسة أو حزب العمل ومشاركتنا فى الصياغة كانت مهمة وواجبة . كنا الحزب الوحيد الذى طبع مقال طارق البشرى الذى يدعو للعصيان المدنى فى أواخرأيام مبارك . ولم يكن هذا هو موقف الاخوان مثلا .
كنت من بعيد أشعر بالاطمئنان ولا أنشغل كثيرا من استبعاد حزب العمل من أى خطوة . المهم أن يتقدم البلد خطوة للأمام . ولكن الجانب الخيالى أو الساذج كان فى تصور أن الاخوان والمجلس العسكرى كانا متفقين على الخلاص من الهيمنة الأمريكية .. ولم تستند هذه الرؤية عندى لأى دليل أو مؤشر سوى التفكير بالتمنى :
wishful thinking
فقد كان الواقع عكس ذلك تماما .. فقد كان كل طرف ستعين بالأمريكان على الطرف الآخر وعندى من التفاصيل الموثقة عن ذلك كثير وسأكتبها يوما ما . وهذا ما علمته واكتشفته بالتدريج بعد صدور الوثيقة الدستورية وكنت متفقا معها بشكل عام .
البوصلة كانت دوما فى يدى تتجه إلى عكس اتجاه الأمريكان . ولذلك أيدت فى مقال لى المشير طنطاوى والمجلس العسكرى عندما رفضوا بقوة قرض صندوق النقد الدولى وكان ذلك فى صحيفة الدستور وكان لى عمود يومى فيها حتى تم منعى فى مرحلة لاحقة . وكانت حكومة شرف المسماة زورا وبهتانا حكومة الثورة هى التى كانت تسعى للحصول على القرض .
ولكن هذه المواقف كانت بالقطاعى فلم يكن المجلس العسكرى حامى حمى الاستقلال ولم يكن الاخوان وكل قوى الثورة من حماة الاستقلال .. كان الطرفان تحت مظلة كامب ديفيد .
وعندما احتدم الخلاف قبل وبعد 30 يونيو كتب أحد صحفى السلطة كلاما مهما كاشفا .. عندما قال ان الانقسام كان فى أمريكا ، فكان البنتاجون مع 30 يونيو وكانت وزارة الخارجية الأمريكية مع معسكر الاخوان .. والبنتاجون أى وزارة الدفاع الأمريكية كان أقوى بالتأكيد .. وانحازت أمريكا فى النهاية لصالح 30 يونيو وتم رفع القيود عن تسليم السلاح .
لقد كنت فى علبة مغلقة .. ولم يكن كل حزب العمل معى فقد كان هناك قسم يرى إن خيارنا مع الاخوان مهما كانت الخلافات لأن الطرف الآخر أوحش .
لا أهدف الآن لفتح جراح ثورة يناير ولماذا فشلت ؟ رغم أننى أدعو لهذا الحوار دوما . وأرى أن السنوات ال13 الماضية كانت فرصة ذهبية للقيام بذلك فقد كنا إما فى السجون ولدينا متسع من الوقت أو محرومين من حرية العمل السياسى والحركة خارج السجون . وقد قمت بهذا الواجب منفردا ببعض المقالات وأصدرت كتابين عن تجربتى مع الحركة الوطنية والاسلامية .
ولكننى طرحت فى البث رقم 2 فكرة عدم منازعة السيسى على الحكم لإقامة الحجة على الطرفين .
أقول للرئيس السيسى وأنصاره الذين يقل عددهم كثيرا عما كانوا فى عام 2014 .. لن ننازعكم على الحكم إذا قمتم بتحرير مصر من الاحتلال الأمريكى والتطبيع وأنصفتم الفقراء وألتزمتم بالدستور الذى وضعتموه أنتم ووضعتم نسبة فى ميزانية الحكومة للصحة والتعليم لا تنفذ إطلاقا .. الخ . يمكن أن يكون بيننا عقد اجتماعى خفى أن تحققوا طموحات الشعب أو تسيروا على طريقها وأن نتغافل نحن عن التأكيد على فكرة تداول السلطة .. وليبقى المرشح ضد السيسى من مؤيدى السيسى كما حدث من قبل . ولكن الذى يحدث أن كل يوم يقوم حكم السيسى بالامعان فى الاستدانة والتبعية لأمريكا بل وللامارات – يا فضيحتك يامصر – .
لذلك فإن حكم السيسى يغلق على الاقتراح فهو لا يقوم بدور النظم القومية العربية ذات الابع الشمولى الذى حدث سابقا فى مصر والعراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن . بل يصر على العلاقة الخاصة مع أمريكا وحليف أمريكا الأساسى فى المنطقة.
ونسيت أن أقول له فى حوار الأمس أنك كلما تحدثت عن كامب ديفيد والسلام تتحدث باقتناع شديد وعمق وإحكام وبدون أى نص مكتوب ، وتكرر دوما أن تجربة السلام مع مصر ناجحة وأن مصر مصممة على تكرارها دون النظر لكل بحور الدم التى عبرت الحدود علينا من أرض العزة .
ولذلك فقد أدخلت تعديلا على الاقتراح بأن يتحول إلى رئيس : يملك ولا يحكم ، وهذا نوع من التقدير باعتباره ممثلا لمؤسسة القوات المسلحة التى نكن لها كل التقدير والاحترام . والرئيس مرسى هو الذى قدمه للشعب وزيرا للدفاع .
لا تهمنى التفاصيل الآن ولابد من إغلاق الصفحة
المبتلة بالدماء ونفتح صفحة جديدة . عملا بالموقف الشرعى الذى أصل له على بن أبى طالب والإمام الشافعى من بعده : أنه بعد اقتتال المسلمين فإذا حدث وقف لإطلاق النار فيتم العفو عن الجميع بغض النظر عمن قتل كم ؟ ومن قتل أكثر ؟ .
إن عودة البلاد إلى حالتها الطبيعية هو الجائزة الكبرى للجميع .. ما يهمنا الآن أن يخرج جميع سجناء الرأى الاخوان وغير الاخوان بدون أى استثناء .. بل إننى أطالب بالافراج عن مساجين فى قضايا عنف وقعت قبل ثورة يناير وقد ألتقيت بهم فى السجون وقد تجاوزوا فكرة العنف تماما .
وأن تجرى انتخابات حرة فى المواعيد المقررة فى الدستور ويمارس البرلمان الحر كامل صلاحياته . وأرجو أن يتم الافراج عن الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل حتى قبل موعد انتهاء الحكم وهو فى أوائل يوليو القادم .
فى النهاية الهدف الجوهرى من حديثى هو الدعوة لأن نحدد معا ماذا نريد مصر أن تكون ؟ فإذا اتفقنا تأكدوا أننا لن نختلف ولن نتشاجر حول من يحكم مصر بالانتخاب أم بالتراضى حتى تجرى الانتخابات وهى الأصل .
لقد اختلفنا حتى الموت لأننا لم نتفق حول ماذا نريد مصر أن تكون .
من فيكم يختلف حول أننا نريد مصر القوية .. مصر البناء والتنمية .. مصر العدالة .. والاستقلال والحرية والعودة إلى الحضارة التى صنعتها هى بنفسها وسبقت العالمين . من فينا يكره أن يرى مصر هكذا فى عليين أليس حب مصر كافيا كى يجمعنا معا . تحويل هذه المعانى الكبرى التى تبدو سديمية يمكن أن تتحول لبرنامج عملى نصوغه معا لضمان العدالة الاجتماعية والحرية والاستقلال والنهضة الحضارية والمساواة أمام القانون .
تأثرت كثيرا بمقولة فقيه اللغة العربية الفارسى سيبويه لأننى أراها تنطبق على حالنا فى مصر فى الآونة الأخيرة
“ وإلا فاعلموا .. أنا وأنتم بغاة ما بقينا فى شقاق “
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مجدى احمدحسين
