أذكر أنه في عام 2000 عندما كنت أنا وصديق لي في أحد متاجر بيع الكتب في مدينة حلب، وقعت أيدينا على كتاب يبشر بزوال إسرائيل في عام 2022م، وذلك بناء على مصفوفة عددية تؤكد بما لا يقبل الشك أو الجدال فيه أن هذا الكيان الغاصب سوف يسقط، كان الكتاب منتشرا في أغلب المكتبات وكما أن إرادة معينة تريد تسويقه وتعميمه، انتهينا أنا وصديقي إلى نتيجة بسيطة تفيد بأنه طالما هذه النبوءة الدينية مؤكدة كما يقولون فلماذا الخدمة الإلزامية العسكرية، وتكاليف التسليح والمجهود الحربي، وشعارات المقاومة الرنانة، وكل تلك التفاصيل التي أثقلت عيشنا؟!
مرت الأعوام على تلك النبوءة التي أثبتت عبثيتها على الدوام، ومع ذلك هناك من يصدقها حتى اللحظة، ولعل هذا ليس مجرد تفصيل عابر بل علامة دالة على بنية ذهنية أوسع من كتاب أو نبوءة أو وهم مؤقت. فنحن كسوريين نقف اليوم على هامش التاريخ الإنساني، لم يعد لنا أثر يذكر في الحضارة الإنسانية منذ زمن بعيد، إلا إذا استثنينا تصدير اللاجئين وأخبار العنف اليومي،. وتفيد تقارير التنمية البشرية العالمية و تقارير التنمية المستدامة الصادرة عن الأمم المتحدة بنتائج سلبية للغاية فيما يخص الدول العربية والإسلامية بما في ذلك سوريا، يحدث كل ذلك بينما نعيش حالة من العبث في انتظار البطل المخلص الذي سينتصر لهزائمنا الكثيرة ولقضايانا الخاسرة، ويعيد التوازن لميزان العدل الذي طالما اختل في هذه الجغرافيا السورية.
وحتى لو افترضنا جدلا بأن الأقدار رأفت بحالنا وأرسلت لنا هذا البطل الفذ، هل سيقدر على مواجهة دبابة ميركافا؟ هل سيصمد بمواجهة طائرات F35 ؟ هل يدرك حجم الآليات العسكرية التي تتحرك من خلال الذكاء الاصطناعي؟
ومن هنا تحديدا يمكن فهم أن انتظار المخلص ليس مجرد أوهام طارئة ناتجة عن أزماتنا الراهنة، بل هو فكرة أعمق وأكثر رسوخا من ذلك بكثير، فتحفل غالبية أدبياتنا السورية بانتظار هذا المخلص، لأن هذه الفكرة ليست عابرة في تراثنا، بل هي راسخة في وعينا الجمعي، وفي كل مرة تكون لهذا المخلص هوية مختلفة، ولكن المتفق عليه أنه سيأتي يوما ما ويضع حدا لمآسينا ويحولها إلى انتصارات. وقد حفلت الحكايات الشعبية والمخيال الديني بظهور البطل في اللحظة الأخيرة ليقلب المعادلة وينتصر نيابة عنا جميعا. فمنذ القدم والأساطير المحلية تحفل بانتظار هذا البطل، تجلى ذلك في شخصيات كثيرة حتى صارت جزء أساسيا من العقائد الدينية كالمهدي المنتظر وغيره.
ولم تتوقف هذه الذهنية عند حدود الحكاية الشعبية أو الموروث الديني، بل وجدت طريقها إلى الفكر السياسي العربي الحديث. فقد حفلت الأدبيات السياسية العربية إبان فكر النهضة في القرن التاسع عشر بالتنظير لفكرة المستبد العادل، كانت كتابات العديد من المفكرين العرب وفي مقدمتهم محمد عبده مشغولة بهذه الشخصية المتخيلة والتي ستضع حدا لمآسينا وتغير التاريخ في المنطقة بعد أن تعالج مكامن الخلل وتفرض الإصلاح من فوق.
وهكذا تتعدد الأسماء والصور لكن البنية النفسية والفكرية تكاد تكون متطابقة، نحن ننتظر المهدي، أو القائد المستبد والعادل والملهم، أو البطل الذي سيحمل نيابة عنا أعباء الفعل، وبينما ننتظر تتراكم الهزائم الكبيرة وتتعمق الانقسامات والأزمات. ونغفل عن التفكير المنطقي الذي يقول ببساطة بأن هذا البطل غير موجود.
وحتى لو افترضنا جدلا بأن الأقدار رأفت بحالنا وأرسلت لنا هذا البطل الفذ، هل سيقدر على مواجهة دبابة ميركافا؟ هل سيصمد بمواجهة طائرات F35 ؟ هل يدرك حجم الآليات العسكرية التي تتحرك من خلال الذكاء الاصطناعي؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يهدف إلى السخرية بقدر ما يهدف إلى رد الفكرة إلى امتحان الواقع، لأن الواقع نفسه صار أكثر تعقيدا وقسوة بكثير من أن يتمكن فرد بمواجهته مهما علا شأنه أو تضخمت صورته في الخيال.
لهذا السبب تحديدا لم يعد زمننا زمن الأبطال الفرديين، فهذه الحكاية لا تصلح حتى كقصة للأطفال قبل النوم لأنها ترسخ الوهم عوضا عن الواقع، وتقدم الزيف على حساب الحقيقة، وتجعل العالم المتخيل للطفل قائما على منطق العبث. ومن هنا أيضا تبدو الإحالة إلى الأدب ذات معنى عميق، ففي مسرحية “في انتظار جودو” لصموئيل بيكيت، يجسد البطلان حالة مشبعة بالعبث من خلال انتظار جودو، ولكن الانتظار يطول، والزمن يتلاشى، ومع ذلك لا يتوقفان عن الانتظار، إلى أن يتحول الانتظار نفسه إلى سلوك عبثي كامل. لا نريد لأجيالنا القادمة أن تعيش مثل هذه الحالة أو أن ترث هذا العجز في صورة أمل كاذب.
علينا أن ندخل هذا العصر أولا، وأن نشخص واقعنا بشكل دقيق، وأن نمارس أعلى درجات النقد والتفكيك، وأن نضع الخطط الدقيقة، والعمل على تنفيذها بتأن وصبر، وألا يتم القبول بعد اليوم بشيء اسمه البطل المنتظر.
وفي مقابل هذه الذهنية، تبدو صورة العالم الحديث مختلفة كليا، فالمجتمعات في عصرنا الراهن لا تنتظر بطلا، ولا تعيش على أوهام الخلاص من خلال انتظار شخصية منقذة، المجتمعات الناجحة قامت ببناء المؤسسات، وراهنت على المنظومات التي تؤطر المجتمع وقدراته، لا تؤجل الفعل إلى حين ظهور المخلص، بل تبدأ من الواقع نفسه ومن حاجاته ومن أدواته المتاحة، لقد بدأت بالفعل ولهذا تقدمت ونجحت.
أما نحن كسوريين وفي ظل تآكلنا البطيء وانهيار البنى الاجتماعية، فما زلنا نؤجل الفعل، ونؤجل مواجهة التحديات ونؤجل تحمل المسؤوليات، ونواري ضعفنا خلف أفكار خلاصية مريحة تقول لنا إن البطل المنتظر سوف يأتي. “ولن يأت”.
وأعتقد أن ذهنية البطل المخلص وتكرارها في تراثنا واستمرارها في واقعنا تنطوي على فكرتين أساسيتين، الأولى هي الانتشار الواسع والمستمر للمظالم وفقدان الأمل بالراهن، حتى يأمل الإنسان بوجود المخلص الذي ينصر الضعيف ويقيم العدل، أما الثانية فهي مدى رسوخ مشاعر العجز والهزيمة وما ينتج عنها من عبث وما يؤدي إليه هذا العبث بدوره من غياب التفكير المنطقي في التعامل مع الأزمات. ومن هنا يصبح الخيار الحقيقي هو مواجهة الواقع كما هو، دون أوهام، ودون شعارات، ودون نبوءات تبيع الوهم. فإذا كنا نريد تحقيق العدل، والرفاه، واستعادة الحقوق والانتصار،
فعلينا أن ندخل هذا العصر أولا، وأن نشخص واقعنا بشكل دقيق، وأن نمارس أعلى درجات النقد والتفكيك، وأن نضع الخطط الدقيقة، والعمل على تنفيذها بتأن وصبر، وألا يتم القبول بعد اليوم بشيء اسمه البطل المنتظر.
